بشار الأسد... حاكم بقبضة من حديد لم تغيّره الحرب والدمار

صور الرئيس بشار الأسد في شوارع دمشق أول من أمس (أ.ف.ب)
صور الرئيس بشار الأسد في شوارع دمشق أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

بشار الأسد... حاكم بقبضة من حديد لم تغيّره الحرب والدمار

صور الرئيس بشار الأسد في شوارع دمشق أول من أمس (أ.ف.ب)
صور الرئيس بشار الأسد في شوارع دمشق أول من أمس (أ.ف.ب)

وراء صورة رجل هادئ الطباع ومبتسم غالباً تنقلها كاميرات الصحافيين للرئيس السوري بشار الأسد الذي يستعد للفوز بولاية رئاسية رابعة، يكمن حاكم غامض وقاسٍ قاد حرباً بلا هوادة على مدى عشر سنوات داخل بلاده تسببت بدمارها واستنزاف مقدراتها، ذلك حسب تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية من بيروت أمس.
في اجتماعاته الرسمية، وخلال استقباله ضيوفاً، في المقابلات أو حتى تفقّده الجبهات خلال أشد سنوات النزاع، يبدو بشار الأسد واحداً: يتكلّم بصوت خافت وبابتسامة باردة غالباً، ويكرّر ما قاله منذ السنة الأولى للحرب، بأن بلاده ستخرج «منتصرة» بمواجهة ما يقول إنها «مؤامرة» نسجتها قوى خارجية ضدها.
بعد عقد من نزاع مدمر، يتخذ الأسد، طبيب العيون السابق، البالغ 55 عاماً شعار «الأمل بالعمل» لحملته الانتخابية، ويروّج لنفسه، وفق محللين، كـ «عرّاب» مرحلة الإعمار التي تحتاجها سوريا بشدة، بعدما تمكن بدعم من حلفائه، من استعادة السيطرة على أجزاء واسعة من البلاد كانت قواته قد خسرتها خلال سنوات الحرب الأولى.
ويقول صحافي ممن التقوه قبل الحرب وخلالها، لوكالة الصحافة الفرنسية: «بشار الأسد شخصية فريدة ومركّبة... في كل مرة التقيته، كان هادئاً وغير متوتر. حتى في أشد لحظات الحرب الحرجة والقاسية، وهذه تماماً صفات والده» حافظ الأسد الذي حكم سوريا لمدة ثلاثين عاماً. ويضيف «استطاع أن يكون الرجل الذي لا يستطيع أن يستغني أحد عنه»، موضحاً «قد يكون من السهل ترتيب الأوراق، لكن في السياسة يجب أن تعرف كيف تخلط الأوراق... وبشار الأسد أتقن لعبة خلط الأوراق».
وورث الأسد الابن عن والده الراحل، كما يكرر عارفوه، الطباع الباردة والشخصية الغامضة، وتتلمذ على يده في الصبر واستثمار عامل الوقت لصالحه. ولعب ذلك دوراً أساسياً في «صموده» في وجه «الثورة» التي اختار قمعها بالقوة، والحرب التي تعددت جبهاتها ولاعبوها، ثم «العزلة» العربية والدولية.
تبدّلت حياة الأسد بشكل جذري عام 1994، إثر وفاة شقيقه الأكبر باسل الذي كان يتم إعداده ليحكم البلاد خلفاً لوالده، في حادث سير قرب دمشق. واضطر للعودة من لندن حيث كان يتخصّص في طب العيون، وحيث تعرّف إلى زوجته أسماء الأخرس المتحدرة من إحدى أبرز العائلات السُّنية السورية والتي تحمل الجنسية البريطانية، وكانت تعمل مع مصرف «جي بي مورغان» في حي المال والأعمال في لندن.
في سوريا، كان الأسد قد تدرّج في السلك العسكري قبل أن يتتلمذ في الملفات السياسية على يد والده الذي وصل إلى سدة الحكم عام 1970، وتحوّل رقماً صعباً في سياسة الشرق الأوسط والصراع العربي الإسرائيلي. ومع وفاة والده عام 2000، خلفه وهو في الرابعة والثلاثين من العمر.
في بدايات عهده، ضخّ بشار الأسد نفحة من الانفتاح في الشارع السوري المتعطش إلى الحرية بعد عقود من القمع، لكنّ هذه الفسحة الإصلاحية الصغيرة سرعان ما أقفلت، واعتقلت السلطات المفكرين والمثقفين المشاركين فيما عُرف وقتها بـ«ربيع دمشق». وقبل اندلاع النزاع، اعتاد سكان دمشق رؤيته في الشوارع، يقود سيارته بنفسه، ويرتاد المطاعم مع زوجته. وحتى الآن، يعلّق العديد من أصحاب المقاهي والمطاعم في دمشق صوراً شخصية لهم مع الأسد أثناء زياراته.
في عام 2011، ومع اندلاع الاحتجاجات المناهضة لنظامه، أعطى الأوامر بقمع المتظاهرين السلميين، وتحولت الاحتجاجات نزاعاً دامياً، وسرعان ما تعددت جبهاته والضالعين فيها.
ورغم انشقاقات كثيرة عن الأجهزة الأمنية سجلت في بداية النزاع، بقي الجيش، والأسد قائده الأعلى، وفياً له. وأودى النزاع بأكثر من 388 ألف شخص وهجّر وشرّد الملايين داخل البلاد وخارجها، وسوّى مناطق كاملة بالأرض، لكن الأسد بقي متصلّباً في رؤيته للأمور، وتمكن، وفق ما يقول باحث سوري تحفّظ عن كشف اسمه: «من حصْر القرارات كافة بيده وجعل الجيش معه بشكل كامل». ولم يسمح بأن تفرز بنية النظام أو المعارضة شخصيات قيادية يمكنها أن تلعب دوراً بارزاً في مواجهته.
واتهمت الأمم المتحدة الحكومة السورية باستعمال السلاح الكيماوي مرات عدة، واستخدام «البراميل المتفجرة» في قصف مناطق معارضة، إضافة إلى تدمير البنية التحتية والاقتصاد وتهجير نصف السكان بينهم سبعة ملايين إلى خارج البلاد.
على المستوى الشخصي، يؤكد عارفو الأسد، وهو أب لابنين وابنة، أنه لم يغيّر من عاداته اليومية كثيراً خلال الحرب وبعدها. ويقول الصحافي الذي التقاه مرات عدة إنه «يتابع أحياناً دروس أولاده بنفسه، ويصرّ أن تكون العلاقة مباشرة معهم دون الاستعانة بمربّية أو من يخدمهم».
وباستثناء صور قليلة بالزي العسكري قد يصادفها زائر دمشق أو مدن أخرى عند النقاط أو الحواجز الأمنية، يظهر الأسد دائماً، بطوله الفارع وبنيته الجسدية النحيلة، ببزات رسمية وربطة عنق.
قبل أيام من موعد الاستحقاق الانتخابي، نشر حساب حملته الانتخابية صوراً حديثة له يظهر في إحداها مرتدياً بزة أنيقة وربطة عنق ويسير حاملاً حقيبته في طريقه إلى مكتبه على الأرجح داخل «قصر الشعب» الرئاسي الذي بني في عهد والده على تلّة مشرفة على دمشق. ويظهر في صورة أخرى وهو يرتّب أوراقاً على مكتبه أو يقرأ وهو جالس على كرسي.
كذلك نشرت الحملة صوراً من نشاطات سابقة: يعاين خريطة مع عسكريين، يشارك في حملة تشجير ويتحدث إلى عمال داخل ورشة. ويقول المحلل نيكولاس هيراس: «بشار الأسد على وشك أن يكون الرئيس السابق والمقبل لسوريا، وهو يبذل مع حلفائه قصارى جهدهم لدفع هذه الحقيقة في وجه خصومه المحليين والأجانب» الذين طالبوا في بداية النزاع برحيله.



مصر لتأهيل شبكات الطاقة اللبنانية

مصر تسعى لإعادة إحياء «خط الغاز العربي» عبر تأهيل البنية التحتية اللبنانية (مجلس الوزراء المصري)
مصر تسعى لإعادة إحياء «خط الغاز العربي» عبر تأهيل البنية التحتية اللبنانية (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر لتأهيل شبكات الطاقة اللبنانية

مصر تسعى لإعادة إحياء «خط الغاز العربي» عبر تأهيل البنية التحتية اللبنانية (مجلس الوزراء المصري)
مصر تسعى لإعادة إحياء «خط الغاز العربي» عبر تأهيل البنية التحتية اللبنانية (مجلس الوزراء المصري)

أثمرت اتصالات ولقاءات مصرية لبنانية أخيراً توقيع اتفاقية جديدة في مجال الطاقة بين البلدين، في خطوة من شأنها أن تُعمّق سبل التعاون المشترك، كما تعزز فرص إحياء «خط الغاز العربي» الذي يكتسب أهمية خاصة للبنان بعد توقفه في 2011، بحسب خبراء من البلدين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

وتأتي الاتفاقية في وقت يسعى فيه لبنان إلى معالجة أزمات الطاقة المتكررة، ويتوقع خبراء أن يساعد الاتفاق الأخير بيروت على مواجهتها بشكل تدريجي.

ووقعت مصر ولبنان، الأربعاء، اتفاقية جديدة لتنفيذ أعمال إصلاح وإعادة تأهيل خطوط الغاز في لبنان، من خلال قطاع البترول المصري ممثلاً في الشركة الفنية لخدمات تشغيل خطوط الغاز «TGS».

وقّع الاتفاقية كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية المصري، عن الجانب المصري، والدكتور جوزيف الصدي، وزير الطاقة والمياه عن الجانب اللبناني، بحضور عدد من قيادات قطاع البترول المصري، وقطاع الطاقة والبترول اللبناني، وسفير لبنان لدى مصر علي الحلبي، وفق بيان للحكومة المصرية.

إحياء خط الغاز العربي

ويرى نائب رئيس الهيئة المصرية العامة للبترول الأسبق صلاح عبد الحافظ، لـ«الشرق الأوسط»، أن الاتفاقية تحيي «خط الغاز العربي» الذي يمر عبر الأردن وسوريا إلى لبنان من مصر، والذي تعطل بسبب العقوبات الأميركية على سوريا، لافتاً إلى أنه بعدما أصبحت دمشق في وضع متصالح مع أميركا، سيجني لبنان من هذه الاتفاقية منافع عديدة خاصة وهو لا يمتلك وسيلة أخرى لاستقبال الغاز الطبيعي غير هذا الخط.

وأضاف: «هذه أيضاً خطوة ممتازة بالنسبة لمصر، لأنها تعزز من دورها كمركز إقليمي للطاقة الذي نسعى لتأسيسه، وهذا هو جوهر دور مراكز الطاقة».

وأكد المحلل الاقتصادي اللبناني منير يونس، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن الاتفاقية بالنسبة لمصر، هي استكمال «لخط الغاز العربي» الذي يمتد من مصر إلى الأردن وسوريا ثم لبنان، وهذا خط تاريخي وصل إلى لبنان تقريباً في عام 2009، ثم توقف لأسباب لها علاقة بظروف الحرب السورية.

أما الاتفاقية بالنسبة للبنان، فهي عامل مساعد، بحسب يونس، خاصة أنه لا توجد شبكة غاز بالبلاد، لافتاً إلى أن الاتفاقية تتعلق بتأهيل وصلة من الحدود السورية إلى معمل دير عمار في الشمال اللبناني، وهذا المعمل لديه القدرة على التوليد بالغاز، ما قد يزيد ساعات التغذية بالكهرباء في لبنان بحدود 4 ساعات تقريباً.

ومتوسط ساعات التغذية اليومية بالكهرباء في لبنان بين 8 و10 ساعات، والباقي يؤمن من المولدات والطاقة الشمسية والكهربائية، وتختلف من منطقة لأخرى، وفق يونس.

تعاون واسع بين البلدين

والاتفاقية جزء من تعاون واسع، وفق مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء المصري، الذي شهد التوقيع، لافتاً إلى أنها «تأتي في إطار دعم وتعزيز أوجه التعاون مع الحكومة اللبنانية في مختلف المجالات والقطاعات، لا سيما قطاع الطاقة»، بحسب بيان للحكومة المصرية.

وأوضح أنها تعد ترجمة فعلية لنتائج الزيارة التي قام بها إلى بيروت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والتي تعطي أولوية للتعاون في مجال الطاقة وتقديم الدعم اللازم في هذا المجال الحيوي؛ خدمةً للشعب اللبناني.

وأضاف أن «قطاع البترول المصري يضع خبراته الفنية المتخصصة في مجال شبكات الغاز الطبيعي في خدمة الأشقاء في لبنان، في إطار عمل تكاملي يعكس عمق العلاقات بين البلدين، وحرص مصر على دعم قدرات لبنان الشقيق ورفع كفاءة وتأهيل بنيته التحتية في مجال الغاز ومن ثَم استدامة إمدادات الطاقة».

رئيس الوزراء المصري شارك في أعمال التوقيع على اتفاقية الطاقة بين مصر ولبنان (مجلس الوزراء المصري)

وأكد نائب رئيس الهيئة المصرية العامة للبترول الأسبق صلاح عبد الحافظ أن الاتفاقية خطوة مهمة للغاية تعزز العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، وستقوي موقف مصر كمركز إقليمي للطاقة قادر على إيصال الوقود إلى الدول المحيطة.

وسبق أن أعلن البنك الدولي استعداده لتمويل إمدادات الغاز لمساعدة بيروت على إعادة تشغيل محطات الكهرباء، بشرط تنفيذ إصلاحات في قطاع الطاقة، تتضمن رفع كفاءة محطات المحولات والقياس ومحطات التوليد وشبكات التوزيع والتحكم وأنظمة الحماية الفنية المرتبطة بها.

ويرى المحلل الاقتصادي اللبناني منير يونس أن لبنان دائماً يقف أمام مشكلة التمويل، لافتاً إلى أن «هناك رعاية من البنك الدولي بخصوص الطاقة تضع شروطاً متعلقة بالشفافية والحوكمة في هذه المسائل، لكن الاتفاقية مهمة بكل حال بعيداً عن تحديات التمويل المرتبطة بها التي يجب حلها سريعاً».


اتصالات مصرية متواصلة لخفض التصعيد في المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء سابق مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء سابق مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (الرئاسة المصرية)
TT

اتصالات مصرية متواصلة لخفض التصعيد في المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء سابق مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء سابق مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (الرئاسة المصرية)

تتواصل الاتصالات المصرية مع قادة ومسؤولين في المنطقة بشأن خفض التصعيد، وسط جهود للتهدئة بين واشنطن وطهران، ومؤشرات إيجابية بشأن إمكانية توقيع مذكرة تفاهم تقضي بوقف الحرب.

وفي هذا السياق، شدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال اتصال هاتفي مع سلطان عُمان هيثم بن طارق، على ضرورة تكثيف الجهود الرامية إلى خفض التوتر الإقليمي.

وثمّن السيسي، خلال الاتصال الذي نوقشت خلاله أوضاع المنطقة، الدور البنّاء الذي تضطلع به سلطنة عُمان، مستعرضاً الجهود المصرية المبذولة لتحقيق الهدف نفسه. وأكد أهمية الحفاظ على السلم والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وتجنب التصعيد، والعمل على تسوية الأزمة الراهنة عبر الوسائل السلمية، وفقاً لبيان الرئاسة المصرية.

كما جرى اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ورئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، تناول سُبل دفع جهود خفض التصعيد في المنطقة، وفق بيان لـ«الخارجية المصرية» الأربعاء.

وأكد الجانبان، خلال الاتصال، الأهمية البالغة لاستمرار المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، مع التشديد على أن الحل السياسي والدبلوماسي يمثل السبيل الوحيد والأنجع لمعالجة الأزمة الراهنة.كما رحّب الوزير المصري بالقرار الذي أعلنته الولايات المتحدة بشأن وقف مؤقت لعملية عسكرية مرتبطة بإعادة فتح مضيق هرمز، بهدف إتاحة المجال أمام الجهود الجارية للتوصل إلى اتفاق نهائي مع إيران.

المسؤولية والحكمة

وأعرب الجانبان عن تطلعهما إلى أن تتبنى جميع الأطراف المعنية مواقف تتسم بالمسؤولية والحكمة، مع الالتزام الكامل بخيار الدبلوماسية والمفاوضات والحوار بوصفه أداة أساسية لتسوية مختلف الشواغل، مؤكدين أن استدامة الأمن والاستقرار الإقليمي تعتمد في الأساس على تغليب الحلول السياسية، بما يحفظ مقدرات شعوب المنطقة ويصون مصالحها.

وفى ختام الاتصال، اتفق الوزيران على مواصلة جهودهما الدؤوبة والصادقة، بالتعاون مع الشركاء الإقليميين وبالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة، بسرعة التوصل إلى اتفاق حول المبادئ العامة بين الجانبين الأميركى والإيرانى تعالج كل الشواغل، ثم بدء المفاوضات الخاصة بوضع هذه المبادئ موضع التنفيذ.

وشدد الوزير عبد العاطى على ضرورة الأخذ بعين الاعتبار الشواغل الأمنية لدول الخليج الشقيقة وباقي دول المنطقة.

محادثات مصرية - قطرية سابقة في الدوحة لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على «فيسبوك»)

كما أطلع وزير الخارجية المصري، خلال اتصال هاتفي تلقّاه الأربعاء، من مستشار الأمن القومي الألماني جونتر زاوتر، على الجهود المصرية الرامية إلى وقف التصعيد واحتواء التوتر، مؤكداً الأهمية البالغة لمواصلة المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، باعتباره الخيار الأنسب لتسوية الأزمة الراهنة.

اتصالات متواصلة

وهذه الاتصالات المصرية تتواصل بشكل لافت منذ اندلاع الحرب مع إيران أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث أجرى وزير الخارجية المصري، الثلاثاء، اتصالات هاتفية مع نظرائه في السعودية الأمير فيصل بن فرحان، وعُمان بدر البوسعيدي، والكويت جراح جابر الأحمد الصباح، والبحرين عبد اللطيف الزياني، إضافة إلى المبعوث الأميركي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف.

وتناولت الاتصالات أيضاً تنسيق الجهود الإقليمية والدولية الرامية لخفض التصعيد واحتواء حالة التوتر الراهنة، محذراً من أن استمرار التصعيد يُهدد بجر منطقة الشرق الأوسط بأسرها إلى حالة من الفوضى التي ستطول تداعياتها الأمن والاستقرار الدوليين.

دور مؤثر

وتكتسب تلك الاتصالات المصرية أهمية كبيرة، خصوصاً مع زيادة الآمال بإمكانية التوصل إلى اتفاق نهائي لوقف الحرب بين واشنطن وطهران، وفق ما يراه مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير رؤوف سعد.

وشدد سعد، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، على أن الدور المصري، سواء المعلن أو غير المعلن، يُعدّ دوراً محسوباً ومؤثراً، ويدرك الجميع في المنطقة أهمية استمراره، مضيفاً أن الاتصالات المصرية المتواصلة لخفض التصعيد تأتي في إطار استمرار الدور الذي تلعبه القاهرة في هذا المسار، سواء بشكل معلن أو غير معلن، مؤكداً أن هذا التحرك ليس رد فعل، بل تدخل محسوب، خصوصاً في ظل زيادة الآمال بالتوصل إلى اتفاق.

وشدد على أن الجميع يدرك، لا سيما منذ حرب غزة، أن الدور المصري ليس خياراً، بل يقع في قلب التوازنات، وأنه لا سبيل لتحقيق الاستقرار والتوازن من دونه، ولا ينبغي ربط ذلك بالموقف الاقتصادي أو الأزمات، مشدداً على أن هذا الدور ليس جديداً، لكنه ازداد كثافة منذ حرب غزة وما أعقبها من توتر مع إيران، خصوصاً مع استمرار الاتصالات بين القاهرة وطهران دون انقطاع، بما يعكس قدرة مصر على التعامل مع مختلف الأطراف.


اتهامات للحوثيين بتوسيع الانتهاكات داخل سجون إب

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
TT

اتهامات للحوثيين بتوسيع الانتهاكات داخل سجون إب

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)

شهدت محافظة إب، الخاضعة للجماعة الحوثية، تصاعداً في حالات وفاة السجناء والمعتقلين داخل السجون الرسمية والمعتقلات غير المعلنة، في تطور يثير مخاوف حقوقية متزايدة بشأن ظروف الاحتجاز، وسط اتهامات متكررة للجماعة بممارسة الإهمال الطبي المتعمد، وسوء المعاملة، والتعذيب، وحرمان المحتجزين من الحد الأدنى من الحقوق التي تكفلها المواثيق الدولية.

وتقول مصادر حقوقية ومحلية في المحافظة اليمنية الواقعة على بعد 193 كيلومتراً جنوب صنعاء، إن الأشهر الأخيرة شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الوفيات داخل الإصلاحية المركزية بمدينة إب، وسجن الأمن السياسي، إلى جانب عدد من المعتقلات المنتشرة في المديريات التابعة للمحافظة، في ظل أوضاع وُصفت بأنها «قاسية وغير إنسانية»، تشمل الاكتظاظ، وسوء التغذية، وغياب الرعاية الصحية، واحتجاز مرضى وكبار سن في بيئات تفتقر إلى التهوية والنظافة الأساسية.

ومن أبرز الحالات التي أثارت تفاعلاً واسعاً، وفاة السجين موسى صالح محمد الجبري، بعد فترة طويلة من معاناة صحية داخل السجن المركزي في إب، وفق ما أكدته مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط»، التي قالت إن الرجل ظل يشكو من تدهور وضعه الصحي لأشهر، في حين تقدمت أسرته بمناشدات متكررة لنقله إلى مستشفى متخصص، غير أن تلك المطالب قوبلت بالمماطلة.

الحوثيون متهمون باستحداث سجون سرية جديدة في محافظة إب (إكس)

وحسب المصادر، لم يُنقل الجبري لتلقي العلاج إلا بعد وصول حالته إلى مرحلة حرجة، لكنه فارق الحياة متأثراً بمضاعفات مرضه، في واقعة عدّها حقوقيون مثالاً صارخاً على ما وصفوه بـ«الإهمال الطبي القاتل» داخل سجون الجماعة.

وفي حادثة أخرى أثارت كثيراً من الجدل، توفي السجين حسن عبده علي اليافعي داخل أحد المعتقلات الحوثية في مديرية جبلة، جنوب غربي المحافظة. وبينما أعلنت إدارة السجن أن الرجل أنهى حياته شنقاً داخل زنزانته، شكك ناشطون وأقارب الضحية في الرواية الرسمية، مشيرين إلى «ملابسات غامضة» تحيط بوفاته، لا سيما مع حديثهم عن تعرضه لضغوط نفسية شديدة واحتجازه لفترة تتجاوز المدة القانونية.

