30 فيلماً من الكلاسيكيات العالمية حسب رؤية ناقد سينمائي

العبرة ليست بالعمر بل بالقدرة على الصمود في وجه الزمن

30 فيلماً من الكلاسيكيات العالمية حسب رؤية ناقد سينمائي
TT

30 فيلماً من الكلاسيكيات العالمية حسب رؤية ناقد سينمائي

30 فيلماً من الكلاسيكيات العالمية حسب رؤية ناقد سينمائي

صدر حديثاً عن دار «خطوط وظلال» الأردنية كتاب «كلاسيكيات السينما العالمية» تأليف الناقد السينمائي المصري أمير العمري، ويتضمن تحليلاً مفصلاً لنحو ثلاثين فيلماً من روائع كلاسيكيات السينما القديمة الصامتة والناطقة، والتي تزخر بخصائص صارت مع مرور السنين من أساسيات الفن السابع.
قام المؤلف بترتيب فصول الكتاب حسب تواريخ إنتاج الأفلام، وقدم الكلاسيكيات القديمة الصامتة أولاً، ثم جاءت بعد ذلك الكلاسيكيات الحديثة أو الأحدث، مثل «نظرة عوليس» الذي أخرجه اليوناني أنجلوبولوس عام 1996، كما استهله بمقدمة أوضح فيها السمات الأساسية التي يمكن على أساسها وصف فيلم ما بأنه كلاسيكي، وقال إن «الكثير من هواة السينما، وحتى المشتغلين بها، يعتقدون أن الكلاسيكيات هي الأفلام القديمة والصامتة فقط، وهذا غير صحيح، فقد قدم السينمائيون عدداً من الكلاسيكيات في أزمنة حديثة تالية، وذكر أن هناك من السينما الحديثة ما يطلق عليها بعض النقاد في الغرب (الكلاسيكيات الحديثة) تمييزاً لها عن القديمة، وهذا رأي غير دقيق، حسب وجهة نظر العمري، فالعبرة عنده ليست بعمر الفيلم بل بقدرته على الصمود في وجه الزمن، وتأثيره الذي يتغلغل في ذاكرة المشاهدين، ويدفعهم لمشاهدته مرات عديدة، فتزيد متعتهم، ويكتشفون في كل مرة شيئاً جديداً».
وذكر العمري أن الثراء الفني، في الشكل واللغة وعناصر السينما وقدرة صناع الفيلم، على صياغة عمل مؤثر ومبتكر، يمتلك كثيراً من مظاهر الدهشة والجمال، تعد من أهم الشروط التي تجعل الفيلم كلاسيكياً، وهذا يمكن ملاحظته على نحو مثالي في فيلم الرعب الألماني «خزانة الدكتور كاليغاري».

أبعاد إنسانية

تدور فكرة فيلم «خزانة الدكتور كاليغاري» برأي العمري حول «التحكم» أو «السيطرة»، وكيف يمكن لشخص يمتلك سلطة أن يتحكم بمصائر الآخرين، وقد قام بإخراجه الفنان الألماني روبرت فينه قبل مائة وعشرين عاماً، ودخل تاريخ السينما بوصفه أحد الكلاسيكيات الكبرى. ويتضمن كثيراً من الديكورات الغريبة الضيقة الخانقة التي صمّمها الفنانون التعبيريون الذين استعان بهم فينه، والتي تعد بمثابة ثورة في عالم السينما عندما كانت في بداياتها، وقتها قدم كل من وولتر ريمان وهيرمان فارم وهما من أشهر الفنانين التعبيريين الألمان رسوماً وتصميمات لرؤية فنية تقوم على التعبير الذاتي عن الواقع، وليس تجسيده، وذلك من منظور الفرد المحبط المضطرب الذي يعاني من الهواجس وانعدام الثقة في الآخرين، وتشي الرسومات والتصميمات بعلاقة الفرد بالواقع، وكيف يراه ويتفاعل معه، وهي صور «تعبيرية» تعكس الخوف والقلق والكوابيس المرعبة، وتستخرج ما يدور داخل الذهن البشري، والذي لا يتجانس بالضرورة مع الواقع.
وبهذا التصور لا يخضع الفيلم للواقع بل يتجاوزه لأنه ابن رؤية فنان، يبرز من خلالها هواجسه الداخلية العميقة في سياق الملامح الخاصة للتعبيرية التي تصور الغرف كمقابر، والشوارع مائلة، والسلالم حادة الزوايا. إلى جانب استخدام الإضاءة لتوليد الظلال القاتمة والتركيز على الوجوه من خلال استخدام دوائر مغلقة تحبس الشخصيات، وتُظهر الانفعالات على الوجوه بطريقة مبالغ فيها، مع تضييق المساحات أو الفراغات داخل الصورة، وتصوير الجدران التي تمتلئ بالصور والرسوم الغريبة، والأسقف المنخفضة فوق الرؤوس مباشرة.
وأشار العمري إلى أن العالم في الفيلم يبدو كأنه سجن، فلا تؤدي الشوارع الملتوية الضيقة إلى شيء، وتظهر العمارات والمباني نحيفة مدببة، والمنازل أقبية مليئة بالأسطح المدببة. هذه الصور وغيرها هي ما تشكل الرؤية البصرية في الفيلم، ليصبح نموذجاً كلاسيكياً في استخدام التعبيرية، التي تجعل صورة الواقع «السينمائي» منفصلة تماماً عن الواقع الحقيقي.
ويشير العمري إلى أن الفيلم الكلاسيكي قد يشمل التعبير عن فترة زمنية لم نعشها، يُعيد تأسيسها وبنائها بحيث يمكن لنا أن نستخرج من الفيلم ومن القصة المعروضة نفسها كثيراً من المعاني الإنسانية التي تجعلنا أكثر معرفة بتلك الفترة الزمنية، وأكثر دراية بما فيها من جمال، بل أكثر فهماً للحاضر أيضاً على ضوء الماضي.
ومن بين هذه الأفلام التي تتمتع باهتمام كبير ومستمر يأتي فيلم «ذهب مع الريح»، وهو اهتمام لا يرجع فقط إلى جودة العناصر الفنية، من إخراج وتمثيل وديكورات وموسيقى، ولكن أيضاً في مشاهد المعارك الحربية التي تبدو كما لو كانت واقعية، وهي تجسد وقائع الحرب الأهلية الأميركية عموماً، وتبدو مبهرة كأننا أمام استعادة مجسدة للتاريخ. أما العنصر الأكثر جاذبية لدى الجمهور، فيتمثل في المعاني الإنسانية التي تنبع من قصة الفيلم مثل بشاعة الحرب وقسوتها، والحب الذي يسمو فوق كل شيء، والغيرة التي تدمي القلوب.
وهكذا يرى العمري أن المعاني الإنسانية التي تلمس مشاعر الجمهور تأتي ضمن العوامل التي تجعل فيلماً ما يصبح من الكلاسيكيات، خصوصاً الأفلام الأولى الصامتة التي أُعيد إحياؤها وأصبحت محفورة في ذاكرة جمهور السينما مثل «العصر الحديث» لشابلن، و«نابليون» و«صندوق باندورا»، وقد خصص لها فصولاً في الكتاب وتناولها بالتحليل وسلط الأضواء عليها.

مصداقية الغرابة
وأشار العمري إلى أن كثيراً من أفلام المخرج البريطاني ألفريد هيتشكوك أصبحت من الكلاسيكيات لقدرتها على إثارة مشاعر الجمهور في كل مكان، وذلك بفضل ابتكاراته الخاصة في تعامله مع الوسيط السينمائي، وما تولِّده أفلامه من شعور بالصدمة، وهي تكشف الغامض والمثير والمجهول في النفس البشرية، وذكر أن أفلام هيتشكوك مهما بلغت من الغرابة لا تفقد المصداقية، فقد جعلها مقبولة ومفهومة ومرحباً بها.
ولتوضيح ذلك، قام العمري بتحليل فيلم «الساكن» لهيتشكوك الذي قدمه عام 1927، وهو أحد الأفلام الأولى له، وفيلم «2001... أوديسا الفضاء» وهو من الأفلام الأحدث التي حفرت اتجاهاً جديداً في السينما للمخرج الأميركي ستانلي كوبريك، ورآه العمري عملاً غير مسبوق في مجال أفلام «الخيال العلمي»، رغم أنه لم يكن يعتمد على مؤثرات بصرية متقدمة مثل التي تتوفر اليوم. أما فيلم «بوني وكلايد» فيذكر المؤلف أنه أصبح نموذجاً مؤثراً لفيلم الجريمة الذي يدفع المشاهدين إلى الإعجاب حدَّ الهوس ببطليه اللذين يسرقان ويقتلان عند الضرورة. ويتساءل العمري: لماذا أصبح هذا ممكناً، وكيف كان طبيعياً أن يرسخ الفيلم في الذاكرة ويصبح حتى أقوى تأثيراً من القصة الحقيقية الأصلية؟ والجواب عنه أن ذلك يكمن في القدرة على التعامل مع الإنسان في فردانيته وعزلته وشعوره بالغضب والتمرد والرفض والاحتجاج على الظلم.

الابتكار والدهشة
يضيف العمري أن تميز الفيلم بالابتكار هو ما يجعل فيلماً ما كلاسيكياً يبقى في الذاكرة، ويستمر الاحتفاء به حين ينجح صانعه في تطوير أبجديات السينما والصنعة السينمائية، وخلق بطل مثالي أو بطلة نموذجية تظل صورتهما في الأذهان ولو عبر قصة «بسيطة»، تكون رغم ذلك موحية بكثير من الأفكار وتولِّد كثيراً من المشاعر التي تربط بين البشر وتوحِّد بينهم رغم اختلاف الثقافات والأجناس والانتماءات.
وقال المؤلف إن الابتكار الذي يعكس طموحاً بل مغامرة مدهشة في تطويع الوسيط السينمائي لخيال فنان السينما يتضح في الفيلم الصامت «نابليون» لأبيل غانس، وفي «المواطن كين»، هو ما يميز كثيراً من الأفلام التي أصبحت راسخة في ذاكرة الملايين عبر العصور، وضمنت لها بالتالي مكاناً بين «الكلاسيكيات».
ولم يتناول العمري في كتابه أفلاماً شهيرة رائجة بين الجمهور العريض فقط، بل قام بتحليل أفلام أخرى تنتمي لسينمات خارج أميركا وهوليوود، دخلت تاريخ الكلاسيكيات السينمائية، ويعرفها جمهور السينما الفنية الرفيعة، وبعضها أفلام ظهرت في الاتحاد السوفياتي السابق مثل «أغنية البجع الطائر» أو «سيبيرياد»، وأفلام أخرى خلقت اتجاهاً جديداً مثل تيار السينما السياسية، وأشهرها «قضية ماتيه» الإيطالي، و«زد» الفرنسي. وقد سلط العمري الضوء على هذا النوع من الأفلام، وأظهر أهميتها السينمائية، وقيمتها التاريخية.


مقالات ذات صلة

جوائز «الأقصر السينمائي» تنحاز للقضايا الاجتماعية

يوميات الشرق أحمد مالك متسلماً الجائزة من الرئيس الشرفي للمهرجان محمود حميدة (إدارة المهرجان)

جوائز «الأقصر السينمائي» تنحاز للقضايا الاجتماعية

انحازت جوائز المسابقة الرسمية للنسخة الخامسة عشرة من مهرجان «الأقصر للسينما الأفريقية» للقضايا الاجتماعية في مجمل اختياراتها.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق «حفّار»... توم كروز كما يبدو في الفيلم (وورنر)

لقاء فريد بين نجمين لامعين... «حفّار» يجمع إيناريتو وتوم كروز

تفاصيل الحكاية في فيلمه الجديد «حفّار» غير واضحة بعد، لكنّ خيطها الأساسي يدور حول رجل عُرِف بأنه الأقوى في العالم...

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق عرض الفيلم في النسخة الماضية من «مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية» (الشركة المنتجة)

إليزابيث راسموسن: نشأتي قرب الدائرة القطبية جعلت السماء جزءاً من هويتي

قالت المخرجة النرويجية، إليزابيث راسموسن، إن الشرارة الأولى للفيلم الوثائقي «نحن غبار النجوم» جاءت من قصة بدت لها في البداية أقرب إلى الحكايات الخيالية.

أحمد عدلي (القاهرة)
سينما «أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية»

محمد رُضا (لندن)
سينما «ذباب» (مهرجان برلين)

شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«أولغا» (تريسيتا سانشيز)، بطلة «ذباب»، امرأة وحيدة تجاوزت سنوات الشباب، تعاني زيادة في الوزن وافتقاراً إلى الجمال.

محمد رُضا (لندن)

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».


الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط
TT

الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضع حداً للعنف، أم أنه لا يكتشف نفسه إلا في العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تصورين مختلفين لمعنى التاريخ والدولة والإنسان، تصور يراهن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم.

كانط ينطلق من قاعدة تبدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غاية لا وسيلة. هذه العبارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مباشرة. لأن الحرب، في جوهرها، تجعل الإنسان وسيلة ضمن صراع بين دول. ولهذا لا يتعامل كانط مع الحرب بوصفها واقعاً ينبغي تفسيره، بل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها. في مشروعه «السلام الدائم»، يحاول أن ينقل السياسة من منطق القوة إلى منطق القانون. في هذا الأفق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي.

الدولة التي تدخل الحرب لم تبلغ بعد مستوى النضج الذي يجعلها تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط السلام بشروط محددة، قيام أنظمة جمهورية تجعل قرار الحرب خاضعاً لإرادة المواطنين، خضوع العلاقات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانزلاق إلى الصراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع.

الأهم أن كانط لا يرى السلام حالةً طبيعيةً، بل مشروع يجب بناؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تلقائياً، بل تدفع البشر إلى الصراع. لذلك يحتاج الإنسان إلى العقل ليضع حداً لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بل إنجاز تاريخي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية.

هيغل

هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الحرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً، بل بوصفها كلاً يتجاوز الأفراد.

يرى هيغل أن المجتمع، إذا طال عليه السلم، قد ينغلق داخل مصالحه الخاصة، ويتحول إلى شبكة من العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفراد إحساسهم بالانتماء إلى الكل. الحرب، هنا، تعمل نوعًا من الصدمة التي تكسر هذا الانغلاق، وتعيد ربط الأفراد بالدولة. ليست قيمة أخلاقية، لكنها لحظة تكشف ما هو أعمق من الأخلاق الفردية.

من هنا أيضاً يرفض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الصراع. العلاقات بين الدول ليست علاقات قانونية خالصة، بل علاقات قوة، لأن كل دولة تمثل كلاً مستقلاً لا يعترف بسلطة أعلى منه. لذلك، حين يتعارض هذا الكل مع غيره، لا يكون هناك حكم أعلى يفصل بينهما، بل يُحسم الأمر بالصراع.

الفارق بين الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كانط، العقل يضع حدوداً، ويؤسس قانوناً يتجاوز الدول. عند هيغل، العقل لا يقف خارج التاريخ ولا يحاكمه، بل يتحقق داخله، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كانط يدرك أن الحرب جزء من الواقع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الفرق أن كانط يريد أن يقيس الواقع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله.

إذا تأملنا العالم الحديث، نجد أن هذا التوتر لم يُحسم. المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وفكرة حقوق الإنسان، كلها استمرار للأفق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تقف عاجزة أمام منطق القوة. في المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل.

وهنا تظهر مفارقة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر.

في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حدود كل إجابة. كانط يمنحنا أفقاً ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول العالم إلى صراع مفتوح بلا معنى. وهيغل يمنحنا فهماً ضرورياً، لأن من دون إدراك موقع الصراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية.

ويمكن إضافة بُعد آخر للفارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كانط، الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون سياسياً، ولذلك تُقاس السياسة على الأخلاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخلاق من داخل السياسة. هذا القلب في العلاقة هو ما يجعل الحرب عند كانط انحرافاً، وعند هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قانون فوق الدول، بينما يشكك هيغل في إمكان قيام سلطة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الدولة عنده هي أعلى تجلٍ للروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومن هنا يتضح لماذا يظل السلام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقاً غير قابل للتحقق النهائي.

في ضوء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يبدو أن الواقع يميل إلى منطق هيغل، حيث تُحسم العلاقات عبر توازن القوة والصراع، بينما يُحيل أفق كانط إلى قانون دولي يمنع الانزلاق إلى الحرب، وسيبقى حاضراً كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق.

* كاتب سعودي


«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر
TT

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة، تُواجه المرء في يومياته، وتستدرج من داخله مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصولاً إلى التهميش والانسحاب، وهو ما يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة على نحو متقطع، عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر.

يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحوّلة قائلاً: «بحر الليل لا يُشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، وصولاً إلى أحشائه، حيث يتكثف السرد، وتصبح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبداً الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر».

في هذه القصة، يسعى البطل إلى أن ينفض عن نفسه «غبار الوحدة»، متلمّساً بحسّ انفعالي في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف.

في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين إلى خلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء، والدفاع عن حدود وحدتهم ومكتسباتها، حتى لو كان ذلك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد العجوز، بطل قصة «أن ترحل»، متشبثاً به، «سيخبرهما أن هذا المقعد يحتل رقعة تمكنه من متابعة زوارق الصيد في الأفق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الذين طالما غادروا المرفأ معاً بحثاً عن أسماك فضية بلون الحلم، بيضاء بلون الزّبد».

تتحرك قصص المجموعة عبر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المكان وطبقاته؛ من اليابس بسطحه وضوضائه، إلى تخوم الماء، ويمتد هذا الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً، حيث يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر بوصفه كائناً حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبطال يقطع عهداً لـ«إله البحر» أن يعود إليه في الغد، متوسلاً إلى أعماقه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسطورة ومنتهاها أيضاً.

ويبدو أهل البحر في المجموعة أكثر التصاقاً بأسراره التي لا تخلو من طابع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هي أرواح لبحارة غرقى قضوا في عرض البحر» في هذا العالم، يغلب الجمالي على التأويل، فلا تكون النوارس مجرد طيور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلى «ألعاب أطفال تطفو في حوض ماء هائل».

مِخيال مفتوح

تتكرّس هذه الرؤية عبر ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة؛ فالسحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. وتظل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جزءاً من هذا المِخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُرّ الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخيرة»، في صورة تختزل قسوة العزلة بوصفها انكشافاً كاملاً.

يبدو للبحر هنا معجم دلالي، تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويُختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ»، أو يتجلى في صورة «أفروديت» كما تراها عين رسّام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء.

في هذا السياق، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري في قصة «أن تجنح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم، ما يكشف عن هاجس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد».

ويواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال الذي يتقاضاه نظير هذا العمل، وتأنيب داخلي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟».

تتخذ هذه الثنائيات بعداً سردياً أكثر تعقيداً في قصة «أن تُفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تتكاملان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.

فهكذا، يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل ذاته؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسائل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية، فيغدو الجميع واقعين في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.