الحلقة (2): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... «صناعة الموت» ودورها التأسيسي

 «رومنطيقيّو المشرق العربيّ» لحازم صاغيّة

«شبيبة هتلر» في عرض عسكري بميونيخ عام 1935 تمهيداً للانضمام رسمياً إلى الحزب النازي (فوتو 12 / يونيفيرسال إيميجز غروب - عبر وكالة غيتي)
«شبيبة هتلر» في عرض عسكري بميونيخ عام 1935 تمهيداً للانضمام رسمياً إلى الحزب النازي (فوتو 12 / يونيفيرسال إيميجز غروب - عبر وكالة غيتي)
TT

الحلقة (2): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... «صناعة الموت» ودورها التأسيسي

«شبيبة هتلر» في عرض عسكري بميونيخ عام 1935 تمهيداً للانضمام رسمياً إلى الحزب النازي (فوتو 12 / يونيفيرسال إيميجز غروب - عبر وكالة غيتي)
«شبيبة هتلر» في عرض عسكري بميونيخ عام 1935 تمهيداً للانضمام رسمياً إلى الحزب النازي (فوتو 12 / يونيفيرسال إيميجز غروب - عبر وكالة غيتي)

تتناول الحلقة الثانية من كتاب «رومنطيقيّو المشرق العربي» لحازم صاغيّة مسألة الترويج لـ«صناعة الموت» ونشرها بين الشبان العرب، مشيراً إلى استشهاد المروجين لهذه الفكرة، مثلاً، بمصطفى كمال في الأناضول وبضبّاطه الذين تدرّبوا على صناعة الموت، فحصدوا النصر، وبموسوليني الذي لو لم يكن لديه عشرات الآلاف من «ذوي القمصان السوداء» الذين احترفوا صناعة الموت، لما كان قادراً على أن يبعث تاريخ روما العظيم والقديم.
ويتحدث صاغية عن «الهوى الألماني» الذي استولى على «الأكثرية الساحقة من النخبة العسكرية» في البلدان العربية، معتبراً أن المنظّر القومي العربي ساطع الحصري: «لم يُبدِ أي اكتراث بالواقع العربي وجماعاته وانقساماتها وثقافاتها الفرعيّة، مركّزاً على طوبى قوميّة، ألمانية المصدر وإيطاليته، رغب في إسقاطها على العراق والعالم العربي».
في ذاك العهد نفسه، عهد غازي، دعا سامي شوكة، مدير المعارف العامّ في العراق، طلاّب الثانويّات إلى اعتناق «صناعة الموت»، والتي إن لم تحترفها الأمّة بـ«الحديد والنار»، أُجبرت على الموت تحت حوافر أحصنة الأجانب. ذلك أنّ الغاية من «نظام الفتوّة» الذي أنشأه غازي هي «تعويد الفتيان على خشونة العيش وتحمّل المشاقّ والمُفاداة وبثّ الروح العسكريّة وصفات الرجولة والفروسيّة وما يتبعها من خصال».
وبالطبع، استشهد شوكة (الذي لقّبه السياسي الديمقراطي كامل الجادرجي بـ«أوزوالد موسلي العراق»، قاصداً الزعيم الفاشي البريطانيّ) بمصطفى كمال في الأناضول وبضبّاطه الذين تدرّبوا على صناعة الموت، فحصدوا النصر واستعادوا أمجاد السلطان سليم. كما استشهد بالشاه رضا بهلويّ، الذي احترف وضبّاطه تلك الصناعة «المقدسة»، ما جعلهم يستعيدون مجد داريوس. أمّا في إيطاليا، فلو لم يكن لدى موسوليني عشرات الآلاف من «ذوي القمصان السوداء» الذين احترفوا صناعة الموت، لما كان قادراً على أن يبعث تاريخ روما العظيم والقديم. وهكذا، فإنّ روح هارون الرشيد والمأمون تريد للعراق أن يمتلك في فترة قصيرة نصف مليون جندي ومئات الطائرات.
وربّما جاز القول إنّ كتاب شوكة هذا، لا سيّما مقالته الأولى «صناعة الموت»، من أبلغ وأبكر النصوص العربيّة في التعبير الرومنطيقي العنيف والإرادي والأعمى عن كلّ واقع. على أنّ التوجّهات هذه لم تَحُل دون جرعة علمويّة حادّة هي الأخرى، تتوافق بدورها مع الرومنطيقيّة، بالمعنى المشار إليه في الفصل السابق. ذلك أنّ العلم «برهن (...) أخيراً على أنّ المرأة لا تصل إلى مرتبة الكمال النسبيّة التي تنتظرها من حيث الصفات العقليّة والنفسيّة والجسميّة إلاّ بالزواج والولادة والرضاعة، وأنّ المرأة التي تَحول بعض الأسباب دون زواجها وولادتها وإرضاعها أطفالَها من ثدييها لا بدّ من أنّها تبقى بعيدة عن السموّ إلى المرتبة التي كانت تنتظرها فيما لو تزوّجت وولدت وأرضعت»، ثمّ يستشهد بعبارة ينسبها إلى فيكتور هوغو من «أنّ الطبيعة قد خلقت مهداً فوق صدر المرأة لا يستطيع أن يبقى فارغاً».
وعلى العموم، فإنّ شوكة في خطاباته ومحاضراته التي نُشرت في 1939 بعنوان «هذه أهدافنا»، دائم التوكيد على ضرورة الانبعاث العربي المرتكز إلى الماضي المجيد وأهميّة العسكرة والنزعة الحربيّة لصدّ أعداء الداخل والخارج. لكنّه أيضاً يضيف إلى رجعيّته حيال المرأة اختياره أبطاله من رجالات الأسرة المَلَكيّة الهاشميّة، ابتداءً بمؤسّسها في العراق الملك فيصل الأوّل، انسجاماً مع تقليد ملَكي وسلالي هيمن على معظم العقول القوميّة العربيّة حينذاك.
وبدوره سبق لناجي شوكة، شقيق سامي، وأحد وزراء حكومة الكيلاني الانقلابيّة وأحد مبعوثيه إلى برلين، أن درس في كلّيّة الحقوق في جامعة إسطنبول وقاتل في الجيش العثمانيّ. وهو من يصفه رئيس حكومة عراقي سابق بالتالي: «كان ناجي شوكة قوي الطموح، ضعيف المادّة في العلم والتتبّع الفكريّ. لذلك كان يسعى للتعويض عن ضعفه العلمي بذكائه ومناوراته وشطاراته وتحريكاته، حتّى بات زملاؤه يخشون بأسه ويحترسون من شرارات مقالبه (...) كان... عيياً في الخطابة وضعيفاً في الكتابة وقليل البضاعة في التفكير الرصين».
أمّا زميل سامي شوكة، الدكتور فاضل الجمالي، مفتّش التعليم العامّ، والذي ربطته بالمنظّر القومي العربي ساطع الحصري خصومة شخصيّة وسياسيّة، ففاق خصمه تشدّداً وجذريّة في مواقفه القوميّة. هكذا نعى كونَ العراق لا يملك ما يقارَن بشبيبة هتلر أو منظّمات كومسومول الشيوعيّة، التي تطلب من الشبّان «الإيمان والنظام والعمل الموحّد – الشروط الأساسيّة للنجاح السياسيّ».
وقد ازدهرت تلك التصوّرات وسط النخبة العراقيّة في المناخ الذي أوجده الحصري، الحلبي الأصل، والموظّف العثماني السابق الذي انتقل من سوريّا إلى العراق بصحبة الملك فيصل، حيث تولّى مديريّة التعليم، فكان أبرز ناقلي الدعوات القوميّة العربيّة الشديدة التأثّر بالفكر القومي الألمانيّ. وفي مجمل جهده الفكري والتربويّ، لم يُبدِ الحصري أي اكتراث بالواقع العربي وجماعاته وانقساماتها وثقافاتها الفرعيّة، مركّزاً على طوبى قوميّة، ألمانيّة المصدر وإيطاليّته، رغب في إسقاطها على العراق والعالم العربيّ.
ووفقاً للباحث العراقي البريطاني سامي زبيدة، فإنّ صِدام الحصري والسياسيين السُّنة مع الرموز السياسيين والثقافيين للشيعة حينذاك، إنّما اندرج في تصديع المشروع الوطني العراقي الناشئ. فالصِّدام المذكور، وفي وجه أساسي منه، جاء ردّاً على محاولات فيصل الأوّل دمج الشيعة في النسيج الوطنيّ. ذاك أنّه حتّى الأمس القريب، كما يقول زبيدة بوضوح حاسم، كان «الخطّ الفاصل» في السياسة العراقيّة بين القوميّة العربيّة والوطنيّة العراقيّة.
