العقل العربي واستعادة طاقة التفكير الفلسفي

بمناسبة صدور عدد أول من «المجلة السعودية للدراسات الفلسفية»

TT

العقل العربي واستعادة طاقة التفكير الفلسفي

متعة عقلية كبيرة (مصحوبة بدهشة تنم عن إعجاب مستحق) اعترتني وأنا أطالع بعض المواد المتاحة للقراءة المجانية في النسخة الإلكترونية من المطبوع الجديد «المجلة السعودية للدراسات الفلسفية» (SJPS)، في عددها الأول لسنة 2021. وقد تكفل الموقع الإلكتروني لمنصة «معنى» الثقافية بهذا المشروع الفلسفي، في سياق جهد ثقافي يمكن الاطلاع عليه في الموقع الإلكتروني لهذه المنصة.
وتمثل «المجلة السعودية للدراسات الفلسفية» الذراع الأكاديمية المحكومة بمقاسات صارمة معروفة في عالم المجلات الأكاديمية المحكمة، لكن هذه الصرامة الأكاديمية هي محض جانب واحد من الحكاية، وليست الحكاية كلها، فثمة أيضاً أبوابٌ أخرى متخففة من هذه الصرامة، رغم أن كاتبيها (عرباً وأجانب) معروفون بقدراتهم الفلسفية العالية، وإمكانياتهم في مخاطبة العقل البشري في كل تشكلاته الذهنية والنفسية، وأشير خاصة إلى النسخة المعربة من مجلة «الفيلسوف الجديد» (NEW PHILOSOPHER). ويضم موقع «معنى» حوارات ممتازة مع بعض الفلاسفة المعروفين على مستوى العالم، وأشيرُ بالتخصيص إلى الحوار مع الفيلسوف دانييل دينيت (Daniel Dennett) الذي يوصف دوماً بأنه الصديق المحبوب للعلماء بسبب أبحاثه التي تلامس الجبهات المتقدمة لبعض أقدم الموضوعات الفلسفية، وأعني بذلك معضلة الوعي.
ومن المثير تاريخياً الإشارة إلى الحقيقة التالية: شاعت في العقود الأولى من القرن العشرين حتى ستينياته جهود عالمية موجهة تسعى إلى إشاعة نمط مما يمكن تسميته (فلسفة علمية)، وقد تجذر هذا المسعى، وتعمقت أدواته لدى بعض أعضاء «حلقة فيينا» (Vienna Circle) الذين أثمرت جهودهم عن نشأة الفلسفة الوضعية المنطقية؛ ذلك الاتجاه الفلسفي الذي أراد أن يكون فلسفة عصر العلم. وسعت الوضعية المنطقية إلى إحداث ثورة على المستوى الفلسفي، طالت الاشتغالات الفلسفية التقليدية، وأثمرت كشوفات فلسفية جديدة، لعل حركة التحليل اللغوي (Linguistic Analysis) والنزعة التحليلية (Analiticity) في الفلسفة بعامة تعد أهم معالمها، وقد ساهم فلاسفة مثل برتراند راسل (Bertrand Russell) ولودفيغ فيتغنشتاين (Ludwig Wittgenstein) في قيادة رَكْب هذه الفلسفة.
وعندما أقرأ مثل هذه الأطروحات ترتسم أمامي أسئلة جوهرية: ما الذي ننشده من الفلسفة؟ وهل المطلوب أن تصبح الفلسفة علمية؟ وهل الفلسفة العلمية هي الشكل الوحيد للفلسفة الذي يمتلك مشروعية البقاء والنمو والسيادة؟
