«لبنان بين الأمس والغد» كما يراه نوّاف سلام

الطائفية جذورها تاريخية والتخلص منها شرط لقيام الدولة

نواف سلام
نواف سلام
TT

«لبنان بين الأمس والغد» كما يراه نوّاف سلام

نواف سلام
نواف سلام

كتاب نوّاف سلام «لبنان بين الأمس والغد»، الصادر حديثاً بنسختين: إحداهما بالعربية عن «دار شرق الكتاب» في بيروت، وأخرى بالفرنسية عن «أكت سود» في باريس، هو مجموعة دراسات كتبت ونشرت سابقاً (متفرقة) بالإنجليزية أو الفرنسية على مدى ربع القرن الماضي. وهي في مجملها ترسم رؤية متكاملة للوضع اللبناني منذ التكوين الأول لهذه البقعة الصغيرة من الأرض إلى اليوم. ونواف سلام -حالياً- قاض في محكمة العدل الدولية في لاهاي، وكان سفير لبنان لدى الأمم المتحدة، وطرح اسمه لتولي رئاسة الحكومة أكثر من مرة في السنة الأخيرة.
ويعود المؤلف في كتابه الجديد إلى القرن الرابع الميلادي، حيث يمر بمراحل التشكيل الديموغرافي والتحولات الدينية، ويتحدث عن أهمية المرحلة العثمانية، ومن ثم تشكل لبنان الحديث، وفي مركز الاهتمام مدى تجذر الطائفية، وتحول معانيها ووظائفها، وما تمثله في الزمن الراهن. فالطائفية في رأيه «لا تزال تمنع قيام دولة فعلية، بما يفترضه ذلك من قدرة على بسط سيادتها في الداخل، كما في الخارج». ولا يساوره شك في أن لبنان «يمر بإحدى أخطر مراحل تاريخه المعاصر»، وهذا ما يتطلب «التصدي للجذور العميقة للأزمة» بمختلف تفرعاتها.
الكتاب، إذن، ليس قراءة للأزمة الحالية، كما يمكن أن يتخيل بعضهم، إنما هو أقرب إلى الأكاديمية منه إلى التحليل السياسي السريع. ولإرضاء فضول القارئ الذي غالباً ما يميل إلى الطازج قدم الكاتب للدراسات الثماني التي يتكون منها الكتاب بصفحات يشرح من خلالها فكرته، وتسلسل المسار الذي يطرحه، كما يشير إلى تحديثات لجأ إليها في عدة مواضع. ولربما أن المقولة التي اختارها لأنطونيو غرامشي في أول الكتاب هي مؤشر على المكان الذي يرى سلام لبنان محشوراً فيها: «تكمن الأزمة تحديداً في أن القديم يحتضر، بينما الجديد لا يستطيع أن يُولد بعد. وفترة الالتباس هذه بين العتمة والنور، تظهر شتى أنواع الأمراض».
ما يفعله سلام من خلال الكتاب، إضافة إلى الإحاطة التاريخية، في الوضع اللبناني هو طرح رؤيته الإصلاحية التي تشبه إلى حد كبير غالبية ما يطالب به اللبنانيون، لكن تبقى المشكلة في التطبيق، وفي العثور على الأشخاص الذين بمقدورهم المضي في تطبيق ما هو مطلوب للنجاة.
إن «الجمهورية الثالثة» في لبنان، كما يقول، يفترض أن «تقوم على مبدأ المواطنة الجامعة وسيادة القانون، وعلى دولة مدنية ترتكز على قيم العدالة والمساواة والحرية واستقلالية القضاء، بدلاً من الطائفية والمحاصصة». وفي القسم الأول المخصص للإصلاحات المطلوبة، يشرح كيف أن الطائفية تجذرت بفعل الحرب الأهلية عام 1975، واستفحل الأمر بعد اتفاق الطائف عام 1989، لا بسبب الاتفاق نفسه بل بسبب سوء التطبيق أو تجاهل أحكام كان يمكنها أن تصحح الاختلالات، إضافة إلى ضرورة سد الثغرات التي يعاني منها.
فهو مع الانتقال إلى مجلسين: مجلس للنواب ومجلس للشيوخ، كما نص اتفاق الطائف؛ يؤمن الثاني التمثيل العادل للطوائف، في حين يؤمن مجلس النواب المشاركة «المواطنية» غير الطائفية. وسلام أيضاً مع تطبيق «اللامركزية الإدارية الموسعة» شرط ألا تتعدى الجانب الإداري فتنحو صوب الفيدرالية. ومن الإصلاحات التي يدعو إليها، وباتت موضع إجماع الشعب اللبناني، إصلاح قانون الانتخاب، كما أنه مع سياسة «النأي بالنفس» التي كثر الكلام عنها في الآونة الأخيرة.
