«قمة السبع» تنطلق لبحث الجائحة والمناخ ومساعدة الدول الفقيرة

منظمات غير حكومية تقول إن توزيع مليار جرعة لقاح غير كافٍ للقضاء على الوباء

«قمة السبع» تنطلق لبحث الجائحة والمناخ ومساعدة الدول الفقيرة
TT

«قمة السبع» تنطلق لبحث الجائحة والمناخ ومساعدة الدول الفقيرة

«قمة السبع» تنطلق لبحث الجائحة والمناخ ومساعدة الدول الفقيرة

بعد أشهر من لقاءات عبر الفيديو التأمت أمس، قمة مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى التي تستضيفها بريطانيا للبحث في المشكلات العالمية، وسط تصميم القادة على تأكيد وحدتهم في مواجهة الأزمات العالمية بدءاً بالمناخ والوباء مع التركيز على إعادة توزيع مليار جرعة لقاح ضد «كوفيد - 19»، والذي عُدّ غير كافٍ من المنظمات الإنسانية والخيرية التي انتقدت بشدة الموقف.
وذكرت وكالة «بلومبرغ» للأنباء أن مجموعة السبع ستطلب أيضاً تحقيقاً جديداً من منظمة الصحة العالمية حول منشأ فيروس «كورونا».
وستكون مكافحة الاحترار المناخي أولوية أخرى في القمة التي تعتمد الحياد الكربوني، قبل مؤتمر الأمم المتحدة الرئيسي حول المناخ (مؤتمر الأطراف السادس والعشرون) المقرر في نوفمبر (تشرين الثاني) في اسكوتلندا. ويطمح بوريس جونسون إلى «ثورة صناعية خضراء» مع هدف خفض نصف انبعاثات الغازات ذات مفعول الدفيئة بحلول 2030، كما تدرس المجموعة تخصيص 100 مليار دولار إضافية لاحتياطيات صندوق النقد الدولي، لمساعدة الدول الفقيرة في التعافي من تداعيات جائحة «كورونا». وقال جونسون إنه يأمل أن هذا اللقاء يجعل من القمة أكثر من مجرد مؤتمر للديمقراطيات الرائدة. وأضاف جونسون: «حان الوقت للديمقراطيات العالمية الأكبر والأكثر تقدماً على الصعيد التكنولوجي أن تتحمل مسؤولياتها وتسهم في تلقيح العالم بأسره لأن أي شخص لن يحظى بالحماية ما لم يكن الجميع محمياً». وقال البيت الأبيض إن الجهد العالمي من شأنه أن يوفر الاحتياجات الصحية، بما في ذلك اللقاحات، وأيضاً المساعدة في تحقيق تعافٍ اقتصادي أكثر قوة، وحفاظاً على البيئة. ويستعد صندوق النقد الدولي لمنح الدول الأعضاء فيه أكبر ضخ للموارد في تاريخه، بواقع 650 مليار دولار، لتعزيز السيولة العالمية ومساعدة الدول الناشئة وذات الدخل المنخفض على التعامل مع الديون المتزايدة و«كوفيد - 19». ويعد هذا الاجتماع هو الأول وجهاً لوجه بين القادة منذ عامين، بعد أن التقى قادة مجموعة السبع افتراضياً فقط العام الماضي بسبب الجائحة. كما أنها تعد أول قمة دولية رئيسية يشارك فيها الرئيس الأميركي جو بايدن، بعد توليه منصبه، والتي يحضرها في إطار جولة أوروبية تستغرق أسبوعاً واحداً. وتضم مجموعة السبع الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان وكندا، وقد تمت دعوة زعماء أستراليا والهند وكوريا الجنوبية وجنوب أفريقيا أيضاً للمشاركة يوم السبت كضيوف.
وستشكل القمة أيضاً «عودة» للولايات المتحدة إلى الساحة الدولية، حسب التعبير الذي استخدمه الرئيس الأميركي جو بايدن بعد سنوات من الانعزال في عهد سلفه دونالد ترمب. في المقابل، ستكون هذه هي القمة الأخيرة للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وربما إيمانويل ماكرون. وقال مسؤول أميركي، كما اقتبست منه الوكالة الألمانية، إن القمة ستتيح أيضاً «إثبات أننا متحدون في تصميمنا على إظهار أن الديمقراطية والقيم الديمقراطية المشتركة تقدم أفضل وسيلة للرد على أكبر التحديات العالمية». ومع تكاثر الدعوات إلى التضامن على هذا الصعيد، يُتوقع أن يتفق قادة الدول على زيادة قدرات الإنتاج مع هدف يقوم على «القضاء على الجائحة في 2022» على ما أفادت رئاسة الحكومة البريطانية. ووعدت الولايات المتحدة بتوفير نصف مليار جرعة فيما التزمت بريطانيا بمائة مليون أخرى عبر آلية «كوفاكس» العالمية لتشارك اللقاحات، إلا أن المنظمات غير الحكومية تعد ذلك غير كافٍ. وقالت منظمة «أوكسفام»: «بوتيرة التلقيح الراهنة، ستحتاج الدول المتدنية الدخل إلى 57 عاماً للوصول إلى مستوى الحماية نفسه المسجل في دول مجموعة السبع. هذا أمر غير مقبول أخلاقياً ويعطي نتائج عكسية نظراً إلى الخطر الذي تشكله متحورات فيروس (كورونا)». وقالت إن 11 مليار جرعة على الأقل ستكون ضرورية لاستئصال الوباء الذي تسبب بوفاة 3,7 مليون شخص في العالم. وتدعو إلى تعليق براءات الاختراع للسماح بإنتاج كبير. وتؤيد واشنطن وباريس ذلك فيما تعارضه ألمانيا بقوة. ودعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كذلك مختبرات إنتاج الأدوية إلى إعطاء 10% من الجرعات المبيعة، وتمنى أن تعتمد مجموعة السبع هدفاً يقضي بتلقيح 60% من الأفارقة بحلول نهاية مارس (آذار) 2022. وربع الجرعات الـ2,3 مليار التي أُعطيت في العالم حتى الآن إنما أُعطيت في دول مجموعة السبع التي تضم 10% من سكان العالم. والدول «الضعيفة الدخل» حسب تصنيف البنك الدولي، حصلت حتى الآن على 0,3% فقط من الجرعات. وللحفاظ على التعددية الحيوية، يرغب في أن تتعهد مجموعة السبع بحماية «30% على الأقل» من الأراضي والمحيطات. ويُرتقب أن تشجع مجموعة السبع الاستثمارات في البنى التحتية المراعية للبيئة في الدول النامية لتحفيز اقتصادها وجعله خالياً من الكربون. وحسب المسؤول الأميركي، فإن الأمر يتعلق باقتراح مضاد لـ«طرق الحرير الجديدة»، المشروع الكبير للصين الهادف إلى بناء البنى التحتية في الخارج لزيادة نفوذها. وقال إن «مجموعة السبع ستعتمد آلية تلغي الفساد، ذات معايير عالية وشفافة تحترم المناخ للاستثمار في البنى التحتية الحسية والرقمية والصحية في الدول ذات الدخل المحدود والمتوسط». وقبل القمة، اعتمد بوريس جونسون وجو بايدن موقفاً موحداً بشأن ضرورة التحرك على صعيد المناخ مع إقرار «ميثاق الأطلسي» الجديد الذي يشدد أيضاً على ضرورة مواجهة الهجمات الإلكترونية. ويطمح جونسون إلى إقرار «خطة مارشال» لمساعدة الدول النامية على التخلص من الكربون في اقتصاداتها على ما ذكرت صحيفة «ذي تايمز» على غرار خطة التمويل الأميركية الضخمة لإعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. وفيما يتفق الحليفان الكبيران على الملفات الدولية الرئيسية مثل التحديات التي تشكّلها الصين وروسيا وستطرح خلال قمة مجموعة السبع، لا يزال التشنج قائماً بين الطرفين بشأن آيرلندا الشمالية التي هي في صلب خلاف بين لندن والاتحاد الأوروبي إثر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وفي حين امتنع جو بايدن عن أي انتقاد علني، ينوي القادة الأوروبيون تذكير بوريس جونسون بتمسكهم بالاتفاقات الموقّعة التي تريد لندن إعادة النظر فيها في مواجهة الغضب في هذه المقاطعة البريطانية. وحذّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الحكومة البريطانية أول من أمس (الخميس)، من أن الاتفاقات الموقَّعة «ليست قابلة لإعادة التفاوض»، وردّ عليه وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب أمس (الجمعة)، قائلاً إن «وحدة أراضي المملكة المتحدة» غير قابلة للتفاوض.

جونسون: علاقة لندن بواشنطن «غير قابلة للتدمير»
> وصف رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون العلاقات البريطانية - الأميركية بأنها «غير قابلة للتدمير» بعد أول لقاء له أول من أمس (الخميس)، مع الرئيس الأميركي جو بايدن قبل القمة. وقال جونسون خلال مقابلة مع هيئة «بي بي سي» صباح أمس (الجمعة): «إنها علاقة، يمكنكم القول إنها عميقة وهادفة، كما تشاءون، علاقة غير قابلة للتدمير»، مضيفاً: «إنها علاقة مستمرة منذ فترة طويلة جداً ولعبت دوراً مهماً في السلام والازدهار في أوروبا والعالم». وخلال لقاء الزعيمين (الخميس) وجهاً لوجه، ناقش جونسون وبايدن «25 مسألة» بالتفصيل، بما فيها التوتر الناجم عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في آيرلندا الشمالية.
وقلّل بوريس جونسون من استياء جو بايدن فيما يتعلق بمحاولات لندن إبطال «بروتوكول آيرلندا الشمالية» الذي يهدف إلى تجنب عودة الحدود مع آيرلندا، العضو في الاتحاد الأوروبي، لكنه تسبب باضطرابات على صعيد التجارة بين البر الرئيسي لبريطانيا وآيرلندا الشمالية. وأوضح أن بريطانيا والاتحاد الأوروبي وواشنطن و«كل الأطراف لديها مصلحة كبيرة في التأكد من أننا نحافظ على التناسق الأساسي لاتفاق الجمعة العظيمة» الذي أُبرم في عام 1998 وأنهى الصراع الدموي في المقاطعة الخاضعة للحكم البريطاني الذي استمر ثلاثة عقود.
وتابع جونسون: «أعتقد أنه يمكننا القيام بذلك».



ماسك يعرض شراء «رايان إير» للطيران... والشركة تردّ بالسخرية

طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)
طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)
TT

ماسك يعرض شراء «رايان إير» للطيران... والشركة تردّ بالسخرية

طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)
طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)

أثار الملياردير الأميركي إيلون ماسك موجة من التفاعل على منصة «إكس» بعدما لمح، على سبيل المزاح، إلى رغبته في شراء شركة الطيران الأوروبية منخفضة التكلفة «رايان إير»، وتعيين شخص يحمل اسم «رايان» لإدارتها.

الملياردير الأميركي إيلون ماسك في مركز معارض «بورت دو فرساي» في باريس بفرنسا يوم 16 يونيو 2023 (أ.ف.ب)

وجاءت هذه التصريحات عقب مناوشة إلكترونية بدأت عندما سخر فريق «رايان إير» على وسائل التواصل الاجتماعي من انقطاع مؤقت في منصة «إكس»، موجّهاً تعليقاً لماسك يتساءل فيه ما إذا كان يحتاج إلى خدمة «واي فاي». وردّ ماسك بطريقة ساخرة، متسائلاً إن كان عليه «شراء رايان إير ووضع شخص اسمه الحقيقي رايان على رأسها».

ولم يكتفِ ماسك بذلك، بل عاد ليسأل الشركة عن تكلفة الاستحواذ عليها، معتبراً أن من «قدرها» أن يملكها شخص يحمل الاسم نفسه. هذا التراشق الساخر سرعان ما استدعى رداً رسمياً من المدير التنفيذي لـ«رايان إير» مايكل أوليري، الذي قال إن ماسك «يعرف عن قوانين ملكية شركات الطيران أقل مما يعرف عن ديناميكا الطيران»، مضيفاً أنه سيتناول الموضوع في مؤتمر صحافي بدبلن، وفق ما نقلته شبكة «يورو نيوز» الإخبارية.

كما أطلقت شركة «رايان إير» تعليقاً ساخراً عبر حسابها الرسمي، معلنة عن عرض خاص على المقاعد تحت عنوان «العظماء الأغبياء»، موجّهة إياه لماسك ولغيره من مستخدمي «إكس».

يُذكر أن أحد مؤسسي هذه الشركة هو رجل الأعمال الآيرلندي توني رايان، الذي لعب دوراً محورياً في إطلاقها خلال ثمانينات القرن الماضي. ورغم وفاته عام 2007، لا تزال عائلته من كبار المساهمين، فيما يتولى أوليري إدارة الشركة منذ سنوات طويلة.

لكن، بعيداً من المزاح، فإن أي محاولة حقيقية من ماسك لشراء «رايان إير» ستصطدم بعقبات قانونية أوروبية. فوفقاً لقوانين الاتحاد الأوروبي، يجب أن تكون شركات الطيران العاملة داخل التكتل مملوكة بنسبة لا تقل عن 50 في المائة لمواطنين من دول الاتحاد وتحت سيطرتهم الفعلية. وبما أن ماسك أميركي الجنسية، فلن يُسمح له بالاستحواذ على حصة مسيطرة دون تغيير جذري في هيكل الملكية، وهو ما قد يعرّض تراخيص الشركة للخطر.

ورغم كل ذلك، بدا أن ماسك يستمتع بالجدل، إذ حققت هذه السجالات ملايين المشاهدات خلال وقت قصير.


أمين عام سابق لحلف «الناتو»: أزمة غرينلاند تظهر أن وقت تملّق ترمب انتهى

آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
TT

أمين عام سابق لحلف «الناتو»: أزمة غرينلاند تظهر أن وقت تملّق ترمب انتهى

آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)

قال الأمين العام الأسبق لحلف شمال الأطلسي (ناتو) ورئيس الوزراء الدنماركي السابق آندرس فو راسموسن، الثلاثاء، إن وقت تملّق الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتهى، وإنه ينبغي لأوروبا أن ترد بقوة اقتصادياً إذا فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية على أعضاء الحلف الذين أرسلوا قوات إلى غرينلاند، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف راسموسن أن إصرار ترمب على ضرورة أن تصبح ‌غرينلاند جزءاً من ‌الولايات المتحدة يمثّل ‌أكبر ⁠تحدٍّ ​للحلف ‌منذ تأسيسه في عام 1949. وغرينلاند إقليم دنماركي شبه مستقل.

ويقدّم راسموسن منظوراً فريداً للأزمة بصفته زعيماً سابقاً لكل من الدنمارك، التي تولى رئاسة وزرائها من 2001 إلى 2009، وحلف الأطلسي (ناتو)، حيث شغل منصب الأمين العام ⁠من 2009 إلى 2014.

وقال: «مستقبل حلف شمال الأطلسي ‌هو الذي بات على المحك حقاً». وأضاف لوكالة «رويترز» من المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا: «انتهى وقت التملق؛ فهو لا يجدي نفعاً. والحقيقة أن ترمب لا يحترم إلا القوة والوحدة. وهذا هو بالضبط ما يجب على أوروبا ​أن تظهره الآن».

وأفاد بأنه لا ينتقد قادة مثل الرئيس الحالي لحلف الأطلسي ⁠مارك روته، الذي أغدق المديح على ترمب، لكنه قال إن الوقت حان لاتباع أوروبا نهجاً جديداً.

ولفت إلى أن أداة الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه التي تمنح صلاحيات واسعة للرد على الضغوط الاقتصادية يجب أن تكون مطروحة بعد أن هدد ترمب بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية لحين السماح للولايات المتحدة بشراء غرينلاند.

ويقول ترمب إن ملكية ‌الولايات المتحدة لغرينلاند أمر حيوي للأمن القومي الأميركي.


أزمة غرينلاند بين واشنطن وأوروبا: فرصة لروسيا أم مصدر قلق؟

سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
TT

أزمة غرينلاند بين واشنطن وأوروبا: فرصة لروسيا أم مصدر قلق؟

سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)

لطالما قامت استراتيجية الكرملين على إحداث شرخ دائم بين الولايات المتحدة وأوروبا، بهدف تقسيم خصومه التقليديين في الغرب وإضعافهم، وذلك حسب تحليل نشره ماثيو تشانس، كبير مراسلي الشؤون العالمية في شبكة «سي إن إن».

وعلى مدى سنوات، شجّعت روسيا التخريب والتضليل لتقويض المؤسسات الغربية، التي تُعدّ عقبات صلبة أمام طموحات موسكو التوسعية ومساعيها لاستعادة مكانتها ونفوذها على غرار الاتحاد السوفياتي السابق، وفقاً لتشانس.

وأوضح أن «تفكيك حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التحالف العسكري الغربي الأقوى، هدف رئيسي للكرملين، ولا سيما منذ اندلاع حرب أوكرانيا. وقد استغل الكرملين المخاوف من التوسع المحتمل للحلف لتبرير غزوه الشامل والعنيف لأوكرانيا قبل نحو أربع سنوات».

وقال تشانس: «تخيّلوا إذن حجم الفرحة في أروقة الكرملين إزاء احتمال تفكك الوحدة الغربية وانهيار حلف (الناتو)، الذي شكّل على مدى ثمانين عاماً حصناً منيعاً في مواجهة التهديدات الروسية، بسبب قضية غرينلاند غير المتوقعة والمبادرات غير المرحّب بها التي يبديها الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه هذه المنطقة الدنماركية».

وأضاف: «تراقب روسيا بدهشة من بعيد، بينما ينشغل خصومها القدامى بصراعاتهم الداخلية».

قلق أوروبي وفرح روسي مُعلن

علّقت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، في تصريح على منصة «إكس»، عقب تهديد ترمب بفرض تعريفات جمركية استثنائية على الحلفاء الأوروبيين المعارضين للسيطرة الأميركية على غرينلاند، قائلة: «لا شك أن الصين وروسيا في غاية السعادة».

ورغم أن الصين وروسيا تنفيان بشدة وجود أي مطامع إقليمية لهما في غرينلاند، بل إن الجيش الدنماركي يؤكد عدم وجود تهديد غزو حقيقي من الشرق، فإن المشهد بدا مختلفاً في الداخل الروسي.

ففي التلفزيون الرسمي الروسي، ابتهج المعلّقون الموالون للكرملين بتحركات ترمب بشأن غرينلاند، واصفين إياها بأنها «توجيه ضربة كارثية لحلف (الناتو)»، وأنها «هائلة حقاً بالنسبة لروسيا».

والرأي السائد أن مواجهة حلف «الناتو» لأكبر أزمة له منذ عقود، واحتمال تفكك الوحدة عبر الأطلسي، سيؤديان حتماً إلى تراجع الدعم الغربي للمجهود الحربي الأوكراني، ما يمنح موسكو يداً أقوى في ساحة المعركة. ولسوء حظ كييف، قد يثبت هذا التقييم صحته. ومع ذلك، لم يُبدِ الكرملين حماسة احتفالية حتى الآن.

أشخاص يتظاهرون أمام القنصلية الأميركية في نوك احتجاجاً على سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه غرينلاند (أ.ب)

موقف روسي رسمي حذر

على الأقل في البداية، جاء رد الفعل الرسمي في موسكو هادئاً نسبياً، بل اتسم بالنقد. إذ صرّح المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، للصحافيين بأن ترمب «يتصرف في غرينلاند خارج نطاق القانون الدولي»، في موقف لافت من الكرملين.

وقد يُنظر في موسكو إلى سيطرة الولايات المتحدة المحتملة على غرينلاند على أنها تحدٍّ مباشر لهيمنة روسيا في منطقة القطب الشمالي.

إلا أن المخاوف الروسية تبدو أعمق من ذلك، إذ يراقب الكرملين، شأنه شأن بقية العالم، بقلق وريبة إدارة ترمب المتقلبة، وهي تمارس نفوذاً عسكرياً واقتصادياً عالمياً يبدو دون قيود، حسب ما أشار إليه تشانس.

وفي أول خطاب له عن السياسة الخارجية في العام الجديد، عبّر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن أسفه لحال العالم، قائلاً: «غالباً ما تحل الإجراءات الأحادية والخطيرة محل الدبلوماسية، وجهود التوصل إلى حلول وسط أو إيجاد تسويات ترضي الجميع».

وأضاف في إشارة واضحة إلى التحركات الأميركية على الساحة الدولية، دون إقرار بمسؤولية بلاده: «بدلاً من أن تنخرط الدول في حوار فيما بينها، هناك من يعتمد على مبدأ القوة المطلقة لفرض رواياته الأحادية، ومن يعتقد أنه يستطيع فرض إرادته وإملاء الأوامر على الآخرين».

تحالفات موسكو تتفكك

وفي الوقت نفسه، تشهد شبكة تحالفات موسكو تآكلاً متسارعاً. فقد تضررت بشدة إثر الإطاحة بالرئيس السوري المدعوم من روسيا، بشار الأسد، العام الماضي.

كما تعرّضت إيران، الحليف الروسي القديم، لغارات جوية أميركية وإسرائيلية مؤلمة العام الماضي. وفي أعقاب حملة القمع الوحشية الأخيرة ضد المتظاهرين المناهضين للحكومة، قد تواجه طهران هجوماً جديداً قريباً.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، شكّل اعتقال القوات الأميركية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، المقرّب من الكرملين، صفعة أخرى لموسكو.

كما أن الحديث الكثير عن كوبا، الحليف التقليدي لروسيا والخصم التاريخي للولايات المتحدة، بوصفها الهدف التالي لواشنطن في مساعيها من أجل تغيير الأنظمة، ينذر بمزيد من الإذلال للسياسة الخارجية الروسية، حسب وصف تشانس.

لافتة كبيرة كُتب عليها «غرينلاند ليست للبيع» تظهر خارج متجر ملابس في نوك (أ.ف.ب)

نظام عالمي يتغيّر

لطالما سخرت موسكو من النظام الدولي القائم على القواعد، الذي أُرسِيَ بعد الحرب العالمية الثانية، عادّةً إياه أداة غربية مليئة بالمعايير المزدوجة لاحتواء خصومها، وفي مقدمتهم الكرملين نفسه.

وقد تحدّت روسيا علناً ميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر تغيير الحدود بالقوة، وسعت باستمرار إلى عالم تُقسَّم فيه مناطق النفوذ بين القوى العظمى.

ويبدو أن واشنطن تتبنى اليوم، بشكل كبير، هذه الرؤية الروسية للعالم، وهو ما قد يُعدّ نظرياً انتصاراً مهماً لموسكو، حسب تشانس. وتابع: «غير أن الاحتفال بهذا الانتصار مؤجّل حالياً، وسط مخاوف كبيرة من طبيعة العالم الجديد والخطير الذي قد ينبثق عنه».

وأضاف: «قد يُشكّل التعامل مع رئيس أميركي يزداد تهوّراً وعدم قابلية للتنبؤ تحدياً حقيقياً للكرملين، الذي اعتاد التعامل مع إدارات أميركية أكثر استقراراً وانضباطاً».