كذلك أحدث الحصري نقلة أخرى في فهم القوميّة التي ظهرت بداياتها في لبنان وسوريّا بوصفها مشروعاً ثقافيّاً يرادف العلمانيّة و«الإخاء» بين مسلمين ومسيحيين، أي مشروعاً لبناء الوحدات الوطنيّة ينهض على قواعد من الاستنارة وأفكار التقدّم. هكذا دفعها الحصري بعيداً عن ذاك المصدر، الذي ينطلق تعريفاً من الإقرار الصريح بالتعدّد، ليقرّبها من القوميّة النضاليّة كما سنراها لاحقاً في عهدة الضبّاط العسكريين العراقيين والسوريين.
على أنّه بعد انقلاب الكيلاني، المدعوم من الألمان، في 1941 نزع الإنجليز من الحُصري جنسيّته العراقيّة وطردوه من البلاد، فتولّى مسؤوليّات تربويّة كبرى في سوريّا، ثمّ رأس الدائرة الثقافيّة في الجامعة العربيّة بالقاهرة، حتّى ليمكن القول إنّه المربّي العربي الأكبر الذي استمرّت تعاليمه، منذ أوائل الأربعينات، تُخرِّج الأجيال تلو الأجيال. وهو، في هذه الغضون، نشر عديد الكتب عن القوميّة العربيّة، شرحاً أو سجالاً، حتّى تردّد أنّ كتبه هي مما جعل جمال عبد الناصر يتحوّل إلى تلك القوميّة ويجعلها العمود الآيديولوجي الأهمّ لنظامه في مصر.
لقد بدا الهوى الألماني مستولياً على الأكثريّة الساحقة من النخبة العسكريّة، التي صارت النخبة السياسيّة في العراق المستقلّ، بحيث شكّل نوري السعيد، المُدرِك لواقع العلاقة مع بريطانيا، والمحبِّذ لنموذجها، حالة نافرة. فلم يكن عديم الدلالة مثلاً أنّ جعفر العسكري، الذي حضر كضابط عثماني دورات تدريبيّة ومناورات للجيش الألمانيّ، بات أوّل رئيس حكومة تُشكّل من العسكريين عام 1923، وأوّل وزير دفاع في العراق بعد الاستقلال، وأنّ الضبّاط العثمانيين السابقين ممن شاركوا في الثورة الهاشميّة، خصوصاً منهم جميل المدفعي، هم الذين سبق أن قادوا الأعمال العسكريّة ضدّ البريطانيين.
هكذا انطوت تجربة أولئك الضبّاط، منذ لحظة انحيازهم إلى الثورة الهاشميّة في 1916 حتّى تعاونهم اللاحق مع الانتداب البريطاني في حكم العراق، على شعور مُرّ ومتشائم بخيانة أصولهم التي أسّستْهم كتلامذة للألمان وكارهين للبريطانيين، ما أسهم في رفع جرعة الذنب العاطفيّة والشعوريّة التي تطفح بها المذكّرات الكثيرة التي كتبها لاحقاً ساسة العراق العسكريّون.
وربّما كان لهذا الإرث، على اختلاطه، أن زوّد التاريخ العراقي اللاحق بحافز إضافي إلى العنف، كذاك الذي مورس مراراً حيال الأكراد، كما انفجر متفلّتاً من كلّ قيد مع الطريقة الوحشيّة التي صُفّيت بها الأسرة الملكيّة عام 1958، ثمّ مع عهد عبد الكريم قاسم والتذابح القومي – الشيوعي الذي انفجر مجدّداً بعد وصول حزب «البعث» إلى السلطة في 1963، قبل أن يستقرّ له الحكم ثانية على يد صدّام حسين.
- عزيز علي المصري
بيد أنّ التأثّرات الألمانيّة والعثمانيّة - التركيّة، لم تقتصر على العراق، وإن شكّل الأخير أكثر محطّاتها اكتمالاً وتبلوراً. وربّما كان عزيز علي المصري الرمز الأبرز في التعبير عن هذا الهوى، وعمّا انجرّ عنه من تداعيات عاطفيّة، سياسيّة وآيديولوجيّة. وهذا إنّما يسمح بالقول إنّ العناصر الزعاميّة التي امتلكتها تجربته فاقت مثيلاتها عند القادة العراقيين ممن عاصروه اكتمالاً، لا سيّما وأنّ ياسين الهاشمي توفّي مبكراً في 1937، والملك غازي في 1939، وفي 1941 كُتبت النهاية السياسيّة للكيلاني بعد إحباط انقلابه.
والحقّ أنّ الاهتمام بالمصري، بوصفه ناقل تلك التجربة إلى مصر، وجسر الانتقال داخل المؤسّسة العسكريّة من جيل إلى جيل أصغر، ظلّ أقلّ كثيراً من وزنه وتأثيره الحقيقيين في التاريخ العربي الحديث، وهو ما يستدعي وقفة أكثر تفصيليّة حيال حياته وأعماله.
فعزيز علي هو الذي حاول في 16 مايو (أيار) 1941 أن يهرب بطائرة حربيّة إلى ليبيا للتواصل مع القوّات الألمانيّة هناك، ما أشاع تشبيهه برودولف هِسّ، نائب أدولف هتلر الذي كان قبل ستّة أيّام فقط قد توجّه في رحلته الجويّة التعيسة إلى اسكوتلندا. لكنْ لئن كان الهدف الساذج لهسّ تمهيد السبيل إلى محادثات سلام مع البريطانيين، فإنّ هدف المصري كان جرّ بلده مصر إلى الحرب ضدّ بريطانيا، إلى جانب الألمان. والمصريّ، الستيني يومذاك، والذي بات بطلاً أسطوريّاً لبيئة القوميين العرب، درس منذ كان في الثانية عشرة في المدرسة الداخليّة التابعة للكلّيّة الحربيّة العثمانيّة، وتخرّج في 1904 متأثّراً بمُدرّسيه الألمان. وقد خدم، حتّى 1907، في البلقان، مشاركاً كضابط عثماني في قمع انتفاضاته، ثمّ انتسب إلى «الاتّحاد والترقّي» ولعب دوراً بارزاً في استعادة إسطنبول، إلى جانب محمود شوكت، من قوى الثورة المضادّة. أمّا أمله يومذاك فكان أن تمنح «تركيّا الفتاة» الحرّيّة للعرب، بحيث تنشأ مملكة ثنائيّة القوميّة، تركيّة – عربيّة، على غرار تلك الهبسبورغيّة، النمساويّة – الهنغاريّة. لكنّه إذ تيقّن من أنّ «تركيّا الفتاة» بالغة التعصّب لتركيّتها، بدأ العمل ضدّها مشاركاً في تأسيس جمعيّة «القحطانيّة» السرّيّة، التي ضمّت مثقّفين مدنيين وضبّاطاً عرباً، غير أنّه استمرّ كضابط عثماني ينفّذ الأوامر من جهة، ويخوض، من جهة أخرى، المعارك التي ظلّت تجمعه بالأتراك في مواجهة التمدّد الغربيّ. ففي 1910 نُقل إلى اليمن ليشارك في إخماد انتفاضة الإمام يحيى، ثمّ تطوّع للقتال ضدّ الغزو الإيطالي لليبيا في 1911، فدافع عن بنغازي إلى جانب أنور ومصطفى كمال. وفي 1913 عاد إلى إسطنبول وقد صار من مؤسّسي جمعيّة «العهد»، وهي تنظيم سرّي للضبّاط العرب في الجيش العثمانيّ، معظمُ أعضائه عراقيّون، ومعهم قلّة من السوريين والفلسطينيين. بيد أنّه اعتُقل في شباط 1914. وفي أبريل (نيسان) حُكم بالإعدام، ما أثار موجة سخط واعتراض في مصر وسوريّا وبين عرب المَهاجر. وإذ أُطلق سراحه وسُمح له بالتوجّه إلى مصر، رُحّب به هناك كبطل قوميّ. فحينما اندلعت الحرب، طلب منه الحاكم البريطاني لمصر، اللورد كيتشنر، أن ينضمّ إلى القتال ضدّ الأتراك، ومن ورائهم الألمان، فلم يُبد استعداداً لذلك، وهو الذي كان دوماً، في مواقع قتاله الكثيرة، يقاتل البريطانيين متحالفاً مع الألمان. وفي 1916 راودت عزيز علي فكرة الاتّصال بألمانيا، إذ ربّما تمكّنت من إقناع حلفائها الأتراك بمنح العرب حكماً ذاتيّاً ضمن الإطار الجامع للإمبراطوريّة العثمانيّة. لكنْ فقط بعدما وعد البريطانيّون، في رسائل مكماهون، العرب بالاستقلال، وبعد أن رفع الشريف حسين، شريف مكّة، راية التمرّد، انضمّ المصري إلى الثورة العربيّة. وفي سبتمبر (أيلول) من العام نفسه عُيّن رئيس أركان الجيش الشريفي بطلب من البريطانيين، رغم تحفّظ الشريف حسين نفسه. وبالفعل تفاقمت الخلافات بينه وبين الشريف. فحين أمر الأخير بالهجوم على المدينة، حيث تتمركز القوّات العثمانيّة في الحجاز، عارض الخطّة كلّها، لتحبيذه انتفاضة داخل الإمبراطوريّة العثمانيّة، وليس عملاً يفضي إلى تقسيمها. ولأنّه، فوق هذا، بقي على تفضيله التحالف مع ألمانيا، بدل بريطانيا، استقال من أدواره العسكريّة وعاد إلى القاهرة قبل نهاية 1916.
لكنّ الصحافي اللبناني أسعد داغر، المقرّب إلى المصري والمعجب به، بحيث سمّاه «أبا الفكرة العربيّة وحامل لوائها»، يضيف سبباً آخر إلى خلافه مع القيادة الهاشميّة. فعزيز علي لم يُخفِ منذ البداية احتقاره للبداوة وقدراتها العسكريّة، وكان يتساءل: «هل تعتقدون أنّنا نستطيع تحقيق هذه الأمنية بالقوّات التي لدينا الآن؟ هل تقبلون بأن تدخلوا سوريّا بهذا الجيش الذي لا قوّة له ولا نظام فيه؟ وكيف يقابلنا سكّانها إذا نحن جئناهم للسلب والنهب والتدمير والتخريب؟ فقبل التفكير في الزحف إلى الشمال يجب علينا، على الأقلّ، أن نعمل على إيجاد جيش منظّم».
وعلى أي حال، انتقل المصري من القاهرة إلى سويسرا، ومنها إلى ألمانيا، فسُمح له بالتوجّه إلى إسبانيا حيث بقي حتّى نهاية الحرب، وبعد ذاك توجّه إلى برلين التي بقي فيها قرابة أربع سنوات. وفي 1922، وقد حصلت مصر على الاستقلال الناقص، عاد إليها من دون أن يُقبَل في الخدمة العسكريّة. إلاّ أنّه بعد سنوات من التبطّل، انضمّ إلى بلاط الملك فؤاد وعُيّن في 1935 مرافقاً لفاروق، الأمير والملك اللاحق، الذي كان حينذاك يدرس في بريطانيا. ولئن حال اختلاف طباعهما دون بقائه طويلاً في خدمته، إلاّ أنّه ظلّ يمتلك ما يكفي من التأثير عليه لدفعه في وقت لاحق إلى التعاطف مع المحور.
- «الضبّاط الأحرار»
ما بقي ثابتاً لا يتزحزح كان ولاء عزيز علي لحبّه القديم، ألمانيا، وهو حبّ يصعب التغافل عن مضمونه العاطفي الحادّ والمحتدم. هكذا زار الرايخ الثالث في 1938 كموفد من الدوائر المصريّة المناهضة للبريطانيين، كي يناقش عمليّة تزوّد سرّيّة بالسلاح. وفي صيف 1939 حين تولّى علي ماهر رئاسة الحكومة، وهو الموالي للألمان، عيّنه رئيسَ أركان الجيش، ثمّ سقط بسقوط ماهر الذي أُجبر على الاستقالة في يونيو (حزيران) 1940. ولئن تقاعد في 1 أغسطس (آب) نهائيّاً، فإنّ شوقه الغالب لرؤية انتصار ألماني في 1941 حمله على تغيير خططه الشخصيّة. وفي هذا، لم يكن عزيز علي وحيداً بين الضبّاط المصريين الملتفّين حوله، وكان أحدهم وأصغرهم سنّاً يومذاك أنور السادات، ابن الثالثة والعشرين. هكذا قرّر المصري أن ينضمّ إلى قوّات رومل في الصحراء الغربيّة، ووافق الألمان على الفكرة، كما أُجريت محاولات فاشلة عدّة لنقله، انتهت باعتقال البريطانيين له، ومعه ضابطان أحدهما الطيّار عبد المنعم عبد الرؤوف، الذي سيصبح لاحقاً عضواً من جماعة الإخوان المسلمين في قيادة «الضبّاط الأحرار».
