اختراقات 2021: لقاحات مطورة ونظم ذكاء تفاعلي وأجهزة أدق لرصد المواقع الجغرافية

خبراء أميركيون أعدوا لائحة بأهم التقنيات

اختراقات 2021: لقاحات مطورة ونظم ذكاء تفاعلي وأجهزة أدق لرصد المواقع الجغرافية
TT

اختراقات 2021: لقاحات مطورة ونظم ذكاء تفاعلي وأجهزة أدق لرصد المواقع الجغرافية

اختراقات 2021: لقاحات مطورة ونظم ذكاء تفاعلي وأجهزة أدق لرصد المواقع الجغرافية

أعد خبراء أميركيون لائحة تضمّ أهمّ التقنيات لهذا العام. بدأ بعضها مثل لقاح الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA) في تغيير حياتنا، وأخرى لا يزال أمامها بضع سنوات للبروز.
لقاحات وذكاء تفاعلي
• لقاحات الحمض النووي الريبوزي المرسال. لقد حالف الحظّ البشرية أخيراً؛ فقد تبيّن أنّ اللقاحين الأكثر فاعلية في مواجهة فيروس كورونا يعتمدان على الحمض النووي الريبوزي المرسال، هذه التقنية التي يستخدمها الباحثون والعلماء في أعمالهم وأبحاثهم منذ 20 عاماً.
عند بداية جائحة «كوفيد – 19» في يناير (كانون الثاني) 2020، سارع علماء في الكثير من شركات التقنية الحيوية إلى تحويل الحمض النووي الريبوزي المرسال إلى وسيلة محتملة لصناعة اللقاح. وتعتمد لقاحات «كوفيد - 19» الجديدة على تقنية لم تستخدم سابقاً في صناعة الدواء، ولكن يمكنها أن تحدث تحوّلاً في عالم الطبّ، وأن تساعد في تطوير لقاحات مضادّة للعديد من الأمراض المعدية، من بينها الملاريا. وإذا استمرّ فيروس كورونا الحالي في التحوّر، يستطيع العلماء تعديل لقاحات الحمض النووي الريبوزي المرسال بسهولة وسرعة. ويعِد هذا المرسال أيضاً بوضع الأساس لتعديلات جينية غير مكلفة لمرض فقر الدم المنجلي ومتلازمة نقص المناعة المكتسبة، بالإضافة إلى مساعدة الجسم البشري على محاربة السرطان على أنواعه.
• ذكاء صناعي متفاعل: «جي بي تي – 3» GPT - 3. تعدُّ النماذج الكومبيوترية الكبيرة لمعالجة اللغة الطبيعية التي تتعلّم القراءة والكلام خطوة كبيرة نحو ذكاء صناعي أكثر تفهّماً وتفاعلاً مع العالم ويعتبر «جي بي تي – 3» أفضل هذه النماذج وأكثرها «ثقافة» حتّى اليوم. تلقّى هذا النموذج تدريباً على نصٍّ يضمّ آلاف الكتب والقسم الأكبر من محتوى شبكة الإنترنت؛ ما جعله قادراً على تقليد النصوص التي يكتبها الإنسان بواقعية غريبة لا تصدّق وحوّله إلى أكثر النماذج اللغوية التي تعتمد على التعلّم الآلي تأثيراً. (انظر: «جي بي تي ـ 3»... نظام ذكاء صناعي بديل عن الكتاب والمؤلفين «الشرق الأوسط» العدد 15358).
ولكنّ «جي بي تي – 3» لا يفهم ماذا يكتب؛ ولهذا السبب، قد يقدّم أحياناً محتوى غير مكتمل وغير منطقي. يحتاج تدريب هذا النموذج إلى كمٍّ هائلٍ من الطاقة الكومبيوترية والبيانات والأموال ويؤدّي إلى إنتاج بصمة كربونية كبيرة وتقييد تطوير نماذج مشابهة للمختبرات الهائلة المصادر. ونظراً إلى أنّ هذا النموذج تلقّى تدريبه على نصٍّ مسحوبٍ من الإنترنت مليء بالمعلومات الخاطئة والانحياز، يميل في معظم الأحيان إلى تقديم نصوصٍ مطعّمة بالتمييز.
ذكاء صناعي متعدّد المهارات. يفتقر الذكاء الصناعي إلى القدرات البشرية التي يتمتّع بها حتّى الأطفال الصغار لتعلّم كيف يسير هذا العالم وتطبيق المعرفة العامّة في أوضاع جديدة.
توجد مقاربة واحدة واعدة لتحسين مهارات الذكاء الصناعي تتجلّى في توسيع حواسه. يستطيع الذكاء الصناعي المجهّز حالياً بالرؤية الكومبيوترية أو التعرّف الصوتي الشعور بأشياء كثيرة ولكنّه لا يستطيع «الحديث» عن ما يراه ويسمعه باستخدام خوارزميات اللغة الطبيعية. ولكن ماذا إذا جمعنا هذه القدرات في نظام ذكاءٍ صناعي واحد؟ هل يمكن أن تبدأ هذه الأنظمة باكتساب ذكاء يشبه الذكاء البشري؟ هل سيصبح الروبوت القادر على الرؤية والشعور والسمع والتواصل مساعداً أكثر إنتاجية للبشر؟
برامج وصناديق بيانات
• خوارزميات التوصية في «تيك توك». منذ إطلاقه في الصين عام 2016، أصبح تطبيق «تيك توك» واحداً من أسرع الشبكات الاجتماعية نمواً، حيث تمّ تحميله مليارات المرّات وجذب مئات ملايين المستخدمين. لماذا؟ لأنّ الخوارزمية التي تزوّد خاصيته «فور يو» (لك) بالطّاقة غيّرت الطريقة التي يكتسب فيها النّاس الشهرة على الإنترنت.
يتّجه الكثير من التطبيقات الأخرى إلى تسليط الضوء على محتوى يجذب اهتمام القسم الأكبر من الجمهور، بينما تعمل خوارزميات «تيك توك» على إخراج صانعِ محتوى جديد من الظلام وتتعامل معه وكأنّها تقدّم نجماً معروفاً، فضلاً عن أنّها تبرع في تغذية مجموعات متخصصة من المستخدمين الذين يتشاركون اهتمامات أو هوية معينة بمحتوى على صلة باختصاصها.
تساهم قدرة صنّاع المستوى الجدد على الحصول على عدد كبير من المشاهدات بسرعة كبيرة والسهولة التي يكتشف بها المستخدمون أنواعاً كبيرة من المحتوى في تحقيق التطبيق الصيني لنموّ مذهل؛ وهذا ما يدفع شركات تواصل اجتماعي أخرى اليوم إلى السعي لإدخال هذه المزايا في تطبيقاتها.
