التمرد والمجزرة في موزمبيق: تغيرت اللعبة

جرحى ونازحون في مطار بيمبا لدى وصولهم من مدينة بالما التي سيطر عليها متمردون موالون لـ«داعش» في موزمبيق (إ.ب.أ)
جرحى ونازحون في مطار بيمبا لدى وصولهم من مدينة بالما التي سيطر عليها متمردون موالون لـ«داعش» في موزمبيق (إ.ب.أ)
TT

التمرد والمجزرة في موزمبيق: تغيرت اللعبة

جرحى ونازحون في مطار بيمبا لدى وصولهم من مدينة بالما التي سيطر عليها متمردون موالون لـ«داعش» في موزمبيق (إ.ب.أ)
جرحى ونازحون في مطار بيمبا لدى وصولهم من مدينة بالما التي سيطر عليها متمردون موالون لـ«داعش» في موزمبيق (إ.ب.أ)

الهجوم الذي تبنته «ولاية وسط أفريقيا» في «داعش» على بلدة بالما في موزبيق، غيّر طبيعة التمرد الذي تشهده مقاطعة كابو ديلغادو، ما يُدخل البلاد في حقبة مختلفة من الصراع بين حكومة مابوتو والحركة الإسلامية التي تطلق على نفسها اسم «أنصار السنة».
أسفر الهجوم على بالما الذي بدأ يوم الأحد 29 مارس (آذار) عن عشرات القتلى لم ينته إحصاؤهم بعد بسبب تعدد نقاط المواجهات وعمليات القتل. وبدأ بتقدم قوة من ثلاثة محاور إلى البلدة وسيطرتها على مواقع الجيش وحصار عدد من العمال الأجانب في فندق في الضواحي. ويتميز الهجوم على بالما عن الهجمات التي كانت تشنها الجماعة بحسن التنسيق بين القوات واستخدام قذائف الهاون ما يعطي انطباعا بحصول نقلة نوعية في القيادة والسيطرة.
وكان إرهابيون ينتمون إلى «أنصار السنة» في شمال موزمبيق قد قطعوا أعناق 29 طفلا في هجمات شنوها قبل أسبوعين على قرى في المنطقة الشمالية عينها. الجماعة ذاتها التي تخوض تمردا مسلحا منذ 2017 كانت قد قتلت 50 شخصا في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي في إطار تصعيد هجمات الإرهابيين التي تسببت بمقتل حوالى 2500 شخص وتهجير 700 ألف نسمة من المقاطعة الشمالية الغنية بالغاز الطبيعي. ويقول العاملون في المنظمات الإنسانية إن عشرات الآلاف فروا من قراهم بعد اقتحام المسلحين لبلدة بالما ما يفاقم أزمة النزوح في موزمبيق.
الحادث السابق في كابو ديلغادو لم يثر كبير اهتمام في وسائل الإعلام الرئيسة ربما بسبب القضايا الأكثر إلحاحاً وحضورا مثل وباء كورونا، كما لا يُعرف كثير عن «أنصار السنة» الذين يسمون أنفسهم أيضا «أهل السنة والجماعة» سوى أنهم مرتبطون «بولاية وسط أفريقيا» التابعة لتنظيم «داعش» كما سبقت الإشارة. بيد أن عددا من المراقبين يشيرون إلى ضعف الصلة المذكورة واحتمال أن تكون مجرد مبايعة شكلية نظرا إلى غياب حالات الاستقطاب التي تشهدها بؤر «داعش» في العادة وتحولها إلى نقاط جذب «أممية» على غرار ما جرى في سوريا والعراق وما يحصل في عدد من مناطق الساحل الأفريقي جنوب الصحراء الكبرى حيث يتدفق الجهاديون من دول الغرب لدعم «دولة الخلافة» وعيش تجربتها.
يضاف إلى ذلك أن المجموعة المسلحة التي كانت سلطات موزمبيق قد قللت من شأنها واعتبرتها عند انطلاقها «حفنة من حملة السواطير» قد ضاعفت في العامين الماضيين عدد عملياتها لتصل إلى تنزانيا المجاورة ولتشمل حملات تجنيد للأطفال والشبان في مناطق سيطرتها وهي الحملات التي ربما تسببت في مقتل الأطفال في الهجوم قبل الأخير في كابو ديلغادو.
