«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين الدولي (7): المرأة تسد الفراغ.. واللجوء إلى الماضي هربًا من الحاضر

الثغرة التي عانى منها مهرجان «كان» وسواه من المهرجانات الأولى

من فيلم «جسد»
من فيلم «جسد»
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين الدولي (7): المرأة تسد الفراغ.. واللجوء إلى الماضي هربًا من الحاضر

من فيلم «جسد»
من فيلم «جسد»

سد مهرجان برلين، الذي يقفل باب أعماله يوم غد (الأحد)، الثغرة التي عانى منها مهرجان «كان»، وسواه من المهرجانات الأولى، عندما غابت المرأة من عداد المخرجين الذين اختارتهم تلك المهرجانات لتقديم أعمالهم.
إلى جانب فيلم الافتتاح «لا أحد يريد الليل»، الذي حققته الإسبانية إيزابيل كواكست، عرضت البولندية مالغوراتزا شوموسكا فيلمها «جسد»، وقامت لورا باسبوري بعرض فيلمها المموَّل ألبانيا وإيطاليا «عذراء محلّـفة». هذا بالطبع إلى جانب أن المرأة على الشاشة، وليس فقط وراء الكاميرا، شهدت حضورا أكبر من المعتاد.
كواكست وحدها، بين المخرجات المشتركات، سعت لتقديم شخصية قوية في ظروف استثنائية. في «لا أحد يريد الليل» تتابع رحلة بطلتها زوجة رحّـالة أميركي (تؤديها الفرنسية جولييت بينوش) تريد الالتحاق بزوجها الذي استوطن القطب الشمالي في رحلة استكشاف. ما تواجهه من معضلات طريق وظروف جوية وعواصف وخطر الموت جوعا هو الدراما الفعلية التي تطالعنا على الشاشة من بعد نصف ساعة أو أكثر قليلا من بداية الفيلم.

بطلة «جسد» لديها هم مختلف، كذلك بطلة «عذراء محلّـفة». الأول أفضل هذه الأفلام الثلاثة. بطلته آنا (مايا أوستازفسكا)، فتاة يُدخلها والدها مصحّة خوفا من أن تنتحر بعد وفاة والدتها، وكانت آنا خسرت قبل ذلك حياة طفلها. الفيلم، رغم موضوعه هذا، كوميديا سوداء حول كيف تواجه المرأة مصاعب حياتها النفسية والعاطفية وتضع نفسها على طريق الهرب مما يحيط بها من إحباطات ومآزق نفسية، ولو دخولا في عالم الغيبيات.
كواكست وحدها، بين المخرجات المشتركات، سعت لتقديم شخصية قوية في ظروف استثنائية. في «لا أحد يريد الليل» تتابع رحلة بطلتها زوجة رحّـالة أميركي (تؤديها الفرنسية جولييت بينوش) تريد الالتحاق بزوجها الذي استوطن القطب الشمالي في رحلة استكشاف. ما تواجهه من معضلات طريق وظروف جوية وعواصف وخطر الموت جوعا هو الدراما الفعلية التي تطالعنا على الشاشة من بعد نصف ساعة أو أكثر قليلا من بداية الفيلم.
لكن بطلة «جسد» لديها هم مختلف، كذلك بطلة «عذراء محلّـفة». الأول أفضل هذه الأفلام الثلاثة. بطلته آنا (مايا أوستازفسكا)، فتاة يُدخلها والدها مصحّة خوفا من أن تنتحر بعد وفاة والدتها، وكانت آنا خسرت قبل ذلك حياة طفلها. الفيلم، رغم موضوعه هذا، كوميديا سوداء حول كيف تواجه المرأة مصاعب حياتها النفسية والعاطفية وتضع نفسها على طريق الهرب مما يحيط بها من إحباطات ومآزق نفسية، ولو دخولا في عالم الغيبيات.
«عذراء محلّـفة» أسوأ هذه الأعمال المذكورة. هو عن فتاة تعيش في منعزل من الشمال الألباني ما زالت عذراء بقرار رفض للتقاليد، حيث تؤدي المرأة دورا ثانويا في الحياة لا يتعدّى أن تكون زوجة وخادمة الزوج في الوقت ذاته. هذا المفهوم يدفعها إلى طلاق أنثويتها والتصرف كصبي لعدة سنوات إلى أن تقرر أن تنزح إلى ميلانو حيث تعيش شقيقتها وعائلتها. هناك تجد نفسها شاهدة لمنوال مشابه، فابنتا شقيقتها على طرفي نقيض؛ واحدة تريد الهرب مع من تحب، والأخرى تلتزم بتعاليم أبيها. الفيلم، على ركاكة سرده، هو بحث تلك العذراء عن هويتها، وهو بحث يفضي بالفيلم إلى نهاية لا تقدّم ولا تؤخر حتى على مستوى ما أراد الفيلم توفيره من حالات.

* في الزمن الماضي
الظاهرة الأخرى التي نستطيع أن ننقلها مما شاهدناه من أفلام المسابقة هي أن أعمالا كثيرة عادت إلى فترات زمنية سابقة. لدينا «لا أحد يريد الليل» و«ملكة الصحراء» الكامنان في مطلع القرن العشرين. كذلك حال الفيلم الفرنسي «مفكرة خادمة الغرفة» لبنوا جاكو الذي يسرد حكاية الفتاة سيليستين (ليا سيدو) التي غادرت باريس، في عام 1900 إلى نورماندي حيث انتهت، بعد تجربة واحدة، للعمل في دار رجل ميسور (فنسنت ليندون) اعتاد معاشرة الخادمات في منزله، رغم حذر زوجته وغيرتها. ها هي الطبّـاخة حامل منه وهو يحوم حول سيليستين التي تقرر عدم الاستجابة له مهما كلّـفها الأمر.
الفيلم ليس جديدا، إذ نقل الحكاية التي وضعها أوكتاف ميربيو في العام ذاته (1900) إلى فيلم روسي سنة 1916، وإلى فيلمين فرنسيين أحدهما لجان رنوار سنة 1946، والثاني من توقيع لوي بونويل سنة 1964. بالإضافة إلى أسلوب عمل بونوا المختلف عن رفيقيه رنوار وبونويل، لا يوجد هنا إلا القليل من ملامح الإجادة أو التميز. يبدو الفيلم كما لو أنه وضع نصب عينيه أن يبيع لجمهور عريض وينتقل بعد ذلك إلى جمهور تلفزيوني أعرض.
وفي «إلسر: 13 دقيقة» (Elser‪:‬ 13 Minutes) تعود بنا الأحداث إلى عام 1939 إلى حين قام النجار جورج إلسر بمحاولة اغتيال أدولف هتلر زارعا قنبلة موقوتة في مخزن للبيرة في مدينة ميونيخ عرف أن هتلر سوف يزوره. المخرج أوليفر هيرشبيغل لا يزال يسير في أعقاب الفترة الهتلرية (من بعد فيلمه «سقوط» قبل 12 سنة) متعاملا هنا مع الوضع الاقتصادي والسياسي حتى قبل ذلك التاريخ. الموضوع جيد مع وجود اهتمام دائم وجاهز لسبر غور المزيد من الحكايات الدائرة في تلك الفترة (وحول الحقبة الهتلرية)، لكن المخرج لا يبدو أنه ينشد هنا أكثر من ذلك مكتفيا بسرد مقبول وطموح محدود.
وإلى عام 1931 ينتقل المخرج البريطاني بيتر غريناواي بفيلمه «ايزنشتاين في غوانجووتو» إلى فترة من حياة المخرج الروسي سيرغي أيزنشتاين الذي أهدى الثورة الروسية أعمالا فنية هي في حقيقتها أيضا أفلام بروباغاندا، من بينها «إضراب» و«سفينة الحرب بوتمكين» و«أكتوبر»، قبل أن يتوجه إلى المكسيك لتحقيق فيلم أميركي اشترط منتجوه أن لا يتعاطى السياسة.
حسب المخرج البريطاني غريناواي، استنادا إلى بعض ما كُـتب حينها وبعدها من روايات، خاض أيزنشتاين حياة جنسية عصيبة. وصل شبه عذري ووجد نفسه واقعا تحت تأثير الرجل الذي أسندت إليه مهمة الإشراف على أعماله وراحته، فتحوّل إلى مـثـلي سعيد! طبعا لا توجد وثائق تؤكد ذلك، ولا أخرى تؤكد غير ذلك، لكن الفيلم يبني صرحه على ما يطرحه موديا بالهالة التي أحاطت بأيزنشتاين كفنان ثوري إلى ركن وضيع. غريناواي ينجز ما ينجزه عادة من طريقة عمل فنية تستعير أشكالا تعبيرية مختلفة.
في المقابل يمتطي فيلم رادو جود «أفريم»، المقدّم تحت 3 رايات؛ رومانيا وبلغاريا وجمهورية تشيك، ظهر حكاية تدور رحاها سنة 1835 عندما كان مشاعا في ذلك الحين، وعلى ذمّـة الفيلم، اعتبار الغجر عبيدا محكومين بقوانين استبدادية قاسية. بطلا الفيلم هما الضابط كونستانتين وابنه اللذان يمتطيان حصانيهما ذات صباح لمطاردة غجري هارب ومتـهم بأنه أقام علاقة مع زوجة سيده. الفيلم هو تلك الرحلة من مطلعه إلى نهايته الوخيمة. حصانان يجتازان البراري والغابات والوديان والثلوج فوق الجبال ليقبضا على الغجري الهارب، ويعودان به إلى ذلك السيد الذي يصر على اجتثاث فحولة الغجري رغم اعتراف زوجته بأنها هي التي غررت به.