وبالعودة إلى الطائفية التي تشغل سلام، ويعود إليها في كل دراسة، يرى أن ما يحركها لم يعد المعتقد الديني الذي تأسست عليه، وإنما أضحت نوعاً من العصبية بحسب النموذج القبلي الذي يتحدث عنه ابن خلدون في مقدمته.
فبعد توقف الحرب الأهلية، وبدل أن يخفت وهج الطائفية بفعل ما تسببت به من كوارث، برز ميل إلى تجذيرها اجتماعياً، إذ إن «عامل العبادة» أو التعلق بمضمون العقيدة الدينية لم يعد هو ما يحرك أصحاب الطائفة الواحدة، إنما تحولت إلى نوع من «النسب» أو «التوهم به» لشد أزر الجماعة الواحدة. بدليل أنه قبل الحرب الأهلية عام 1975، أجريت دراسة في لبنان بينت أن نسبة الأشخاص الذين يرتادون دور العبادة ممن تقل أعمارهم عن 30 سنة تتراوح بين 2 و5 في المائة، مما يؤكد أن الطوائف تخضع العنصر الديني الذي كان أساس نشأتها لأهداف زمنية ومصالح سياسية لبسط هيمنتها.
الدراسات الثماني قسمت على 3 فصول. في الفصل الأول «أصول المسألة اللبنانية» عودة إلى مسار تشكل الطوائف، وتطور دورها الاجتماعي والسياسي، من «جماعات أمر واقع» وجدت على هذه الأرض وتعايشت، مروراً بمرحلة استغلالها من قبل القوى الكبرى لإضعاف الحكم العثماني، دون إهمال الدور الذي لعبته المؤسسات الدينية لتنظيم الأطر الاجتماعية. وفي هذا القسم دراسة تحت عنوان «المواطن المكبل»، يتحدث فيه سلام عن منطقين يتعيشان في لبنان بتوتر، وهما المنطق الطائفي والمنطق الفردي. منطقان لا يلغي أحدهما الآخر، على ما يبدو بينهما من تناقض ظاهري. وإذا كان المنطق الطائفي مفهوماً، فهو يعود لشرح المنطق الفردي إلى ميشال شيحا وكتاب آخرين من أصحاب التيار «اللبنانوي» الذين غلبوا قيمة الحرية الفردية، كما أهمية التعليم الذي انتشر باكراً على الأراضي اللبنانية، وما حمله المهاجرون من قيم الانفتاح. ويخلص إلى أن التعايش بين المنطقين سهل ممكن، لكن المشكلة هي في الدولة التي رجحت حقوق الطوائف على حساب حقوق الأفراد «لأن إشكالية المواطنة في لبنان لا تكمن في غياب الفرد -كما يقال- بل في غياب الاعتراف السياسي الكامل بهذا الفرد».
حين أعلن الجنرال الفرنسي غورو لبنان الكبير عام 1920، حيث اعتمدت صيغة ضم المدن الساحلية بيروت وصيدا وطرابلس إلى المتصرفيتين، وكذلك الأقضية الأربعة التابعة لولاية الشام، وهي بعلبك والمعلقة وراشيا وحاصبيا، كان ذلك برغبة من القيادات السياسية والدينية للطائفة المارونية، وانخفض بالتالي عدد المسيحيين من 80 في المائة إلى 51 في المائة، بحيث لم يعد الموارنة يشكلون سوى 30 في المائة. هذا الكيان الجديد قضى على حلم المسلمين، وشركاء لهم من الروم الأرثوذوكس، بالانضمام إلى المملكة العربية التي دغدغ بها الملك فيصل عواطفهم. المشكلة بدأت باكراً، إذ وجد المسلمون صعوبة في التماهي مع حلم القومية اللبنانية أو التيار اللبنانوي. فالهدف من قيام لبنان لم يكن التوازن، كما تقول إليزابيث بيكار، وإنما الغرض هو أن يكون «وطناً للمسيحيين»، على الرغم من أن نصف السكان ليسوا كذلك.
وعام 1943، ومن خلال «الميثاق الوطني»، قبل المسيحيون بوجه عربي للبنان، وتخلى المسلمون عن فكرة الوحدة مع سوريا. ومع الوقت، انخرط المسلمون في فكرة الدولة اللبنانية، لكن طبيعة هذه الدولة وهويتها ظلتا مسألتين خلافيتين. وإن نجح اتفاق الطائف بعد معارك الحرب الأهلية المدمرة في إيقاف دورة العنف، وإعادة تعريف الهوية والكيان، فإن الأزمة بقيت نفسها. فالدولة كما يقول سلام «لا يمكن أن تكون جديرة بهذه التسمية إلا عندما تنجح في فرض استقلاليتها عن الطوائف المختلفة، وتكوين حيز خاص بها».