لكن رغم مرور أخبار هجمات «أنصار السنة» من دون إثارة ضجيج في الإعلام العالمي، فإن ما يجري في شمال موزمبيق يحمل كل العلامات المميزة لأزمة معاصرة يحضر فيها جميع «المشبوهين المعتادين»: هناك أولا التغير المناخي. فتقارير الأمم المتحدة تتوقع أن تعاني موزمبيق من التغير المناخي معاناة قاسية بحيث يتفاقم الجفاف وتخسر المزيد من الأراضي الزراعية ويرتفع مستوى البحر والظواهر المناخية المتطرفة. وكتأكيد لذلك، ضرب إعصاران البلاد في 2019 بفارق أسابيع وتسببا في مقتل أكثر من ألف شخص وألحقا دمارا واسعا بالمحاصيل الزراعية. ونجد ثانيا الفساد. ولا تبخل لائحة الاتهامات التي وجهتها بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات في موزمبيق وغيرها من المجموعات الرقابية إلى الرئيس الحالي فيليبي نيوسي الذي يتولى منصبه منذ 2015 ممثلا لجبهة «فريليمو» الحاكمة منذ الاستقلال سنة 1975، بممارسة التزوير والتهديد والقتل. كما أن عددا من الدعاوى القانونية رفعت ضده في الولايات المتحدة وبريطانيا بتهمة تقاضي رشى عندما كان وزيرا للدفاع. وبدهي ألا يقتصر الفساد على رئيس الدولة بل يشمل جملة من هيئاتها وخصوصا عندما يصل الأمر إلى العقود الضخمة مع الشركات الدولية، ما يقود إلى المشتبه به الثالث: اكتشاف كميات ضخمة من الغاز الطبيعي في البحر مقابل كابو ديلغادو ما جذب شركات الطاقة الكبرى. ولم تكن صدفة أن يبدأ «أنصار السنة» عملياتهم المسلحة في العام ذاته الذي بدأ فيه عملاق الطاقة الفرنسي «توتال» إنشاء مصنع تسييل للغاز في المنطقة يكلف حوالى عشرين مليار دولار وحصلت بفضله الشركة على أراض شاسعة عملت السلطات على طرد سكانها الذين شكلوا ذخيرة للجماعة المتطرفة.
أما المشتبه به الرابع فليس غير الدينامية التي تطلقها مثل هذه الاكتشافات. ذاك أن كمية الغاز التي تُقدّر بعدة آلاف من المليارات من الأقدام المكعبة في البحر أمام شاطئ كابو ديلغادو جذبت أيضا شركات الحماية الخاصة كشركة «داغ» من جنوب أفريقيا و«فاغنر» سيئة السمعة من روسيا وغيرهما. وغني عن البيان أن الشركات هذه تعمل وفق جداول أعمال الشركات الكبرى بغطاء من قوى الأمن المحلية. ووفق الدينامية ذاتها تتورط شركات الأمن الخاصة (أو المرتزقة الأجانب إذا أردنا تسمية الأمور بأسمائها) في طرد السكان ومنعهم من المطالبة بتعويضات عن أراضيهم الزراعية ما يعزز دور الجماعات المتطرفة التي تجعل من قضية السكان المهمشين لواء ترفعه لجني المزيد من النفوذ والسطوة أو ربما كتعبير لا بديل له أمام سلطة غير قابلة للإصلاح ولا للتغيير.
وأخيرا، يأتي التدخل الدولي على شكل خبراء عسكريين أميركيين يتولون تدريب قوات الجيش على تقنيات مكافحة التمرد ضمن «الحرب العالمية على الإرهاب» من دون أن يترافق ذلك مع رفع الظلم عن مزارعي كابو ديلغادو ومن يشبههم من مواطنيهم ولا معالجة فساد الحكومة في مابوتو التي ستجني المليارات من بيع الغاز الطبيعي من دون أن تؤمن برامج تنموية للمناطق الفقيرة. وكأنها القصة ذاتها تتكرر في كل العالم وبحضور «المشبوهين المعتادين» والضحايا ذاتهم.
الارتفاع النوعي في مستوى العنف الذي يمارسه «أنصار السنة» لا يشير فقط إلى زيادة ثقتهم بأنفسهم وبتحسن أوضاعهم التنظيمية ناهيك من استمرار تخبط الحكومة المركزية وسعيها إلى إشراك القوة الأجنبية في قمع التمرد، بل يقول أيضا إنه لا أفق لحل سياسي في المستقبل المنظور وإن حربا صغيرة جديدة قد اندلعت.


