«عينك في عينهم»... دعوة تشكيلية للتفاعل الإنساني

«عينك في عينهم»... دعوة تشكيلية للتفاعل الإنساني

تقدم المعرض مصرية اعتزلت السياسة والاقتصاد من أجل الفن
الجمعة - 1 ذو القعدة 1442 هـ - 11 يونيو 2021 مـ رقم العدد [ 15536]

بعد قضاء أكثر من ربع قرن في العمل التنموي الدولي قررت الخبيرة الاقتصادية المصرية ندى مبارك، اعتزال ذلك المجال والتفرغ للفن التشكيلي؛ ما أسفر عن إنجازها 21 لوحة، هي مجموع لوحات معرضها الأول «عينك في عينهم» بقاعة «أوبونتو» بحي الزمالك (وسط القاهرة) الذي يعد مضمونة بمثابة دعوة إلى التفاعل مع الآخر، وعلى الرّغم من أنّه لم يسبق للفنانة المصرية المشاركة من قبل في أي فاعلية تشكيلية، فإنّه لا نستطيع القول إنّها قد ابتعدت كثيراً عن هذا الفن.

فبعد التنقل بين اللوحات يكتشف المتلقي أنّ سيدة السياسة والاقتصاد التي عملت طويلاً في مؤسسات وهيئات تنموية دولية لم يتوقف شغفها بعد بالقضايا المجتمعية والمشكلات الاقتصادية والتشابكات الإنسانية حتى بعد أن اعتزلت العمل بها، فهي لا تزال تتصدى لذلك كله، وإن كانت قد اختارت هذه المرة أن تفعل ذلك بأسلوب مختلف، خرج بها من أطر المشروعات العالمية على أرض الواقع والمؤتمرات المتخصصة في القاعات المغلقة الفخمة إلى فضاءات المسطحات التشكيلية النابضة بهموم الناس وأوجاعهم وأحلامهم.

تقول ندى مبارك لـ«الشرق الأوسط»: «لوحاتي تحمل دعوة للناس بإمعان النظر في عيون الآخرين، فقد أردت أن أقول للجميع ألا ينسوا أو يتغافلوا أن ينظروا حولهم؛ لأنه للأسف أصبح كل شخص الآن يريد أن يعيش في شبه فقاعة كبيرة، وقلما يعرف شيئاً حتى عن أقرب الأقربين إليه، ومن ثم لا يقدّر ظروفه ومشكلاته التي قد تكون شديدة القسوة». كما يتجلى شغف الفنانة بعالم الحيوان في بعض أعمالها إلى حد أن كل إنسان جسدته في أي لوحة بالمعرض هناك ما يقابله من الحيوانات في لوحة أخرى، حسب الصفات التي تستشعرها فيه، إلا أنّ الثور والجاموسة يحتلان النصيب الأكبر ويمثلان أهم أبطال لوحاتها ليس فقط لرمزيتهما، ولكن أيضاً لما يعكسانه من صفات بشرية أساسية وتناقضات بارزة ما بين القوة والهشاشة وفق الفنانة التي تستلهم كذلك جانباً من أعمالها من الثقافة المصرية القديمة، لكن برؤى ذات أبعاد سياسية واجتماعية متنوعة.

في إحدى اللوحات تتناول مبارك قضية تهميش الفتاة في المجتمع المصري من وجهة نظرها عبر رسم طفلة حولها حيوانات يحتار المشاهد أمامها بسبب المزج بين الملامح، هل هي جواميس أم ثيران، وذلك في رمزية تشير إلى تفاقم مشكلات الفتيات، وتقول مبارك «هذه هي اللوحة الوحيدة في المعرض التي يجتمع فيها إنسان مع حيوان، وقد أردت من خلالها تسليط الضوء على الفتيات، إذ أعتبرهن على الرغم من تعدد الفئات المهمشة في المجتمع، فإنهن الأكثر تهميشاً، وقد جعلت الحيوانات الثلاثة تنحني لها في دلالة على أنه على الجميع أن يقدروا قيمة الفتاة ومكانتها مهما كانت قوة الشخص أو سطوته».

وفي إطار شغف الفنانة أيضاً بالقضايا المجتمعية جعلت اللوحة التي تقابل لوحة رجل متواضع الحال، هي لوحة تتضمن ثلاثة ثيران متداخلة، وذلك في إشارة إلى أنّه من الضروري حين نتأمل شخصاً ما ونحاول رصد حاله أن ندرك أن هناك وراء مظهره الخارجي أبعاداً ومسارات أخرى ينبغي وضعها في اعتبارنا كي نجيد الحكم عليه، وهي فكرة فلسفية تشرحها قائلة «التقيت ذات يوم رجلاً يجلس في الشارع، ورغم ما قد توحي به تفاصيله البسيطة، فإنّه حين تحدث شعرت أنّ ثمة أبعاداً أخرى خفية يمكنها أن تكشف لنا الكثير عنه، فأسلوب كلامه وطريقة سرده إنما يؤكدان أنّه كان ذا شأن كبير في يوم من الأيام؛ ما أوحى لي برسم هاتين اللوحتين».

هذا العمق الإنساني الذي تتضمنه اللوحات على بساطة أسلوبها التعبيري الرمزي يُعد مُحفزاً للتفكير ومحاولة الوصول إلى إجابات لكثير من التساؤلات الحائرة بها من جانب المتلقي، بل قد تكون ملهمة له أيضاً، فقد فوجئت مبارك بطالب جامعي جاء لزيارة المعرض، فإذا به يبقى لوقت طويل بالقاعة صامتاً متأملاً ومستغرقاً في تفكيره إلى أن وجدته يمسك بقلمه ويكتب على أوراقه، وحين انتهى التفت إليها وسلمها الأوراق فإذا بها تجد بين يديها قصيدة من تأليفه استوحاها من إحدى اللوحات بعد تأثره البالغ بها، وهو ما تعبر عنه قائلة «كانت سعادتي لا توصف».

إذا كان هذا المعرض الجاري يمثل المرة الأولى التي تخرج ندى فيها للجمهور بأعمالها، فإنها ليست المرة الأولى التي تمسك فيها ريشتها وتختار من بين بالتة ألوانها الإكريلك ما يعبر عن أفكارها وأحاسيسها على المسطح الأبيض، فالفنانة التي ولدت في إحدى معاقل الفن في العالم في روما عام 1975، وتخرجت في كلية العلوم السياسية بالجامعة الأميركية في القاهرة، ومن ثم حصلت على درجة الماجستير في إدارة التنمية من كلية الاقتصاد بلندن، وكانت شديدة الحرص أثناء تطورها في مجال التنمية الدولية، وتوليها العديد من المشروعات المتخصصة فيه، أن تسعى بأقصى جهدها لصقل موهبتها الفنية، وذلك على أيدي كثير من الفنانين في مصر والخارج.

وتقول، إنّ هذا المعرض لن يكون الأخير لها، وتضيف «تركت العمل التنموي في الهيئات الدولية والكفاح من أجل القضايا المجتمعية، على ساحة مهما اتسعت فهي محدودة وهي ساحة الواقع، لكي أتفرغ لطرح القضايا نفسها بقوة أكبر ودفاع أكثر شراسة في فضاءات شاسعة غير متناهية وهي فضاءات الفن».


مصر Art

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة