بلينكن يتهم إيران بمواصلة «الاضطهاد الديني» واعتقال «الأقليات» وانتهاك حقوق الإنسان

حذّر من تزايد ظاهرة معاداة السامية و«الإسلاموفوبيا» في أميركا وأوروبا

وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن يتحدث خلال مؤتمر صحافي لإعلان التقرير السنوي لحرية الأديان وحقوق الإنسان (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن يتحدث خلال مؤتمر صحافي لإعلان التقرير السنوي لحرية الأديان وحقوق الإنسان (أ.ف.ب)
TT

بلينكن يتهم إيران بمواصلة «الاضطهاد الديني» واعتقال «الأقليات» وانتهاك حقوق الإنسان

وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن يتحدث خلال مؤتمر صحافي لإعلان التقرير السنوي لحرية الأديان وحقوق الإنسان (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن يتحدث خلال مؤتمر صحافي لإعلان التقرير السنوي لحرية الأديان وحقوق الإنسان (أ.ف.ب)

قال أنتوني بلينكن، وزير الخارجية الأميركي، إن إيران تواصل ترهيب ومضايقة واعتقال أعضاء الأقليات الدينية، بما في ذلك المسيحيون واليهود «الزرادشتيون»، والسنة والصوفيون المسلمون، وذلك غداة إعلان وزارة الخارجية عن تقريرها السنوي لعام 2020 لحرية الأديان وحقوق الإنسان، الذي اشتمل على عدد من الدول في قائمة الأسوأ لحرية الأديان، من بينها إيران المعروفة عالمياً بالاضطهادات العرقية والدينية، وحقوق الإنسان.
وأوضح بلينكن، خلال مؤتمر صحافي، أمس، في مقر وزارة الخارجية، أن مكتب مراقبة حرية الأديان بوزارة الخارجية يقدم مراجعة شاملة لحالة الحرية الدينية فيما يقرب من 200 دولة ومنطقة حول العالم، وهو ما يعكس الجهد الجماعي لمئات الدبلوماسيين الأميركيين حول العالم، مشدداً على أن الحرية الدينية هي حق من حقوق الإنسان، وهي تأكيد على «صميم ما يعنيه أن تكون إنساناً، أن نفكر بحرية في اتباع ضميرك، والتعبير عن تلك المعتقدات في الأماكن العامة والخاصة، إذ يعود التزام الدولة بالدفاع عن حرية الدين والمعتقد إلى قرون».
وأعرب عن قلقه من تزايد حالات معاداة السامية في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك في الولايات المتحدة، وكذلك في جميع أنحاء أوروبا، معتبراً أنها «آيديولوجية خطيرة» أظهرها التاريخ غالباً ما ترتبط بالعنف، داعياً إلى مواجهتها ومعارضتها بقوة أينما حدثت، كما أشار إلى مواصلة انتشار الكراهية الإسلامية، في العديد من البلدان، قائلاً: «هذه مشكلة خطيرة للولايات المتحدة، وكذلك في أوروبا».
وأعلن عن فرض عقوبات على «يو وي» مدير المكتب السابق لما يسمى «المجموعة القيادية المركزية للتنفيس والتعامل مع الأديان»، التي اعتبرها متطرفة، ومقرها في مدينة تشنغدو بالصين، وذلك لتورطه في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والاعتقال التعسفي للعديد من الأبرياء، مشيراً إلى أن يو وي وعائلته غير مؤهلين الآن للدخول إلى الولايات المتحدة.
واستعرض العديد من الأمثلة الدولية على انتهاكات حقوق الإنسان مثل بورما، وانتهاكات قادة الانقلاب العسكري، من بين المسؤولين عن التطهير العرقي والفظائع الأخرى ضد الأقلية الإسلامية الروهينغا في إقليم ميانمار، والأقليات الدينية والعرقية الأخرى حول العالم، وكذلك أدان روسيا لمواصلة مضايقة واعتقال ومصادرة الممتلكات لطائفة «شهود يهوه»، وكذلك أعضاء الأقليات المسلمة بذريعة التطرف المزعوم، كما أدان الانتهاكات في نيجيريا، التي تستمر المحاكم فيها في إدانة الشعب «وتحكم عليهم بالسجن لمدد طويلة أو حتى بالإعدام».
وأضاف: «وفقاً لمركز (بيو) للأبحاث، فإن 56 دولة، لديها قيود شديدة على الحرية الدينية، كما أن الحرية الدينية، مثل كل حق من حقوق الإنسان، عالمية يحق لجميع الناس في كل مكان التمتع بها، بغض النظر عن المكان الذي يعيشون فيه، أو ما يؤمنون به، أو ما لا يؤمنون به، والحرية الدينية ليست أكثر أو أقل أهمية من حرية الكلام، والتجمع للمشاركة في الحياة السياسية لبلد المرء الذي يعيش حياة خالية من التعذيب، أو العبودية، أو أي حقوق إنسانية أخرى، وعندما تنتهك الحكومات حق شعوبها في الإيمان بحرية العبادة، فإنها تعرض الآخرين للخطر، والحرية الدينية هي عنصر أساسي في مجتمع مفتوح ومستقر».
وأكد وزير الخارجية الأميركي مواصلة إدارة الرئيس بايدن، العمل على تعزيز هذا المبدأ عالمياً لضمان معاملة الناس من جميع الأديان والخلفيات بكرامة واحترام متساويين، مشيداً بالسودان بعد أن ألغت الحكومة الانتقالية التي يقودها المدنيون في السودان، قوانين العبادة وقوانين النظام العام، التي تم استخدامها لمضايقة أعضاء الأقليات الدينية التي أفرجت حكومته عن مئات الأشخاص الذين كانوا في السجن بسبب معتقداتهم.
وفي التقرير الحديث الذي نشرته وزارة الخارجية، أوضحت أن هذا التقرير السنوي سيقدم إلى الكونغرس وفقاً للمادة 102 من قانون الحرية الدينية الدولية لعام 1998، ويغطي هذا التقرير الفترة بين 1 يناير (كانون الثاني) و31 ديسمبر (كانون الأول) 2020، وتم إعداده بناءً على عمل سفارات الولايات المتحدة حول العالم لفصول الدول، بناءً على معلومات من المسؤولين الحكوميين، والجماعات الدينية والمنظمات غير الحكومية، والصحافيين ومراقبي حقوق الإنسان، والأكاديميين ووسائل الإعلام وغيرهم.
وأشارت إلى أن الولايات المتحدة تسعى إلى تمكين العودة الآمنة والطوعية للاجئين إلى بلدانهم الأصلية، وهو الحل الذي يفضله معظم اللاجئين، وهذا يعكس التزام الولايات المتحدة بتحقيق أفضل النتائج الإنسانية مع تعزيز مصالح السياسة الخارجية للولايات المتحدة، ففي السنة المالية 2020، قدمت الولايات المتحدة أكثر من 10.5 مليار دولار لدعم الاستجابة للأزمات على مستوى العالم، وصلت هذه المساعدة إلى عشرات الملايين من النازحين والمتضررين من الأزمات، حيث قدمت الدعم والخدمات العاجلة، بما في ذلك الغذاء والمأوى، والرعاية الصحية، والتعليم، والوصول إلى مياه الشرب الآمنة.
وبيّنت أنه في السنة المالية 2020، تمت إعادة توطين 11814 لاجئاً بشكل دائم في الولايات المتحدة، وتمكينهم من الحصول على الجنسية الأميركية، من خلال برنامج قبول اللاجئين الأميركي، وشمل ذلك اللاجئين الذين عانوا من الاضطهاد في الماضي، أو كان لديهم خوف مبرر من الاضطهاد بسبب الدين، وكذلك الأفراد من البلدان ذات الاهتمام الخاص، ودول قائمة المراقبة الخاصة.
وشملت الدول التي لها الأولوية في قبول طلبات اللجوء لهم، مثل لمّ شمل الأسرة، واللاجئين الفارين بسبب الاضطهاد الديني، على سبيل المثال، أفغانستان، وكوبا، وإريتريا، وإثيوبيا، وإيران، والعراق، ومالي، والصومال، وجنوب السودان، والسودان، وسوريا.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...