مقالات ذات صلة

فيدان بحث مع برّاك التطورات في سوريا بعد دعوة «قسد» للنفير العام

المشرق العربي الرئيسان المشاركان لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» يتحدثان خلال مسيرة للحزب على الحدود التركية - السورية يوم الثلاثاء (حساب الحزب في «إكس»)

فيدان بحث مع برّاك التطورات في سوريا بعد دعوة «قسد» للنفير العام

بحث وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، والسفير الأميركي في أنقرة المبعوث الخاص إلى سوريا توم برّاك، التطورات الأخيرة بشأن اتفاق وقف إطلاق النار بين دمشق و«قسد».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي جندي عراقي يراقب الأوضاع بالقرب من الحدود العراقية - السورية عند معبر «البوكمال - القائم» الحدودي (أرشيفية - رويترز)

العراق يعزز أمن الحدود مع سوريا... ويعتقل متسللاً «داعشياً»

تواصل السلطات الأمنية في العراق ما تقول إنها حالة تأهب وجهود لتأمين حدود البلاد، في ظل التطورات السياسية والأمنية الأخيرة الجارية في سوريا.

فاضل النشمي (بغداد)
آسيا المطعم الصيني الذي وقع فيه الانفجار بكابل (إ.ب.أ)

«داعش» يتبنى هجوم كابل... والصين تحذّر مواطنيها من السفر إلى أفغانستان

حثّت الصين مواطنيها على تجنّب السفر إلى أفغانستان، بعد وقوع انفجار دموي في مطعم صيني بوسط العاصمة الأفغانية كابل.

«الشرق الأوسط» (بكين)
المشرق العربي عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة شمال شرقي سوريا (رويترز - أرشيفية)

الداخلية السورية: جاهزون لاستلام وتأمين سجون «داعش» في الحسكة

أكدت وزارة الداخلية السورية اليوم الاثنين جاهزيتها الكاملة لاستلام إدارة وتأمين سجون عناصر تنظيم «داعش» في محافظة الحسكة بشمال شرق البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
أفريقيا شرطي نيجيري خارج مسجد الأدوم الجامع بعد يوم من انفجار هزّ المسجد عقب صلاة العشاء قرب سوق غامبورو في مايدوغوري بولاية بورنو بنيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 (رويترز)

نيجيريا: القضاء على عشرات الإرهابيين بقصف جوي

نفذ سلاح الجو النيجيري ضربات جوية ضد معاقل تنظيم «داعش في غرب أفريقيا»، ما أسفر عن مقتل أكثر من 40 إرهابياً.

الشيخ محمد (نواكشوط)

أمين عام سابق لحلف «الناتو»: أزمة غرينلاند تظهر أن وقت تملّق ترمب انتهى

آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
TT

أمين عام سابق لحلف «الناتو»: أزمة غرينلاند تظهر أن وقت تملّق ترمب انتهى

آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)

قال الأمين العام الأسبق لحلف شمال الأطلسي (ناتو) ورئيس الوزراء الدنماركي السابق آندرس فو راسموسن، الثلاثاء، إن وقت تملّق الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتهى، وإنه ينبغي لأوروبا أن ترد بقوة اقتصادياً إذا فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية على أعضاء الحلف الذين أرسلوا قوات إلى غرينلاند، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف راسموسن أن إصرار ترمب على ضرورة أن تصبح ‌غرينلاند جزءاً من ‌الولايات المتحدة يمثّل ‌أكبر ⁠تحدٍّ ​للحلف ‌منذ تأسيسه في عام 1949. وغرينلاند إقليم دنماركي شبه مستقل.

ويقدّم راسموسن منظوراً فريداً للأزمة بصفته زعيماً سابقاً لكل من الدنمارك، التي تولى رئاسة وزرائها من 2001 إلى 2009، وحلف الأطلسي (ناتو)، حيث شغل منصب الأمين العام ⁠من 2009 إلى 2014.

وقال: «مستقبل حلف شمال الأطلسي ‌هو الذي بات على المحك حقاً». وأضاف لوكالة «رويترز» من المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا: «انتهى وقت التملق؛ فهو لا يجدي نفعاً. والحقيقة أن ترمب لا يحترم إلا القوة والوحدة. وهذا هو بالضبط ما يجب على أوروبا ​أن تظهره الآن».

وأفاد بأنه لا ينتقد قادة مثل الرئيس الحالي لحلف الأطلسي ⁠مارك روته، الذي أغدق المديح على ترمب، لكنه قال إن الوقت حان لاتباع أوروبا نهجاً جديداً.

ولفت إلى أن أداة الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه التي تمنح صلاحيات واسعة للرد على الضغوط الاقتصادية يجب أن تكون مطروحة بعد أن هدد ترمب بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية لحين السماح للولايات المتحدة بشراء غرينلاند.

ويقول ترمب إن ملكية ‌الولايات المتحدة لغرينلاند أمر حيوي للأمن القومي الأميركي.


أزمة غرينلاند بين واشنطن وأوروبا: فرصة لروسيا أم مصدر قلق؟

سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
TT

أزمة غرينلاند بين واشنطن وأوروبا: فرصة لروسيا أم مصدر قلق؟

سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)

لطالما قامت استراتيجية الكرملين على إحداث شرخ دائم بين الولايات المتحدة وأوروبا، بهدف تقسيم خصومه التقليديين في الغرب وإضعافهم، وذلك حسب تحليل نشره ماثيو تشانس، كبير مراسلي الشؤون العالمية في شبكة «سي إن إن».

وعلى مدى سنوات، شجّعت روسيا التخريب والتضليل لتقويض المؤسسات الغربية، التي تُعدّ عقبات صلبة أمام طموحات موسكو التوسعية ومساعيها لاستعادة مكانتها ونفوذها على غرار الاتحاد السوفياتي السابق، وفقاً لتشانس.

وأوضح أن «تفكيك حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التحالف العسكري الغربي الأقوى، هدف رئيسي للكرملين، ولا سيما منذ اندلاع حرب أوكرانيا. وقد استغل الكرملين المخاوف من التوسع المحتمل للحلف لتبرير غزوه الشامل والعنيف لأوكرانيا قبل نحو أربع سنوات».

وقال تشانس: «تخيّلوا إذن حجم الفرحة في أروقة الكرملين إزاء احتمال تفكك الوحدة الغربية وانهيار حلف (الناتو)، الذي شكّل على مدى ثمانين عاماً حصناً منيعاً في مواجهة التهديدات الروسية، بسبب قضية غرينلاند غير المتوقعة والمبادرات غير المرحّب بها التي يبديها الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه هذه المنطقة الدنماركية».

وأضاف: «تراقب روسيا بدهشة من بعيد، بينما ينشغل خصومها القدامى بصراعاتهم الداخلية».

قلق أوروبي وفرح روسي مُعلن

علّقت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، في تصريح على منصة «إكس»، عقب تهديد ترمب بفرض تعريفات جمركية استثنائية على الحلفاء الأوروبيين المعارضين للسيطرة الأميركية على غرينلاند، قائلة: «لا شك أن الصين وروسيا في غاية السعادة».

ورغم أن الصين وروسيا تنفيان بشدة وجود أي مطامع إقليمية لهما في غرينلاند، بل إن الجيش الدنماركي يؤكد عدم وجود تهديد غزو حقيقي من الشرق، فإن المشهد بدا مختلفاً في الداخل الروسي.

ففي التلفزيون الرسمي الروسي، ابتهج المعلّقون الموالون للكرملين بتحركات ترمب بشأن غرينلاند، واصفين إياها بأنها «توجيه ضربة كارثية لحلف (الناتو)»، وأنها «هائلة حقاً بالنسبة لروسيا».

والرأي السائد أن مواجهة حلف «الناتو» لأكبر أزمة له منذ عقود، واحتمال تفكك الوحدة عبر الأطلسي، سيؤديان حتماً إلى تراجع الدعم الغربي للمجهود الحربي الأوكراني، ما يمنح موسكو يداً أقوى في ساحة المعركة. ولسوء حظ كييف، قد يثبت هذا التقييم صحته. ومع ذلك، لم يُبدِ الكرملين حماسة احتفالية حتى الآن.

أشخاص يتظاهرون أمام القنصلية الأميركية في نوك احتجاجاً على سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه غرينلاند (أ.ب)

موقف روسي رسمي حذر

على الأقل في البداية، جاء رد الفعل الرسمي في موسكو هادئاً نسبياً، بل اتسم بالنقد. إذ صرّح المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، للصحافيين بأن ترمب «يتصرف في غرينلاند خارج نطاق القانون الدولي»، في موقف لافت من الكرملين.

وقد يُنظر في موسكو إلى سيطرة الولايات المتحدة المحتملة على غرينلاند على أنها تحدٍّ مباشر لهيمنة روسيا في منطقة القطب الشمالي.

إلا أن المخاوف الروسية تبدو أعمق من ذلك، إذ يراقب الكرملين، شأنه شأن بقية العالم، بقلق وريبة إدارة ترمب المتقلبة، وهي تمارس نفوذاً عسكرياً واقتصادياً عالمياً يبدو دون قيود، حسب ما أشار إليه تشانس.

وفي أول خطاب له عن السياسة الخارجية في العام الجديد، عبّر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن أسفه لحال العالم، قائلاً: «غالباً ما تحل الإجراءات الأحادية والخطيرة محل الدبلوماسية، وجهود التوصل إلى حلول وسط أو إيجاد تسويات ترضي الجميع».

وأضاف في إشارة واضحة إلى التحركات الأميركية على الساحة الدولية، دون إقرار بمسؤولية بلاده: «بدلاً من أن تنخرط الدول في حوار فيما بينها، هناك من يعتمد على مبدأ القوة المطلقة لفرض رواياته الأحادية، ومن يعتقد أنه يستطيع فرض إرادته وإملاء الأوامر على الآخرين».

تحالفات موسكو تتفكك

وفي الوقت نفسه، تشهد شبكة تحالفات موسكو تآكلاً متسارعاً. فقد تضررت بشدة إثر الإطاحة بالرئيس السوري المدعوم من روسيا، بشار الأسد، العام الماضي.

كما تعرّضت إيران، الحليف الروسي القديم، لغارات جوية أميركية وإسرائيلية مؤلمة العام الماضي. وفي أعقاب حملة القمع الوحشية الأخيرة ضد المتظاهرين المناهضين للحكومة، قد تواجه طهران هجوماً جديداً قريباً.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، شكّل اعتقال القوات الأميركية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، المقرّب من الكرملين، صفعة أخرى لموسكو.

كما أن الحديث الكثير عن كوبا، الحليف التقليدي لروسيا والخصم التاريخي للولايات المتحدة، بوصفها الهدف التالي لواشنطن في مساعيها من أجل تغيير الأنظمة، ينذر بمزيد من الإذلال للسياسة الخارجية الروسية، حسب وصف تشانس.

لافتة كبيرة كُتب عليها «غرينلاند ليست للبيع» تظهر خارج متجر ملابس في نوك (أ.ف.ب)

نظام عالمي يتغيّر

لطالما سخرت موسكو من النظام الدولي القائم على القواعد، الذي أُرسِيَ بعد الحرب العالمية الثانية، عادّةً إياه أداة غربية مليئة بالمعايير المزدوجة لاحتواء خصومها، وفي مقدمتهم الكرملين نفسه.

وقد تحدّت روسيا علناً ميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر تغيير الحدود بالقوة، وسعت باستمرار إلى عالم تُقسَّم فيه مناطق النفوذ بين القوى العظمى.

ويبدو أن واشنطن تتبنى اليوم، بشكل كبير، هذه الرؤية الروسية للعالم، وهو ما قد يُعدّ نظرياً انتصاراً مهماً لموسكو، حسب تشانس. وتابع: «غير أن الاحتفال بهذا الانتصار مؤجّل حالياً، وسط مخاوف كبيرة من طبيعة العالم الجديد والخطير الذي قد ينبثق عنه».

وأضاف: «قد يُشكّل التعامل مع رئيس أميركي يزداد تهوّراً وعدم قابلية للتنبؤ تحدياً حقيقياً للكرملين، الذي اعتاد التعامل مع إدارات أميركية أكثر استقراراً وانضباطاً».


أستراليا: مجلس النواب يقر مشروع قانون للحد من الأسلحة عقب «هجوم بونداي»

لقطة من فيديو تُظهر المتهم ساجد أكرم أحد منفذي هجوم بونداي وهو يطلق النار من بندقية في منطقة ريفية يُعتقد أنها في نيو ساوث ويلز (أ.ف.ب)
لقطة من فيديو تُظهر المتهم ساجد أكرم أحد منفذي هجوم بونداي وهو يطلق النار من بندقية في منطقة ريفية يُعتقد أنها في نيو ساوث ويلز (أ.ف.ب)
TT

أستراليا: مجلس النواب يقر مشروع قانون للحد من الأسلحة عقب «هجوم بونداي»

لقطة من فيديو تُظهر المتهم ساجد أكرم أحد منفذي هجوم بونداي وهو يطلق النار من بندقية في منطقة ريفية يُعتقد أنها في نيو ساوث ويلز (أ.ف.ب)
لقطة من فيديو تُظهر المتهم ساجد أكرم أحد منفذي هجوم بونداي وهو يطلق النار من بندقية في منطقة ريفية يُعتقد أنها في نيو ساوث ويلز (أ.ف.ب)

تستعد أستراليا لإقرار قوانين جديدة تتيح تنفيذ برنامج وطني لإعادة شراء الأسلحة النارية وتشديد ​إجراءات التدقيق الأمني لمنح تراخيص السلاح، وذلك رداً على أسوأ واقعة إطلاق نار جماعي تشهدها البلاد منذ عقود خلال مهرجان يهودي الشهر الماضي.

وأقرّ مجلس النواب مشروع القانون، اليوم (الثلاثاء)، بأغلبية 96 صوتاً مقابل 45، رغم ‌معارضة مشرّعين ‌محافظين له. وسينتقل ‌المشروع الآن ⁠إلى ​مجلس الشيوخ، ‌حيث يُتوقع إقراره بدعم من حزب الخضر.

وقال وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، لدى تقديمه القوانين الجديدة، إن هجوم 14 ديسمبر (كانون الأول) على شاطئ بونداي، الذي أودى بحياة 15 شخصاً، نفّذه ⁠أشخاص كانت لديهم «كراهية في قلوبهم وبنادق في أيديهم».

وأضاف بيرك: «الأحداث المأساوية في بونداي تتطلّب استجابة شاملة من ‍الحكومة... وانطلاقاً من دورنا الحكومي، يجب أن نفعل كل ما في وسعنا للتصدي للدافع (وراء الهجوم) والطريقة التي نُفّذ بها».

ومن شأن التشريعات الجديدة أن تؤدي إلى إطلاق ​أكبر برنامج وطني لإعادة شراء الأسلحة منذ البرنامج الذي طُبّق عقب مذبحة ⁠عام 1996 في بورت آرثر بولاية تسمانيا، حيث أدى هجوم شنه شخص مسلح إلى مقتل 35 شخصاً.

وقالت الحكومة، أول من أمس، إن عدد الأسلحة النارية في أستراليا بلغ مستوى قياسياً عند 4.1 مليون سلاح خلال العام الماضي، من بينها أكثر من 1.1 مليون في ولاية نيو ساوث ويلز، أكثر الولايات ‌اكتظاظاً بالسكان في أستراليا التي وقع بها الهجوم على شاطئ بونداي.

وقُتل ساجد أكرم وابنه نافيد 15 شخصاً في عملية إطلاق نار جماعي استهدفت احتفالاً يهودياً بـ«عيد حانوكا» على الشاطئ الشهير في منتصف ديسمبر الماضي. ووصفت السلطات الهجوم بأنه عمل إرهابي معادٍ للسامية.