اختراقات 2021: لقاحات مطورة ونظم ذكاء تفاعلي وأجهزة أدق لرصد المواقع الجغرافية

خبراء أميركيون أعدوا لائحة بأهم التقنيات

اختراقات 2021: لقاحات مطورة ونظم ذكاء تفاعلي وأجهزة أدق لرصد المواقع الجغرافية
TT

اختراقات 2021: لقاحات مطورة ونظم ذكاء تفاعلي وأجهزة أدق لرصد المواقع الجغرافية

اختراقات 2021: لقاحات مطورة ونظم ذكاء تفاعلي وأجهزة أدق لرصد المواقع الجغرافية

أعد خبراء أميركيون لائحة تضمّ أهمّ التقنيات لهذا العام. بدأ بعضها مثل لقاح الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA) في تغيير حياتنا، وأخرى لا يزال أمامها بضع سنوات للبروز.
لقاحات وذكاء تفاعلي
• لقاحات الحمض النووي الريبوزي المرسال. لقد حالف الحظّ البشرية أخيراً؛ فقد تبيّن أنّ اللقاحين الأكثر فاعلية في مواجهة فيروس كورونا يعتمدان على الحمض النووي الريبوزي المرسال، هذه التقنية التي يستخدمها الباحثون والعلماء في أعمالهم وأبحاثهم منذ 20 عاماً.
عند بداية جائحة «كوفيد – 19» في يناير (كانون الثاني) 2020، سارع علماء في الكثير من شركات التقنية الحيوية إلى تحويل الحمض النووي الريبوزي المرسال إلى وسيلة محتملة لصناعة اللقاح. وتعتمد لقاحات «كوفيد - 19» الجديدة على تقنية لم تستخدم سابقاً في صناعة الدواء، ولكن يمكنها أن تحدث تحوّلاً في عالم الطبّ، وأن تساعد في تطوير لقاحات مضادّة للعديد من الأمراض المعدية، من بينها الملاريا. وإذا استمرّ فيروس كورونا الحالي في التحوّر، يستطيع العلماء تعديل لقاحات الحمض النووي الريبوزي المرسال بسهولة وسرعة. ويعِد هذا المرسال أيضاً بوضع الأساس لتعديلات جينية غير مكلفة لمرض فقر الدم المنجلي ومتلازمة نقص المناعة المكتسبة، بالإضافة إلى مساعدة الجسم البشري على محاربة السرطان على أنواعه.
• ذكاء صناعي متفاعل: «جي بي تي – 3» GPT - 3. تعدُّ النماذج الكومبيوترية الكبيرة لمعالجة اللغة الطبيعية التي تتعلّم القراءة والكلام خطوة كبيرة نحو ذكاء صناعي أكثر تفهّماً وتفاعلاً مع العالم ويعتبر «جي بي تي – 3» أفضل هذه النماذج وأكثرها «ثقافة» حتّى اليوم. تلقّى هذا النموذج تدريباً على نصٍّ يضمّ آلاف الكتب والقسم الأكبر من محتوى شبكة الإنترنت؛ ما جعله قادراً على تقليد النصوص التي يكتبها الإنسان بواقعية غريبة لا تصدّق وحوّله إلى أكثر النماذج اللغوية التي تعتمد على التعلّم الآلي تأثيراً. (انظر: «جي بي تي ـ 3»... نظام ذكاء صناعي بديل عن الكتاب والمؤلفين «الشرق الأوسط» العدد 15358).
ولكنّ «جي بي تي – 3» لا يفهم ماذا يكتب؛ ولهذا السبب، قد يقدّم أحياناً محتوى غير مكتمل وغير منطقي. يحتاج تدريب هذا النموذج إلى كمٍّ هائلٍ من الطاقة الكومبيوترية والبيانات والأموال ويؤدّي إلى إنتاج بصمة كربونية كبيرة وتقييد تطوير نماذج مشابهة للمختبرات الهائلة المصادر. ونظراً إلى أنّ هذا النموذج تلقّى تدريبه على نصٍّ مسحوبٍ من الإنترنت مليء بالمعلومات الخاطئة والانحياز، يميل في معظم الأحيان إلى تقديم نصوصٍ مطعّمة بالتمييز.
ذكاء صناعي متعدّد المهارات. يفتقر الذكاء الصناعي إلى القدرات البشرية التي يتمتّع بها حتّى الأطفال الصغار لتعلّم كيف يسير هذا العالم وتطبيق المعرفة العامّة في أوضاع جديدة.
توجد مقاربة واحدة واعدة لتحسين مهارات الذكاء الصناعي تتجلّى في توسيع حواسه. يستطيع الذكاء الصناعي المجهّز حالياً بالرؤية الكومبيوترية أو التعرّف الصوتي الشعور بأشياء كثيرة ولكنّه لا يستطيع «الحديث» عن ما يراه ويسمعه باستخدام خوارزميات اللغة الطبيعية. ولكن ماذا إذا جمعنا هذه القدرات في نظام ذكاءٍ صناعي واحد؟ هل يمكن أن تبدأ هذه الأنظمة باكتساب ذكاء يشبه الذكاء البشري؟ هل سيصبح الروبوت القادر على الرؤية والشعور والسمع والتواصل مساعداً أكثر إنتاجية للبشر؟
برامج وصناديق بيانات
• خوارزميات التوصية في «تيك توك». منذ إطلاقه في الصين عام 2016، أصبح تطبيق «تيك توك» واحداً من أسرع الشبكات الاجتماعية نمواً، حيث تمّ تحميله مليارات المرّات وجذب مئات ملايين المستخدمين. لماذا؟ لأنّ الخوارزمية التي تزوّد خاصيته «فور يو» (لك) بالطّاقة غيّرت الطريقة التي يكتسب فيها النّاس الشهرة على الإنترنت.
يتّجه الكثير من التطبيقات الأخرى إلى تسليط الضوء على محتوى يجذب اهتمام القسم الأكبر من الجمهور، بينما تعمل خوارزميات «تيك توك» على إخراج صانعِ محتوى جديد من الظلام وتتعامل معه وكأنّها تقدّم نجماً معروفاً، فضلاً عن أنّها تبرع في تغذية مجموعات متخصصة من المستخدمين الذين يتشاركون اهتمامات أو هوية معينة بمحتوى على صلة باختصاصها.
تساهم قدرة صنّاع المستوى الجدد على الحصول على عدد كبير من المشاهدات بسرعة كبيرة والسهولة التي يكتشف بها المستخدمون أنواعاً كبيرة من المحتوى في تحقيق التطبيق الصيني لنموّ مذهل؛ وهذا ما يدفع شركات تواصل اجتماعي أخرى اليوم إلى السعي لإدخال هذه المزايا في تطبيقاتها.
• صناديق أمانٍ للبيانات. تعرّضت معلوماتنا للتسريب والقرصنة والبيع مرّات أكثر بكثير مما يمكننا أن نحصي.
يقدّم صندوق أمان البيانات مقاربة بديلة بدأت بعض الحكومات ببحثها، وهو عبارة عن كيانٍ قانوني يجمع ويدير بيانات النّاس الشخصية بالنيابة عنهم. لا يزال تعريف شكل ووظيفة هذه الكيانات غير واضح، وتوجد أسئلة كثيرة عالقة حولها، ولكنّ هذه الصناديق قد تكون حلاً لمشاكل نعاني منها منذ مدّة طويلة في مجالي الخصوصية والأمن، وفقاً لمجلة «تكنولوجي ريفيو».
بطاريات هيدروجين
• بطاريات معدن – الليثيوم. تُعرف المركبات الكهربائية بأسعارها الباهظة نسبياً، ولا يمكنكم قيادتها لأكثر من بضعة مئات الأميال قبل أن تحتاجوا إلى شحنها من جديد. ترتبط هذه الجوانب السلبية جميعها بشكلٍ مباشر بمحدودية فاعلية بطاريات أيون الليثيوم. ولكنّ شركة ناشئة ذات تمويلٍ كبير في سيليكون فالي تدّعي اليوم أنّها طوّرت بطارية ستزيد رغبة المستهلك العادي بالعربات الكهربائية.
طوّرت شركة «كوانتوم سكيب» ما أسمته بطارية المعدن – الليثيوم، وأظهرت نتائج اختباراتها الأولى، أنّها قادرة على زيادة نطاق سير العربات الكهربائية بنسبة 80 في المائة، فضلاً عن أنّها تتلقّى شحنها بسرعة. وقّعت الشركة الناشئة اتفاقاً مع «فولكس فاغن» التي كشفت عن أنّها ستبدأ في بيع عربات كهربائية تعمل بهذه البطارية الجديدة في عام 2025. وتجدر الإشارة إلى أنّ البطارية لا تزال نموذجاً تجريبياً أصغر بكثير من البطارية التي تحتاجها أي سيّارة.
• الهيدروجين الأخضر. اليوم، وبينما تجري الدول حسابات صعبة حول كيفية تحقيق أهدافها المناخية، تزداد أهميّة الهيدروجين الأخضر والحاجة إليه.
لطالما اعتبر الهيدروجين بديلاً محتملاً للوقود الأحفوري؛ لأنّه يحترق بنظافة ولا يبعث ثاني أكسيد الكربون، فضلاً عن أنّه كثيف لناحية الطّاقة ما يجعل منه وسيلة جيّدة لتخزين الطاقة الصادرة من وعن المصادر المتجدّدة. كما يمكن استخدامه لصناعة أنواع وقود صناعية سائلة تحلّ محلّ البنزين والديزل، إلّا أنّ معظم الهيدروجين المنتج حول العالم اليوم يُصنع من الغاز الطبيعي ضمن عملية ملوّثة وتتطلّب طاقة مكثّفة. ولكنّ استمرار تهاوي كلفة الطاقتين الهوائية والشمسية يعني أنّ الهيدروجين الأخضر بات اليوم زهيداً بدرجة كافية لجعله خياراً عملياً.
تتبع وتموضع
• التتبّع الرقمي للاحتكاك. مع بداية انتشار فيروس كورونا حول العالم، بدا التعقّب الرقمي للاحتكاك وسيلة فعّالة للمساعدة. إذ تستطيع تطبيقات الهواتف الذكية استخدام نظم «جي بي إس». والبلوتوث لوضع سجلّ بالأشخاص الذي التقوا أخيراً وإذا تبيّن لاحقاً أنّ أحدهم التقط عدوى «كوفيد - 19»، يستطيع هذا الشخص أن يدخل هذه النتيجة إلى التطبيق الذي سيعلم كلّ من قد يكون تعرّض للفيروس.
• التموضع الفائق الدقّة. الجميع يستخدم نظم «جي بي إس» في شؤونه اليومية؛ لأنّه أحدث تحوّلاً كبيراً في حياتنا وفي الكثير من أعمالنا. صحيح أنّ «جي بي إس» المتوفّر اليوم يتميّز بدقّة عالية على مسافة تتراوح بين خمسة وعشرة أمتار، إلّا أنّ تقنيات التموضع الجديدة الفائقة الدقّة تمنح إحداثيات محدّدة لمسافة سنتمترات أو حتّى مليمترات قليلة. يفتح هذا التطوّر الباب لتطبيقات جديدة تتنوّع بين التحذيرات على الطرقات وروبوتات التوصيل والسيّارات الآلية التي ستتمكّن من التجوّل على الطريق بشكلٍ آمن.
أصبح نظام «بي دو» BeiDou (الدب الأكبر) العالمي للملاحة جاهزاً في الصين في يونيو (حزيران) 2020 ليشكّل جزءاً مما يجعل جميع هذه الاحتمالات متاحة. يقدّم هذا النظام تموضعاً دقيقاً على مسافة 1.5 إلى مترين لأي شخصٍ في العالم. وبفضل استخدامه للتكبير الأرضي، يمكنه أيضاً أن يقدّم دقّة على مسافة لا تتجاوز بضع ملّيمترات. في الوقت الحالي، تشهد تقنية «جي بي إس»، التي يستخدمها النّاس منذ التسعينات، تحديثات مهمّة مدفوعة بأربع أقمارٍ صناعية جديدة لنظام «جي بي إس» الثالث (GPS III) الذي أطلق في نوفمبر (تشرين الثاني) على أن يستقبل المدار المزيد من الأقمار الصناعية في 2023.
• كلّ شيءٍ عن بعد. أجبرت جائحة «كوفيد – 19» العالم أجمع على الانتقال إلى وضع الحياة عن بعد.
جمعت شركة «سناب آسك» المتخصصة في التعليم الخاص الإلكتروني 3.5 مليون مستخدم في تسعِ دولٍ آسيوية بينما ارتفع عدد مستخدمي تطبيق «بيجوز» الهندي للتعليم إلى نحو 70 مليوناً. ولكن لسوء الحظّ، لا يزال الطلّاب في دولٍ أخرى كثيرة يعانون من الارتباك في صفوفهم الإلكترونية. في الوقت نفسه، أوصلت جهود العناية الصحية الهاتفية المبذولة في أوغندا ودول أفريقية أخرى العناية الصحية للملايين خلال الجائحة. وفي جزءٍ يعاني من نقص مزمن بالأطبّاء من العالم، تحوّلت العناية الصحية عن بعد إلى عاملٍ منقذٍ للحياة.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

غطاء بالذكاء الاصطناعي لفراش السرير... يساعد على النوم

الغطاء الذكي يوع فوق فراش السرير وبقربه الخزان
الغطاء الذكي يوع فوق فراش السرير وبقربه الخزان
TT

غطاء بالذكاء الاصطناعي لفراش السرير... يساعد على النوم

الغطاء الذكي يوع فوق فراش السرير وبقربه الخزان
الغطاء الذكي يوع فوق فراش السرير وبقربه الخزان

النوم الهانئ لا يُقدر بثمن، ولا يُمكن قياسه - هكذا كنت أعتقد. لكن النزعة الاستهلاكية الحديثة أثبتت خطئي تماماً في كلا الأمرين. أتحدث هنا عن «اقتصاد النوم» المزدهر الذي تبلغ قيمته 585 مليار دولار، والذي لا يسوّق النوم الهانئ من خلال الأدوات المريحة فقط (مثل البطانيات الثقيلة وأقنعة العين وسدادات الأذن) والمستحضرات (المكملات الغذائية والزيوت العطرية)، بل أيضاً من خلال الحل الشائع في عصرنا: تقنية تسجيل البيانات، كما كتبت إيمي إكس وانغ(*).

غطاء فراش نوم «ذكي»

يستخدم نحو 42 في المائة من الأميركيين أجهزة تتبع اللياقة البدنية القابلة للارتداء (مثل ساعة «أبل» أو خاتم «أورا») التي تُنبههم إلى جودة نومهم. يتوافد الناس على العيادات ومراكز الاستجمام لتحليل جودة نومهم.

أما بالنسبة لمن يملكون الإمكانيات المادية، فإن جهاز «أيْتْ سليب بود» (Eight Sleep Pod)، وهو عبارة عن غطاء لفراش نوم مكيّف هوائياً، بسعر 3500 دولار، الخيار الأمثل لتحسين النوم، وقد استخدمه مشاهير، مثل إيلون ماسك، وبرايان جونسون، ومارك زوكربيرغ.

يتيح لك الجهاز ضبط درجة حرارة سريرك، ثم يستخدم برنامج ذكاء اصطناعي «تلقائي» لإجراء تعديلات طفيفة أثناء نومك؛ فإذا كنت تتقلب كثيراً، على سبيل المثال، قد يُشغّل الجهاز هواءً بارداً لتحفيز دورة حركة العين السريعة (REM). ومقابل 2000 دولار إضافية، يمكن إضافة ملحق لرفع رأسك عند الشخير.

* يضخ هواء مبرداً عند ازدياد التململ... ويرفع الرأس عند الشخير*

ويتم في كل ليلة تقييم نومك بواسطة مستشعرات كهروضغطية دقيقة، ويُمنح كل مستخدم درجة لياقة للنوم. وقد أشاد الرياضيون والرؤساء التنفيذيون بكل هذا، ووصفته المجلات الفاخرة بأنه «رفاهية رائعة».

وهذه التغطية الإعلامية المكثفة جعلتني أشعر ببعض القلق حيال ساعات نومي. لذا طلبت هذا المنتج.

تجربة الغطاء

وصلتني وحدة الاختبار الخاصة بي، في أواخر مارس (آذار) الماضي، في صندوقين ضخمين كأنهما يجسدان المهمة الشاقة المتمثلة في محاولة فهم «حالة اللاوعي». يوضع الغطاء المزود بأجهزة استشعار بشكل غير ملحوظ بين ملاءات السرير ومرتبة الفراش، بينما تتصل أنابيب الماء الخاصة بالوحدة بخزان يبلغ ارتفاعه نحو نصف متر (برج أسود يجب وضعه بالقرب من السرير كأنه عربة جانبية متسخة). وعلى مدى الشهرين التاليين، أصبحت ساقاي على دراية تامة بهذا الهيكل.

يُمكن لـ«أيْت سليب بود» تحويل السرير من وضعية السخونة الشديدة إلى وضعية البرد القاسي التام، والعودة مجدداً. ومن المثير للاهتمام، أنه يُمكنه فعل ذلك بشكل مختلف لكل جانب من السرير. لذا، كنتُ أضبط نظام التكييف الخاص بي كل ليلة على «+2»، بينما كان الرجل الذي ينام بجانبي (وهو من عشّاق البرد القاسي التام... وعادةً ما يكون خصمي في حرب مكيفات لا تنتهي) ينعم بدرجة حرارة «- 3» التي يحلم بها.

لم يعد أي منا يحاول إقناع الآخر بضبط منظم الحرارة؛ ببساطة وهدوء، كنا نضغط على الأزرار وننفصل. إذا كانت طريقة النوم الإسكندنافية الشائعة تشجع الزوجين على استخدام لحافين منفصلين لتحقيق راحة أفضل، فإن «أيْت سليب بود» أشبه بنسخة مُطوَّرة من هذه الفكرة.

لكن سرعان ما أدركتُ أن الانفصال لا يعني المساواة على الإطلاق. وبينما كان شريكي يغط في نوم عميق، كنتُ أستيقظ دائماً مبكراً جداً أو منهكًة للغاية. ولم تُجدِ أي محاولة لتعديل درجة الحرارة، سواء يدوياً أو تلقائياً، في ضبط وقت نومي العميق، أي «دورة حركة العين السريعة (REM)» ضمن النطاق الأمثل. أحياناً كنت أشعر بأنني نمتُ جيداً، لكن مؤشر جودة النوم كان يُشير إلى عكس ذلك. في بعض الأحيان، كان الجهاز يفشل في تسجيل بياناتي، مُدّعياً بثقة أنني كنتُ «خارج المنزل الليلة الماضية»؛ خلل في المستشعرات، كما أخبرني أحد ممثلي خدمة العملاء.

نتائج متواضعة

«كيف كان نومك؟» كان شريكي يسألني غالباً في الصباح، بوجهٍ مشرق، وكأنه عاد لتوه من منتجع صحي جبلي استمر عاماً كاملاً. «لم يكن جيداً»، كنت أتنهد، فأرى في المقابل نظرة شفقة وعبوساً. ثم ثانية: «جيد»، بدأت أكذب في النهاية... «رائع»، قلت في صباح وعيناي جافتان حمراوان مثل برك من الشعيرات الدموية المتوسعة.

لكن إذا كان هناك أداة باهظة الثمن ومكلفة تعدك بتحسين نومك بانتظام، فمن السهل لك أن تعتقد أن بإمكانك التغلب على مشكلات النوم تماماً بنفسك بمجرد إجراء بعض التعديلات الجسدية البسيطة. وإذا كان الشخص الذي بجانبك يمثل دليلاً على ذلك (إذا كان بإمكانه فعل ذلك بهذه السهولة)؛ فلماذا لا تستطيع أنت؟

كنت أستيقظ كل صباح، وأحدق في نتيجتي المتواضعة، المقيسة بموضوعية، ثم أتجول طوال اليوم أفكر فيما حدث وكيفية إصلاحه. كنت متأكدة من أنني سأصل إلى ذلك في النهاية، وأضبط ظروف نومي المثالية، وأحظى بنوم هانئ.. بنفسي.

وفي اليوم الذي أعدتُ فيه الجهاز، حاولتُ أن أتذكر أفضل ليلة نوم حظيتُ بها على الإطلاق. وتبادرت إلى ذهني عبارة «النوم كطفل رضيع»... نوم الرضيع لا يتضمن التفكير في نومه أو استجوابه. الرضع لا يفكرون أبدا في نومهم. ويا ليت كان لدينا جهاز، أو تطبيق، أو أي مبلغ من المال في العالم يمكنه أن يشتري لنا ذلك.

* خدمة «نيويورك تايمز».


هل يعرف الذكاء الاصطناعي جينات العرب؟

1مشروع المليون جينوم عربي المستقبلي
1مشروع المليون جينوم عربي المستقبلي
TT

هل يعرف الذكاء الاصطناعي جينات العرب؟

1مشروع المليون جينوم عربي المستقبلي
1مشروع المليون جينوم عربي المستقبلي

يتجه الطب العالمي اليوم نحو مرحلة جديدة تُعرف باسم «الطب الدقيق» (Precision Medicine)، حيث لا تستند القرارات الطبية إلى التشخيص وحده، بل إلى الخصائص الجينية لكل مريض. ويعتمد هذا التوجه بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي القادر على تحليل ملايين المتغيرات الوراثية، والتنبؤ بالأمراض، والمساعدة في اختيار العلاجات الأكثر ملاءمة.

لكن مع التوسع السريع في هذه التطبيقات، يبرز سؤال جوهري: هل تعكس قواعد البيانات الجينية العالمية التنوع البشري الحقيقي، أم أن بعض شعوب العالم ما زالت غائبة عن هذه الثورة الطبية؟

نقص التنوع الجيني• «قصة مريض سعودي». وهي قصة تطرح سؤالاً مهماً... لنتخيل حالة قد تحدث في أي عيادة حديثة: رجل سعودي يبلغ من العمر 42 عاماً، يتمتع بصحة جيدة ولا يشكو من أعراض واضحة، خضع لتحليل جيني ضمن برنامج للطب الدقيق.

وبعد تحليل بياناته بواسطة نظام ذكاء اصطناعي يعتمد على ما يُعرف بدرجات الخطر متعددة الجينات (Polygenic Risk Scores)، بدت النتيجة مطمئنة؛ إذ صُنّف ضمن فئة الخطر المنخفض للإصابة بأمراض القلب. لكن طبيبه لاحظ وجود تاريخ عائلي قوي للإصابة المبكرة بأمراض الشرايين التاجية. وعندما أُجريت فحوص إضافية، ظهرت مؤشرات خطورة لم يكشفها التقييم الجيني الأولي.

في هذه الحالة لم يكن الخلل في الخوارزمية نفسها، بل ربما في البيانات التي تعلّمت منها. فإذا كانت معظم قواعد البيانات المستخدمة لتطوير هذه النماذج تستند إلى مجموعات سكانية تختلف وراثياً عن المريض، فقد تتراجع دقة التنبؤات عند تطبيقها على مجتمعات أخرى.

3ا ينجح الدواء مع شخص ويفشل مع آخر

دراسة جديدة تعيد فتح النقاش

وازدادت أهمية هذا الموضوع بعد دراسة دولية نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 في مجلة «Frontiers in Medicine»، قادها الباحث اللبناني الدكتور فؤاد بيطار (Fouad Bitar) بالتعاون مع باحثين من الجامعة الأميركية في بيروت ومؤسسات أكاديمية دولية، من بينها جامعة جونز هوبكنز (Johns Hopkins University). وحللت الدراسة الاتجاهات العالمية لأبحاث درجات الخطر متعددة الجينات (Polygenic Risk Scores) المستخدمة في الطب الدقيق. وأظهرت النتائج أن هذا المجال يشهد نمواً متسارعاً حول العالم، لكنه ما زال يعاني من تركز الأبحاث والبيانات في عدد محدود من الدول والمجموعات السكانية.

وحذَّر الباحثون من أن التوسع في استخدام هذه النماذج دون زيادة التنوع الجيني في قواعد البيانات قد يؤدي إلى تفاوت في دقة التنبؤات بين الشعوب المختلفة؛ ما يحد من قدرة الطب الدقيق على تحقيق أهدافه بصورة عادلة وشاملة. وتنسجم هذه النتائج مع تحذيرات متزايدة من علماء الجينوم بأن نجاح الذكاء الاصطناعي الطبي لا يعتمد فقط على قوة الخوارزميات، بل أيضاً على مدى تمثيل البشر الذين تتعلم منهم تلك الخوارزميات.

• من تشخيص المرض إلى اختيار الدواء. لا تقتصر أهمية الجينوم على تقدير أخطار الإصابة بالأمراض، بل تمتد إلى أحد أكثر فروع الطب الدقيق تطوراً، وهو ما يُعرف باسم «الصيدلة الجينية» (Pharmacogenomics). ويدرس هذا التخصص العلاقة بين الجينات واستجابة المرضى للأدوية. فبعض الأشخاص قد يستجيبون بصورة ممتازة لعلاج معين، في حين يحتاج آخرون إلى جرعات مختلفة أو أدوية بديلة بسبب اختلافات جينية تؤثر في طريقة تعامل الجسم مع الدواء. ومع التوسع في استخدام هذه التقنيات، تزداد أهمية جودة البيانات الجينية وتنوعها، خصوصاً عند تطوير علاجات مخصصة لمجتمعات تختلف في خصائصها الوراثية.

2 الذكاء الاصطناعي وجينات العرب

الذكاء الاصطناعي وجينات العرب

• هل يعرف الذكاء الاصطناعي جينات العرب؟ في دراسة نُشرت عام 2023 في مجلة «طب الجينوم» (Genome Medicine)، وهي من أبرز المجلات الدولية المتخصصة في الطب الجيني والطب الدقيق، أظهر الباحثون أن العرب ما زالوا من أقل المجموعات السكانية تمثيلاً في قواعد البيانات الجينومية العالمية. فعلى الرغم من أن العرب يمثلون نحو 6 في المائة من سكان العالم، فإن نسبة تمثيلهم في قواعد البيانات الجينومية العالمية المتاحة للبحث العلمي لا تتجاوز نحو 0.17 في المائة.

وبعبارة أخرى، ما زال مئات الملايين من العرب شبه غائبين عن كثير من قواعد البيانات التي تستند إليها تطبيقات الطب الدقيق والذكاء الاصطناعي الطبي.

ولا يعني ذلك أن هذه النماذج غير صالحة للاستخدام، بل إن الحاجة ما زالت قائمة إلى توسيع تمثيل المجتمعات العربية في الدراسات الجينومية العالمية، بما يضمن أعلى مستويات الدقة والعدالة العلمية

• السعودية وقطر على خريطة الجينوم العالمية. شهد العالم العربي خلال السنوات الأخيرة تقدماً ملحوظاً في هذا المجال. فقد أسهم مشروع الجينوم السعودي في بناء قاعدة معرفية مهمة حول الأمراض الوراثية والطفرات الجينية المنتشرة في المملكة، كما يدعم مستهدفات «رؤية السعودية 2030» في تطوير الرعاية الصحية والبحث العلمي. ويُعدّ المشروع من أكبر المبادرات الجينومية في المنطقة؛ إذ يستهدف تحليل 100 ألف عينة جينية، في حين تجاوز عدد العينات التي خضعت للتحليل والتسلسل الجيني عشرات الآلاف، وأسهم في اكتشاف آلاف الطفرات الوراثية المرتبطة بالأمراض النادرة والوراثية.وفي الوقت نفسه، نجح مشروع الجينوم القطري في إنشاء واحدة من أهم قواعد البيانات الوراثية في المنطقة. وقد استقطب ما يقارب 50 ألف مشارك، وأسهم في بناء مرجع جيني غير مسبوق للسكان العرب وفهم الخصائص الوراثية الفريدة لسكان الخليج العربي. وتشكل هذه المبادرات نماذج مهمة لما يمكن أن تحققه الاستثمارات طويلة المدى في علوم الجينوم، ليس فقط لفهم الأمراض الوراثية، بل أيضاً لتطوير طب دقيق أكثر عدالة ودقة وملاءمة لاحتياجات المجتمعات العربية.

مشاريع الدول الكبرىفي المملكة المتحدة، أصبح مشروع «البنك الحيوي البريطاني» (UK Biobank) واحداً من أهم المشاريع الجينومية في العالم؛ إذ يضم بيانات صحية ووراثية لما يقارب نصف مليون مشارك.

أما في الولايات المتحدة، فيعمل برنامج «كلّنا» (All of Us) على جمع بيانات مليون مشارك أو أكثر؛ بهدف بناء مستقبل أكثر دقة وشمولاً للطب الشخصي أو الطب الدقيق.

وقد أسهم هذان المشروعان في تسريع الأبحاث المتعلقة بالأمراض المزمنة والعلاجات الموجهة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي الطبي، كما وفّرا قواعد بيانات ضخمة مكّنت الباحثين من تطوير نماذج أكثر دقةً للتنبؤ الجيني وفهم العلاقة بين الجينات والصحة والمرض.

وتُظهر هذه التجارب أن قوة الذكاء الاصطناعي في الطب لا تعتمد على الخوارزميات وحدها، بل أيضاً على حجم البيانات التي تتعلم منها ومدى تنوعها وتمثيلها للسكان. المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في البيانات التي تغذّيه.

3 الجينوم السعودي يرسم مستقبل الطب الدقيق

مشروع «المليون جينوم عربي»

• الجينوم العربي. هل حان الوقت لمشروع «المليون جينوم عربي»؟ في ضوء هذه التطورات، ربما حان الوقت للتفكير في مرحلة جديدة من التعاون العلمي العربي.

فالعالم العربي يضم أكثر من 450 مليون نسمة، ويتميز بتنوع جيني واسع وخصائص وراثية فريدة، إضافة إلى انتشار بعض الأمراض الوراثية والمزمنة التي تتطلب فهماً أعمق للعوامل الجينية المرتبطة بها.

ومن هنا، يمكن أن يشكل مشروع عربي مشترك لجمع مليون جينوم عربي خطوةً استراتيجية نحو تعزيز الطب الدقيق في المنطقة، وتحسين أداء تطبيقات الذكاء الاصطناعي الطبي، ودعم الأبحاث الدوائية والوراثية في العقود المقبلة. فكما استثمرت دول كبرى في بناء قواعدها الجينومية الوطنية، قد يكون بناء قاعدة جينومية عربية واسعة أحد أهم الاستثمارات العلمية والصحية لمستقبل الأجيال المقبلة.

• مستقبل الطب الدقيق في العالم العربي. أصبحت البيانات الجينية اليوم جزءاً أساسياً من البنية التحتية للطب الحديث. وكلما ازدادت قدرة الذكاء الاصطناعي على تحليل الجينوم، ازدادت أهمية ضمان تمثيل جميع الشعوب داخل قواعد البيانات التي يستند إليها.

ولذلك؛ لم يعد التحدي تقنياً فحسب، بل أصبح علمياً واستراتيجياً أيضاً. فمستقبل الطب الدقيق في العالم العربي لن يعتمد على عدد الخوارزميات التي نستخدمها، بقدر ما يعتمد على حجم البيانات العربية التي تسهم في تدريبها.

وإذا كانت المملكة العربية السعودية وقطر قد بدأتا بالفعل بناء قواعد معرفية جينومية متقدمة، فإن الخطوة التالية قد تتمثل في الانتقال من المشاريع الوطنية إلى رؤية عربية مشتركة تضمن حضور العرب في الطب الدقيق العالمي بقدر حضورهم في الواقع السكاني. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، لا تكتسب الشعوب مكانتها العلمية بعدد مستخدمي التكنولوجيا فقط، بل بمدى حضور بياناتها في المعرفة التي تصنع مستقبل الطب.


خريطة جينية تكشف دوراً خفياً لـ«الهيستامين» في الصحة النفسية

مستقبلات الهيستامين في الدماغ تلعب دورا في الاستجابة للمشاعر
مستقبلات الهيستامين في الدماغ تلعب دورا في الاستجابة للمشاعر
TT

خريطة جينية تكشف دوراً خفياً لـ«الهيستامين» في الصحة النفسية

مستقبلات الهيستامين في الدماغ تلعب دورا في الاستجابة للمشاعر
مستقبلات الهيستامين في الدماغ تلعب دورا في الاستجابة للمشاعر

لطالما ارتبط «الهيستامين» في أذهان الناس بالحساسية والعطاس، لكن دراسة علمية حديثة كشفت أنه قد يكون أحد المفاتيح المهمة لفهم كيفية عمل الدماغ البشري. فقد تمكن علماء من بناء أول خريطة تربط بين جينات «الهيستامين» ووظائف الدماغ والسلوك الإنساني لتظهر أن هذا الجزيء يشارك في تنظيم المشاعر والذاكرة والاستجابة للتوتر، كما يرتبط بمناطق دماغية تتأثر في عدد من الاضطرابات النفسية الشائعة.

جزيء معروف ودور مجهول. وفي دراسة حديثة نُشرت في مجلة «Nature Mental Health» في 12 مايو (أيار) 2026 نجح باحثون من جامعتي «كينغز كوليدج لندن» البريطانية وبورتو البرتغالية في رسم أول خريطة شاملة لنظام «الهيستامين» في الدماغ البشري في إنجاز يربط بين الجينات ووظائف الدماغ والصحة النفسية ويفتح آفاقاً جديدة لفهم أمراض مثل الاكتئاب والفصام واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.

• دور دماغي.رغم أن «الهيستامين» معروف منذ عقود كأحد المواد المسؤولة عن أعراض الحساسية فإنه يعمل أيضاً كناقل عصبي يساعد الخلايا العصبية على التواصل فيما بينها. ومع ذلك ظل دوره الدماغي أقل دراسة مقارنة بناقلات عصبية شهيرة مثل الدوبامين والسيروتونين اللذين يشكلان أساس العديد من العلاجات النفسية الحالية.

ويقول الباحثون بقيادة ستيف ويليامز أستاذ التصوير العصبي في معهد علم الأعصاب وعلم الأعصاب النفسي في جامعة «كينغز كوليدج لندن» والمؤلف الرئيسي للورقة البحثية، إن هذا الإهمال العلمي ترك فجوة مهمة في فهم كيفية عمل الدماغ، خصوصاً وأن «الهيستامين» يتفاعل بشكل وثيق مع أنظمة كيميائية عصبية أخرى تؤثر في المزاج والانتباه والاندفاعية (impulsivity).

• بناء أول خريطة متعددة المستويات .للوصول إلى صورة أكثر وضوحاً جمع العلماء كميات ضخمة من البيانات الجينية والجزيئية ودمجوها مع خرائط تشريحية ووظيفية للدماغ البشري.

واعتمد الفريق على تقنيات تصوير متقدمة، من بينها «التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني» (PET) (positron emission tomography) الذي يسمح بتتبع مستقبلات «الهيستامين» داخل أدمغة أشخاص أحياء إلى جانب قواعد بيانات ضخمة تربط مناطق الدماغ بوظائف معرفية وسلوكية مختلفة.

وأظهرت النتائج أن مستقبلات «الهيستامين» ليست موزعة بشكل عشوائي، بل تتركز في مناطق محددة ترتبط بعمليات دماغية أساسية. كما تبين أن بعض هذه المستقبلات توجد على خلايا عصبية تزيد النشاط العصبي بينما توجد أنواع أخرى على خلايا تقلل هذا النشاط.

ويشير ذلك إلى أن «الهيستامين» قد يؤدي دوراً محورياً في الحفاظ على التوازن الدقيق بين التنشيط والتثبيط داخل الدماغ، وهو توازن ضروري لعمل الشبكات العصبية بصورة سليمة.

من العواطف إلى اتخاذ القرار.عندما قارن الباحثون توزيع الجينات المرتبطة بـ«الهيستامين» بوظائف الدماغ المختلفة ظهرت نتائج لافتة. فقد تبين أن المناطق التي يزداد فيها نشاط هذه الجينات ترتبط بمجموعة واسعة من الوظائف المعرفية والسلوكية تشمل تنظيم المشاعر والاستجابة للتوتر والخوف واتخاذ القرارات وضبط الاندفاع والشعور بالمكافأة، إضافة إلى النوم والذاكرة.

وتشير هذه النتائج إلى أن «الهيستامين» ليس مجرد عنصر ثانوي في كيمياء الدماغ، بل قد يكون جزءاً من شبكة معقدة تتحكم في العديد من الجوانب الأساسية للسلوك الإنساني.

• صلة محتملة بالاضطرابات النفسية.. من أكثر النتائج إثارة للاهتمام أن المناطق الدماغية الغنية بالجينات المرتبطة بـ«الهيستامين» تداخلت بشكل واضح مع مناطق معروفة بتأثرها في عدد من الاضطرابات النفسية والعصبية.

وشملت هذه الاضطرابات اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) والاكتئاب الشديد والفصام وفقدان الشهية العصبي.

ورغم أن الدراسة لا تثبت أن «الهيستامين» يسبب هذه الأمراض بشكل مباشر، فإنها تعزز فرضيات علمية سابقة تشير إلى أن اضطراب إشارات «الهيستامين» قد يساهم في زيادة قابلية بعض مناطق الدماغ للتأثر بهذه الحالات.

ويؤكد الباحثون أن النتائج تنسجم مع الاتجاه الحديث في الطب النفسي الذي ينظر إلى الاضطرابات النفسية على أنها ناتجة عن خلل في شبكات دماغية متعددة ومتداخلة وليس نتيجة اختلال مادة كيميائية واحدة فقط.

• علاجات جديدة. هل يقود «الهيستامين» إلى علاجات جديدة؟ تعتمد معظم الأدوية النفسية الحالية على التأثير في أنظمة السيروتونين أو الدوبامين. لكن الخريطة الجديدة تشير إلى أن نظام «الهيستامين» قد يشكل هدفاً علاجياً واعداً خصوصاً للأعراض التي يصعب علاجها حالياً مثل ضعف التركيز والتعب المزمن وانخفاض الاندفاعية وبعض المشكلات الإدراكية.

ويرى العلماء أن فهم كيفية تفاعل «الهيستامين» مع بقية النواقل العصبية قد يساعد مستقبلاً على تطوير أدوية أكثر دقة تستهدف دوائر دماغية محددة بدلاً من التأثير الواسع على الدماغ بأكمله.

ويشدد الباحثون على أن هذه النتائج تمثل نقطة انطلاق أكثر من كونها إجابات نهائية. فالخريطة الجديدة تكشف أن «الهيستامين» حاضر في قلب العديد من الوظائف الدماغية المهمة لكنها لا تزال بحاجة إلى دراسات إضافية لفهم الآليات الدقيقة التي يعمل من خلالها.

• مشاريع بحثية . تجري بالفعل مشاريع بحثية لمتابعة نشاط «الهيستامين» لدى المرضى المصابين بأمراض عصبية مختلفة مثل مرض «هنتنغتون» (Huntington›s disease) لمعرفة كيف تتغير إشاراته مع تطور المرض، وكيف ترتبط بأعراض مثل الاكتئاب واللامبالاة والقلق.

و«مرض هنتنغتون» هو حالة وراثية تؤثر على الحركة والتفكير والمزاج، حيث يتفاقم المرض مع مرور الوقت، ولا يوجد علاج شافٍ له حالياً، ولكن توجد علاجات تساعد في تخفيف الأعراض.

ومع ازدياد الاهتمام العلمي بهذا النظام الكيميائي المهمل نسبياً يبدو أن «الهيستامين» قد ينتقل من كونه مجرد جزيء مرتبط بالحساسية إلى مفتاح جديد لفهم الدماغ البشري وعلاج بعض أكثر الاضطرابات النفسية تعقيداً في المستقبل.