ثورة الألوان

ثورة الألوان

الأربعاء - 7 ذو القعدة 1434 هـ - 11 سبتمبر 2013 مـ
عند الحديث عن الحجاب، فإن أول شيء يتبادر إلى ذهن الكثير من الأفراد هو اللون الأسود والألوان الغامقة في صور تخلو من الجمال والتنوع. صور تكونت في الأذهان نتيجة لنوع الحجاب الذي ارتدته أغلب المحجبات في العقود السابقة في إيران، رغم أنه، وقبل الثورة الإسلامية، كان للحجاب والأزياء عموما في إيران شكل م...

عند الحديث عن الحجاب، فإن أول شيء يتبادر إلى ذهن الكثير من الأفراد هو اللون الأسود والألوان الغامقة في صور تخلو من الجمال والتنوع. صور تكونت في الأذهان نتيجة لنوع الحجاب الذي ارتدته أغلب المحجبات في العقود السابقة في إيران، رغم أنه، وقبل الثورة الإسلامية، كان للحجاب والأزياء عموما في إيران شكل مختلف، إذ كانت النساء يخترن حجابهن وألوان ملابسهن وفقا لثقافتهن ولطبقتهن الاجتماعية.

بعد الثورة الإسلامية، وتحول الحجاب إلى أمر قصري، لم يعد هنالك خيارات تتعلق بالألوان أو غيرها. فقد أجبرت الكثيرات على استبدال أزيائهن بالحجاب الإسلامي، وعلى رأسه «الجبة».

وبالنظر إلى التشدد الذي كان سائدا في بداية الثورة، كان لزاما أن تكون الجبة غامقة اللون، وتحديدا باللون الأسود على أساس أنه الأنسب لحجاب النساء. وكانت ردود الأفعال على النساء اللاتي يرتدين الملابس الملونة في الأماكن العامة، صارمة.

مجده م. من مواليد عام 1975 ميلادية، تقول عن فترة دارستها في المرحلة الإعدادية: «أتذكر جيدا أن الجبب التي كنا نرتديها في مدرستنا كانت عريضة جدا وخالية من الألوان وذات تصميم بسيط. كانت زرقاء غامقة. أتذكر أيضا أنه لم يكن يسمح لنا حتى بارتداء الجوارب الملونة، على الرغم من أنها لن تظهر للعيان».

وتضيف: «في كل يوم كانوا يدققون النظر إلى ألوان جواربنا، وإذا كانت ملونة فإنهم كانوا يقومون بفتح محضر انضباط لنا».

بدأت عملية محاربة الألوان الفرحة منذ بداية الثورة، إلى درجة أن الصداري في المدارس الابتدائية أيضا، أصبحت غامقة واتجهت نحو اللون الرصاصي والبني والأزرق الغامق، وكان استخدام الألوان في الملابس يعد نوعا من مخالفة الأعراف الاجتماعية.

مع التغييرات التي حلت في المجتمع في المجال الثقافي والاجتماعي في العقد الأول من القرن الجديد، دخل اللون الأبيض والأزرق والألوان الفاقعة إلى الشارع بصورة تدريجية، وجعلت المجتمع الرمادي أقل قتامة وتدخل به ألوان أخرى. لكن هذا التغيير فيما يخص الألوان لم يحدث بسهولة أو بسرعة، إذ بينما أيد الكثير من الشباب هذا التوجه الجديد، فإن شرائح كبيرة من المجتمع رفضته على أساس أن «جمال بعض الألوان، ولون الحجاب الجميل، أمران مختلفان عن بعضهما البعض. فلون الحجاب وتصميمه يجب أن يعكسا الهدف من تشريعه ألا وهو ستر المرأة وعدم جذب الأنظار إليها».

بيد أنه على الرغم من أن الحجاب قسري في المجتمع الإيراني، والنساء، بغض النظر عن أعمارهن، مجبرات على ارتدائه لإخفاء مفاتنهن، إلا أنه من الصعب القضاء على الروح التي تحب الجمال وحب الاختلاف والألوان تماما، مما جعلنا نلاحظ تغيرا ملموسا في طريقة استعماله في السنوات الأخيرة. فشريحة كبيرة من الشابات نجحن في تطويعه بشكل يرضي الأغلبية تقريبا.

