«لبنان بين الأمس والغد» كما يراه نوّاف سلام

الطائفية جذورها تاريخية والتخلص منها شرط لقيام الدولة

نواف سلام
نواف سلام
TT

«لبنان بين الأمس والغد» كما يراه نوّاف سلام

نواف سلام
نواف سلام

كتاب نوّاف سلام «لبنان بين الأمس والغد»، الصادر حديثاً بنسختين: إحداهما بالعربية عن «دار شرق الكتاب» في بيروت، وأخرى بالفرنسية عن «أكت سود» في باريس، هو مجموعة دراسات كتبت ونشرت سابقاً (متفرقة) بالإنجليزية أو الفرنسية على مدى ربع القرن الماضي. وهي في مجملها ترسم رؤية متكاملة للوضع اللبناني منذ التكوين الأول لهذه البقعة الصغيرة من الأرض إلى اليوم. ونواف سلام -حالياً- قاض في محكمة العدل الدولية في لاهاي، وكان سفير لبنان لدى الأمم المتحدة، وطرح اسمه لتولي رئاسة الحكومة أكثر من مرة في السنة الأخيرة.
ويعود المؤلف في كتابه الجديد إلى القرن الرابع الميلادي، حيث يمر بمراحل التشكيل الديموغرافي والتحولات الدينية، ويتحدث عن أهمية المرحلة العثمانية، ومن ثم تشكل لبنان الحديث، وفي مركز الاهتمام مدى تجذر الطائفية، وتحول معانيها ووظائفها، وما تمثله في الزمن الراهن. فالطائفية في رأيه «لا تزال تمنع قيام دولة فعلية، بما يفترضه ذلك من قدرة على بسط سيادتها في الداخل، كما في الخارج». ولا يساوره شك في أن لبنان «يمر بإحدى أخطر مراحل تاريخه المعاصر»، وهذا ما يتطلب «التصدي للجذور العميقة للأزمة» بمختلف تفرعاتها.
الكتاب، إذن، ليس قراءة للأزمة الحالية، كما يمكن أن يتخيل بعضهم، إنما هو أقرب إلى الأكاديمية منه إلى التحليل السياسي السريع. ولإرضاء فضول القارئ الذي غالباً ما يميل إلى الطازج قدم الكاتب للدراسات الثماني التي يتكون منها الكتاب بصفحات يشرح من خلالها فكرته، وتسلسل المسار الذي يطرحه، كما يشير إلى تحديثات لجأ إليها في عدة مواضع. ولربما أن المقولة التي اختارها لأنطونيو غرامشي في أول الكتاب هي مؤشر على المكان الذي يرى سلام لبنان محشوراً فيها: «تكمن الأزمة تحديداً في أن القديم يحتضر، بينما الجديد لا يستطيع أن يُولد بعد. وفترة الالتباس هذه بين العتمة والنور، تظهر شتى أنواع الأمراض».
ما يفعله سلام من خلال الكتاب، إضافة إلى الإحاطة التاريخية، في الوضع اللبناني هو طرح رؤيته الإصلاحية التي تشبه إلى حد كبير غالبية ما يطالب به اللبنانيون، لكن تبقى المشكلة في التطبيق، وفي العثور على الأشخاص الذين بمقدورهم المضي في تطبيق ما هو مطلوب للنجاة.
إن «الجمهورية الثالثة» في لبنان، كما يقول، يفترض أن «تقوم على مبدأ المواطنة الجامعة وسيادة القانون، وعلى دولة مدنية ترتكز على قيم العدالة والمساواة والحرية واستقلالية القضاء، بدلاً من الطائفية والمحاصصة». وفي القسم الأول المخصص للإصلاحات المطلوبة، يشرح كيف أن الطائفية تجذرت بفعل الحرب الأهلية عام 1975، واستفحل الأمر بعد اتفاق الطائف عام 1989، لا بسبب الاتفاق نفسه بل بسبب سوء التطبيق أو تجاهل أحكام كان يمكنها أن تصحح الاختلالات، إضافة إلى ضرورة سد الثغرات التي يعاني منها.
فهو مع الانتقال إلى مجلسين: مجلس للنواب ومجلس للشيوخ، كما نص اتفاق الطائف؛ يؤمن الثاني التمثيل العادل للطوائف، في حين يؤمن مجلس النواب المشاركة «المواطنية» غير الطائفية. وسلام أيضاً مع تطبيق «اللامركزية الإدارية الموسعة» شرط ألا تتعدى الجانب الإداري فتنحو صوب الفيدرالية. ومن الإصلاحات التي يدعو إليها، وباتت موضع إجماع الشعب اللبناني، إصلاح قانون الانتخاب، كما أنه مع سياسة «النأي بالنفس» التي كثر الكلام عنها في الآونة الأخيرة.
وبالعودة إلى الطائفية التي تشغل سلام، ويعود إليها في كل دراسة، يرى أن ما يحركها لم يعد المعتقد الديني الذي تأسست عليه، وإنما أضحت نوعاً من العصبية بحسب النموذج القبلي الذي يتحدث عنه ابن خلدون في مقدمته.
فبعد توقف الحرب الأهلية، وبدل أن يخفت وهج الطائفية بفعل ما تسببت به من كوارث، برز ميل إلى تجذيرها اجتماعياً، إذ إن «عامل العبادة» أو التعلق بمضمون العقيدة الدينية لم يعد هو ما يحرك أصحاب الطائفة الواحدة، إنما تحولت إلى نوع من «النسب» أو «التوهم به» لشد أزر الجماعة الواحدة. بدليل أنه قبل الحرب الأهلية عام 1975، أجريت دراسة في لبنان بينت أن نسبة الأشخاص الذين يرتادون دور العبادة ممن تقل أعمارهم عن 30 سنة تتراوح بين 2 و5 في المائة، مما يؤكد أن الطوائف تخضع العنصر الديني الذي كان أساس نشأتها لأهداف زمنية ومصالح سياسية لبسط هيمنتها.
الدراسات الثماني قسمت على 3 فصول. في الفصل الأول «أصول المسألة اللبنانية» عودة إلى مسار تشكل الطوائف، وتطور دورها الاجتماعي والسياسي، من «جماعات أمر واقع» وجدت على هذه الأرض وتعايشت، مروراً بمرحلة استغلالها من قبل القوى الكبرى لإضعاف الحكم العثماني، دون إهمال الدور الذي لعبته المؤسسات الدينية لتنظيم الأطر الاجتماعية. وفي هذا القسم دراسة تحت عنوان «المواطن المكبل»، يتحدث فيه سلام عن منطقين يتعيشان في لبنان بتوتر، وهما المنطق الطائفي والمنطق الفردي. منطقان لا يلغي أحدهما الآخر، على ما يبدو بينهما من تناقض ظاهري. وإذا كان المنطق الطائفي مفهوماً، فهو يعود لشرح المنطق الفردي إلى ميشال شيحا وكتاب آخرين من أصحاب التيار «اللبنانوي» الذين غلبوا قيمة الحرية الفردية، كما أهمية التعليم الذي انتشر باكراً على الأراضي اللبنانية، وما حمله المهاجرون من قيم الانفتاح. ويخلص إلى أن التعايش بين المنطقين سهل ممكن، لكن المشكلة هي في الدولة التي رجحت حقوق الطوائف على حساب حقوق الأفراد «لأن إشكالية المواطنة في لبنان لا تكمن في غياب الفرد -كما يقال- بل في غياب الاعتراف السياسي الكامل بهذا الفرد».
حين أعلن الجنرال الفرنسي غورو لبنان الكبير عام 1920، حيث اعتمدت صيغة ضم المدن الساحلية بيروت وصيدا وطرابلس إلى المتصرفيتين، وكذلك الأقضية الأربعة التابعة لولاية الشام، وهي بعلبك والمعلقة وراشيا وحاصبيا، كان ذلك برغبة من القيادات السياسية والدينية للطائفة المارونية، وانخفض بالتالي عدد المسيحيين من 80 في المائة إلى 51 في المائة، بحيث لم يعد الموارنة يشكلون سوى 30 في المائة. هذا الكيان الجديد قضى على حلم المسلمين، وشركاء لهم من الروم الأرثوذوكس، بالانضمام إلى المملكة العربية التي دغدغ بها الملك فيصل عواطفهم. المشكلة بدأت باكراً، إذ وجد المسلمون صعوبة في التماهي مع حلم القومية اللبنانية أو التيار اللبنانوي. فالهدف من قيام لبنان لم يكن التوازن، كما تقول إليزابيث بيكار، وإنما الغرض هو أن يكون «وطناً للمسيحيين»، على الرغم من أن نصف السكان ليسوا كذلك.
وعام 1943، ومن خلال «الميثاق الوطني»، قبل المسيحيون بوجه عربي للبنان، وتخلى المسلمون عن فكرة الوحدة مع سوريا. ومع الوقت، انخرط المسلمون في فكرة الدولة اللبنانية، لكن طبيعة هذه الدولة وهويتها ظلتا مسألتين خلافيتين. وإن نجح اتفاق الطائف بعد معارك الحرب الأهلية المدمرة في إيقاف دورة العنف، وإعادة تعريف الهوية والكيان، فإن الأزمة بقيت نفسها. فالدولة كما يقول سلام «لا يمكن أن تكون جديرة بهذه التسمية إلا عندما تنجح في فرض استقلاليتها عن الطوائف المختلفة، وتكوين حيز خاص بها».
القسم الثاني من الكتاب مخصص «للحرب والسلم»، وفيه دراسة عن «جذور الحرب ومساراتها (1975-1990)»، حيث قراءة في الثغرات الداخلية والتدخلات الخارجية التي أججت الحرب الأهلية، وعملت على تقوية جذوتها عندما كانت تخمد. هذه الصفحات تدخل في تفاصيل حول النظام السياسي، والهشاشة الاقتصادية والزراعية، لكن ربما أن العبارات التي استعارها سلام من ثيودور هانف تختصر جيداً ما يريد أن يقوله: «في معظم مراحلها، ظلت الحرب الأهلية ظاهرة ثانوية للحرب بالوكالة على فلسطين، لكنها هيأت الأرضية لتغييرات ضخمة في النظام السياسي اللبناني». وثمة في هذا القسم الثاني من الكتاب ما يقارب 20 صفحة خصصت لـ«اتفاق الطائف أو السلام الهش» الذي نتج عنه. فإذا كانت الحرب الأهلية استمرت سنوات نتيجة الجدلية القائمة بين سعي الزعماء اللبنانيين إلى دعم خارجي لتعزيز مواقعهم في وجه خصومهم المحليين، واستغلال اللاعبين الخارجيين للانقسامات الداخلية لتعزيز نفوذهم الإقليمي، فإن اتفاق الطائف حصل بعد أن أيقن الخصوم اللبنانيون أن أحداً منهم غير قادر على تحقيق انتصار وقد أنهكتهم الحرب. أسباب كثيرة يدرجها الكاتب أدت إلى إيقاف الحرب، كما أنه يقدم قراءة طويلة لاتفاق الطائف، وما كان له من انعكاسات، فهو لم يتمكن من الحد من التدخلات الخارجية والارتهان للآخرين، وأبقى البلاد على توازنات هشة. بالخلاصة «فإن إعادة اتفاق الطائف إلى مساره الصحيح فقط أضحى أمراً شبه مستحيل. وما بات مطلوباً اليوم هو معالجة اختلالات الطائف وتطويره».
وفي القسم الثالث (الأخير)، المعنون بـ«نحو الجمهورية الثالثة»، فإن الخطوة الأولى نحو بلوغ هذه الهدف بالنسبة لنواف سلام هي البحث عن «مدخل إلى تجاوز الطائفية السياسية». ولم يستخدم سلام في عنوان بحثه كلمة إلغاء التي شاعت بين محتجي 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، فالواقعية تقتضي النظر إلى صعوبة هذا الأمر في الوقت الراهن، خاصة أن الكاتب يتحدث عن شيء من النفاق أو المداراة، وأحياناً استخدام تكتيكات من جهة أطراف سياسية تدعي رغبتها في تخطي النظام الطائفي، فيما المضمر غير ذلك. وفي رأي سلام أن إلغاء الطائفية السياسية يحتاج إلى ظهور قوى اجتماعية جديدة، وتشكيلات حديثة ذات طابع وطني غير طائفي. ولا بد من التدرج في العودة إلى الدستور. أما النقطة الثانية التي يطرحها الكتاب للنجاح في الدخول إلى الجمهورية الثالثة، فوضع نظام انتخابي عادل، يتمثل من خلاله اللبنانيون، عاقداً مقارنات بين النظام الأكثري الذي كان متبعاً والنظام النسبي الذي وضع عام 2017، مظهراً ثغراته، ومن ثم النظام المركب الذي يجمع بين الأكثري والنسبي، ويمكن أن يكون صالحاً لتطبيقه في لبنان. لكن في كل الأحوال، أياً يكن النظام الانتخابي، فإن بقاء النساء من دون «كوتا» تفرض وجودهم، والشباب الذين لا يحق لهم الاقتراع عند بلوغ الثامنة عشرة، وكذلك حرمان المقترع من حق الانتخاب في مكان إقامته، وضعف ضوابط الدعايات الانتخابية، وعدم القدرة على ضبط سقوف الإنفاق؛ كلها من مكدرات العبور صوب الديمقراطية الحقة.
الكتاب في مجمله يحاول وضع تصور إصلاحي لدولة تتخلص من مرض الطائفية تدريجياً، وتبسط سيادتها على أراضيها، وتتعامل مع أفرادها بصفتهم مواطنين متساوين في الحقوق.