بشر كثير من العلماء بموت الفلسفة (في مقدمتهم الفيزيائي الراحل ستيفن هوكنغ)، وقصدوا بهذا الموت ضرورة ابتعاد الفلسفة عن مقاربة الموضوعات الوجودية الأساسية الثلاثة الخاصة بأصل كل من الكون والحياة والوعي، وفي منطقتنا العربية ساهم فلاسفة مرموقون من العيار الثقيل (في مقدمتهم الراحل زكي نجيب محمود) بالتبشير بسيادة عصر الفلسفة الوضعية المنطقية، وموت كل الفلسفات الأخرى، بصفتها غير علمية، وأظن أن شيوع الجهل والخرافة والأصوليات الدينية هي الأسباب التي دعت هذا الفيلسوف إلى إعلاء شأن هذه الفلسفة، وتسخيف ما سواها إلى حد صارت معه الفلسفة الوضعية المنطقية تمثل أصولية مقابلة للأصوليات السائدة.
ولعل كثيرين منا -خاصة المشتغلين في الحقل الثقافي- يشهدون ملامح الدعوة إلى الفلسفة وتنشيط العقل الفلسفي في بيئتنا العربية. وقد اتخذت هذه الدعوة شكلاً أقرب إلى الصحوة الفكرية التي تسعى إلى وخز مكامن الجمود والاستكانة في العقل العربي الذي عانى كثيراً تحت سطوة المواضعات الثقافية والمجتمعية السائدة. ومثل هذه الدعوة محمودة في متبنياتها العامة، ونبل المقاصد الرامية إليها، لكن هناك بعض التفاصيل الصغيرة التي يمكن الإشارة إليها، وفي التفاصيل يكمن الشيطان اللعوب كما تنبؤنا الأمثولة المعروفة.
أولاً: لا ينبغي تصور أن تحريك جذوة الدرس الفلسفي (على صعيد التعليم والثقافة العامة معاً) هو تعويذة «افتح يا سمسم» التي ستفك لنا مغاليق الانسدادات التي نعانيها على صعيد العلم والتقنية، وبالتالي ستمكننا من اعتلاء ناصية اقتصاد المعرفة الكفيل بفتح نوافذ جديدة للتمكين المالي -للدولة والأفراد معاً- بعيداً عن مظاهر الاقتصاد الريعي التي تمسك بخناق معظم مجتمعاتنا العربية. الذائقة الفلسفية التي يحركها عقل فلسفي مدرب على مساءلة الثوابت في كل جوانب الحياة هي ذائقة لازمة لتحقيق تثوير حقيقي في الإنجاز العلمي والتقني، وولوج بوابة اقتصاد المعرفة وعتبة الثورة البشرية الرابعة، لكن هذه الذائقة وحدها ليست كفيلة بتحقيق هذه المقاصد النبيلة التي لا تتحقق إلا بتوافر عناصر أخرى يمكن دراستها في أدبيات التنمية المستدامة. ثمة آفاق واعدة في هذا الميدان، ويمكن الإشارة فحسب إلى المشروع الواعد «رؤية 2030» الذي تبنته المملكة العربية السعودية، وتعمل عليه بجدية مشهودة تقوم على أساس التنمية الخضراء التي تراعي الاعتبارات البيئية.
ثانياً: نسمع كثيراً عن أهمية الفلسفة وضرورتها في إحلال المياه النقية محل المياه الراكدة، لكن أي فلسفة هي المنشودة لتثوير العقل العربي؟ ما يلاحظ في الأدبيات الفلسفية السائدة في جامعاتنا وثقافتنا العربية هو كونها تتموضع في ثلاثة أشكال معروفة: فذلكات تأريخية أقرب إلى الهوامش الخاصة بتدوين الوقائع التاريخية الخاصة بفلسفة محددة، أو فلسفة تتصادى مع بعض جوانب تراثنا الذي ما كانت فيه الفلسفة سوى شكلٍ مضمرٍ من الثقافات السائدة، أو رطانات لغوية هي في أغلبها ترجمات مبتسرة لبعض الفلسفات الموصوفة بـ«ما بعد الحداثية» التي سادت في القارة الأوروبية (فرنسا خاصة) بعد الحرب العالمية الثانية. وقد ادعت هذه الفلسفات إحداث «قطيعة إبستمولوجية» مع الفلسفات السابقة لها، عبر تعشقها مع الثورات الحديثة في اللغة وعلم النفس الإدراكي... إلخ. لكن ما حصل لاحقاً هو انكفاء تلك الفلسفات في مواطنها، بينما لا يزال لدينا بعض من يتوهم في نفسه القدرة على نفخ الحياة في جسم ميت عبر تلال هائلة من الرطانات اللغوية التي لا تكاد تتمايز عن رطانات أخرى تسود قطاعات واسعة في مجتمعاتنا.
ثالثاً: عند إحياء الفلسفة في بيئتنا، لا بد من الانتباه إلى حقيقة شيوع ما أصبح يدعى «الثقافة الثالثة»، تلك الثقافة التي تتجاوز محدوديات كل من الثقافتين الكلاسيكيتين العلمية والأدبية نحو ثقافة تخليقية جديدة، توظف الأفكار المستحدثة في الحقول المعرفية الخاصة بالذكاء الاصطناعي، وأصول الكون والحياة والوعي البشري، والنظم الدينامية المعقدة، والتعلم الآلي، والبيولوجيا التطورية. وهناك دعوة باتت تشيع في العالم الغربي، مفادها أن الفلسفات التي سادت في بداية الألفية الثالثة ما عادت قادرة على التناغم مع متطلبات الثورة الرابعة، وبسبب هذا شاعت مقولة «موت الفلسفة»! إذن، علينا الانتباه منذ البدء إلى ضرورة البدء بتكريس الأطروحات الفلسفية المتناغمة مع الثورات العلمية والتقنية في عصرنا، بدلاً من جعل الفكر الفلسفي ينزوي في جزيرة معزولة.
وأرى أن المسعى الجوهري للفلسفة في عصرنا الحاضر (عصر الثورة التقنية الرابعة) يكمن في تقديم الفلسفة دروساً وأمثولات معيارية للعيش الطيب والحياة الخيرة، فضلاً عن تقديمها عزاءات للإنسان تمكنه من مواصلة حياته المتخمة بألوان التراجيديا الوجودية المؤلمة، وربما يمكن تلمس مصداقية هذه القناعة في حقيقة الزيادة المذهلة لقراء الكلاسيكيات الفلسفية الإغريقية (خاصة المحاورات الأفلاطونية والملاحم الإغريقية المعروفة)، إلى جانب الكلاسيكيات الفلسفية التي سادت عصر النهضة الأوروبية، والتي تشهد قراءات متنامية لم تخفت جذوتها على مر السنوات، كما يمكن الاستفادة من بعض مصنفات تراثنا الفلسفي العربي الذي يزخر بإشراقات فلسفية لامعة لا يمكن تجاوزها من جانب كل عقل فلسفي شغوف.
حياتنا أكبر من أن تكون رهينة لمنتجات العلم والتقنية، ولا بد من إضفاء نكهة فلسفية على وجودنا الإنساني منذ سنوات النشأة الباكرة، وكلما نجحنا في تثبيت أركان التساؤل الفلسفي المقترن بدهشة اكتشاف الأسرار الخبيئة في وجودنا الإنساني كان هذا المسعى استثماراً حقيقياً للرأسمال البشري سنشهد نتائجه في سنوات (أو ربما في عقود) مقبلة.



«التياترو»... حبكة كوميدية عن الصراع بين الموهوبين ومحتكري الفن

يقدم العرض على خشبة مسرح السلام وشهد حضور عدد من الفنانين (إدارة المسرح)
يقدم العرض على خشبة مسرح السلام وشهد حضور عدد من الفنانين (إدارة المسرح)
TT

«التياترو»... حبكة كوميدية عن الصراع بين الموهوبين ومحتكري الفن

يقدم العرض على خشبة مسرح السلام وشهد حضور عدد من الفنانين (إدارة المسرح)
يقدم العرض على خشبة مسرح السلام وشهد حضور عدد من الفنانين (إدارة المسرح)

تطرح مسرحية «التياترو» سؤالاً يتعلق بمصير الفن عندما تتحول الشهرة إلى غاية، وتصبح القيمة رهينةً لما يحقق الانتشار، ومن خلال قالب يجمع بين الكوميديا والاستعراض والدراما، تقدم حكاية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل إسقاطاً واضحاً على واقع المشهد الفني، عبر الصراع المستمر بين الفن الذي يسعى إلى تشكيل الوعي، والفن الذي يكتفي بملاحقة السوق.

تنطلق الأحداث من لحظة طرد ممثل محدود الموهبة من فرقة «اللورد» المسرحية، فيتحول شعوره بالهزيمة إلى رغبة في الانتقام. وبدلاً من تطوير نفسه، يقرر تأسيس مسرح يعتمد على الأعمال الهابطة، مستغلاً ميل قطاع من الجمهور إلى العروض السريعة والخفيفة، ليحقق نجاحاً جماهيرياً واسعاً، بينما يبدأ المسرح الجاد في فقدان جمهوره تدريجياً.

غير أن سقوط الفرقة لا يعني نهاية فكرتها، إذ يرفض بطلها القديم مغادرة المسرح المهجور، ويختار البقاء فيه مع ابنته، مؤمناً بأن الخشبة التي صنعت تاريخاً لا يمكن أن تموت لمجرد أن الجمهور انصرف عنها، ويتحول المسرح المهجور إلى رمز لكل قيمة فنية تراجعت أمام ضجيج الشهرة، ولكل موهبة حقيقية دفعتها الظروف إلى الهامش.

وتشهد الأحداث نقطة تحول مع ظهور مخرج شاب يؤمن بأن الفن الحقيقي لا يزال قادراً على استعادة مكانته، فيقرر إعادة إحياء فرقة «اللورد»، ويجمع حوله الممثلين القدامى، إلى جانب مجموعة من الشباب الذين حُرموا من فرصتهم بسبب هيمنة المنتج، ليصبح المشروع الجديد محاولة لإثبات أن الموهبة لا تزال قادرة على مقاومة التهميش متى وجدت من يؤمن بها.

يمزج العرض بين الاستعراض والكوميديا (إدارة المسرح)

ولا يكتفي المنتج بالسيطرة على ذائقة الجمهور، بل يسعى إلى احتكار المستقبل أيضاً، بعدما يشتري الأرض المقام عليها المسرح، ويوقع المخرج الشاب في عقد احتكار يمنعه من العمل مع أي جهة أخرى، وهنا يتحول الصراع من منافسة بين عرضين مسرحيين إلى مواجهة بين من يؤمن بحرية الإبداع، ومن يتعامل مع الفن باعتباره سلعة تخضع لمنطق الاحتكار والمكسب.

ورغم جدية القضية، يعتمد العرض على الكوميديا والاستعراض والغناء لتقديم أفكاره، بحيث تصبح الأغنيات والاستعراضات جزءاً من السرد الدرامي، وتتحول الضحكة إلى وسيلة لتمرير أسئلة فلسفية حول الذوق العام، ودور الجمهور في صناعة النجوم، ومسؤوليته في دعم الفن الذي يستحق البقاء.

«التياترو» من تأليف أحمد الملواني، بطولة نور محمود، وأحمد السلكاوي، وعبد المنعم رياض، وألحان المهدي، ومحمد مبروك، بالإضافة إلى عدد من الفنانين الشباب، ومن إخراج أحمد فؤاد، وتعرض على خشبة «مسرح السلام» بوسط القاهرة.

وقال مؤلف العرض أحمد الملواني لـ«الشرق الأوسط»، إن عملية الكتابة لا تتوقف بمجرد الانتهاء من النص الأول، بل تستمر طوال فترة التحضير، لافتاً إلى أنه يبدأ كتابة العمل قبل معرفة الممثلين الذين سيقدمون الشخصيات، ثم يعيد النظر في كثير من المشاهد بعد انطلاق البروفات، عندما يكتشف طبيعة كل ممثل وإمكاناته وأسلوبه الخاص في صناعة الكوميديا.

وأضاف أن «كل ممثل يمتلك شخصيته الخاصة في الإضحاك، حتى وإن كان الجميع يؤدون النص نفسه، لذلك يحرص على دراسة طريقة أداء كل فنان، وإعادة صياغة بعض المشاهد بما يتناسب مع أدواته، وهو ما يجعل النص يتطور تدريجياً حتى يصل إلى أفضل صورة ممكنة».

وتابع أن «الممثل قد ينجح في صناعة لحظة كوميدية لم تكن موجودة في ذهن الكاتب أثناء الكتابة، من خلال طريقته في إلقاء الجملة أو تعامله مع الموقف الدرامي»، مؤكداً أن «هذه الإضافات لا تأتي بشكل عشوائي، وإنما تُبنى خلال البروفات، حيث يجري تطوير العرض بشكل جماعي قبل الوصول إلى شكله النهائي».

يتناول العرض قضايا فنية عدة (إدارة المسرح)

من جهته، أكد الفنان عبد المنعم رياض أن «شخصية المنتج التي يقدمها تمثل نموذجاً للمنتج الزائف الذي يستغل أحلام الشباب ويقدم لهم وعوداً براقة حول اكتشاف المواهب وصناعة النجوم، بينما تكون غايته الحقيقية الحفاظ على منظومة لا تسمح بظهور أصحاب الموهبة الحقيقية أو منحهم فرصاً عادلة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشخصية تكشف كيف يمكن للبعض أن يفرض ذوقاً معيناً على الجمهور مع مرور الوقت، حتى يعتاد الناس أنماطاً محددةً من الأعمال، ويعتبرونها النموذج الطبيعي للفن»، موضحاً أن «المسرحية تناقش فكرة صناعة الزيف، لكنها لا تقصرها على الوسط الفني، بل تمتد بها إلى مختلف مجالات الحياة، حيث يمكن استغلال أحلام الشباب في العمل أو الدراسة أو غيرها من المجالات».

وأكد أن أكثر ما جذبه للمشاركة في «التياترو» هو المزج بين الكوميديا والاستعراض والفكرة الفلسفية، وقال إن «الجمهور يحتاج إلى أعمال ممتعة تفتح الباب في الوقت نفسه لطرح أفكار عميقة دون مباشرة، بحيث يستمتع المشاهد بالعرض، وفي الوقت نفسه يخرج منه برسالة تدفعه إلى التفكير».

وأشار إلى أن تعاونه مع المخرج أحمد فؤاد للمرة الثانية كان أحد أسباب حماسه للعمل، خصوصاً بعد النجاح الذي حققاه في مسرحية «خطة كيوبيد»، مؤكداً أن «أحمد فؤاد يمتلك رؤية إخراجية مميزة، ويجيد تقديم العروض التي تمزج بين الدراما والفلسفة والخيال في إطار جماهيري».

وأكد مخرج العرض أحمد فؤاد لـ«الشرق الأوسط»، أن المسرحية تمثل تجربة مختلفة تسعى إلى استعادة العلاقة بين المتعة والفكرة، موضحاً أن العمل لا يكتفي بتقديم عرض كوميدي واستعراضي، وإنما يناقش قضية فلسفية تتعلق بقيمة الفن، والصراع بين الموهبة الحقيقية والنجومية الزائفة، في إطار إنساني قادر على الوصول إلى مختلف فئات الجمهور.


توني كاي يستعيد الجدل حول «التاريخ الأميركي إكس» عبر وثائقي جديد

عرض الفيلم في مهرجان ترايبيكيا في نسخته الماضية (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم في مهرجان ترايبيكيا في نسخته الماضية (الشركة المنتجة)
TT

توني كاي يستعيد الجدل حول «التاريخ الأميركي إكس» عبر وثائقي جديد

عرض الفيلم في مهرجان ترايبيكيا في نسخته الماضية (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم في مهرجان ترايبيكيا في نسخته الماضية (الشركة المنتجة)

يعود المخرج البريطاني توني كاي إلى واحدة من أكثر التجارب اضطراباً وتأثيراً في مسيرته المهنية من خلال فيلمه الوثائقي الجديد «همبتي دمبتي إكس» (Humpty Dumpty X)، الذي يستعيد فيه كواليس صناعة فيلمه الشهير «التاريخ الأميركي إكس» الذي عُرض عام 1998، ولكن من منظور شخصي وإنساني مختلف تماماً.

الفيلم الوثائقي البريطاني - الأميركي الممتد لـ75 دقيقة، الذي عُرض للمرة الأولى ضمن فعاليات الدورة الخامسة والعشرين لمهرجان «تريبيكا السينمائي» في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأميركية، لا يكتفي بسرد تفاصيل الخلافات التي أحاطت بصناعة العمل في أواخر التسعينات، بل يتحول إلى رحلة داخل عقل المخرج نفسه، إذ يعيد النظر في سنوات الطموح والغضب والصدام مع هوليوود، محاولاً فهم ما جرى له كمخرج شاب كان يسعى بكل قوة للحفاظ على صوته الفني داخل منظومة سينمائية ضخمة ومعقدة.

أصبح المخرج البريطاني يمارس هواية الرسم منذ سنوات (الشركة المنتجة)

ومن خلال لقطات أرشيفية ومواد صوّرها بنفسه على مدار سنوات، يقدم «كاي» صورة شديدة الصراحة عن نفسه، بما فيها لحظات الانفعال والارتباك والهشاشة، في محاولة لفهم الماضي وإعادة بناء الذات من جديد.

ويُعد «التاريخ الأميركي إكس» من أبرز أفلام الدراما والجريمة في التسعينات، وهو من كتابة ديفيد ماكينا، ورُشح بطله إدوارد نورتون لجائزة الأوسكار كأفضل ممثل عن دوره في الفيلم، الذي دارت أحداثه حول «ديريك فينيارد»، الشاب المنتمي لجماعات النازيين الجدد في لوس أنجليس، الذي يخرج من السجن بعد سنوات ليحاول إنقاذ شقيقه الأصغر من السقوط في دوامة الكراهية والعنف التي دمرت حياته، متطرقاً لقضايا العنصرية والتطرف والهوية داخل المجتمع الأميركي.

ويقول المخرج البريطاني توني كاي لـ«الشرق الأوسط»، في حوار عبر تطبيق «زووم»، إن فيلمه الوثائقي جاء بعد رحلة طويلة من التفكير ومحاولة فهم ما حدث له أثناء صناعة «التاريخ الأميركي إكس»، مؤكداً أن «مرور نحو 3 عقود منحه القدرة على رؤية التجربة بشكل أكثر نضجاً وهدوءاً».

وأضاف أن «الفيلم بالنسبة له يشبه لوحة فنية متعددة الطبقات، ظل يعمل عليها سنوات طويلة»، موضحاً أن «ما بدأ كصراع حول فيلم، تحول مع الوقت إلى تأمل أوسع في الطموح والذاكرة والنجاة والثمن النفسي للإبداع».

وأشار كاي إلى أن «التاريخ الأميركي إكس» كان أول أفلامه السينمائية، ووقتها كان مخرجاً شاباً مليئاً بالحماس والطموح، ويحاول حماية صوته الفني داخل منظومة هوليوودية ضخمة وسريعة ومعقدة، لافتاً إلى أن «التجربة لم تعد بالنسبة له مجرد معركة قديمة، بل أصبحت درساً إنسانياً وفنياً عن معنى الإبداع والهوية والقدرة على الاستمرار، وهو ما يلمسه من الأجيال الجديدة التي ما زالت حتى اليوم تتحدث معه عن تأثير الفيلم عليها، وهو ما يعتبره أكبر إنجاز حققه العمل».

قدم الفيلم رؤية حملت نظرة مختلفة من المخرج البريطاني (إدارة المهرجان)

وأكد أنه كان يجلس يوماً داخل طائرة ويفكر في مسؤوليته تجاه «التاريخ الأميركي إكس»، ورغبته في صناعة فيلم يمكنه تغيير عقلية شخص واحد على الأقل، وإقناعه بأن الكراهية والغضب لا يقودان إلى أي مكان، مشيراً إلى أن «الفيلم تحول مع مرور الوقت إلى مادة تُدرّس في الجامعات، وهذا الأمر جعله يدرك كيف تغير معنى العمل عبر السنوات، لا سيما بعدما شاهده جيل جديد بطريقة مختلفة تماماً عن وقت عرضه الأول».

وشدد كاي على أن «فيلمه الوثائقي الجديد ليس مجرد محاولة لاستعادة الماضي، بل محاولة لفهمه وتحويله إلى تجربة مفيدة للآخرين، خصوصاً صناع الأفلام الشباب، لافتاً إلى أن إعادة مشاهدة اللقطات القديمة كانت بالنسبة له مزيجاً من التأمل والمواجهة والنجاة النفسية، لأن الزمن غيّر طريقته في رؤية نفسه، واستطاع أخيراً أن يرى الصورة كاملة، ليس فقط ما كان يحدث حوله، بل أيضاً ما كان يحدث داخله».

المخرج البريطاني توني كاي قبل حلق لحيته (الشركة المنتجة للفيلم)

ووصف المخرج البريطاني بعض اللحظات بأنها كانت صعبة ومؤلمة لكونها كشفت له نسخة أصغر سناً من نفسه، مليئة بالطموح والانفعال والرغبة المستمرة في إثبات الذات، لكنه شعر أن الهروب من تلك المشاهد سيكون نوعاً من الكذب، لافتاً إلى أن الفيلم كان يجب أن يكون صادقاً بالكامل، خصوصاً إذا كان سيحمل أي قيمة حقيقية للأجيال الجديدة من المخرجين والفنانين.

وأوضح كاي أن أكثر ما تغيّر داخله مع مرور الوقت هو نظرته إلى تلك الفوضى القديمة، مؤكداً أنه توقف عن رؤية اللقطات كدليل على الصراع فقط، وبدأ يراها كجزء من حكاية إنسانية أكبر عن الإبداع، والضغط النفسي، والخوف، والرغبة في التمسك بالرؤية الفنية داخل نظام أكبر بكثير من الفرد نفسه.

وأشار إلى أن «الفوضى نفسها كانت جزءاً أساسياً من الفيلم، دون أن يحاول تقديم نفسه بصورة أكثر تماسكاً أو بطولة قد تُفقد العمل قيمته الحقيقية، لأن الفن الحقيقي لا يولد من اليقين، بل من الشك والخوف والهشاشة والرغبة المستمرة في خلق شيء له معنى، موضحاً أن إبقاء الكسور والجروح ظاهرة داخل الفيلم جعله أكثر صدقاً واكتمالاً».

واختار المخرج شخصية «همبتي دمبتي» - التي ترمز في الثقافة الإنجليزية للسقوط والانكسار - لتكون اسم الفيلم، مستعيداً من خلالها الخلافات التي حدثت بينه وبين شركة الإنتاج خلال خوض أولى تجاربه السينمائية.

لكن كاي يؤكد أن اختيار الاسم في الفيلم ليس عن السقوط أو التدمير، بل عن إعادة البناء والتعلم من الأخطاء، ومحاولة مساعدة الفنانين الشباب حتى لا يفقدوا أنفسهم بالطريقة نفسها، مشيراً إلى أن تجربته الوثائقية تجاوزت فكرة الحديث عن «التاريخ الأميركي إكس»، ليصبح فيلماً عن الفن نفسه، وعن الثمن النفسي والعاطفي والروحي للإبداع.

وأضاف أن «العمل يتناول فكرة التضحية، وما الذي يمكن أن يقدمه الفنان مقابل حلمه أو رؤيته الفنية»، مؤكداً أن «الشغف بالإبداع قد يكون ملهماً وقاسياً في الوقت نفسه».

وأشار كاي إلى أن تجربته مع «التاريخ الأميركي إكس» غيّرت فهمه لفكرة التعاون الفني، موضحاً أنه «كان ينظر للأمر بشكل بسيط في البداية، قبل أن يكتشف أن كل شخص داخل أي فيلم يحمل ضغوطه، وخوفه، وطموحه الخاص، وأن أهم ما تعلمه هو أن التعاون لا يتعلق بالانتصار الشخصي، بل بإيجاد إيقاع جماعي يحمي العمل ويحمي المشاركين فيه».


أغنية فريق «هارموني عربي» لدعم «الفراعنة» تثير جدلاً في مصر

من حفل سابق لأعضاء الفرقة (حساب الفرقة على فيسبوك)
من حفل سابق لأعضاء الفرقة (حساب الفرقة على فيسبوك)
TT

أغنية فريق «هارموني عربي» لدعم «الفراعنة» تثير جدلاً في مصر

من حفل سابق لأعضاء الفرقة (حساب الفرقة على فيسبوك)
من حفل سابق لأعضاء الفرقة (حساب الفرقة على فيسبوك)

أثارت أغنية لفريق «هارموني عربي» لدعم المنتخب المصري في كأس العالم 2026 جدلاً في مصر، بعدما أثنت في كلماتها على عدد من لاعبي الفريق وحملت انتقاداً للاعب المنتخب ونادي «مانشستر سيتي» الإنجليزي عمر مرموش، بينما شجعت الأغنية عدداً من زملائه من بينهم محمد صلاح ومصطفى شوبير.

الفريق الذي اعتاد تقديم أغانيه عبر مواقع التواصل الاجتماعي من خلال الغناء الجماعي لأعمال مختلف الفنانين وتقديمها بشكل موسيقى مختلف، أعاد استخدام إعلان ترويجي لوصول المنتخب لكأس العام عام 2018 مع تغيير الكلمات والإبقاء على الألحان التي استخدمت في أغنية «جدو علي» التي قدمها الفنان المصري محمد ثروت.

ومع الإشادة برؤية مدرب المنتخب المصري حسام حسن والتأكيد على أن القرار الأخير له والإشادة بعدد من اللاعبين، استخدم الفريق تقنية الأبيض والأسود مع الغناء بحزن عند الحديث عن عمر مرموش الذي واجه انتقادات لأدائه خلال الأيام الماضية.

وغيّرت الفرقة من أسماء اللاعبين الذين تضمنهم الإعلان السابق ليكون بأسماء اللاعبين في المونديال الحالي، فيما انقسمت الآراء بالتعليقات حول الأغنية والانتقادات التي طالت مرموش فيها، تحدث آخرون عن إعجابهم بالأداء والفكرة.

ردود الفعل المتباينة على الأغنية التي تضمنتها الأغنية دفعتها لتحقيق مئات الآلاف من المشاهدات بوقت قصير عبر الحساب الرسمي للفرقة على «فيسبوك»، بجانب تداولها عبر عدة صفحات على نطاق واسع داخل مصر.

وقال قائد فرقة «كورال هارموني» محمود وحيد لـ«الشرق الأوسط» إن «الفكرة جاءت ارتباطاً بالتفاعل والاهتمام الجماهيري بكأس العالم في المقام الأول ولم يكن المقصود منها التقليل أو الانتقاص من شأن أي لاعب، بل على العكس جرى تقديم الأغنية بشكل ساخر».

شجعت الأغنية بعض اللاعبين في المنتخب (اتحاد الكرة)

وأضاف وحيد أن «اختيار أسماء اللاعبين لم يكن مقصوداً منه تجاهل الآخرين الذين لم يتم ذكرهم أو التقليل من شأن عمر مرموش الذي تعرض للانتقاد بالأغنية، باعتبار أن هذا الرأي ذكره عدد من المحللين المختصين بكرة القدم، وتم ذكره على الشاشات في البرامج المختلفة».

لكن الناقد الموسيقي محمود فوزي السيد اعتبر أن «ما قدم حمل إساءة للاعب المصري ولم يكن من اللائق تقديمها في هذا التوقيت مع وصول المنتخب المصري لدور الـ32 في المونديال ووجود التفاف شعبي لتشجيعه»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الطريقة التي جرى بها ذكر اسم مرموش في الأغنية والأداء التصويري المصاحب قدمه بشكل سيء».

كما عَدّ توقيت طرح الأغنية «غير موفق»، وفق رأيه، في ظل الاحتفالات الشعبية التي صاحبت تأهل المنتخب وصيفاً لمجموعته بفارق الأهداف فقط، مؤكداً أن الحفاظ على الروح المعنوية للاعبين أمر كان يجب مراعاته، لأهميته مع اعتبار ما جرى تقديمه لم يكن سخرية بقدر ما حمل إساءة للاعب في المنتخب حتى لو لم يكن موفقاً في آخر مبارياته.

وهنا يشير قائد الفرقة إلى تفهمه الانتقادات والآراء المختلفة معهم في الأغنية، لافتاً إلى أنهم اعتادوا على «وجود تباين في الآراء حول ما يقدمونه فنياً باعتبار أن الأذواق تختلف وما يعجب شخصاً قد لا يعجب شخصاً آخر، مع تأكيد الحرص على دعم وتشجيع المنتخب المصري»، وفق قوله.

وأكد أن الانتقادات هذه المرة والتفاعل مع الأغنية كانا أكبر من أي تجربة سابقة قدموها عبر حساباتهم بمواقع التواصل، لكن في الوقت نفسه لم يجعلهم هذا الأمر يفكرون في حذف الأغنية؛ لقناعتهم بالفكرة التي قدموها.