تملك راشين منشوري في مركز مدينة طهران معرض جبب وملابس سهرات وتقول في هذا الصدد: «عندما كنت شابة، كانت الجبب بسيطة جدا، ولم يكن لها تصميم مميز، بل كانت كلها بتصميم واحد، ولكنها الآن أبعد ما تكون عن البساطة المعهودة. فهي تزهو بالألوان وتتمتع بتصاميم خاصة وأنيقة، وبالتالي تختلف عما كان سائدا في بداية الثورة. حينها لم نكن نرى سوى الألوان الغامقة حين كنا نصعد إلى الحافلة أو نذهب لمكان عام». وتتابع راشن: « الحجاب قسري في بلادي، ولكن عبر إدخال الأشكال المختلفة عليه استطعنا وإلى حد كبير إخراجه من الحالة الخشنة والجامدة. فزبوناتي الآن، غالبا ما يبحثن عن الألوان والاختلاف في ملابسهن. في البداية كن يشعرن بالخوف من ارتداء التصاميم الجديدة وكانت الكثيرات منهن يخشين مواجهة شرطة الآداب، لكن هذا الخوف آخذ في الزوال بالتدريج».

بدورها تقول حديثة، التي تعمل منذ خمس سنوات في مجال الجبب وملابس السهرة في منطقة دروس في طهرن: «بالنظر إلى المنطقة التي أعمل فيها، فإن أغلب زبائني هم من المتدينين الأغنياء، ويمكن القول إن الأشخاص المتدينين في إيران قد انجذبوا أيضا نحو هذه التغييرات، وهم مستعدون لدفع مبالغ طائلة من أجل أن يكونوا مميزين ولأن تكون ملابسهم ذات تصاميم خاصة».

وتضيف: «على الرغم من أن بعض المتدينين لا يزالون يرفضون الألوان والتصاميم الجديدة، إلا أن أغلب الأشخاص يرغبون بضرب عصفورين بحجر واحد: أن يحافظوا على حجابهم الإسلامي وأن يواكبوا تطورات العصر في الوقت ذاته».

عبر البحث في الشبكة العنكبوتية وصفحات الـ«فيس بوك»، يمكننا أن نلاحظ أن موضوع استخدام الألوان والتصاميم المختلفة في الأزياء الإسلامية تقدم خيارات أكثر في السنوات الأخيرة، وأن هناك شبه ظاهرة إيرانية جديدة تسمى بالموضة الإسلامية تظهر وتتبلور. يقود هذه الظاهرة مجموعة من المصممين يقومون بتحديث صفحاتهم كل يوم ويقيمون معارض موسمية للأزياء، فاتحين أبواب المنافسة الحقيقية في هذا المجال. أخيرا وجد أحد النماذج الإيرانية واسمه «شين» طريقه إلىWeek Street Style Milan Fashion تقول شيوا شيباني وهي مصممة أزياء وجبب «شين» في حديثها مع الشرق الفارسية «شرق بارسي»: إن تصاميمي نشرت في تاريخ 25 (شباط) 2013 في ميلان بعد طرحها في كل من نيويورك ولندن. وبعد مضي بضعة أشهر نشرت مجلة الموضة الإيطالية «glamour» عددا من تصاميمي.

كذلك أضافت: «أنا خريجة فرع التصوير في جامعة سوره، وعملت لمدة في تصوير الأخبار، ولكني دخلت أخيرا مجال تصميم الجبب والأزياء، لأنني كنت أعشق الأقمشة وأعرف أنواعها منذ سن الرابعة عشر، كما كنت أصمم جببي وملابسي بنفسي، وبتشجيع الأصدقاء والمعارف قررت ان أنقل هذا العمل إلى العموم».

وأضافت شيوا: أن «الشعب الإيراني تعلق بالألوان الغامقة طويلا، ولكنني شخصيا، لا أحب اللون الأسود ولا أستخدمه في أعمالي، لأنني أعتقد أن عالمنا جميل ومليء بالألوان المختلفة، ويجب ألا نغض النظر على جمالياتها وتنوعها. فألوان الأزياء وتصميمها عندما يكون أنيقا يغير حالة الإنسان النفسية، ومن الممكن أن يبعث فيه النشاط والفرحة أو العكس، لهذا أحرص على ارتداء الجبب الملونة التي أصممها بنفسي».

وتشير شيوا أن الحجاب لا يخص الإيرانيات فقط، لأن «مسلمات العالم يرتدين شكل من أشكال الحجاب، لهذا أتمنى أن أتمكن من جعل تصاميمي عالمية من خلال مشاركتي في معارض مهمة مثل أسبوع الموضة في لندن» لا يمكن الحديث هنا عن التغيير الذي طرأ على الأزياء الإيرانية دون الحديث عن دور هيئة الإذاعة والتلفزيون، التي لعبت دورا مهما وفعالا حين قامت قبل عدة سنوات بالإعلان والترويج لمعرض أقيم لأول مرة عن الملابس الإسلامية أو الجبب، والحجاب بشكله الجديد، إضافة إلى أنواع جديدة من العباءات.


أخبار ذات صلة



اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة