السعودية تؤسس لقفزة في الصناعة المصرفية باعتماد البنوك الرقمية

مختصون لـ«الشرق الأوسط» : المملكة مهيأة ببنية تشريعية وتقنية متكاملة لاستقبال البيئة الافتراضية في القطاع المالي

السعودية ترخص لمصرفين رقميين تعزيزاً لبنية تكامل القطاع المالي التقني (الشرق الأوسط)
السعودية ترخص لمصرفين رقميين تعزيزاً لبنية تكامل القطاع المالي التقني (الشرق الأوسط)
TT

السعودية تؤسس لقفزة في الصناعة المصرفية باعتماد البنوك الرقمية

السعودية ترخص لمصرفين رقميين تعزيزاً لبنية تكامل القطاع المالي التقني (الشرق الأوسط)
السعودية ترخص لمصرفين رقميين تعزيزاً لبنية تكامل القطاع المالي التقني (الشرق الأوسط)

استمراراً لتطلعات السعودية في تطوير القطاع المالي، وافق مجلس الوزراء السعودي في جلسته أول من أمس الثلاثاء برئاسة خادم الحرمين الشريفين على قيام وزير المالية بإصدار الترخيص اللازم لكل من بنك «إس تي سي»، تحت التأسيس، برأسمال 2.5 مليار ريال (666 مليون دولار) والبنك السعودي الرقمي، تحت التأسيس، برأسمال 1.5 مليار ريال (400 مليون دولار)، ليؤكد مختصون لـ«الشرق الأوسط»، أن المستفيد من وجود المصارف الافتراضية اقتصاد الدولة والقطاع العام والخاص، لافتين إلى أن السعودية تستعد للمستقبل بتطوير القطاع المالي المدعوم بتشريعات وبنية تحتية في المجال التقني.
وأوضح، أمس، وزير المالية السعودي رئيس برنامج تطوير القطاع المالي محمد الجدعان، أن موافقة المجلس تُجسد حرص القيادة على مواكبة التطور المتسارع في «التقنية المالية» وتمكين المملكة لتكون ضمن أكبر المراكز المالية في العالم من خلال دعمها الكامل لبرنامج تطوير القطاع المالي أحد أبرز برامج تحقيق «رؤية المملكة 2030» الهادفة إلى مواكبة التطورات العالمية، وتحقيق قفزات نوعية في مجال الخدمات المالية تتواكب مع التطور المتواصل في الأعمال والخدمات بالمملكة.
وأشار إلى أن برنامج تطوير القطاع المالي عمل على وضع استراتيجية للقطاع خلال الفترة من 2021 إلى 2025 تتضمن عدداً من المبادرات الخاصة بالتقنية المالية التي من شأنها تطوير القطاع وتدعم تنمية الاقتصاد الوطني وتنويع مصادر دخله.

تفاعل حكومي
وتفاعلت الجهات الحكومية على الموافقة بتأسيس البنوك الرقمية، حيث ذكر وزير الاستثمار السعودي المهندس خالد الفالح، أن موافقة مجلس الوزراء على الترخيص لمصرفين محليين رقميين تعزز مساعي برنامج تطوير القطاع المالي لإرساء بنية تحتية رقمية أكثر كفاءة وتقديم خدمات نوعية بقنوات متعددة لعملاء المؤسسات المالية وتدعم تنمية الاقتصاد الوطني وتحفز الاستثمار.
من جانبه، قال محافظ البنك المركزي السعودي الدكتور فهد المبارك إنه بصدور موافقة مجلس الوزراء سيعمل البنك على استكمال المتطلبات الفنية والتشغيلية اللازمة لبدء ممارسة البنكين أعمالهما بالمملكة، مؤكداً في هذا الصدد أن البنوك الرقمية ستخضع لجميع متطلبات الإشراف والرقابة المطبقة على المنشآت العاملة في الوقت الحالي، والتأكيد على الجوانب التقنية والأمن السيبراني ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والمخاطر التشغيلية.
ولفت المبارك، إلى أن البنوك الرقمية ستقدم منتجات وخدمات مالية وبشكل حصري عن طريق القنوات الرقمية عبر نموذج عمل مصرفي مبتكر للقطاعات مما يسهم في ارتفاع الشمول المالي، حيث تهدف إلى مواكبة آخر التطورات في القطاع المالي والتقني العالمي.

مجموعة الاتصالات
من ناحيته، أكد الأمير محمد بن خالد العبد الله الفيصل، رئيس مجلس إدارة مجموعة الاتصالات السعودية stc، وهي كبرى شركات الاتصالات في السعودية والمنطقة، أن تحويل شركة المدفوعات الرقمية السعودية stc pay إلى بنك رقمي يعكس التزام الشركة بأداء دور محوري في التحول الرقمي والتمكين الرقمي للقطاعين الحكومي والخاص بالتوائم مع الأهداف الطموحة لـ«رؤية المملكة 2030» نحو اقتصاد مزدهر ومتنوع.
من جهة أخرى، أوضح المهندس عليان الوتيد الرئيس التنفيذي للمجموعة، أن البنك الرقمي المزمع يعكس الالتزام باستراتيجيتها «تجرأ» للنمو في مسارات جديدة غير تقليدية والتحول الرقمي، وأن هذه الخطوة امتداد للنجاحات التي سجلتها الشركة في مدة قصيرة.