• صناديق أمانٍ للبيانات. تعرّضت معلوماتنا للتسريب والقرصنة والبيع مرّات أكثر بكثير مما يمكننا أن نحصي.
يقدّم صندوق أمان البيانات مقاربة بديلة بدأت بعض الحكومات ببحثها، وهو عبارة عن كيانٍ قانوني يجمع ويدير بيانات النّاس الشخصية بالنيابة عنهم. لا يزال تعريف شكل ووظيفة هذه الكيانات غير واضح، وتوجد أسئلة كثيرة عالقة حولها، ولكنّ هذه الصناديق قد تكون حلاً لمشاكل نعاني منها منذ مدّة طويلة في مجالي الخصوصية والأمن، وفقاً لمجلة «تكنولوجي ريفيو».
بطاريات هيدروجين
• بطاريات معدن – الليثيوم. تُعرف المركبات الكهربائية بأسعارها الباهظة نسبياً، ولا يمكنكم قيادتها لأكثر من بضعة مئات الأميال قبل أن تحتاجوا إلى شحنها من جديد. ترتبط هذه الجوانب السلبية جميعها بشكلٍ مباشر بمحدودية فاعلية بطاريات أيون الليثيوم. ولكنّ شركة ناشئة ذات تمويلٍ كبير في سيليكون فالي تدّعي اليوم أنّها طوّرت بطارية ستزيد رغبة المستهلك العادي بالعربات الكهربائية.
طوّرت شركة «كوانتوم سكيب» ما أسمته بطارية المعدن – الليثيوم، وأظهرت نتائج اختباراتها الأولى، أنّها قادرة على زيادة نطاق سير العربات الكهربائية بنسبة 80 في المائة، فضلاً عن أنّها تتلقّى شحنها بسرعة. وقّعت الشركة الناشئة اتفاقاً مع «فولكس فاغن» التي كشفت عن أنّها ستبدأ في بيع عربات كهربائية تعمل بهذه البطارية الجديدة في عام 2025. وتجدر الإشارة إلى أنّ البطارية لا تزال نموذجاً تجريبياً أصغر بكثير من البطارية التي تحتاجها أي سيّارة.
• الهيدروجين الأخضر. اليوم، وبينما تجري الدول حسابات صعبة حول كيفية تحقيق أهدافها المناخية، تزداد أهميّة الهيدروجين الأخضر والحاجة إليه.
لطالما اعتبر الهيدروجين بديلاً محتملاً للوقود الأحفوري؛ لأنّه يحترق بنظافة ولا يبعث ثاني أكسيد الكربون، فضلاً عن أنّه كثيف لناحية الطّاقة ما يجعل منه وسيلة جيّدة لتخزين الطاقة الصادرة من وعن المصادر المتجدّدة. كما يمكن استخدامه لصناعة أنواع وقود صناعية سائلة تحلّ محلّ البنزين والديزل، إلّا أنّ معظم الهيدروجين المنتج حول العالم اليوم يُصنع من الغاز الطبيعي ضمن عملية ملوّثة وتتطلّب طاقة مكثّفة. ولكنّ استمرار تهاوي كلفة الطاقتين الهوائية والشمسية يعني أنّ الهيدروجين الأخضر بات اليوم زهيداً بدرجة كافية لجعله خياراً عملياً.
تتبع وتموضع
• التتبّع الرقمي للاحتكاك. مع بداية انتشار فيروس كورونا حول العالم، بدا التعقّب الرقمي للاحتكاك وسيلة فعّالة للمساعدة. إذ تستطيع تطبيقات الهواتف الذكية استخدام نظم «جي بي إس». والبلوتوث لوضع سجلّ بالأشخاص الذي التقوا أخيراً وإذا تبيّن لاحقاً أنّ أحدهم التقط عدوى «كوفيد - 19»، يستطيع هذا الشخص أن يدخل هذه النتيجة إلى التطبيق الذي سيعلم كلّ من قد يكون تعرّض للفيروس.
• التموضع الفائق الدقّة. الجميع يستخدم نظم «جي بي إس» في شؤونه اليومية؛ لأنّه أحدث تحوّلاً كبيراً في حياتنا وفي الكثير من أعمالنا. صحيح أنّ «جي بي إس» المتوفّر اليوم يتميّز بدقّة عالية على مسافة تتراوح بين خمسة وعشرة أمتار، إلّا أنّ تقنيات التموضع الجديدة الفائقة الدقّة تمنح إحداثيات محدّدة لمسافة سنتمترات أو حتّى مليمترات قليلة. يفتح هذا التطوّر الباب لتطبيقات جديدة تتنوّع بين التحذيرات على الطرقات وروبوتات التوصيل والسيّارات الآلية التي ستتمكّن من التجوّل على الطريق بشكلٍ آمن.
أصبح نظام «بي دو» BeiDou (الدب الأكبر) العالمي للملاحة جاهزاً في الصين في يونيو (حزيران) 2020 ليشكّل جزءاً مما يجعل جميع هذه الاحتمالات متاحة. يقدّم هذا النظام تموضعاً دقيقاً على مسافة 1.5 إلى مترين لأي شخصٍ في العالم. وبفضل استخدامه للتكبير الأرضي، يمكنه أيضاً أن يقدّم دقّة على مسافة لا تتجاوز بضع ملّيمترات. في الوقت الحالي، تشهد تقنية «جي بي إس»، التي يستخدمها النّاس منذ التسعينات، تحديثات مهمّة مدفوعة بأربع أقمارٍ صناعية جديدة لنظام «جي بي إس» الثالث (GPS III) الذي أطلق في نوفمبر (تشرين الثاني) على أن يستقبل المدار المزيد من الأقمار الصناعية في 2023.
• كلّ شيءٍ عن بعد. أجبرت جائحة «كوفيد – 19» العالم أجمع على الانتقال إلى وضع الحياة عن بعد.
جمعت شركة «سناب آسك» المتخصصة في التعليم الخاص الإلكتروني 3.5 مليون مستخدم في تسعِ دولٍ آسيوية بينما ارتفع عدد مستخدمي تطبيق «بيجوز» الهندي للتعليم إلى نحو 70 مليوناً. ولكن لسوء الحظّ، لا يزال الطلّاب في دولٍ أخرى كثيرة يعانون من الارتباك في صفوفهم الإلكترونية. في الوقت نفسه، أوصلت جهود العناية الصحية الهاتفية المبذولة في أوغندا ودول أفريقية أخرى العناية الصحية للملايين خلال الجائحة. وفي جزءٍ يعاني من نقص مزمن بالأطبّاء من العالم، تحوّلت العناية الصحية عن بعد إلى عاملٍ منقذٍ للحياة.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الذكاء الاصطناعي يطبع آثاراً نفسية خفيّة على الإنسان

الذكاء الاصطناعي يطبع آثاراً نفسية خفيّة على الإنسان
TT

الذكاء الاصطناعي يطبع آثاراً نفسية خفيّة على الإنسان

الذكاء الاصطناعي يطبع آثاراً نفسية خفيّة على الإنسان

كثيراً ما يؤكد معظم مستخدمي أدوات الذكاء الاصطناعي أنها تُسهّل حياتهم. وتحمل هذه التكنولوجيا الذكية وعوداً بتبسيط المهام وتولي مسؤولية تنفيذها على الصعيدين المهني والشخصي، سواءً أكان ذلك تلخيص الوثائق، أو صياغة التقارير، أو إنشاء رموز برمجية، أو حتى تقديم الدعم النفسي. ومع ذلك، يساور الباحثين القلق من أن الذكاء الاصطناعي يُسهّل بعض المهام أكثر من اللازم، وأن هذا سيحمل بطياته عواقب غير متوقعة.

انحسار المشاركة الفاعلة

في مقال بعنوان «ضد الذكاء الاصطناعي السلس»، نشرته دورية «علم نفس الاتصالات» (Communications Psychology) بتاريخ 24 فبراير (شباط)، ناقش علماء نفس من جامعة تورنتو ما قد يفقده الإنسان عندما يقضي الذكاء الاصطناعي على كثير من الجهد المطلوب فيما يخص إنجاز الأنشطة البشرية. وتمحورت حجتهم حول فكرة: يلعب الاحتكاك - الصعوبة، والجهد، وحتى الشعور بعدم الراحة - دوراً مهماً في التعلم، والتحفيز، والشعور بالمعنى. لطالما أظهرت الأبحاث النفسية أن المشاركة الفعالة تُعمّق الفهم وتُقوّي الذاكرة، ما يُوصف بعض الأحيان بـ«الصعوبات المرغوبة».

ويخشى باحثون من أن أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على إنتاج إجابات مُنمّقة أو محادثات سريعة الاستجابة، ربما تتجاوز عمليات التعلم والتحفيز هذه. ومن خلال توجيه الأولوية للنتائج على حساب الجهد، قد يُضعف الذكاء الاصطناعي التجارب، التي تُساعد الأفراد على تطوير مهاراتهم، وبناء علاقاتهم، وإيجاد معنى في عملهم.

في هذا الصدد، تحدثت فانيسا بيتس راميريز من مجلة «جمعية المهندسين الكهربائيين الأميركيين» (سبيكتروم) ، مع إميلي زوهار، طالبة الدكتوراه في علم النفس التجريبي، الباحثة الرئيسية في الدراسة، حول سبب تأكيدها مع زميليها عالمي النفس بول بلوم ومايكل إنزليخت على أهمية الاحتكاك، وما الذي يمكن أن يبدو عليه في نهج أكثر تركيزاً على الإنسان لدى تصميم الذكاء الاصطناعي.

حوار علمي

> عندما تتحدثين عن «الاحتكاك» ماذا تقصدين من الناحيتين المعرفية والشخصية؟

- تقول إميلي زوهار: نُعرّف الاحتكاك بأنه أي صعوبة يواجهها الإنسان في أثناء السعي إلى تحقيق هدف ما. في سياق العمل، يشتمل الاحتكاك على جهد ذهني - مثل التأمل والمثابرة، والتركيز على مشكلة ما لفترة من الوقت، الأمر الذي يُساعد على ترسيخ الأفكار والعملية الإبداعية.

أما في العلاقات، فيشتمل الاحتكاك على الاختلاف، ومحاولة التوصل إلى التسوية، وإدارة سوء الفهم، والحوار المتبادل - وهي أمور تعد طبيعية عندما لا تتفق وجهات النظر دائماً، ويُساعد على توسيع الآفاق. حتى الشعور بالوحدة له أهمية، فهو يحفز على البحث عن تفاعلات اجتماعية، لذا فإن الشعور بهذه المشاعر السلبية والصعوبات، أمرٌ مهم في السياق الاجتماعي.

> بناءً على هذا التعريف... ما المقصود بمصطلح «الذكاء الاصطناعي السلس»؟

- يشير مصطلح «الذكاء الاصطناعي السلس frictionless AI» إلى المحو المفرط للجهد المطلوب لإنجاز المهام المعرفية والاجتماعية. إذ إنه ومع الذكاء الاصطناعي، كما نستخدمه عادةً، يصبح من السهل للغاية الانتقال من مرحلة توليد الأفكار إلى المنتج النهائي. في الواقع، فإنك تطلب من الذكاء الاصطناعي حل مشكلة ما بمجرد توجيهك له، ليُنجز المهمة بأكملها. ويعد هذا الأمر مشكلة، لأنه يزيل الخطوات الوسيطة التي تُحفز التعلم وتُنمي الدافع، ويولي الأولوية للنتيجة، على حساب العملية. وبدلاً من العمل عبر هذه الخطوات، يتولى الذكاء الاصطناعي هذا العمل المهم نيابةً عنك.

يكشف كثير من الدراسات أن جودة العمل تتحسن مع استخدام الذكاء الاصطناعي. وهذا منطقي، فهو يمتلك كل هذه المعرفة.

ومع ذلك، فإنه يُثير قلقنا لأنه قد يُضعف شيئاً أساسياً يحمل عواقب طويلة الأمد. فإذا واجهت المشكلة نفسها في المستقبل، ولم تكن بحوزتك أداة للذكاء الاصطناعي، فلن تمتلك المعرفة اللازمة لمواجهة المشكلة في المرة المقبلة.

الجهد والمثابرة والتنمية البشرية

> ترين أن إزالة الاحتكاك قد تُضر بالتعلم والعلاقات... باعتقادك ما دور الجهد والمثابرة في التنمية البشرية؟

- في مجال التعلّم، يُطلق على هذا المصطلح «الصعوبات المرغوبة»، في إشارة إلى الجهد والعمل، ليس أي جهد، بل الجهد الذي يمكن إدارته. والمقصود هنا مواجهة مشكلات يُمكن التغلب عليها، لكن يتطلب الأمر بذل بعض الجهد ـ وهنا تكمن الفكرة الأساسية للاحتكاك. لا نريدك أن تواجه مشاكل مستعصية، وإنما نريدك أن تعمل بجد، مع تمتعك بالقدرة على التغلب عليها. ويُساعدك ذلك على استيعاب المعلومات والتعلم منها. في العلاقات الشخصية، عليك مواجهة بعض الصعوبات لمعاينة وجهات نظر أخرى والتعلم منها، وتعلّم تقبّل الآخرين. أما إذا كنت معتاداً على أن يُعزز الذكاء الاصطناعي جميع أفكارك ويتملقك، فستدخل العالم الحقيقي، وتجد نفسك غير معتاد على مطالعة أفكار أخرى. حينها، لن تعرف كيف تتفاعل اجتماعياً، لأنك ستتوقع أن يكون الناس دوماً في صفك ويوافقونك الرأي. ولن تتعلم أن الحياة لا تسير دوماً بالطريقة التي تتوقعها، وأن المحادثات لا تسير دائماً على النحو الذي تنشده.

الذكاء الاصطناعي والعمليات الإبداعية

> لطالما سعت تقنيات كثيرة إلى تقليل الجهد المبذول: الآلات الحاسبة، والغسالات، وبرامج التدقيق الإملائي... ما الذي يميز الذكاء الاصطناعي؟

- ركزت التقنيات السابقة، في أغلبها، على تقليل الجهد البدني. لم نعد مضطرين للذهاب إلى النهر لغسل ملابسنا. لقد أزالت التقنيات السابقة الحاجة إلى إنجاز المهام الروتينية، التي لم تكن تُسهم في تعلمنا ونمونا، بل كانت تُضيف عقبات غير ضرورية وتُهدر الوقت المُخصص لمهام أكثر أهمية.

إلا أن الذكاء الاصطناعي يُقلل الجهد المبذول في العمليات الإبداعية والمعرفية التي تُحفز المعنى والدافع والتعلم. هنا، يكمن الفرق الجوهري، لأنه لا يُزيل العقبات من المهام التي لا تُفيدنا، بل يُزيل العقبات من التجارب المهمة والأساسية لتطورنا.

> هل هناك سياقات يُزيل فيها الذكاء الاصطناعي العقبات المفيدة بالفعل؟ وكيف تظهر آثار تقليل العقبات بمرور الوقت؟

- أحد الأمثلة الواضحة هنا الكتابة. يعتمد الناس بشكل كبير على الذكاء الاصطناعي في صياغة كل شيء، من رسائل البريد الإلكتروني إلى المقالات، ما يُزيل من الطريق كثيراً من العقبات المفيدة. وتُظهر أبحاث أن ثقة الناس بالردود تتراجع، عندما يعلمون أنها كُتبت بواسطة الذكاء الاصطناعي، وأنهم يُقيّمون المنتجات المُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي بأنها أقل إبداعاً وقيمة، ويواجهون صعوبة أكبر في تذكّر أعمالهم التي أُنتجت بمساعدة الذكاء الاصطناعي. كما أن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في الكتابة تقضي على الاحتكاك الاجتماعي والمعرفي.

ونجد مثالاً جيداً آخر البرمجة التفاعلية. إذا كنت مبرمجاً، فإنّ هذا يعني أن البرمجة جزء لا يتجزأ مما يُضفي معنى على عملك. يستمدّ الناس المعنى من عملهم، وإذا استبدلت ذلك بواسطة الذكاء الاصطناعي، فقد يضر ذلك بهم. ويتركز الأثر السلبي للذكاء الاصطناعي السلس حول أنه يُزيل الاحتكاك من أمور بالغة الأهمية لتنمية شخصيتك ومهاراتك.

أحد المجالات التي تثير قلقي بشدة، استخدام المراهقين للذكاء الاصطناعي بشكل عام. إنها فترة نمو بالغة الأهمية للتعلّم والنموّ واكتشاف المسار الذي ستسلكه. لذا، إذا لم تكن لديك هذه التفاعلات المُثمرة مع العمل والعلاقات، التي تُعلّمك كيف تُفكّر، فستكون لذلك آثار سلبية على المدى الطويل. قد لا يتمكنون من التفكير النقدي بالطريقة نفسها، لأنهم لم يضطروا لذلك من قبل. وإذا لجأوا إلى الذكاء الاصطناعي في بناء علاقاتهم الاجتماعية في هذه السن المبكرة، فقد يؤدي ذلك إلى تراجع مهارات مهمة كان ينبغي عليهم تعلمها في تلك المرحلة العمرية.

«الاحتكاك البنّاء»

> ما المقصود بالاحتكاك البنّاء؟

- الاحتكاك بطبيعته متدرج، فمع قلة الاحتكاك، لا يتحقق التعلم ولا الحافز. ومع كثرته، تصبح المهمة شاقة للغاية. أما الاحتكاك البنّاء، فيقع في المنتصف، وفي إطاره يؤدي الكفاح إلى الإنجاز. إنه يتطلب جهداً، لكنه جهد ممكن، ويتطلب التفكير النقدي والعمل على حل مشكلة ما لفترة من الوقت أو مواجهة بعض الصعوبات خلال العملية.

وكان المثال الذي استخدمناه في البحث، الفرق بين ركوب «التلفريك» وتسلق الجبل سيراً على الأقدام. كلاهما يصل إلى القمة، لكن مع «التلفريك»، لا يجني المرء أي فوائد تنموية، بينما ينطوي تسلق الجبل على صعوبات وشعور بالإنجاز. يصبح الأمر أكثر ثراءً ويحمل فرصة أكبر للتعلم، مقارنةً بالشخص الذي صعد بسهولة تامة، مستعيناً بـ«التلفريك».

> هل تتصورين ذكاءً اصطناعياً يُبطئ الناس عن عمد أحياناً أو يطلب منهم الاضطلاع بجزء من العمل بأنفسهم؟

- من المهم في علم السلوك التفكير في الخيار الافتراضي، لأن الناس لا يغيرون عادةً ما هو افتراضي لديهم. لذا، فإن الوضع الافتراضي في الذكاء الاصطناعي حالياً هو تقديم الإجابة التي تلائمك، ثم دفع المستخدم لمواصلة الس-

ير في الاتجاه ذاته. إلا أنني أعتقد أنه بإمكاننا التفكير في الذكاء الاصطناعي بطريقة مختلفة. ربما يمكننا جعل الوضع الافتراضي بناءً، على نحو أكبر؛ فبدلاً من مجرد الوصول إلى الإجابة مباشرةً، يُساعد الذكاء الاصطناعي المستخدم على التفكير في المشكلة ويُعلمه في أثناء ذلك، ما يجعله أكثر تعاوناً، وليس مصدراً لحل جاهز.

• باعتقادك كيف سيشعر مستخدمو هذه الأنظمة والشركات المطورة لها حيال هذا التحول في التصميم؟

- فيما يتعلق بمطوري هذه الأنظمة، يتركز القلق الأكبر حول ردود الفعل السلبية، فالناس اليوم أصبحوا معتادين على الحصول على الإجابة مباشرةً، وقد يُبدون مقاومة شديدة لتصميم يُجبرهم على بذل جهد أكبر. إلا أن هذا قد يُحفز مزيداً من التفاعل، لأنه يتطلب التفاعل والتواصل معاً للوصول إلى الإجابة. في نهاية المطاف، أعتقد أن الأمر يجب أن ينبع من الشركات المصنعة لهذه النماذج، إذا كان المصممون يعتقدون أن تصميماً يقوم على قدر أكبر من الاحتكاك سيفيد المستخدمين. في الواقع، فإن هذا النمط من الذكاء الاصطناعي المعقد منتج طويل الأمد. ومن الصعب الجزم ما إذا كان ذلك سيحفز الشركات على تغيير نماذجها لتتضمن قدراً معقولاً من التعقيد، لكن على المدى البعيد، أعتقد أن هذا سيكون مفيداً. لمواجهة المصاعب وبذل الجهود دور مهم في التعلم والتحفيز والشعور بمعنى الإنجازات


اكتشاف جين جديد يمنح أملاً في مواجهة عيوب القلب الخلقية

اكتشاف جين جديد يمنح أملاً في مواجهة عيوب القلب الخلقية
TT

اكتشاف جين جديد يمنح أملاً في مواجهة عيوب القلب الخلقية

اكتشاف جين جديد يمنح أملاً في مواجهة عيوب القلب الخلقية

في خطوة علمية قد تعيد رسم ملامح فهم أمراض القلب الخِلْقية، توصل باحثون من جامعة تارتو بإستونيا إلى اكتشاف جين جديد لم يكن مرتبطاً سابقاً بأي مرض بشري، لكنه يبدو أنه يلعب دوراً حاسماً في تكوّن قلب الجنين.

وتربط النتائج التي نُشرت في دورية «Journal of Medical Genetics» في 4 مارس (آذار) 2026، جينMGRN1 بحدوث تشوهات قلبية خلقية، وذلك في اختراق علمي قد يغير طريقة تشخيص هذه الحالات، والتعامل معها مستقبلاً.

وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة؛ إذ تُعد عيوب القلب الخِلقية من أكثر التشوهات شيوعاً عالمياً؛ حيث تصيب نحو مولود واحد من كل مائة. وعلى مدى عقود، سعى العلماء لفك لغز العوامل الجينية التي تتحكم في تطور القلب؛ أملاً في الوصول إلى تشخيص مبكر وعلاج أكثر دقة. واليوم، يفتح هذا الاكتشاف باباً جديداً نحو فهم أعمق، وربما إنقاذ مزيد من الأرواح

جين مفاجئ

وما يجعل هذا الاكتشاف لافتاً بشكل خاص هو أن جين MGRN1 لم يكن مرتبطاً من قبل بتطور الجنين البشري المبكر أو بأي مرض على الإطلاق، وظهوره لاعباً رئيسياً في تشكل القلب فاجأ المجتمع العلمي.

وأكدت قائدة فريق البحث لورا كاساك رئيس قسم علم الوراثة البشرية بمعهد الطب الحيوي والطب الانتقالي بجامعة تارتو بإستونيا في النتائج المنشورة، أن هذا الجين كان عملياً خارج نطاق الرادار، ولم تشِر أي دراسات سابقة إلى مشاركته في تطور القلب أو أي حالة خِلقية.

جاء هذا الاكتشاف بعد سنوات من التحليل الجيني الدقيق، قام خلالها الباحثون بفحص عينات الحمض النووي «دي إن إيه» من عائلات تأثرت بعيوب قلب خِلقية. وباستخدام تقنيات متقدمة في التسلسل الجيني، حدد الفريق تغيرات في جين MGRN1 ظهرت بتردد غير عادي لدى الأطفال الذين وُلدوا بتشوهات قلبية.

وبالنسبة للعائلات التي تواجه تشخيص مرض قلبي خِلقي فإن آثار هذا الاكتشاف عميقة. حالياً يتلقى العديد من الآباء مثل هذه التشخيصات بمعلومات محدودة عن الأسباب الكامنة؛ ما يصعّب فهم مخاطر التكرار، أو اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن تنظيم الأسرة.

إلا أن تحديد جين MGRN1 يغير هذه المعادلة تماماً؛ حيث يمكن لمقدمي الرعاية الصحية الآن فحص التغيرات في هذا الجين في أثناء الحمل؛ ما يتيح اكتشافاً أبكر للتشوهات القلبية المحتملة. ويتيح الاكتشاف الأبكر، بدوره، تحضيراً أفضل بدءاً من ترتيب رعاية متخصصة في غرفة الولادة، وصولاً إلى التخطيط للتدخلات الجراحية التي قد تكون ضرورية بعد الولادة بمدة قصيرة.

وأكدت الدكتورة ماريس لان المشاركة بالدراسة، والتي تقود مجموعة أبحاث الوراثة البشرية، أن هذا الاكتشاف يفتح أيضاً آفاقاً جديدة للإرشاد الوراثي؛ فالعائلات التي عانت من ألم معاناة أطفالها من عيوب القلب الخِلقية يمكنها الآن الحصول على معلومات أكثر دقة حول احتمالية تكرار الحالة في حالات الحمل المستقبلية.

فحوصات وعلاجات جينية

تمتد التطبيقات العملية لهذا البحث إلى ما هو أبعد من المختبر، مع بدء المراكز الطبية في دمج فحوصات جين MGRN1 في بروتوكولات الفحص قبل الولادة، حيث يتوقع الأطباء تحقيق تحسينات ملموسة في كيفية التعامل مع عيوب القلب الخِلقية.

وعندما يعرف الأطباء أي المسارات الجينية تعطلت يمكنهم توقُّع الأنواع المحددة من التشوهات التي قد تتطور وتوقع المضاعفات المحتملة بشكل أفضل. وهذه المعرفة تسمح بوضع خطط رعاية أكثر تخصيصاً تتناسب مع الملف الجيني الفريد لكل مريض.

علاوة على ذلك، فإن فهم الآليات الجزيئية التي يؤثر بها جين MGRN1 في تطور القلب يخلق فرصاً لطرق علاجية جديدة تماماً. ورغم أن التدخلات العلاجية في أثناء الحمل تبقى معقدة فإن الباحثين يستكشفون بالفعل ما إذا كانت بعض الأدوية أو العلاجات الجينية قد تخفف في يوم ما آثار الطفرات الضارة لجين MGRN1 قبل الولادة.

ولا يمثل اكتشاف دور جينMGRN1 نهاية الرحلة العلمية بل بداية فصل جديد في فهم عيوب القلب الخِلقية؛ ففي جامعة تارتو يعمل الباحثون حالياً على توسيع نطاق دراساتهم لاستكشاف كيفية تفاعل هذا الجين مع شبكة واسعة من الجينات الأخرى المعروفة بتأثيرها في نمو القلب.

وقد بدأت بالفعل شراكات بحثية مع مؤسسات علمية في أوروبا وأميركا الشمالية في خطوة تعكس إدراك المجتمع العلمي لأهمية التحقق من هذه النتائج على نطاق أوسع، وفي مجموعات سكانية أكثر تنوعاً.

ويؤكد فريق البحث أن القلب من أكثر أعضاء الجسم تعقيداً؛ إذ يتطلب تكوّنه تناغماً دقيقاً بين مئات بل آلاف الجينات. وفي هذا السياق يقدّم جين MGRN1 نافذة جديدة لفهم هذه العملية المعقدة، نافذة لم تكن معروفة من قبل.

وبالنسبة لآلاف العائلات التي تتلقى سنوياً تشخيصاً بوجود عيب خِلقي في القلب، وللأطفال الذين قد يواجهون سلسلة من العمليات الجراحية في سنواتهم الأولى يحمل هذا الاكتشاف بارقة أمل حقيقية، واستعداداً أفضل وفرصاً أعلى لتحسين النتائج الصحية.

وكما يلخص أحد الباحثين في الفريق: «كل جين نكتشفه هو قطعة جديدة من هذا اللغز الكبير. قد لا نرى الصورة الكاملة بعد، لكننا اليوم أقرب إليها من أي وقت مضى».

وتخطط الجامعة لنشر التفاصيل المنهجية الكاملة لهذا الاكتشاف في عدد قادم من «Journal of Medical Genetics»، بما يتيح للباحثين حول العالم البناء على هذه الخطوة المهمة، ودفع حدود المعرفة الطبية إلى الأمام.


نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات
TT

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

لطالما رغب المبرمج المصري عاصم صبري في نموذج ذكاء اصطناعي يُمثل ثقافته. لكن المشكلة تكمن في عدم عثوره على نموذج مثل هذا. ويقول صبري: «صناعة الذكاء الاصطناعي في مصر... غير موجودة». لذا قام ببناء نموذجه الخاص: «حورس»، نسبةً إلى إله السماء المصري القديم.

«حورس» على منصة «Hugging Face»

«حورس» للذكاء الاصطناعي

يقول صبري إن الهدف كان التوقف عن «الاعتماد على نماذج أخرى، مثل النماذج الأميركية أو الصينية»، والتوجه بدلاً من ذلك عن شكل النموذج الذي يُركز بشكل أكبر على الثقافة المصرية. ولجعل «حورس» يعمل، قام بتدريبه باستخدام وحدات معالجة الرسومات من «غوغل كولاب» Google Colab ومزودي خدمات سحابية آخرين، إلى جانب مجموعات بيانات مفتوحة المصدر. وقد حقق النموذج، الذي تم إصداره في أوائل أبريل (نيسان) الحالي، أكثر من 800 عملية تنزيل في أسبوعه الأول على منصة «Hugging Face».

انحصار لغوي

ويُعدّ صبري واحداً من بين عدد متزايد من المطورين الذين يسعون لتصحيح خللٍ مزمن في مجال الذكاء الاصطناعي. فالنماذج تتقن الإنجليزية، وإلى حدٍّ أقل، الصينية، لكنها أقل كفاءةً بكثير في معظم اللغات الأخرى. واللغات التي تُصنّف على أنها لغات أقلية، هي في الواقع لغات الأغلبية العالمية. ومع ذلك، وبفضل طريقة تدريب النماذج (على كميات هائلة من البيانات المُستخرجة من الإنترنت)، بالإضافة إلى اقتصاديات صناعة التكنولوجيا، تبقى الإنجليزية هي اللغة المهيمنة.

فجوة اللغات

في عام 2023، نشرت الباحثة علياء بهاتيا، بالتعاون مع زميل لها في مركز الديمقراطية والتكنولوجيا، دراسةً تُشير إلى أن اللغات غير القياسية «ضاعت في الترجمة» بسبب تأثيرات التنعيم والحوافز التجارية التي تُشكّل شركات التكنولوجيا الكبرى. ففي خضمّ التهافت على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، أعطت الشركات الأولوية لدعم اللغة الإنجليزية، ويعود ذلك جزئياً إلى محدودية بيانات التدريب، ولم تبذل جهداً يُذكر لسدّ هذه الفجوة.

لسنوات، عزّزت الاعتبارات الاقتصادية هذه المشكلة. فتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي مُكلف، ولا تملك الشركات حافزاً يُذكر لتطوير نماذج تدعم مجموعات لغوية أصغر حجماً دون عائد واضح.

نماذج محلية

وقد بدأ هذا الوضع بالتغيّر أخيراً، أدى صعود نماذج الذكاء الاصطناعي المحلية، بالتزامن مع تشديد شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى لحدود الرموز الرقمية، إلى فتح المجال أمام الشركات الصغيرة. يقول صبري: «قبل عامين، لم يكن الذكاء الاصطناعي بمثل هذه الكفاءة، ولم تكن نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر. أما الآن، فيمكننا بناء نماذجنا الخاصة من الصفر».

ومع ذلك، لا تزال هناك عقبات. وتشير بهاتيا إلى أن «بعض العوائق لا تزال قائمة فيما يتعلق بالحوسبة، والبنية التحتية، والتمويل»، وهو ما يمثل مجتمعاً «عائقاً كبيراً». ومع ذلك، فإن التقدم واضح.

من اميركا اللاتينية إلى آسيا

وما يتبلور ليس نظاماً بيئياً رسمياً بقدر ما هو شبكة عالمية غير رسمية من النماذج ذات التركيز المحلي: Apertus السويسرية، و Latam-GPT في أميركا اللاتينية، وN-ATLaS النيجيرية، و Sahabat-AI الإندونيسية، وSEA-LION السنغافورية، وGreenMind الفيتنامية، وOpenThaiGPT التايلاندية، وTeuken 7B الأوروبية. يقدم كل منها بديلاً للنماذج السائدة من «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«علي بابا».

جهود شعبية

لا تزال بعض الجهود شعبية، مثل جهود صبري. بينما تحظى جهود أخرى بدعم مؤسسي. وعلى سبيل المثال، يُعدّ مشروع «أبيرتوس» ثمرة تعاون بين جامعتين سويسريتين والمركز الوطني السويسري للحوسبة الفائقة، الذي ساهم بأكثر من 10 ملايين ساعة معالجة رسومية، أي ما يعادل عشرات الملايين من الدولارات في الحوسبة التجارية.

إلا أن معظم المشاريع تعمل على نطاق أصغر بكثير من ذلك. ومع ذلك، فإن القدرة على تدريب ونشر نماذج محلية بتكلفة منخفضة نسبياً تُغيّر قواعد اللعبة. فقد سجّلت نسخة مُحسّنة من برنامج «لاما 3.2» التابع لشركة «ميتا»، الذي تم تدريبه على 14,500 زوج من الأمثلة القانونية الهندية، ما يزيد قليلاً على 1000 عملية تنزيل منذ أوائل أبريل (نيسان). وهذا جانب مُتخصص، لكنه ذو أهمية. وكان من الصعب تبرير الاستثمار فيه اقتصادياً حتى وقت قريب.

توسيع السوق

يشير هذا الإقبال المبكر إلى وجود سوق أوسع من السوق السائد. كما أنه يطرح تساؤلاً أمام كبرى شركات الذكاء الاصطناعي. تقول بهاتيا: «ما تقدمه هذه البدائل هو دليل على إمكانية بناء أنظمة تمثل بشكل أفضل أغلبية المستخدمين واللغات في العالم، طالما أن شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى ترغب فعلاً في الاستفادة من هذه التجارب والتعلم منها».

* مجلة «فاست كومباني».