كما تحدثت تقارير محلية عن وفاة نزيل ثالث، هو عبد الكريم الفقيه، داخل سجن تابع لنيابة مديرية ذي السفال، جنوب إب، دون تقديم أي توضيحات رسمية بشأن أسباب الوفاة؛ ما زاد من حالة الغموض والقلق المحيطة بملف السجون في المحافظة.

ظروف احتجاز قاسية

يؤكد ناشطون حقوقيون أن السجون الحوثية في إب، التي تمتد إلى غالبية المديريات البالغ عددها 22 مديرية، تعاني اكتظاظاً شديداً، في ظل تدفق مستمر للموقوفين والمختطفين على خلفيات أمنية أو سياسية أو اجتماعية، في وقت لا تتوافر فيه بنية تحتية قادرة على استيعاب هذا العدد.

وتشير إفادات محلية إلى أن بعض السجناء يُحتجزون في زنازين ضيقة، سيئة التهوية، تفتقر إلى الإضاءة الطبيعية، مع نقص واضح في المياه النظيفة والخدمات الصحية والغذائية؛ ما يخلق بيئة خصبة لانتشار الأمراض الجلدية والتنفسية والمعدية، خصوصاً بين كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة، مثل السكري وضغط الدم وأمراض القلب.

تحويل منشآت رياضية في إب سجوناً للنشطاء المناهضين للحوثيين (فيسبوك)

كما يتحدث حقوقيون عن تعرض كثير من المحتجزين لسوء معاملة متكرر، يشمل الضرب، والإهانة، والحرمان من الزيارة المنتظمة، ومنع التواصل مع أسرهم لفترات طويلة، فضلاً عن غياب أي إشراف طبي مستقل يمكنه تقييم أوضاعهم الصحية أو متابعة الحالات الحرجة.

ويربط ناشطون بين هذه الظروف وبين تزايد الوفيات، مؤكدين أن كثيراً من المرضى لا يُنقلون إلى المستشفيات إلا بعد وصولهم إلى مراحل متأخرة يصعب معها إنقاذ حياتهم، في حين يموت آخرون بصمت داخل الزنازين، دون إعلان رسمي أو تحقيق شفاف.

معتقلات سرية

تأتي هذه التطورات في سياق أوسع من الاتهامات الموجهة للجماعة الحوثية بتوسيع شبكة المعتقلات والسجون السرية في محافظة إب، وهي منشآت لا تخضع لأي رقابة قضائية أو قانونية، ويُحتجز فيها مدنيون ومختطفون قسراً في ظروف أكثر قسوة من السجون المعروفة.

وكانت منصة «ضمير» الحقوقية قد كشفت في تقرير سابق عن وجود أكثر من 14 معتقلاً سرياً في المحافظة، تدار من قِبل مشرفين أمنيين حوثيين، ويتمركز معظمها داخل معسكرات ومقار محصنة خارج المدينة أو في منشآت مدنية جرى تحويلها أماكن احتجاز.

عنصر حوثي في صنعاء يحرس حشداً للجماعة دعا إليه زعيمها (أ.ف.ب)

وحسب التقرير، تشمل تلك المواقع معسكر الحمزة في ميتم، ومعسكر القوات الخاصة في منطقة شبان، ومعتقل اللواء 55 في يريم، إلى جانب سجون في المركز الثقافي ونادي الاتحاد وملعب الكبسي، فضلاً عن مرافق تابعة لجهاز الأمن السياسي.

وتقول تقارير حقوقية إن تلك المعتقلات تُستخدم في احتجاز مدنيين خارج الأطر القانونية، مع ممارسة ضغوط نفسية وجسدية عليهم، وانتزاع اعترافات بالقوة، وابتزاز أسرهم مالياً مقابل الإفراج عنهم، في نمط تصفه المنظمات الحقوقية بأنه يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.