الخدمات المصرفية
من ناحية أخرى، أكد أستاذ الاقتصاد في جامعة جدة الدكتور سالم باعجاجة لـ«الشرق الأوسط»، أن إنشاء بنكين رقميين يأتي في إطار تطوير منظومة القطاع المالي والمساهمة في دعم وتنمية الاقتصاد الوطني من خلال فتح المجال أمام شركات جديدة لتقديم الخدمات المالية.
وواصل باعجاجة، أن أهمية وجود بنوك رقمية في السعودية تواكب العالم في الارتقاء بالخدمات المصرفية إلى مستوى الدول المتقدمة وخاصة مع التطور التكنولوجي وما يتبعه من مميزات توفيراً للوقت والجهد والتكلفة، مبيناً أن البنية التحتية جاهزة، حيث صنف الاتحاد الدولي للاتصالات المملكة في أعلى مستويات مؤشر النضج التنظيمي الرقمي عقب نجاحها في بناء إطار مستدام ومتجانس لتكون في المرتبة الأولى في الشرق الأوسط وأفريقيا.
من جانب آخر، أبان الخبير الاقتصادي أحمد الشهري لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك اتجاها عالميا نحو الاقتصاد الافتراضي في جميع المجالات وفي هذا السياق الافتراضي يظهر جيل جديد من البنوك الرقمية والتي تمتلك أصولا دون أن يكون لها فروع، وهذا يتوافق مع التحولات والتغيرات الكبرى التي تطال الاقتصاد حاليا، ولعل أهمية وجود مصارف افتراضية ليست إلا أحد الممكنات لخدمة الأعمال المماثلة والاندماج في الاقتصاد الرقمي الذي يجتاح العالم لا سيما أن أزمة (كوفيد - ١٩) عززت العمل عن بعد والتسوق الإلكتروني وكذلك التحويل المالي.

البنية التحتية
وتابع الشهري، أن المملكة اليوم تستعد للمستقبل من خلال بنوك رقمية ومنصات بنكية للمؤسسات المالية العادية وجميعها من أجل تطوير القطاع المالي المدعوم بتشريعات وبنية تحتية في المجال التقني تمكنها من النجاح بسهولة، بالإضافة إلى قوة وسلامة النظام في الأمن التقني أو ما يعرف بالسيبراني، والسماح بإنشاء بنوك رقمية يجعل المنافسة أفضل بين المصارف ويزيد من ميزانيات التقنية والاستثمار فيها لمواجهة التحدي القادم.
وزاد الخبير الاقتصادي، أن المستفيد الأكبر من تطور النظام المالي عبر تنوع هياكل البنوك ما بين افتراضية وواقعية هو الاقتصاد السعودي بجميع قطاعاته، وبما في ذلك المستهلك للخدمات المالية سواء من الأفراد أو الشركات، مؤكداً أن البنية التحتية للاتصالات في المملكة جاهزة لأي ترقية تقنية لقطاعات البلاد الاقتصادية.

المصرفية المفتوحة
وفي إطار السعي إلى تعزيز جاهزية البنية التحتية التقنية للقطاع المالي، كان البنك المركزي السعودي (ساما) أصدر سياسة المصرفية المفتوحة» العام الماضي والتي تمكن العملاء من إدارة حساباتهم ومشاركة البيانات بشكل آمن، حيث سيتاح للعملاء السماح للطرف الثالث من مزودي الخدمات بما في ذلك البنوك المحلية وشركات التقنية المالية بالوصول إلى المعلومات الخاصة به من خلال موافقة العميل الصريحة لذلك، كما أن البنك يعمل بشكل مستمر على تنمية وتطوير ودعم القطاع المصرفي من خلال الابتكار وإيجاد الفرص لشركات التقنية المالية ومواكبة ذلك بالتشريعات والمحافظة على مكتسبات الدولة في المحافظة على الاستقرار الاقتصادي ومتانة القطاع المالي.


مقالات ذات صلة

السعودية تعزز «كفاءة المياه» باستثمارات تتجاوز 26.7 مليار دولار منذ 2018

خاص محطة تحلية الشعيبة (الهيئة السعودية للمياه)

السعودية تعزز «كفاءة المياه» باستثمارات تتجاوز 26.7 مليار دولار منذ 2018

ترتكز «الاستراتيجية الوطنية للمياه» في السعودية على تعزيز كفاءة القطاع واستدامته، عبر توسيع دور القطاع الخاص بوصفه أحد المحركات الرئيسة لرفع كفاءة الإنفاق.

دانه الدريس (الرياض)
الاقتصاد الجدعان مشاركاً في اجتماعات الخريف (أ.ف.ب)

الجدعان: «اجتماعات الربيع» تناقش آفاق الاقتصاد العالمي في ظل التطورات الجيوسياسية

أكد وزير المالية السعودي محمد الجدعان أن اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين تمثل منصة مهمة لمناقشة آفاق الاقتصاد العالمي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد وزير الطاقة السعودي ملتقياً رئيس المكتب الرئاسي في كوريا الجنوبية (وزارة الطاقة)

وزير الطاقة السعودي يبحث مع مسؤول كوري تعزيز استقرار الإمدادات

التقى وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، في الرياض، يوم الأحد، رئيس المكتب الرئاسي في كوريا الجنوبية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الجدعان مترئساً اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية في الصندوق خلال اجتماعات الخريف (صندوق النقد)

وزير المالية السعودي يرأس وفد المملكة في «اجتماعات الربيع» بواشنطن

يترأس وزير المالية السعودي محمد الجدعان وفد المملكة المشارك في اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد موظفان في «أرامكو» يقومان بأعمالهما في أحد مرافق الشركة (أرامكو)

التعافي السريع للمرافق النفطية يكرّس موثوقية السعودية مورداً عالمياً للطاقة

برهنت السعودية على جاهزية استثنائية وسرعة استجابة عالية في احتواء تداعيات الأزمة الأخيرة جرّاء الهجمات التي تعرضت لها بعض مرافقها النفطية.

بندر مسلم (الرياض)

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.