خيبة في دمشق من تراجع مستوى الخدمات بعد «تحسن انتخابي»

ترصد أوضاع المعيشة في العاصمة السورية

صور الرئيس السوري بشار الأسد في أحد شوارع دمشق في 18 مايو (رويترز)
صور الرئيس السوري بشار الأسد في أحد شوارع دمشق في 18 مايو (رويترز)
TT

خيبة في دمشق من تراجع مستوى الخدمات بعد «تحسن انتخابي»

صور الرئيس السوري بشار الأسد في أحد شوارع دمشق في 18 مايو (رويترز)
صور الرئيس السوري بشار الأسد في أحد شوارع دمشق في 18 مايو (رويترز)

أُصيب كثير من أهالي دمشق بخيبة، جراء عدم دوام حالة التحسن في الخدمات الأساسية الحكومية التي حصلت خلال فترة الحملات الانتخابية لمنصب رئاسة الجمهورية، وعودة الوضع إلى ما كان عليه قبل تلك الحملات بعد إعلان نتائج الانتخابات.
وخلال حملات انتخابية للمرشحين، استمرت أكثر من أسبوع وسبقت الانتخابات التي جرت في 26 مايو (أيار) الماضي، شهدت التغذية الكهربائية في غالبية مناطق دمشق تحسنا ملحوظا، إذ انقلب برنامج التقنين من 4 ساعات قطع وساعتي وصل إلى 4 ساعات وصل مقابل ساعتي قطع، واستمر ضخ مياه الشرب إلى منازل المواطنين على مدار 24 ساعة.
كما شهدت تلك الفترة مواظبة عمال النظافة على رفع القمامة من الشوارع الرئيسية والفرعية والجادات بشكل يومي أكثر من مرة، واستقرارا نوعا ما في أسعار الخضراوات والفاكهة والعديد من المواد الغذائية التي يعاني أغلبية الناس من ارتفاعها بشكل كبير.
لكن بعد يوم واحد من الإعلان عن نتائج الانتخابات في 29 الشهر نفسه بفوز الرئيس بشار الأسد بولاية رابعة، بعد حصوله على 95.1 في المائة من أصوات الناخبين، عاد الوضع إلى ما كان عليه فيما يتعلق ببرنامج التقنين الخاص بالتغذية الكهربائية (من خلال 4 ساعات قطع وساعتي وصل)، وبعدها بيومين ساء الوضع أكثر وأصبح البرنامج في كثير من المناطق (4 ساعات قطع وساعتي وصل) مع تخلل فترة الوصل عمليات قطع تصل إلى 3 - 4 مرات وتستمر الواحدة ما بين 15 - 20 دقيقة.
وأدى الأمر إلى حصول استياء لدى معظم أوساط الأهالي، ويقول لـ«الشرق الأوسط» مدرس ثانوي: «الناس تعرف أن الهدف (من التحسن في الخدمات) الإيحاء للناس المنهكة من الغلاء وفقدان كل مقومات الحياة الأساسية، بأن الوضع بشكل عام ذاهب للتحسن وتحفيزها على المشاركة في عملية التصويت»، ويضيف، «لكن ما حصل بعد الانتخابات يثبت عكس ما روجوا له، وأن الوضع ذاهب إلى الأسوأ»، ويتابع، «ما يحصل يؤكد أن لا أمل بأي تحسن والناس ستنهك أكثر بسبب تفاقم أزمات الكهرباء والغاز والخبز والماء والمواصلات و... باختصار هي (هذه) مو (ليست) عشية أبدا».
طالب جامعي من جهته، يتحدث بطريقة لا تخلو من السخرية عما يحصل، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «كان همهم حشد الناس (في يوم الانتخابات) وتصويرها، وفعلا بطرقهم المعهودة تم ذلك»، ويضيف «أيضا همهم كان عرض هذه الحشود على الشاشات ومشاهدتها من قبل أغلبية الناس والأمر يحتاج إلى كهرباء ولذلك جرى تحسين التيار، الآن يبدو أنهم يحسمون ساعات الوصل الزائد التي تمت خلال الحملات الانتخابية ويوم الانتخابات!».
وإذ كانت عملية ضخ مياه الشرب إلى منازل المواطنين قبل وخلال الحملات الانتخابية تتم على مدار 24 ساعة، أعلنت محافظة دمشق منذ أيام عن برنامج تقنين لكافة مناطق العاصمة دمشق، يتضمن قطعها لساعات معينة وضخها في ساعات محددة، علما بأن مسؤولين حكوميين أكدوا في تصريحات سابقة أن غزارة الينابيع في منطقة «عين الفيجة» بريف العاصمة التي يجري تغذية مناطق دمشق منها جيدة جدا لهذا العام.
وأكثر ما فاجأ الأهالي، وزاد من صعوبة حياتهم المعيشية، هو تضاعف أسعار الخضراوات والفاكهة ما بين 3 - 4 مرات عما كانت عليه خلال الحملات الانتخابية، حيث شهدت خلالها الأسعار نوعا من استقرار.
ويصل سعر الكيلوغرام الواحد من «البازلاء» حاليا إلى 3500 ليرة سورية بعدما استقر خلال الحملات الانتخابية ما بين ألف وألف و200 ليرة، ووصل سعر الكيلوغرام من «الفاصولياء» الخضراء إلى 4 آلاف بعدما كان ما بين 1500 - 2000 ليرة سورية، بينما كان الكيلوغرام من «البندورة» ما بين 400 - 500 ليرة سورية، ويبلغ حاليا 800 ليرة، والخيار كان ما بين 400 - 600 ليرة على حين يصل حاليا إلى ألف ليرة.
وعلى حين كان الكيلوغرام الواحد من المشمش خلال فترة الحملات الانتخابية ما بين 1500 - 2000 ليرة سورية، حلق حاليا إلى ما بين 4000 - 5000 بينما يصل سعر الدراق حاليا إلى 5000 آلاف بعدما كان بنحو 2000.
وفي ظل هذه الحالة، تشهد معظم أسواق العاصمة دمشق قلة في المعروضات من خضراوات وفاكهة ومعظمها من النوع الوسط والسيئ، بينما تراجعت حركة الشراء من قبل المواطنين إلى حد كبير.
وانسحب الأمر أيضا على الأفران التي عادت إليها حاليا مظاهر الازدحام الكبير واستفحلت عمليات بيع الخبز على الأرصفة بكثافة وبأسعار للحزمة الواحدة (فيها 7 أرغفة) تصل إلى ألف ليرة (عشرة أضعاف السعر الحكومي)، بعدما شهدت الأفران خلال فترة الحملات الانتخابية شيئا من التنظيم وجرى ملاحقة باعة الأرصفة، حيث انخفض حينها سعر الربطة على الرصيف إلى ما بين 500 - 600 ليرة.
ويعيش أكثر من 90 في المائة من المقيمين داخل مناطق سيطرة الحكومة تحت خط الفقر، وتزداد مشكلة الجوع يوماً بعد آخر، مع تواصل فقدان مداخيل العائلات الشهرية جزءاً كبيراً من قيمتها، بسبب الانهيار القياسي لسعر صرف الليرة أمام الدولار والذي يسجل حالياً ما بين 3100 - 3200 بعدما كان ما بين 45 - 50 ليرة في عام 2010.
وباتت أغلبية المواطنين في مناطق سيطرة الحكومة تعيش أوضاعاً معيشية مزرية للغاية بسبب الارتفاع الجنوني للأسعار، خصوصاً المواد الغذائية، حيث ارتفعت أكثر 40 مرة، بينما لا يتعدى متوسط الراتب الشهري لموظفي القطاع العام 20 دولاراً، ولموظفي القطاع الخاص 50 دولاراً، بعدما كان راتب الموظف الحكومي قبل سنوات الحرب نحو 600 دولار.
ويؤكد خبراء اقتصاديون أن العائلة المكونة من خمسة أفراد في ظل هذه الأوضاع تحتاج إلى مليون ليرة لتعيش بشكل متوسط.



اليمن يضغط دولياً لمحاصرة مصادر تمويل وتسليح الحوثيين

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

اليمن يضغط دولياً لمحاصرة مصادر تمويل وتسليح الحوثيين

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)

تسعى الحكومة اليمنية إلى نقل التنسيق مع المملكة المتحدة من مستوى الدعم السياسي والدبلوماسي إلى إجراءات أكثر تأثيراً في مواجهة الميليشيات الحوثية، تشمل تصنيف الجماعة منظمة إرهابية، وتجفيف مصادر تمويلها وتسليحها، وتشديد الرقابة على التقنيات والمكونات التي تستخدمها في تطوير قدراتها العسكرية، بالتزامن مع تحركات دولية مرتقبة لحشد الدعم الاقتصادي والإنساني لليمن.

