سامية صُلُحو حسن... سياسية «محنكة» تقود معركة توحيد تنزانيا

زعيمة قوية وهادئة وخبيرة متمرّسة

سامية صُلُحو حسن... سياسية «محنكة» تقود معركة توحيد تنزانيا
TT

سامية صُلُحو حسن... سياسية «محنكة» تقود معركة توحيد تنزانيا

سامية صُلُحو حسن... سياسية «محنكة» تقود معركة توحيد تنزانيا

«من الممكن جداً أن تتولى امرأة إدارة هذه البلاد، فلمَ لا؟! وقد نجح ذلك في أماكن أخرى. إذا كان بمقدور امرأة مثلي أن تتولى منصب نائب الرئيس، فما الذي يمنع غيري من تولي منصب الرئيس»، كلمات قالتها سامية صُلُحو حسن، الرئيسة الجديدة لتنزانيا، في حوارها بداية العام الماضي مع محطة الإذاعة الرسمية التنزانية تعليقاً على إمكانية تولي النساء رئاسة الجمهورية، إلا أن حسن التي كانت تتكلّم بشكل عام عن الموضوع، وترى أن بإمكان غيرها من النساء الوصول لمقعد الرئاسة، فوجئت بأن الأقدار تدفعها دفعاً نحو أعلى منصب في كبرى دول شرق أفريقيا من حيث عدد السكان، لتؤدي اليمين الدستورية رئيسةً لدولة تنزانيا، وتكتب تاريخاً جديداً لها ولبلادها أول امرأة مسلمة تجلس على مقعد الرئاسة فيها وفي أفريقيا.
جاء تولي حسن رئاسة الجمهورية في تنزانيا خلفاً للرئيس جون ماغافولي، الذي وافته المنية بعد عامه الأول في فترة ولايته الثانية. ولقد خلفته سامية حسن، التي كانت حتى وفاته تشغل منصب نائب الرئيس، بموجب الدستور التنزاني الذي ينصّ على تولّي النائب مهام الرئيس إذا ما حالت ظروف صحية أو الوفاة دون استكمال مدة ولايته.

أداء سامية صُلُحو حسن اليمين الدستورية جاء بعد يومين من وفاة الرئيس جون ماغوفولي متأثراً - كما هو مرجّح - بإصابته بفيروس «كوفيد 19». وفي ظل هذه الظروف الاستثنائية لم يترافق تولّيها المنصب مع الأجواء الاحتفالية المعتادة في هذه الحالات؛ بل صاحبته حالة حداد على موت الرئيس، واقتصرت المراسم الاحتفالية على إطلاق المدفعية 21 طلقة تحية للقائدة الجديدة للقوات المسلحة.
كذلك كان هناك استعراض فاتر لحرس الشرف، نكّست خلاله الأعلام حداداً على الرئيس الراحل. ولقد وصفت حسن ذلك اليوم بقولها في أسى ظاهر بأنه «يوم صعب في حياتها السياسية». وأردفت: «أؤدي اليوم يميناً دستورية مختلفة عما اعتدت على تأديته في حياتي، وفي ظروف مختلفة يغلفها الحداد وليس الفرح والبهجة. غير أن ماغوفولي الذي كان يحب تعليمي أعدني للمهمة، ولتوحيد البلاد».
- «نادي» الرئيسات الأفريقيات
ستمضي سامية حسن، التي كانت قد انتخبت نائبة لماغوفولي عام 2015، وأعيد انتخابها مرة أخرى العام الماضي، ما تبقى من السنوات الخمس لولاية الرئيس الراحل، وبذلك تنضم إلى القائمة القصيرة للقيادات النسائية في القارة السمراء، وإن كانت تعد حالياً الزعيمة السياسية «التنفيذية» الوحيدة في أفريقيا، باعتبار أن دور رئيسة جمهورية إثيوبيا «بروتوكولي» إلى حد ما.
وستبدأ حسن مهامها رئيسة لتنزانيا، في ظل استمرار جائحة «كوفيد 19» التي طالما أنكرها سلفها ماغوفولي، ويُعتقد على نطاق واسع أنها كانت سبباً في وفاته، إذ اختفى نحو أسبوعين قبل الوفاة... لكن الحكومة التنزانية أعلنت أنه توفي بأزمة قلبية. ويبدو أن اللغط بشأن سبب وفاة الرئيس التنزاني السابق وطريقة تعامله مع «كوفيد 19» هما ما دفعا الرئيسة الجديدة إلى التأكيد في خطاب تنصيبها على الوحدة. وقولها صراحةً: «هذا وقت دفن خلافاتنا، لنكون دولة واحدة، هذا ليس وقت توجيه أصابع الاتهام؛ بل وقت أن يتشبث بعضنا بأيدي البعض، والمضي قدماً».
وهنا يرى مراقبون أن تنزانيا قد تتبع سياسة مختلفة في التعامل مع الجائحة خلال الفترة المقبلة، وبالأخص، في ضوء خطاب التهنئة الذي أرسله الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، رئيس منظمة الصحة العالمية، إلى الرئيسة التنزانية الجديدة. ولقد أعرب غيبريسوس في خطابه عن أمله في «العمل معها للحفاظ على سلامة الناس من (كوفيد 19) وإنهاء الجائحة، والوصول إلى تنزانيا أكثر صحة».
- ابنة زنجبار
ولدت حسن الملقبة بـ«ماما سامية» في جزيرة صغيرة تابعة لزنجبار، يوم 27 يناير (كانون الثاني) عام 1960. ولقد باتت بذلك الرئيسة الأولى لتنزانيا من هذا الأرخبيل المسلم المواجهة لشواطئ تنجانيقا، حيث ولدت تنزانيا من اتحادهما. ومن ثم، درست في مدارس محلية بزنجبار، وكانت من بين عدد قليل من الفتيات اللواتي حصلن على التعليم خلال تلك الفترة، في مواجهة السياق التقليدي للمرأة ربة منزل وزوجة.
تابعت سامية حسن تعليمها في عدة بلدان. إذ إنها التحقت عام 1986 بجامعة مزومبي التنزانية حيث درست إدارة التنمية، ثم أكملت تخصصها المتقدم في الإدارة العامة. وبعد ذلك التحقت بالمعهد الوطني للإدارة العامة في مدينة لاهور بباكستان، قبل أن تستكمل دراستها بمعهد الإدارة للقادة، في حيدر آباد في الهند، في 1991. ثم بين 1992 و1994 استكملت دراستها في جامعة مانشستر البريطانية حيث حصلت على دبلوم الدراسات العليا في الاقتصاد. فيما بعد خلال عامي 2004 و2005 نالت درجة الماجستير في التنمية الاقتصادية المجتمعية من خلال برنامج مشترك بين جامعة تنزانيا المفتوحة وجامعة جنوب نيو هامبشاير بالولايات المتحدة الأميركية.
- حياتها العائلية
عام 1978، أي عندما كانت حسن في الثامنة عشرة من عمرها، تزوّجت من رجل أكاديمي يعمل في مجال الزراعة اسمه حافظ أمير، وأنجبت منه 4 أطفال، 3 أولاد وبنتاً، من بينهم موانو حافظ أمير، عضو مجلس النواب في زنجبار. وحرصت طوال عملها الاجتماعي والسياسي على أن تظل عائلتها، وبالأخص زوجها، في منأى عن الأضواء، حتى إنها لم تلتقط صورة لها مع زوجها منذ توليها منصب نائب الرئيس، وإن كان زوجها يُقدم في بعض الفعاليات المحلية في زنجبار باعتباره زوج نائبة الرئيس. وهو على حد وصف المقربين من الأسرة رجل متدين وهادئ.
من جهة أخرى، كان العمل السياسي سبباً في بُعد سامية حسن عن المهام المنزلية التقليدية. وفي حوار لها قبل سنة أجرته معها «هيئة الإذاعة البريطانية» (بي بي سي) قالت إن «مهامها الرسمية تحرمها من دخول المطبخ، رغم أن هوايتها المفضلة في وقت الفراغ هي الطبخ».
- امرأة قوية وهادئة
عارفو الرئيسة التنزانية الجديدة يشيرون إلى نشاطها في مجال العمل الاجتماعي، وإلى أنها لم تقتحم المجال السياسي سوى في سن الأربعين عندما تولّت لأول مرة منصباً سياسياً، نائبةً برلمانيةً في مجلس النواب بزنجبار عام 2000. وفي حينه، عيّنها الزعيم الزنجباري أماني كرومي وزيرة في مجلس وزراء زنجبار، وكانت المرأة الوحيدة في الحكومة.
بعد ذلك، عام 2010 انتخبت نائبة في البرلمان التنزاني. وأخذ نجمها يلمع في الفضاء السياسي عام 2014 عندما عُيّنت وزيرة دولة لشؤون الاتحاد، كما تولت منصب نائبة رئيس الجمعية التأسيسية لصياغة دستور جديد للبلاد. وفي هذا الموقع بالذات ظهرت قدراتها في إدارة الحوارات والخلافات «بهدوء وحكمة»، على حد وصف المقربين منها. والواقع أنها عادةً ما توصف بـ«الشخصية المتأنية الهادئة والمستمعة الجيدة». وينقل عن أحد أعضاء البرلمان التنزاني واسمه جانيواري ماكمبا قوله إن «حسن زعيمة قديرة، لم تمنحها السياسة بعد القَدر الذي تستحقه».
- الطريق إلى القمة
في عام 2015، اختارها ماغوفولي في منصب نائب الرئيس، وجاء اختياراً مفاجئاً في حينه، إذ تخطّت كثيرين من الساسة البارزين في حزب تشاما تشا ما بيندوزي (سي سي إم)، الذي سيطر على الحكم في البلاد منذ الاستقلال عام 1961. وغدت بذلك ثاني امرأة تتولى منصب نائب الرئيس في منطقة شرق أفريقيا بعد نائبة رئيس أوغندا سبيسوزا وانديرا كايزيبوي خلال الفترة من 1994 حتى عام 2003.
من ناحية ثانية، فإن سامية حسن باتت الرئيس السادس لتنزانيا، بعد جون ماغوفولي الذي حكم تنزانيا من 2015 حتى 2021، وجاكايا كيكتيني من 2005 حتى 2015، وبنيامين مكابا من 1995 حتى 2005، وعلي حسن مويني من 1985 حتى 1995، والرئيس والزعيم الاستقلالي البارز جوليو نيريري 1962 – 1985.
وتجدر الإشارة إلى أن تنزانيا، التي يربو عدد سكانها على 56 مليون نسمة، تقع وسط شرق أفريقيا، وتحدها كينيا وأوغندا من الشمال، وراوندا وبوروندي والكونغو الديمقراطية من الغرب، وزامبيا وملاوي وموزمبيق من الجنوب، والمحيط الهندي على الحدود الشرقية. وهي تتكون من 26 منطقة، وكانت مدينة دار السلام، كبرى مدنها وقاعدتها الاقتصادية وميناءها الرئيس، وهي العاصمة الرسمية لها بعد الاستقلال عام 1961، بيد أن مقر الحكومة ومكاتبها ومقر البرلمان نُقلوا إلى العاصمة الجديدة إلى مدينة دودوما في وسط البلاد عام 1996.
على صعيد آخر، كون سامية حسن امرأة مسلمة من إقليم زنجبار، يضيف بُعداً جديداً وتوقعات أكثر عن الطريقة التي ستدير بها البلاد، خاصة أن الإسلام هو الديانة الثانية في تنزانيا بعد المسيحية؛ لكنه أيضاً قد يضيف عليها أعباء في الحصول على دعم حزب «سي سي إم» الحاكم، كونها امرأة مسلمة، وهو ما يتوقع أن يكون له دور أيضاً في صياغة فترة ولاية حسن، التي تضع قضية الوحدة على رأس أولوياتها.
ويعتقد مراقبون أن فترة ولاية حسن ستكون مختلفة عن سلفها، فهي شخصية دبلوماسية، متسامحة معروفة بين زملائها بحسن إدارتها للصراعات والخلافات، وبقدراتها التفاوضية، وبروحها المرحة، حتى إنها علقت على ذلك من قبل في أحد حواراتها. وعن هذا الأمر، قالت ذات يوم: «بعض الناس تعتبر طريقتي الهادئة في الكلام دليلاً على الضعف، لكن جعل الناس يفهمونك لا يتطلب الصراخ بصوت عالٍ، فأنا قادرة على إيصال رسالتي بهذه الطريقة لسنوات والناس تفهمني».
- خبيرة متمرسة
وفي سياق متصل، تواجه حسن قضايا جدلية في الحكم إلى جانب قضية جائحة «كوفيد 19»، مثل تلك المتعلقة بقرار ماغوفولي منع الفتيات الحوامل من الذهاب للمدرسة، وتشجيع النساء على وقف تعاطي حبوب منع الحمل، وقضايا أخرى متعلقة بحقوق الإنسان. ومن غير الواضح حتى الآن ما إذا كانت حسن ستستمر على السياسة ذاتها أم لا، ولا سيما، أن سلفها ماغوفولي المُلقّب بـ«البُلدوزر» كانت له مواقف حاسمة من قضايا متعددة، على رأسها الفساد. ولكن يُحسب عليه في المقابل، قمعه للحريات العامة، بما في ذلك إغلاق وسائل إعلام وتعليقها، وحظر التجمعات وفرض قيود على الإنترنت.
وربما يكون الفقر إحدى القضايا الرئيسية على أجندة الرئيسة الجديدة لتنزانيا، فرغم أن تنزانيا لم تعانِ اضطرابات سياسية كغيرها من الدول الأفريقية، فإنها تواجه كغيرها من دول القارة مشكلات متعلقة بالفقر، الذي يزداد انتشاره في المناطق الريفية حيث يعيش أكثر من 80 في المائة من السكان البالغ عددهم أكثر من 56 مليون نسمة، وفقاً لتقديرات عام 2018. كذلك، يعيش نحو 70 في المائة من التنزانيين بأقل من دولارين في اليوم، وفقاً للصندوق الدولي للتنمية الزراعية «إيفاد»، وتساهم الزراعة بنحو ربع الناتج المحلي الإجمالي، وتتصدر السياحة مصادر النقد الأجنبي.
مع هذا، البعض يرى أن لحسن نهجها السياسي الخاص. وهي إبان فترة توليها منصب نائب الرئيس اتخذت مواقف بدت مغايرة لموقف الحكومة والحزب الحاكم، كان من أشهرها ما حدث عام 2017. عندما زارت زعيم المعارضة توندو ليسو في مستشفاه بالعاصمة الكينية نيروبي، بعد تعرّضه لمحاولة اغتيال، كان يعتقد أن لقوات الدولة دوراً فيها. واحتلت صورة اللقاء بين ليسو وحسن العناوين الرئيسية في الصحف يومذاك، وتسببت في حالة من الارتباك داخل حزب «سي سي إم».
أيضاً، قد ينعكس مظهر حسن، على طريقة تصوّر الناس لطريقة حكمها واقتحامها الحياة السياسية بتقلباتها المتعددة، وبخاصة، أنها تتولى المنصب بعد فترة حكم غيرت كثيراً من معالم البلاد السياسية والاقتصادية. وهي تبدو للوهلة الأولى في صورة الأم القوية، الواثقة من نفسها، ويبرز حجابها متعدد الألوان مدى تموّج الحياة السياسية وتعدد ألوانها.
ومعلومٌ أن حسن أن ترفض أن تُصنَّف أو تُنمَّط كامرأة على أساس جندري اجتماعي، فهي خبيرة متمرسة في العمل السياسي، على مدار أكثر من 20 سنة، ومعروفة جيداً داخل تنزانيا، وإن كانت شهرتها لم تتخطَ حدود بلادها في السنوات الماضية. ولكن في مطلق الأحوال، تظل سامية حسن ممثلة لحزب سياسي يحكم البلاد منذ سنوات. وبالتالي، لا يتوقع منها أن تنقلب على حزبها وتُحدِث تغييرات جوهرية في سياسة الحكم، إضافة إلى أنها كانت نائبة للرئيس منذ أكثر من 5 سنوات... ما يعني أنها كانت مشرفة ومشاركة في كثير من السياسات التي اتخذت خلال تلك الفترة. بمعنى آخر، فهي ليست غريبة على ساحة السياسة والحكم في تنزانيا، وإن رغب كثيرون في رصد كيف ستكون فترة حكم أول امرأة مسلمة ومحجبة لجمهورية تنزانيا.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: العنف ضد النساء يمثل حالة طوارئ عالمية

العالم فتيات من مجتمع الدينكا يتجمعن تحت ظل شجرة في موقع لتجمّع النازحين بالقرب من مينغكامان في جنوب السودان... 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

الأمم المتحدة: العنف ضد النساء يمثل حالة طوارئ عالمية

ندَّد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، الجمعة، بازدياد التهديدات لحقوق المرأة في أنحاء العالم.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
آسيا كوريا الجنوبية تُعد من الدول ذات أدنى معدلات المواليد في العالم (رويترز)

طرد مسؤول كوري جنوبي لاقتراحه «استيراد نساء» لزيادة المواليد

طُرد مسؤول كوري جنوبي من حزبه السياسي، عقب اقتراحه «استيراد» نساء من فيتنام وسريلانكا بهدف رفع معدل المواليد المتراجع في البلاد.

«الشرق الأوسط» (سيول)
يوميات الشرق من كليوباترا إلى كوكو شانيل... «إنفلوينسر» و«فاشونيستا» من زمنٍ آخر

من كليوباترا إلى كوكو شانيل... «إنفلوينسر» و«فاشونيستا» من زمنٍ آخر

في زمن المؤثّرات، والمؤثّرين، تضجّ وسائل التواصل الاجتماعي بوجوه وأسماء توجّه الذوق العام. لكن من هنّ أولى المؤثّرات في التاريخ؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكشف المبكر لسرطان الثدي يساعد على تحسين نتائج العلاج (جامعة فلوريدا)

علاج للهبّات الساخنة يبطئ تقدم سرطان الثدي

أظهرت دراسة بريطانية أن إضافة دواء يُستخدم في علاج الهبّات الساخنة لدى مريضات سرطان الثدي إلى خطة علاج سرطان الثدي يمكن أن يكون له تأثير مزدوج.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق الممثلة ماريا الدويهي والكاتب والمخرج المسرحي يحيى جابر (صور الدويهي)

ماريا الدويهي... سعيدة بتسلُّق «القرنة البيضا» مع يحيى جابر

لدى يحيى جابر تقليد غير تقليدي. قبل العروض العامة لمسرحياته يفتح بيته لعروض خاصة يجسّ بها نبض الحضور. والدعوة الجديدة إلى «القرنة البيضا» ونجمتها ماريا الدويهي.

كريستين حبيب (بيروت)

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.