وبدورهم لم يكن الألمان مخطئين في تقييمهم الذي شدّد على أنّ الملك والضبّاط المصريين الشبّان يميلون إليهم. فقد ظهر بين الضبّاط المصريين مَن ينشقّ ويحاول الانضمام إلى قوّات رومل في ليبيا، ومنهم حسن إبراهيم، الذي غدا، هو الآخر، أحد قياديي «الضبّاط الأحرار». ومع حادثة 4 فبراير (شباط) 1942، حين تدخّل البريطانيّون بالقوّة كي يفرضوا على الملك فاروق حكومة وفديّة موالية لهم، بدل الحكومة الموالية للألمان، وكان الأخيرون وحلفاؤهم اليابانيّون ما زالوا يحرزون انتصارات عسكريّة باهرة، تعاونت مع العملاء الألمان شبكة ضبّاط على رأسها السادات الذي اعتُقل وانضمّ في سجنه إلى عزيز علي.
وعلى العموم، كان لواقعة 4 فبراير التي أصابت الوطنيّة المصريّة برضّة لم تبرأ منها، أن هندست تحالفاً غير معلن ضمّ، إلى المصري، جماعة الإخوان المسلمين، وحزب «مصر الفتاة» شبه الفاشي، وعلي ماهر، وشيخ الأزهر مصطفى المراغي، ممن جمعهم العداء للوفد والإنجليز. ولم ينظر أطراف هذا التحالف بأي عداء إلى الملك والمَلكيّة إلاّ في وقت لاحق، إذ من الأدقّ القول إنّ القصر منح بركته لهذا التحالف الوطني والرجعي معاً، والذي تغيّرت مكوّناته من غير أن تتغيّر توجّهاته. ذاك أنّ نشأته رسمت خطّاً للانقسام حَكَمَ السياسات التالية لمصر وباقي المشرق العربيّ، يضع الوطنيّة والقوميّة والإسلام مقابل الديمقراطيّة والاستعمار، كما يصطفّ في العلاقة بالقوى الدوليّة في مواجهة الدول التي هي استعماريّة وديمقراطيّة في الوقت نفسه.
أمّا بعد الحرب العالميّة الثانية، ولدى التفكير في إطاحة النظام الملكيّ، فكان المصري أوّل الأسماء التي فكّر فيها ضبّاط الانقلاب اللاحق كي يلعب الدور الذي لعبه محمد نجيب، وهو ما يُرجّح أن يكون تقدّمه في السنّ سبب الاعتذار عنه. لكنْ يبقى أنّ الضبّاط الشبّان هؤلاء الذين التفّوا حوله، وكان السادات همزة الوصل بينه وبينهم وبين الإخوان المسلمين، رأوا فيه «رغم شيخوخته، دور الأب الروحيّ، بما يمثّله تاريخه السياسي من كراهة للإنجليز ومن النشاط من خلال المؤسّسة العسكريّة».
ذاك أنه بعد فشل التعويل على دفع الملك إلى مصادمة البريطانيين وتزعّم العمل الوطني المناهض لهم، وفي مناخ ما بعد هزيمة 1948 وما نُسب إلى «الفساد» و«الأسلحة الفاسدة» في التسبب بها، تجمّع هؤلاء، عام 1949 في تركيبة «الضبّاط الأحرار».
فإذا دقّقنا في عناصر سيرة المصري تبدّت لنا قوّة الخلفيّة العثمانيّة – التركيّة، والهوى الألمانيّ، والسلوك التآمريّ، وكذلك الوعي البالغ المحافظة في العلاقة بالملك ومؤسّسة القصر، معطوفاً على المراتبيّة التنظيميّة الحديثة والكارهة للبداوة و«التخلّف». كما تبدّى لنا، في المقابل، قوّة العداء لبريطانيا واستعمارها، ولكنْ أيضاً للديمقراطيّة وحزب الوفد البرلمانيّ. والراهن أنّ توزّع المشاعر والمواقف على هذا النحو، والذي لم يأتِ صدفة، صبغ لاحقاً معظم العمل الوطني والقومي في المشرق العربيّ، على ما يوضحه التحالف العريض الذي مثّله «الضبّاط الأحرار» المصريّون.

الحلقة (1): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... من الخيبة بأتاتورك إلى التجربة العراقيّة المبكرة

الحلقة (3): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... ثنائيتا «العروبة والإسلام» و«القومية والاشتراكية»

الحلقة (4): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... من عبد الناصر إلى مرحلتي الوعي الانقلابي


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.