* فيلمان متباعدان
هل يمكن اعتبار كثرة الأعمال التي تتناول فترات تاريخية سابقة هروبا من الحاضر ومشاكله وهمومه؟
في السنوات الماضية تكاثرت الأفلام التي تطرّقت، خلال عرضها على شاشات «برلين»، كما سواه، إلى الشؤون السياسية والاجتماعية الحاضرة من الحرب في أفغانستان إلى الحرب العراقية ومن الإسلاموفوبيا إلى الأوضاع الاقتصادية في أوروبا اليوم والبطالة أو انتشار المافيات الأوروبية وسواها من المواضيع. هذا من دون أن تكف السينما عن التطرق إلى مراحل الأمس وحروبه، مثل تلك الأفلام التي طرحت الحرب البوسنية - الصربية أكثر من مرة.
الحاصل هو أن إجماعا مفاجئا على الالتفات إلى عصور سابقة وإلى سير حياة آنفة ساد الاختيارات هذه السنة. بعض هذه الاختيارات من إخراج سينمائيين مرموقين (الفرنسي بونوا جاكو، الألماني فرنر هرتزوغ، البريطاني بيتر غريناواي.. إلخ)، وبعضها الآخر لمخرجين لم يحققوا بعد المكانة ذاتها، لكن الفريقين يعكسان قدرا من الرغبة في تصوير الأمس إما من حيث إنه تمهيد لما هو الحال عليه اليوم (كما هو وضع فيلم «النادي» للأرجنتيني بابلو لوران، الذي هو أحد أفضل ما تم عرضه هنا) أو من حيث حصر الوضع بتلك الفترة («أفريم») أو سعيا لرابط ثري بين الأمس واليوم (كحال «ملكة الصحراء»).
الأفلام التي اكتفت بالدوران في عالم اليوم بدأت بفيلم «تاكسي» لجعفر باناهي، وشملت فيلم «فارس الكؤوس» للأميركي ترنس مالك، والفارق بين الاثنين شاسع على كل صعيد. الأول فيلم لمخرج يعمل تحت حكم جائر حرمه من العمل، والثاني فيلم يتمتع صاحبه بكل مقوّمات الحرية الفنية والإنتاجية الممكنة. «تاكسي» يدور غالبا في تلك السيارة ومن دون أي لمعات فنية أنجزها باناهي سابقا، و«فارس الكؤوس» هو رسم بالريشة وسباحة في فضاء الحرية وسبر غور الإنسان وبحثه عن ذاته في عالم يفتقر الأخلاقيات والروحانيات. في المقام الأول: «تاكسي» هو عنوان قلة الحيلة التي تؤدي إلى لا إنجاز، والثاني عنوان لما تستطيع السينما أن تحققه عندما يتولى المخرج تقرير مصير عمله بنفسه وبلا عوائق.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».