وجاءت هذه الملفات خلال لقاء رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط ستيفن دوتي، الذي بحث معه تطورات الأوضاع اليمنية والتهديدات التي تمثلها الجماعة الحوثية على الأمن الإقليمي والملاحة الدولية، إلى جانب الترتيبات الجارية لعقد مؤتمر دولي لدعم اليمن نهاية الشهر الحالي.

وأكد العليمي أن حماية الملاحة الدولية لا يمكن تحقيقها بمعزل عن إنهاء مصادر التهديد الحوثية، داعياً إلى دعم قدرات الدولة اليمنية في حماية أراضيها ومياهها الإقليمية، ومشدداً على ضرورة اقتران المواقف السياسية والقانونية بإجراءات عملية تستهدف شبكات التمويل والتسليح والتهريب التي تمد الجماعة بقدراتها العسكرية.

رشاد العليمي يطلب دعماً بريطانياً أوسع لمواجهة الحوثيين (سبأ)

وطالب رئيس مجلس القيادة اليمني المملكة المتحدة بدور أكثر فاعلية في حشد موقف دولي لتصنيف الحوثيين منظمة إرهابية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لحظر الجماعة وفق القانون البريطاني، مؤكداً أن استمرار التعامل مع تهديداتها دون تدابير رادعة يترك مصادر قوتها خارج دائرة الاستهداف.

تهديد يتجاوز اليمن

وضع العليمي أمام الوزير البريطاني صورة التصعيد الحوثي، مشيراً إلى استهداف مطارَي عدن والريان المدنيين، والهجمات المتواصلة على مدينة تعز، وما تتعرض له أحياؤها السكنية والمنشآت المدنية والأسواق والمدارس والمنازل من قصف، فضلاً عن الاعتداءات على الأعيان المدنية في السعودية وتهديد الممرات المائية وخطوط الملاحة الدولية.

وربط رئيس مجلس القيادة اليمني بين أمن المنطقة واستعادة مؤسسات الدولة اليمنية قدرتها على بسط سلطتها، عادَّاً أن دعم الحكومة في هذا الاتجاه يمثل الضمانة المستدامة لحماية الممرات البحرية والاستقرار الإقليمي.

الحوثيون دفعوا بعشرات الآلاف من مسلحيهم لاقتحام محافظة تعز (إ.ب.أ)

كما أثار العليمي ملف الانتهاكات الحوثية لحقوق الإنسان، في ضوء وفاة موظف في المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان أثناء احتجازه، وما وصفه باستمرار الاعتقال التعسفي لأكثر من 70 شخصاً من موظفي الأمم المتحدة، إلى جانب تعطيل المبادرات الرامية إلى تخفيف المعاناة الإنسانية.

وفي الجانب الاقتصادي والإنساني، أطلع الوزير دوتي رئيس مجلس القيادة اليمني على زيادة الدعم البريطاني لمواجهة تداعيات الأزمة الإنسانية في اليمن، مؤكداً استمرار مساندة بلاده للقيادة السياسية والحكومة في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والإنسانية.

وتناول اللقاء التحضيرات لعقد مؤتمر دولي لدعم اليمن نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، والجهود المبذولة لإنجاحه وتوجيه الاستجابة نحو الاحتياجات الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة.

وثمّن العليمي المواقف البريطانية الداعمة لليمن، خصوصاً دور لندن بوصفها حاملة القلم بشأن الملف اليمني في مجلس الأمن، كما أشاد بالدعم السعودي عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، بما في ذلك الاستجابة للاحتياجات الإنسانية في تعز والمحافظات الأخرى.


الحصار الحوثي على تعز يرفع أسعار السلع 5 أضعاف

عبوات بنزين معروضة للبيع في أحد شوارع مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
عبوات بنزين معروضة للبيع في أحد شوارع مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
TT

الحصار الحوثي على تعز يرفع أسعار السلع 5 أضعاف

عبوات بنزين معروضة للبيع في أحد شوارع مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
عبوات بنزين معروضة للبيع في أحد شوارع مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)

​ضاعف الحصار الذي يفرضه الحوثيون على مدينة تعز اليمنية معاناة مئات الآلاف من سكانها، بعدما ارتفعت أسعار السلع الأساسية إلى 5 أضعاف مستوياتها المعتادة، وسط استمرار إغلاق الطرق المؤدية إلى المدينة، وتعثر الجهود الإنسانية الرامية إلى فتح ممر آمن لإيصال المساعدات، في وقت تتسع فيه موجة النزوح من مناطق القتال غرب البلاد وجنوبها.

وقالت المنظمة الدولية للهجرة، إن التصعيد العسكري الأخير والقتال الناتج عنه تسببا في ارتفاع حاد لأسعار المواد الأساسية في تعز؛ حيث زادت تكلفتها ما بين 3 و5 أضعاف، نتيجة قطع طرق الوصول إلى المناطق المحيطة بالمدينة، الأمر الذي جعل حتى المواد الغذائية الضرورية بعيدة عن متناول كثير من العائلات.

وأضافت المنظمة أن أكثر من 300 ألف شخص اضطروا إلى الفرار من منازلهم مع تصاعد القتال في غرب اليمن، وأن معظم عمليات النزوح وقعت خلال الشهرين الماضيين، وسط صعوبات متزايدة تواجه الأسر في العثور على مأوى وتأمين احتياجاتها الأساسية، بالتزامن مع قيود تعرقل وصول وكالات الإغاثة إلى المتضررين.

الحوثيون يفرضون حصاراً على مدينة تعز منذ 4 أسابيع (إعلام محلي)

وقال رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة، عبد الستار إيسويف، إن العائلات اليمنية تجد نفسها، بعد سنوات من الصراع، مضطرة إلى النزوح مجدداً، وغالباً لا تملك سوى الملابس التي ترتديها، مؤكداً حاجتها العاجلة إلى المأوى والغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية.

وحذر إيسويف من أن نقص التمويل قد يترك آلاف العائلات دون المساعدة التي تحتاج إليها بشدة، في وقت تزداد فيه الاحتياجات الإنسانية مع اتساع رقعة المواجهات والنزوح.

ومنذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول)، نزح أكثر من 43 ألف شخص من مديرية المضاربة والعارة في محافظة لحج، وهو أعلى عدد مسجل في مديرية واحدة على مستوى اليمن، وفق المنظمة. وفي المقابل، تزداد حركة النزوح داخل محافظة تعز، بينما تتجه عائلات كثيرة إلى مدينة عدن التي تستضيف حالياً أكثر من 56 ألف نازح.

وفي محاولة لتخفيف التداعيات الصحية للأزمة، تشغِّل المنظمة 5 فرق طبية متنقلة في 4 محافظات، هي مأرب ولحج وعدن وتعز، بينها فريقان في الأخيرة، لتقديم خدمات الرعاية الصحية الأولية والاستشارات الطبية والصحة الإنجابية، إلى جانب معالجة سوء التغذية الحاد والتطعيم والإحالات الطبية وخدمات الصحة النفسية والحماية والرعاية الطارئة.

وقدمت الفرق الخمسة نحو ألف استشارة طبية خلال الأسبوع الماضي، في المناطق التي تعاني نقصاً في الخدمات أو تتأثر بالأزمات الإنسانية.

45 مليون دولار للاحتياجات العاجلة

في ظل اتساع الاحتياجات، قالت المنظمة الدولية للهجرة إن الاستجابة الإنسانية لا تزال بحاجة إلى تمويل إضافي، رغم المساهمات التي تلقَّتها لتوسيع نطاق تدخلاتها، محددة احتياجاتها بنحو 45 مليون دولار خلال الأشهر الستة المقبلة.

ويُفترض أن يغطي التمويل المطلوب المساعدات المنقذة للحياة، بما فيها المأوى والمساعدات النقدية الطارئة والمواد الأساسية غير الغذائية والحماية والرعاية الصحية والمياه النظيفة والصرف الصحي، فضلاً عن تنسيق مواقع النزوح وتتبع حركة السكان.

موجة نزوح مستمرة جرَّاء استهداف الحوثيين التجمعات السكنية (إعلام محلي)

وتأتي هذه التدخلات ضمن خطة الاستجابة لأزمة اليمن التي تستهدف الأسر النازحة والمجتمعات المضيفة، إلى جانب خطة الاستجابة الإقليمية للمهاجرين في القرن الأفريقي واليمن، المعنية بمساعدة المهاجرين القادمين من القرن الأفريقي عبر الأراضي اليمنية.

ورغم أن الحوثيين يفرضون الحصار على مدينة تعز، ويواصلون استهداف التجمعات السكانية في أريافها ومناطق غرب لحج، اكتفت المنظمة الدولية للهجرة بدعوة جميع أطراف النزاع إلى حماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني، وضمان وصول المساعدات بصورة آمنة ودون عوائق؛ خصوصاً إلى المناطق التي يصعب الوصول إليها في محافظة تعز.

استهداف القرى

في سياق متصل، أفادت مصادر حكومية يمنية «الشرق الأوسط» باستمرار تدفق الفارين من مناطق سيطرة الحوثيين في غرب محافظة لحج ومناطق التماس مع تعز، نتيجة استمرار استهداف القرى السكنية بالقذائف الصاروخية والطائرات المُسيَّرة؛ خصوصاً في مديريتي المقاطرة والمضاربة.

أكثر من 300 ألف نازح يمني جرَّاء العدوان الحوثي المستمر منذ سبتمبر الماضي (إعلام محلي)

وذكرت المصادر أن الحوثيين، بعد إغلاق الطرق المؤدية إلى أرياف محافظة تعز، صعَّدوا استهداف التجمعات السكانية في أطراف مديرية المقاطرة، بالتزامن مع مواصلة إطلاق القذائف والطائرات المُسيَّرة على قرى مديرية المضاربة، التي تشهد أطرافها مواجهات متواصلة مع القوات الحكومية منذ أكثر من شهر.

وتضيف هذه التطورات ضغوطاً جديدة على السكان في المناطق الريفية؛ حيث يتزامن إغلاق الطرق واستهداف القرى مع ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع فرص الحصول على الغذاء والمياه والخدمات الصحية، في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الوصول إلى المتضررين.


«كرامات» مصطنعة في صنعاء لتوسيع التجنيد الحوثي

مقبرة لقتلى الميليشيات الحوثية في أحد أحياء العاصمة المختطفة صنعاء (فيسبوك)
مقبرة لقتلى الميليشيات الحوثية في أحد أحياء العاصمة المختطفة صنعاء (فيسبوك)
TT

«كرامات» مصطنعة في صنعاء لتوسيع التجنيد الحوثي

مقبرة لقتلى الميليشيات الحوثية في أحد أحياء العاصمة المختطفة صنعاء (فيسبوك)
مقبرة لقتلى الميليشيات الحوثية في أحد أحياء العاصمة المختطفة صنعاء (فيسبوك)

​لجأت الميليشيات الحوثية إلى أساليب دعائية لاستقطاب مزيد من المقاتلين إلى صفوفها، عبر رش العطور وروائح المسك والعنبر والعود على قبور قتلاها، قبل تنظيم زيارات للسكان إليها، في محاولة لتصوير الروائح المنبعثة منها بوصفها «كرامات» دينية، وإضفاء هالة من القداسة على الموتى، بما يخدم حملات التعبئة والتجنيد، ويقدم الانخراط في جبهات القتال بوصفه طريقاً إلى منزلة استثنائية.

وكشفت مصادر مطلعة في صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، عن صدور تعليمات من زعيم الجماعة إلى أتباعه، تقضي بتوفير العطور ورشها على قبور عدد من قتلاها؛ خصوصاً المنتمين إلى سلالته المزعومة، قبل تنظيم زيارات ميدانية للسكان إلى المقابر، يُجبَر كثيرون، بينهم طلاب مدارس، على المشاركة فيها ضمن الفعاليات السنوية التي تقيمها الجماعة تحت اسم «أسبوع الشهيد».

وحسب المصادر، تتعمد الجماعة استغلال الروائح المنبعثة من القبور، بعد إغراقها بالعطور، للترويج لروايات عن «كرامات» مزعومة، وإيهام الزوار بأنها دليل على منزلة استثنائية لقتلاها، في مسعى للتأثير على مشاعر ذويهم وتوظيف المعتقدات الدينية للسكان؛ خصوصاً الشباب وصغار السن، ودفعهم إلى الالتحاق بجبهات القتال.

تربويون وطلاب يمنيون أجبرهم الحوثيون على تنظيم زيارة لمقابر قتلاهم (إكس)

وخصصت ما تسمى «مؤسسة الشهداء» و«الهيئة العامة لرعاية الشهداء»، التابعتان للجماعة، أموالاً لشراء العطور ورشها على قبور القتلى، في مقابر استحدثتها خلال السنوات الماضية في أحياء متفرقة من صنعاء، بينها عصر والجراف ومسيك، في مديريات معين والثورة وآزال.

وسبقت هذه التحركات أعمال تزيين وتوسعة لعدد من المقابر، تمهيداً لتنظيم الزيارات والفعاليات الدعائية المرتبطة بالمناسبة. وأوضحت المصادر أن هذه الممارسات ظلت خلال السنوات الماضية محصورة إلى حد بعيد في صعدة، المعقل الرئيسي للجماعة، قبل أن تتجه الجماعة إلى تعميمها في صنعاء ومدن أخرى، بالتزامن مع تصعيد حملات التجنيد، لتعويض خسائرها البشرية في جبهات القتال.

وتسعى الجماعة، من خلال هذه الأنشطة، إلى تحويل مقابر قتلاها إلى منصات للتعبئة الآيديولوجية واستقطاب مقاتلين جدد، وتوظيف مشاهد الموت ومآسي الأُسَر لتسويق القتال في صفوفها، وتصوير القتلى بوصفهم نماذج يُحتذى بها، بينما لا تحصد عائلاتهم -وفقاً للمصادر- سوى الفقد والتشرد وتفاقم الأعباء الاجتماعية والإنسانية.

استياء من استغلال المقابر

أثارت هذه الممارسات موجة من السخرية والاستياء في أوساط سكان صنعاء، الذين اعتبروا رش العطور على القبور ثم تقديم روائحها بوصفها «كرامات» محاولة للتضليل والاستخفاف بعقول المواطنين، واستغلال الحزن الذي تعيشه أُسَر القتلى، لتحويل المقابر إلى أدوات دعائية تخدم حملات التجنيد والتحشيد.

وقال تربوي، أُجبر مع طلاب مدرسة حكومية في صنعاء، قبل أيام، على زيارة إحدى مقابر الجماعة، إن مشرفين حوثيين حاولوا إقناع الزوار بوجود روائح طيبة تنبعث من بعض القبور، وقدموا ذلك بوصفه دليلاً على ما وصفوه بـ«الكرامات».

جانب من زيارات قيادات حوثية لمقابر قتلاهم في ريف صنعاء (إعلام حوثي)

وأضاف أن المشرفين تعمدوا لفت انتباه الطلاب والزوار إلى تلك الروائح، في محاولة لترسيخ روايات الجماعة حول قتلاها، والتأثير على قناعات الأجيال الصغيرة. وقال: «من المعيب جداً أن تتحول قبور القتلى إلى وسيلة لخداع الناس والتأثير على عقولهم، عبر خرافات مصطنعة تخدم أهدافاً ترمي إلى استدراج مزيد من المقاتلين إلى الجبهات».

من جهته، يقول ناصر -وهو صاحب متجر في صنعاء- إن الميليشات الحوثية لم تكتفِ بمصادرة حياة السكان وفرض الضغوط عليهم؛ بل امتدت ممارساتها إلى استغلال المقابر ومآسي الأُسَر لتسويق مشروعها القتالي، وإقناع الشباب وصغار السن بأن الالتحاق بصفوفها غاية تستحق التضحية بالحياة.

وأضاف أن الجماعة تنفق الأموال على سكب العطور وتزيين القبور وتنظيم الفعاليات الدعائية حولها، بدلاً من توجيهها إلى رعاية أسر القتلى، وتعويض الأطفال الذين فقدوا آباءهم في حروبها. وقال: «من السهل سكب العطور على القبور، ولكن الأصعب هو مواجهة أُسَر القتلى بحقيقة ما خسرته».