مقالات ذات صلة

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

كتب المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

ليست المفاوضات مهارة يتقنها المديرون التنفيذيون بينما يعقدون صفقاتهم فحسب، ولا هي ممارسة غامضة حكراً على الدبلوماسيين في أروقة الأمم المتحدة.

ندى حطيط
كتب وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

في عهد قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وعضده الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء،

فيصل بن عبد الرحمن بن معمر
كتب باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

أنجز باحث سعودي دراسة علمية ضمّنها في كتاب صدر حديثاً عن تقنية بصمة الدماغ، في إطار يجمع بين علوم السمات الحيوية والعلوم العصبية المعرفية،

بدر الخريف (الرياض)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية
TT

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

ليست المفاوضات مهارة يتقنها المديرون التنفيذيون بينما يعقدون صفقاتهم فحسب، ولا هي ممارسة غامضة حكراً على الدبلوماسيين في أروقة الأمم المتحدة. إنها، في جوهرها، الفعل الإنساني الأقدم الذي رافق وجودنا على هذا الكوكب منذ اللحظة التي أدرك فيها أول كائنين من نوعنا أن البقاء يمكن تحققه بغير الصراع حتى الموت، عبر التفاوض على الموارد، والمساحات، والسلام.

تشتق كلمة مفاوضات باللغة الإنجليزية (Negotiation) من الجذر اللاتيني «Negare Otium»، التي تعني حرفياً «نفي الراحة» أو «حرمان النفس من الفراغ». وهذا التعريف اللغوي يختصر حكاية تاريخنا البشري: المفاوضات هي ضريبة العيش المشترك: عملية ذهنية شاقة تتطلب التخلي عن «الراحة» (التي قد تعني التمسك بالرأي أو الغريزة) للوصول إلى أرضية مشتركة.

لكن لماذا نتفاوض أصلاً؟ يجادل عالم الاجتماع جوناثان غودمان Jonathan Goodman في كتابه «منافسون خفيون Invisible Rivals: How We Evolved to Compete in a Cooperative World» بأننا لسنا «ملائكة» متعاونين بالفطرة، ولا «أشراراً» أنانيين بطبعنا. نحن ببساطة كائنات «تنتظر الفرصة». هذه «الفرصة» لاقتناص مكسبٍ دون تكلفة هي المحرك الخفي لكل صراعاتنا وتوافقاتنا. ومن هنا، فإن تاريخ المفاوضات هو في الحقيقة تاريخ محاولتنا المستمرة للسيطرة على هذه النزعة الانتهازية، والمقايضة تكون بذلك أول اختبار لترويض الغريزة.

في العصور السحيقة، لم يكن ثمة «مفاوض» محترف، بل بشر يطمحون للنجاة. حين بادل الإنسان الأول قطعة لحمٍ بحفنة من الحبوب، لم يكن يقوم بعملية اقتصادية فحسب، بل يُجري أول تجربة في «نظرية الألعاب» لحساب احتمالات الربح والخسارة. يرى روبرت أكسلرود Robert Axelrod في كتابه «تطور التعاون» (The Evolution of Cooperation)، أن تلك المبادلات الأولى كانت ضروريةً لإنشاء ما نسميه «المعاملة بالمثل». لقد تحتمّ على البشر إدراك أن التعاون هو الاستراتيجية الأكثر نجاحاً في الأمد الطويل، ليس بوصفنا «خيّرين بالفطرة»، بل لأن «الدماغ الاجتماعي» لدينا تطور ليقدّر: هل الطرف الآخر شريك يمكن الوثوق به، أم هو منافس خفي يترقب الفرصة للغدر بنا؟

ومع تطور المجتمعات، تحولت هذه المقايضات من التلقائية إلى هياكل مؤسسية (قوانين، عقود، أعراف). في بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة، كانت العقود محاولة لتسييج «القيمة»؛ أي لمنع الأفراد من استغلال بعضهم البعض، ونقل المجتمع من منطق الغابة إلى قانون العقد.

تطور الأمر وصولاً إلى «صلح وستفاليا» في القرن السابع عشر، الذي وضع القواعد الأساسية للدبلوماسية الحديثة. منذئذ، أصبحت المفاوضات هي اللغة الوحيدة المعترف بها بين الدول، وغدا التنازل المتبادل هو الثمن الذي تدفعه الدول لتجنب الحروب الشاملة. إن تاريخ العالم هو فعلياً تاريخ للاتفاقات التي تم التوصل إليها، والحروب التي اندلعت حين فشلت هذه المفاوضات.

بيد أن هذه الهياكل ليست حصينة دائماً. فحين تنهار الثقة أو تتفاقم الطموحات بالربح، تنكشف هشاشة تلك القواعد، ويعلو صوت القوة فوق الحق. وعلى المسرح الجيوسياسي، تتخذ تمظهرات أكثر تعقيداً. خذ على سبيل المثال التوترات الأحدث بين الولايات المتحدة وإيران عندما لا تقتصر المفاوضات على الطاولة المستديرة في إسلام آباد؛ بل تتجاوزها لتشمل العقوبات الاقتصادية، والتحركات العسكرية، والرسائل المبطنة، والدبلوماسية الخلفية. وفي هذه البيئات، لا نلجأ فقط إلى العقلانية الاقتصادية، بل ندخل في متاهات علم النفس السياسي، حيث تُستخدم استراتيجيات قد تبدو غير منطقية لتحقيق مكاسب استراتيجية.

في خضم هذا الصراع الجيوسياسي، استعادت الصحف مصطلحاً تاريخياً مثيراً للجدل: «نظرية الرجل المجنون» (Madman Theory) في المفاوضات التي صاغها الحائز على جائزة نوبل توماس شيلينغ Thomas Schelling في كتابه «استراتيجية الصراع» (The Strategy of Conflict). وتقوم النظرية - التي اشتهرت في عهد الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ومستشاره هنري كيسنجر خلال الحرب الباردة - على فكرة أن يقوم المفاوض بتبني سلوك يبدو «غير عقلاني» تجاه الخصم، لإقناعه بأن لديه استعداداً للذهاب إلى أقصى الحدود، حتى لو أدى ذلك إلى كارثة.

الهدف من هذا الجنون الموجه إخافة الخصم ليدفعه إلى التنازل طواعية دون الحاجة لخوض مواجهة مباشرة. ولكن في عالمنا المعاصر، ومع التداخل الكبير في شبكات المصالح العالمية، أصبحت هذه الاستراتيجية سلاحاً ذا حدين. فالمفاوضات اليوم تتطلب «بناء الثقة» أكثر من «بناء الرعب»، إذ إن التمادي في تكتيكات «الرجل المجنون» قد يؤدي إلى نتائج عكسية، فيفقد الأطراف القدرة على تقدير النوايا، ما يقود إلى سوء التقدير الذي لا تحمد عقباه. هل لا يزال هذا النهج صالحاً اليوم؟ ربما في التكتيكات قصيرة الأمد، لكنه بالتأكيد لا يبني استقراراً طويل الأمد.

وإذا كان أكسلرود يرى في المفاوضات أداة لتثبيت التعاون، فإن شيلينغ يرينا جانبها المظلم، حيث تُستخدم «الفرصة» (فرصة إخافة الآخر) لقلب الطاولة. هذا الانتقال من التعاون إلى الترهيب يعكس التحدي الدائم في عالمنا: كيف نحمي أنفسنا من «المنافس الخفي» الذي قد يستغل غياب القواعد لفرض إرادته؟

بسبب هذا التذبذب التاريخي بين التعاون والصدام، سعت مدارس الفكر الحديث لتقديم نهج بديل. الكتاب الأكثر تأثيراً في هذا المجال، «الوصول إلى نعم» (Getting to Yes) للباحثين في مشروع هارفارد للمفاوضات روجر فيشر وويليام أوري (Roger Fisher & William Ury)، أحدث قطيعة معرفية مع فكرة المفاوضات التنافسية. يدعو فيشر وزميله إلى «المفاوضات القائمة على المبادئ»، أي عزل المشاعر عن المشكلة، والبحث عن توسيع قالب الكعكة بدلاً من تناهش قطع منها. إن هذا النموذج هو في الحقيقة محاولة لتفكيك «المنافس الخفي» داخلنا، وتحويله من كائن يترصد الفرصة للغش، إلى شريك يدرك أن مصلحته الحقيقية تكمن في ازدهار شريكه.

اليوم، نقف أمام منعطف تاريخي يضع هذه المبادئ على المحك: الذكاء الاصطناعي. فهذا التطور الأحدث لا يغير أدواتنا التفاوضية فحسب، وإنما يعيد صياغة فضاء «الفرصة» نفسها. وإذا كان غودمان قد حذر من «المنافسين الخفيين» الذين يتربصون بفرص استغلال الآخر، فإن الخوارزميات اليوم توفر لهؤلاء المنافسين «غطاءً تقنياً» مثالياً.

ولذلك فإن التساؤل الآن ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيجعلنا أكثر عقلانية، إنما هل سيعزز من قدرتنا على «التلاعب الخفي»؟ إننا كنوع بشري نميل إلى تفويض المسؤولية الأخلاقية للآلة؛ فإذا «قرر» الذكاء الاصطناعي شروط العقد، من المسؤول حينها عن استغلال «الفرصة» لظلم الطرف الآخر؟ ولعل تحدي العقد القادم للمفاوضين سيتعلق بتصميم هياكل أخلاقية وقانونية تمنع الآلة من أن تصبح أداة مثالية للمنافس الخفي، وكيف نحافظ على «التعاطف الاستراتيجي» الذي هو جوهر المفاوضة البشرية، والذي لا تستطيع أي خوارزمية محاكاته.

من هذا المنطلق، لم يعد التفاوض التعاوني ترفاً أخلاقياً، بقدر ما هو استجابة تطورية لحقيقتنا ككائنات تعيش في بيئة مليئة بمنافسين يترقبون الفرصة. وعندما ننظر إلى الأزمات الكبرى اليوم من التغير المناخي إلى الانقسامات الجيوسياسية نجد أن الحلول الصفرية (أربحُ وتخسر) تعمق الأزمات وتطيل عمرها.

إن المفاوضات مسار حتمي سيفرض حضوره في تاريخ البشر، كفعلٍ تأسيسي يعيد تشكيل العلاقة بالآخر وبالذات في آنٍ واحد، ويفتح أفقاً للعبور من ماضٍ مديد حكمته غريزة اقتناص «الفرصة» بأي تكلفة، ذلك الماضي الذي تشكّل على إيقاع الغلبة، وتكرّست فيه القوة بوصفها امتلاكاً وإخضاعاً. وفي هذا العبور، تتجلّى القوة في صورةٍ أخرى: القدرة على التقاط ذلك الخيط الرفيع الذي تتقاطع عنده المصالح، وعلى الإصغاء إلى ما يكمن خلف الضجيج من إمكانات التلاقي العميق كأفقٍ أعلى للوجود الإنساني.

ومن هذا الفضاء، ينبثق الغد كثمرة وعيٍ يتجاوز وهم الانفصال ومنطق الفرصة، لتتبدّى حكمة التفاوض صيغةً لإعادة ترتيب العالم على أساس إدراك تشابكه البنيوي.


وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام
TT

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

في عهد قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وعضده الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء، تشكَّل مسار جديد للثقافة في المملكة بوصفه جزءاً أصيلاً من مشروع الدولة؛ ليعيد تعريف موقع الثقافة داخل الدولة. ودخل ضمن صميم مشروع وطني يرسخ بناء الاقتصاد والمجتمع والهوية معاً؛ إذ حدَّدت «رؤية 2030» هذا المسار بوضوح، حين ربطت الثقافة بجودة الحياة، وبالاقتصاد، وبصناعة الصورة الدولية للمملكة. ومن هنا بدأ الانتقال من رعاية النشاط إلى بناء القطاع.

ضمن هذا الإطار؛ عَملَت وزارة الثقافة بقيادة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، فنجحت في تحول هذا الملف من الطرح العام إلى التنفيذ المنهجي؛ وتأسَّست هيئات متخصصة لكل قطاع، من المكتبات والأدب إلى الموسيقى إلى الأفلام إلى التراث. هذا التقسيم لم يكن تنظيمياً فقط؛ بل مهنياً. كل هيئة تحمل مساراً واضحاً، وتمتلك أدواتها، وتعمل وفق مؤشرات أداء. بهذه الخطوة، انتقلت الثقافة من خطاب جامع عام إلى قطاعات إنتاجية محددة.

تغيَّر السؤال فعلياً، ولم يعد: ماذا سنعرض؟ بل: ماذا سنبني؟ الفرق بين السؤالين هو الفرق بين حدثٍ ينتهي وأثرٍ يتراكم؛ لذلك ظهرت برامج التدريب، ومسارات الابتعاث الثقافي، وحاضنات الأعمال الإبداعية. دخلت الجامعات، وارتبطت بالسوق، وبدأت المهن الثقافية تتشكل كخيارات عمل مستقرة لا كهوايات مؤقتة.

لم تأتِ الإنجازات منفصلة؛ ولكن كسلسلة مترابطة: تأسيس البنية النظامية؛ إطلاق الاستراتيجيات القطاعية؛ تمكين المستثمرين؛ توسيع الشراكات الدولية؛ كل خطوة تبني على ما قبلها؛ ولعل هذا ما منح المشروع تماسكه.

في ملف الصناعات الثقافية؛ حدث التحول الأوضح: النشر، السينما، الأزياء، التصميم، والموسيقى تحولت إلى أنشطة اقتصادية لها سلاسل قيمة واضحة. صدرت تراخيص، ودخلت شركات، وبدأت السوق تتشكل. في قطاع الأفلام مثلاً، تضاعف الإنتاج المحلي خلال سنوات قليلة، وظهرت دور عرض، وارتفع حجم الإيرادات. هذه مؤشرات سوق، لا مظاهر احتفالية.

أما التراث؛ فخرج من دائرة الحفظ إلى دائرة التشغيل. مبادرات، مثل: ترميم البلدات التراثية أعادت توظيف المكان. في جدة التاريخية والعلا وقرى عسير، ومؤخراً وليس أخيراً إطلاق المشروع الواعد بمشيئة الله (قرية سدوس التاريخية) بهدف عودة النشاط الاقتصادي إلى الأحياء القديمة؛ حيث فُتحت وستُفتح مشاريع ضيافة، ونشطت حرف مهمة، وارتفعت حركة الزوار. التراث هنا أصبح أصلاً منتجاً. هذا التحول يحقق معادلة واضحة: حماية الهوية مع توليد دخل.

ومؤخراً كان لي شرف حضور ملتقى القطاع غير الربحي الثقافي الأخير، بوصفه محطة عمل. كانت النقاشات فيه مباشرة، وتركزت على النماذج التشغيلية، والاستدامة، وقياس الأثر. طُرحت تجارب واقعية من جمعيات ومؤسسات استطاعت الانتقال من الاعتماد على الدعم إلى بناء مواردها. وبرز توجه واضح نحو الحوكمة، ورفع كفاية الإدارة، وربط التمويل بالنتائج. ما ميَّز الملتقى هو وضوح اللغة. لم يكن هناك ميل للتجميل، ولكن التركيز على التحديات الفعلية، وكيفية معالجتها بأدوات عملية. هذا المستوى من الطرح يعكس نضجاً في القطاع، ويؤكد أن المرحلة الحالية تتطلب كفاية تشغيل.

وفي هذا السياق، وضعت كلمة الوزير الإطار الجامع لهذه النقاشات، لتحوِّلها من أطروحات إلى مسار عمل ملزم. وجاءت لتغلق مرحلة وتفتح أخرى. الرسالة الأساسية كانت حاسمة. لا مكان لكيان ثقافي بلا نموذج عمل ولا مؤشرات أداء. الدعم مشروط بالنتائج: النماء والأثر، ولن يكون مفتوحاً. هذا التوجه الرشيد يدفع الجمعيات إلى إعادة بناء نفسها. ويسهم في ظهور هياكل إدارية، وخطط تشغيل، وشراكات تمويل. من التزم استمر، ومن اكتفى بالحماس تراجع!

إعادة تعريف «الشرعية الثقافية» تمثل جوهر المرحلة. لم تعد الشرعية تُمنح بالاسم ولا التاريخ؛ بل بالأثر: كم مشروعاً استمر أكثر من 3 سنوات؟ كم فرصة عمل وُفِّرت؟ كم برنامجاً درَّب على مهارات قابلة للسوق؟ هذه المعايير أصبحت المرجع. هذا التحول -بلا شك- سينعكس على القوى الناعمة للمملكة.

الحضور الثقافي الخارجي لم يعد مناسبات، إنما مشاركة مستمرة في معارض الكتاب، ومهرجانات السينما، وبرامج التبادل الثقافي. المنتج السعودي بدأ يصل بوصفه محتوى منافساً، لا تمثيلاً رمزياً.

وقد تغيَّرت العلاقة بين الدولة والمجتمع أيضاً بعدما حدَّدت الدولة بوصلة الاتجاه، ووضعت الأنظمة، ووفرت الممكنات؛ تمهيداً لدخول المجتمع شريكاً في الإنتاج؛ يستثمر القطاع الخاص؛ ويوسِّع القطاع غير الربحي من الأثر الاجتماعي. هذا التوزيع للأدوار سيخلق توازناً تشغيلياً؛ بما يخفف العبء عن الدولة ويرفع كفاية التنفيذ؛ لتصبح اللغة السائدة اليوم داخل القطاع الثقافي واضحة: أرقام؛ مؤشرات؛ عوائد؛ استدامة.

هذه اللغة الجديدة ستفرض الانضباط، وتحول دون استمرار المشروع الذي لا يقيس أثره. بهذا المعنى، تصبح الثقافة أداة بناء ونماء لا عنصر تزيين. تخلق مزيداً من الوظائف، وتطور مزيداً من المهارات، وتجذب كثيراً من الاستثمارات. وفي الوقت نفسه، تعيد صياغة العلاقة مع الهوية مورداً حياً يدخل في الاقتصاد والحياة اليومية.

وفي يقيني أن المرحلة المقبلة ستدفع نحو تعميق هذا المسار، وزيادة مساهمة القطاع في الناتج المحلي، وتوسيع التصدير الثقافي، ورفع كفاية الكيانات غير الربحية، وتعزيز حضور المدن الصغيرة في المشهد الثقافي.

بهذا الاتساق؛ يمكن قراءة ما يحدث بوصفه انتقالاً مكتمل الأركان: فكرة تتحول إلى مؤسسة، مؤسسة تنتج أثراً، أثر يستقر في حياة الناس. هنا فقط تكتمل دورة الثقافة كجزء من مشروع الدولة.

*المشرف العام على مكتبة الملك عبد العزيز العامة


باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ
TT

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

أنجز باحث سعودي دراسة علمية ضمّنها في كتاب صدر حديثاً عن تقنية بصمة الدماغ، في إطار يجمع بين علوم السمات الحيوية والعلوم العصبية المعرفية، ويُعد هذا الكتاب الأول من نوعه باللغة العربية الذي يتناول دراسة علمية منهجية لتقنية بصمة الدماغ.

يقول مؤلف الكتاب العميد الدكتور عادل عبد الرحمن العيد لـ«الشرق الأوسط»: «شهدت أنظمة السمات الحيوية تطوراً كبيراً خلال العقود الأخيرة، وأصبحت إحدى الركائز الأساسية في أنظمة التحقق من الهوية والأمن الرقمي في العالم، واعتمدت على خصائص فريدة أودعها الله في الإنسان مثل بصمات الأصابع، وبصمة قزحية العين، وملامح الوجه، وبصمة الصوت، وبصمة الحمض النووي. وقد أسهمت هذه الأنظمة في تعزيز الأمن في المطارات والمنافذ الحدودية والأنظمة المصرفية، وفي الجامعات ومراكز الأبحاث والمستشفيات والمنشآت الحساسة. غير أن التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي وظهور أساليب التزييف العميق وتقليد السمات البيولوجية، كشف عن تحديات جديدة تتعلق بموثوقية بعض هذه الأنظمة. وقد دفع ذلك العلماء إلى البحث عن جيل أكثر تقدماً من تقنيات التحقق يعتمد على خصائص أكثر عمقاً وأصالة، وهو ما أدى إلى ظهور مجالات السمات العصبية، التي تعتمد على النشاط العصبي للدماغ بوصفه أحد أعظم مظاهر التفرد الإنساني».

ويذكر المؤلف العيد أن «الكتاب يركز على تقنية بصمة الدماغ التي تعتمد على تسجيل النشاط الكهربائي للدماغ باستخدام تخطيط الدماغ الكهربائي وتحليل موجات الاستجابة المعرفية المرتبطة بالذاكرة، وعلى رأسها موجة التعرف P300 التي تظهر تلقائياً عندما يتعرف الدماغ على معلومات مخزنة مسبقاً في الذاكرة. وتكشف هذه الاستجابة العصبية عن حقيقة معرفية مهمة، وهي أن الدماغ يحمل توقيعاً معرفياً فريداً يعكس ما يعرفه الإنسان وما يختزنه في ذاكرته».

والكتاب يقدم، كما يضيف المؤلف، عرضاً علمياً لتطور أنظمة السمات الحيوية عبر التاريخ، بدءاً من الاستخدامات المبكرة للبصمات في الحضارات القديمة، مروراً بتطور علم بصمات الأصابع في القرن التاسع عشر، وصولاً إلى الأنظمة الرقمية الحديثة التي تعتمد على قواعد البيانات الضخمة والخوارزميات والذكاء الاصطناعي.

ويبرز الكتاب الدور السعودي المتقدم في تبني وتطوير تقنيات السمات الحيوية، حيث كانت السعودية من الدول الرائدة في المنطقة في بناء منظومات تحقق بيومترية متقدمة ضمن البنية الأمنية والتحول الرقمي. فقد شهدت المملكة خلال العقود الماضية تطوراً كبيراً في تطبيق أنظمة الهوية والبصمة من خلال مركز المعلومات الوطني وقطاعات وزارة الداخلية، إضافة إلى إدماج التقنيات البيومترية في أنظمة الأحوال المدنية والجوازات والمنافذ الحدودية والخدمات الحكومية الرقمية الأخرى، بما يتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وأشار العيد إلى أن الكتاب يناقش الأسس العصبية والإدراكية لتقنية بصمة الدماغ، ويشرح البنية الوظيفية للدماغ وآليات الذاكرة والانتباه المرتبطة بتوليد الإشارات العصبية، إضافة إلى تحليل التطبيقات المحتملة لهذه التقنية في مجالات التحقيق الجنائي والأمن والتحقق من المعلومات. ويتناول كذلك الأبعاد القانونية والأخلاقية المرتبطة باستخدام التقنيات العصبية، مؤكداً ضرورة تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن وحماية الخصوصية والكرامة الإنسانية.

ويخلص إلى أن تقنية بصمة الدماغ تمثل مرحلة متقدمة في تطور أنظمة التحقق من الهوية، إذ تنتقل عملية التحقق من السمات الجسدية الظاهرة إلى الخصائص المعرفية العصبية المرتبطة بذاكرة الإنسان. كما يشير إلى أن التكامل المستقبلي بين علوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي قد يسهم في تطوير أنظمة تحقق أكثر دقة وموثوقية، مما يجعل السمات العصبية أحد أهم الاتجاهات العلمية في مستقبل الأمن والتحقق من الهوية.

وبذلك يسعى الكتاب إلى تقديم مرجع علمي عربي يجمع بين العلم الحديث والتأمل في الإعجاز الإلهي في خلق الإنسان، ويواكب التطورات العالمية في مجال السمات العصبية وتقنيات التحقق المتقدمة، مع إبراز الدور المتنامي للمملكة العربية السعودية في تطوير وتبني هذه التقنيات.

هذا الكتاب هو السادس للدكتور العيد، إذ سبق أن أنجز كتباً عن الحاسب في علم البصمات، والأنظمة الآلية في القياسات الحيوية للتحقق من الشخصية، وأنظمة القياسات الحيوية والطموحات من التطبيقات العملية، وتطور التعرف والتحقق من الشخصية بالبطاقة الشخصية، والتحقق من الشخصية في العصر الرقمي.