القسم الثاني من الكتاب مخصص «للحرب والسلم»، وفيه دراسة عن «جذور الحرب ومساراتها (1975-1990)»، حيث قراءة في الثغرات الداخلية والتدخلات الخارجية التي أججت الحرب الأهلية، وعملت على تقوية جذوتها عندما كانت تخمد. هذه الصفحات تدخل في تفاصيل حول النظام السياسي، والهشاشة الاقتصادية والزراعية، لكن ربما أن العبارات التي استعارها سلام من ثيودور هانف تختصر جيداً ما يريد أن يقوله: «في معظم مراحلها، ظلت الحرب الأهلية ظاهرة ثانوية للحرب بالوكالة على فلسطين، لكنها هيأت الأرضية لتغييرات ضخمة في النظام السياسي اللبناني». وثمة في هذا القسم الثاني من الكتاب ما يقارب 20 صفحة خصصت لـ«اتفاق الطائف أو السلام الهش» الذي نتج عنه. فإذا كانت الحرب الأهلية استمرت سنوات نتيجة الجدلية القائمة بين سعي الزعماء اللبنانيين إلى دعم خارجي لتعزيز مواقعهم في وجه خصومهم المحليين، واستغلال اللاعبين الخارجيين للانقسامات الداخلية لتعزيز نفوذهم الإقليمي، فإن اتفاق الطائف حصل بعد أن أيقن الخصوم اللبنانيون أن أحداً منهم غير قادر على تحقيق انتصار وقد أنهكتهم الحرب. أسباب كثيرة يدرجها الكاتب أدت إلى إيقاف الحرب، كما أنه يقدم قراءة طويلة لاتفاق الطائف، وما كان له من انعكاسات، فهو لم يتمكن من الحد من التدخلات الخارجية والارتهان للآخرين، وأبقى البلاد على توازنات هشة. بالخلاصة «فإن إعادة اتفاق الطائف إلى مساره الصحيح فقط أضحى أمراً شبه مستحيل. وما بات مطلوباً اليوم هو معالجة اختلالات الطائف وتطويره».
وفي القسم الثالث (الأخير)، المعنون بـ«نحو الجمهورية الثالثة»، فإن الخطوة الأولى نحو بلوغ هذه الهدف بالنسبة لنواف سلام هي البحث عن «مدخل إلى تجاوز الطائفية السياسية». ولم يستخدم سلام في عنوان بحثه كلمة إلغاء التي شاعت بين محتجي 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، فالواقعية تقتضي النظر إلى صعوبة هذا الأمر في الوقت الراهن، خاصة أن الكاتب يتحدث عن شيء من النفاق أو المداراة، وأحياناً استخدام تكتيكات من جهة أطراف سياسية تدعي رغبتها في تخطي النظام الطائفي، فيما المضمر غير ذلك. وفي رأي سلام أن إلغاء الطائفية السياسية يحتاج إلى ظهور قوى اجتماعية جديدة، وتشكيلات حديثة ذات طابع وطني غير طائفي. ولا بد من التدرج في العودة إلى الدستور. أما النقطة الثانية التي يطرحها الكتاب للنجاح في الدخول إلى الجمهورية الثالثة، فوضع نظام انتخابي عادل، يتمثل من خلاله اللبنانيون، عاقداً مقارنات بين النظام الأكثري الذي كان متبعاً والنظام النسبي الذي وضع عام 2017، مظهراً ثغراته، ومن ثم النظام المركب الذي يجمع بين الأكثري والنسبي، ويمكن أن يكون صالحاً لتطبيقه في لبنان. لكن في كل الأحوال، أياً يكن النظام الانتخابي، فإن بقاء النساء من دون «كوتا» تفرض وجودهم، والشباب الذين لا يحق لهم الاقتراع عند بلوغ الثامنة عشرة، وكذلك حرمان المقترع من حق الانتخاب في مكان إقامته، وضعف ضوابط الدعايات الانتخابية، وعدم القدرة على ضبط سقوف الإنفاق؛ كلها من مكدرات العبور صوب الديمقراطية الحقة.
الكتاب في مجمله يحاول وضع تصور إصلاحي لدولة تتخلص من مرض الطائفية تدريجياً، وتبسط سيادتها على أراضيها، وتتعامل مع أفرادها بصفتهم مواطنين متساوين في الحقوق.


مقالات ذات صلة

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً