سامية صُلُحو حسن... سياسية «محنكة» تقود معركة توحيد تنزانيا

زعيمة قوية وهادئة وخبيرة متمرّسة

سامية صُلُحو حسن... سياسية «محنكة» تقود معركة توحيد تنزانيا
TT

سامية صُلُحو حسن... سياسية «محنكة» تقود معركة توحيد تنزانيا

سامية صُلُحو حسن... سياسية «محنكة» تقود معركة توحيد تنزانيا

«من الممكن جداً أن تتولى امرأة إدارة هذه البلاد، فلمَ لا؟! وقد نجح ذلك في أماكن أخرى. إذا كان بمقدور امرأة مثلي أن تتولى منصب نائب الرئيس، فما الذي يمنع غيري من تولي منصب الرئيس»، كلمات قالتها سامية صُلُحو حسن، الرئيسة الجديدة لتنزانيا، في حوارها بداية العام الماضي مع محطة الإذاعة الرسمية التنزانية تعليقاً على إمكانية تولي النساء رئاسة الجمهورية، إلا أن حسن التي كانت تتكلّم بشكل عام عن الموضوع، وترى أن بإمكان غيرها من النساء الوصول لمقعد الرئاسة، فوجئت بأن الأقدار تدفعها دفعاً نحو أعلى منصب في كبرى دول شرق أفريقيا من حيث عدد السكان، لتؤدي اليمين الدستورية رئيسةً لدولة تنزانيا، وتكتب تاريخاً جديداً لها ولبلادها أول امرأة مسلمة تجلس على مقعد الرئاسة فيها وفي أفريقيا.
جاء تولي حسن رئاسة الجمهورية في تنزانيا خلفاً للرئيس جون ماغافولي، الذي وافته المنية بعد عامه الأول في فترة ولايته الثانية. ولقد خلفته سامية حسن، التي كانت حتى وفاته تشغل منصب نائب الرئيس، بموجب الدستور التنزاني الذي ينصّ على تولّي النائب مهام الرئيس إذا ما حالت ظروف صحية أو الوفاة دون استكمال مدة ولايته.

أداء سامية صُلُحو حسن اليمين الدستورية جاء بعد يومين من وفاة الرئيس جون ماغوفولي متأثراً - كما هو مرجّح - بإصابته بفيروس «كوفيد 19». وفي ظل هذه الظروف الاستثنائية لم يترافق تولّيها المنصب مع الأجواء الاحتفالية المعتادة في هذه الحالات؛ بل صاحبته حالة حداد على موت الرئيس، واقتصرت المراسم الاحتفالية على إطلاق المدفعية 21 طلقة تحية للقائدة الجديدة للقوات المسلحة.
كذلك كان هناك استعراض فاتر لحرس الشرف، نكّست خلاله الأعلام حداداً على الرئيس الراحل. ولقد وصفت حسن ذلك اليوم بقولها في أسى ظاهر بأنه «يوم صعب في حياتها السياسية». وأردفت: «أؤدي اليوم يميناً دستورية مختلفة عما اعتدت على تأديته في حياتي، وفي ظروف مختلفة يغلفها الحداد وليس الفرح والبهجة. غير أن ماغوفولي الذي كان يحب تعليمي أعدني للمهمة، ولتوحيد البلاد».
- «نادي» الرئيسات الأفريقيات
ستمضي سامية حسن، التي كانت قد انتخبت نائبة لماغوفولي عام 2015، وأعيد انتخابها مرة أخرى العام الماضي، ما تبقى من السنوات الخمس لولاية الرئيس الراحل، وبذلك تنضم إلى القائمة القصيرة للقيادات النسائية في القارة السمراء، وإن كانت تعد حالياً الزعيمة السياسية «التنفيذية» الوحيدة في أفريقيا، باعتبار أن دور رئيسة جمهورية إثيوبيا «بروتوكولي» إلى حد ما.
وستبدأ حسن مهامها رئيسة لتنزانيا، في ظل استمرار جائحة «كوفيد 19» التي طالما أنكرها سلفها ماغوفولي، ويُعتقد على نطاق واسع أنها كانت سبباً في وفاته، إذ اختفى نحو أسبوعين قبل الوفاة... لكن الحكومة التنزانية أعلنت أنه توفي بأزمة قلبية. ويبدو أن اللغط بشأن سبب وفاة الرئيس التنزاني السابق وطريقة تعامله مع «كوفيد 19» هما ما دفعا الرئيسة الجديدة إلى التأكيد في خطاب تنصيبها على الوحدة. وقولها صراحةً: «هذا وقت دفن خلافاتنا، لنكون دولة واحدة، هذا ليس وقت توجيه أصابع الاتهام؛ بل وقت أن يتشبث بعضنا بأيدي البعض، والمضي قدماً».
وهنا يرى مراقبون أن تنزانيا قد تتبع سياسة مختلفة في التعامل مع الجائحة خلال الفترة المقبلة، وبالأخص، في ضوء خطاب التهنئة الذي أرسله الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، رئيس منظمة الصحة العالمية، إلى الرئيسة التنزانية الجديدة. ولقد أعرب غيبريسوس في خطابه عن أمله في «العمل معها للحفاظ على سلامة الناس من (كوفيد 19) وإنهاء الجائحة، والوصول إلى تنزانيا أكثر صحة».
- ابنة زنجبار
ولدت حسن الملقبة بـ«ماما سامية» في جزيرة صغيرة تابعة لزنجبار، يوم 27 يناير (كانون الثاني) عام 1960. ولقد باتت بذلك الرئيسة الأولى لتنزانيا من هذا الأرخبيل المسلم المواجهة لشواطئ تنجانيقا، حيث ولدت تنزانيا من اتحادهما. ومن ثم، درست في مدارس محلية بزنجبار، وكانت من بين عدد قليل من الفتيات اللواتي حصلن على التعليم خلال تلك الفترة، في مواجهة السياق التقليدي للمرأة ربة منزل وزوجة.
تابعت سامية حسن تعليمها في عدة بلدان. إذ إنها التحقت عام 1986 بجامعة مزومبي التنزانية حيث درست إدارة التنمية، ثم أكملت تخصصها المتقدم في الإدارة العامة. وبعد ذلك التحقت بالمعهد الوطني للإدارة العامة في مدينة لاهور بباكستان، قبل أن تستكمل دراستها بمعهد الإدارة للقادة، في حيدر آباد في الهند، في 1991. ثم بين 1992 و1994 استكملت دراستها في جامعة مانشستر البريطانية حيث حصلت على دبلوم الدراسات العليا في الاقتصاد. فيما بعد خلال عامي 2004 و2005 نالت درجة الماجستير في التنمية الاقتصادية المجتمعية من خلال برنامج مشترك بين جامعة تنزانيا المفتوحة وجامعة جنوب نيو هامبشاير بالولايات المتحدة الأميركية.
- حياتها العائلية
عام 1978، أي عندما كانت حسن في الثامنة عشرة من عمرها، تزوّجت من رجل أكاديمي يعمل في مجال الزراعة اسمه حافظ أمير، وأنجبت منه 4 أطفال، 3 أولاد وبنتاً، من بينهم موانو حافظ أمير، عضو مجلس النواب في زنجبار. وحرصت طوال عملها الاجتماعي والسياسي على أن تظل عائلتها، وبالأخص زوجها، في منأى عن الأضواء، حتى إنها لم تلتقط صورة لها مع زوجها منذ توليها منصب نائب الرئيس، وإن كان زوجها يُقدم في بعض الفعاليات المحلية في زنجبار باعتباره زوج نائبة الرئيس. وهو على حد وصف المقربين من الأسرة رجل متدين وهادئ.
من جهة أخرى، كان العمل السياسي سبباً في بُعد سامية حسن عن المهام المنزلية التقليدية. وفي حوار لها قبل سنة أجرته معها «هيئة الإذاعة البريطانية» (بي بي سي) قالت إن «مهامها الرسمية تحرمها من دخول المطبخ، رغم أن هوايتها المفضلة في وقت الفراغ هي الطبخ».
- امرأة قوية وهادئة
عارفو الرئيسة التنزانية الجديدة يشيرون إلى نشاطها في مجال العمل الاجتماعي، وإلى أنها لم تقتحم المجال السياسي سوى في سن الأربعين عندما تولّت لأول مرة منصباً سياسياً، نائبةً برلمانيةً في مجلس النواب بزنجبار عام 2000. وفي حينه، عيّنها الزعيم الزنجباري أماني كرومي وزيرة في مجلس وزراء زنجبار، وكانت المرأة الوحيدة في الحكومة.
بعد ذلك، عام 2010 انتخبت نائبة في البرلمان التنزاني. وأخذ نجمها يلمع في الفضاء السياسي عام 2014 عندما عُيّنت وزيرة دولة لشؤون الاتحاد، كما تولت منصب نائبة رئيس الجمعية التأسيسية لصياغة دستور جديد للبلاد. وفي هذا الموقع بالذات ظهرت قدراتها في إدارة الحوارات والخلافات «بهدوء وحكمة»، على حد وصف المقربين منها. والواقع أنها عادةً ما توصف بـ«الشخصية المتأنية الهادئة والمستمعة الجيدة». وينقل عن أحد أعضاء البرلمان التنزاني واسمه جانيواري ماكمبا قوله إن «حسن زعيمة قديرة، لم تمنحها السياسة بعد القَدر الذي تستحقه».
- الطريق إلى القمة
في عام 2015، اختارها ماغوفولي في منصب نائب الرئيس، وجاء اختياراً مفاجئاً في حينه، إذ تخطّت كثيرين من الساسة البارزين في حزب تشاما تشا ما بيندوزي (سي سي إم)، الذي سيطر على الحكم في البلاد منذ الاستقلال عام 1961. وغدت بذلك ثاني امرأة تتولى منصب نائب الرئيس في منطقة شرق أفريقيا بعد نائبة رئيس أوغندا سبيسوزا وانديرا كايزيبوي خلال الفترة من 1994 حتى عام 2003.
من ناحية ثانية، فإن سامية حسن باتت الرئيس السادس لتنزانيا، بعد جون ماغوفولي الذي حكم تنزانيا من 2015 حتى 2021، وجاكايا كيكتيني من 2005 حتى 2015، وبنيامين مكابا من 1995 حتى 2005، وعلي حسن مويني من 1985 حتى 1995، والرئيس والزعيم الاستقلالي البارز جوليو نيريري 1962 – 1985.
وتجدر الإشارة إلى أن تنزانيا، التي يربو عدد سكانها على 56 مليون نسمة، تقع وسط شرق أفريقيا، وتحدها كينيا وأوغندا من الشمال، وراوندا وبوروندي والكونغو الديمقراطية من الغرب، وزامبيا وملاوي وموزمبيق من الجنوب، والمحيط الهندي على الحدود الشرقية. وهي تتكون من 26 منطقة، وكانت مدينة دار السلام، كبرى مدنها وقاعدتها الاقتصادية وميناءها الرئيس، وهي العاصمة الرسمية لها بعد الاستقلال عام 1961، بيد أن مقر الحكومة ومكاتبها ومقر البرلمان نُقلوا إلى العاصمة الجديدة إلى مدينة دودوما في وسط البلاد عام 1996.
على صعيد آخر، كون سامية حسن امرأة مسلمة من إقليم زنجبار، يضيف بُعداً جديداً وتوقعات أكثر عن الطريقة التي ستدير بها البلاد، خاصة أن الإسلام هو الديانة الثانية في تنزانيا بعد المسيحية؛ لكنه أيضاً قد يضيف عليها أعباء في الحصول على دعم حزب «سي سي إم» الحاكم، كونها امرأة مسلمة، وهو ما يتوقع أن يكون له دور أيضاً في صياغة فترة ولاية حسن، التي تضع قضية الوحدة على رأس أولوياتها.
ويعتقد مراقبون أن فترة ولاية حسن ستكون مختلفة عن سلفها، فهي شخصية دبلوماسية، متسامحة معروفة بين زملائها بحسن إدارتها للصراعات والخلافات، وبقدراتها التفاوضية، وبروحها المرحة، حتى إنها علقت على ذلك من قبل في أحد حواراتها. وعن هذا الأمر، قالت ذات يوم: «بعض الناس تعتبر طريقتي الهادئة في الكلام دليلاً على الضعف، لكن جعل الناس يفهمونك لا يتطلب الصراخ بصوت عالٍ، فأنا قادرة على إيصال رسالتي بهذه الطريقة لسنوات والناس تفهمني».
- خبيرة متمرسة
وفي سياق متصل، تواجه حسن قضايا جدلية في الحكم إلى جانب قضية جائحة «كوفيد 19»، مثل تلك المتعلقة بقرار ماغوفولي منع الفتيات الحوامل من الذهاب للمدرسة، وتشجيع النساء على وقف تعاطي حبوب منع الحمل، وقضايا أخرى متعلقة بحقوق الإنسان. ومن غير الواضح حتى الآن ما إذا كانت حسن ستستمر على السياسة ذاتها أم لا، ولا سيما، أن سلفها ماغوفولي المُلقّب بـ«البُلدوزر» كانت له مواقف حاسمة من قضايا متعددة، على رأسها الفساد. ولكن يُحسب عليه في المقابل، قمعه للحريات العامة، بما في ذلك إغلاق وسائل إعلام وتعليقها، وحظر التجمعات وفرض قيود على الإنترنت.
وربما يكون الفقر إحدى القضايا الرئيسية على أجندة الرئيسة الجديدة لتنزانيا، فرغم أن تنزانيا لم تعانِ اضطرابات سياسية كغيرها من الدول الأفريقية، فإنها تواجه كغيرها من دول القارة مشكلات متعلقة بالفقر، الذي يزداد انتشاره في المناطق الريفية حيث يعيش أكثر من 80 في المائة من السكان البالغ عددهم أكثر من 56 مليون نسمة، وفقاً لتقديرات عام 2018. كذلك، يعيش نحو 70 في المائة من التنزانيين بأقل من دولارين في اليوم، وفقاً للصندوق الدولي للتنمية الزراعية «إيفاد»، وتساهم الزراعة بنحو ربع الناتج المحلي الإجمالي، وتتصدر السياحة مصادر النقد الأجنبي.
مع هذا، البعض يرى أن لحسن نهجها السياسي الخاص. وهي إبان فترة توليها منصب نائب الرئيس اتخذت مواقف بدت مغايرة لموقف الحكومة والحزب الحاكم، كان من أشهرها ما حدث عام 2017. عندما زارت زعيم المعارضة توندو ليسو في مستشفاه بالعاصمة الكينية نيروبي، بعد تعرّضه لمحاولة اغتيال، كان يعتقد أن لقوات الدولة دوراً فيها. واحتلت صورة اللقاء بين ليسو وحسن العناوين الرئيسية في الصحف يومذاك، وتسببت في حالة من الارتباك داخل حزب «سي سي إم».
أيضاً، قد ينعكس مظهر حسن، على طريقة تصوّر الناس لطريقة حكمها واقتحامها الحياة السياسية بتقلباتها المتعددة، وبخاصة، أنها تتولى المنصب بعد فترة حكم غيرت كثيراً من معالم البلاد السياسية والاقتصادية. وهي تبدو للوهلة الأولى في صورة الأم القوية، الواثقة من نفسها، ويبرز حجابها متعدد الألوان مدى تموّج الحياة السياسية وتعدد ألوانها.
ومعلومٌ أن حسن أن ترفض أن تُصنَّف أو تُنمَّط كامرأة على أساس جندري اجتماعي، فهي خبيرة متمرسة في العمل السياسي، على مدار أكثر من 20 سنة، ومعروفة جيداً داخل تنزانيا، وإن كانت شهرتها لم تتخطَ حدود بلادها في السنوات الماضية. ولكن في مطلق الأحوال، تظل سامية حسن ممثلة لحزب سياسي يحكم البلاد منذ سنوات. وبالتالي، لا يتوقع منها أن تنقلب على حزبها وتُحدِث تغييرات جوهرية في سياسة الحكم، إضافة إلى أنها كانت نائبة للرئيس منذ أكثر من 5 سنوات... ما يعني أنها كانت مشرفة ومشاركة في كثير من السياسات التي اتخذت خلال تلك الفترة. بمعنى آخر، فهي ليست غريبة على ساحة السياسة والحكم في تنزانيا، وإن رغب كثيرون في رصد كيف ستكون فترة حكم أول امرأة مسلمة ومحجبة لجمهورية تنزانيا.


مقالات ذات صلة

ترمب يوقع أمراً تنفيذياً يهدف إلى تعزيز أبحاث صحة المرأة

أوروبا الرئيس الأميركي ‌دونالد ترمب (أ.ب)

ترمب يوقع أمراً تنفيذياً يهدف إلى تعزيز أبحاث صحة المرأة

أكد البيت الأبيض اليوم الاثنين أن الرئيس دونالد ترمب يستعد لتوقيع أمر تنفيذي يهدف إلى تعزيز الأبحاث الفيدرالية المتعلقة بصحة المرأة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا صورة العاهل المغربي الملك محمد السادس بمعية الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري (وكالة المغرب العربي للأنباء)

النساء والذكاء الاصطناعي يقودان التشكيل الحكومي الجديد بالمغرب

حكومة المغرب تبدأ مهامها بعد القسم: تمكين نسائي بارز بقيادة المنصوري، واستقرار في الحقائب السيادية، ورهان تكنولوجي مستحدث للذكاء الاصطناعي.

كوثر وكيل (لندن)
صحتك نموذج توضيحي للرحم والمبيضين... أظهرت دراسة استمرار النشاط البيولوجي للمبايض بعد انقطاع الطمث (بيكسلز)

دراسة: المبيض يستمر في العمل بعد انقطاع الطمث

كشفت دراسة، تغيِّر النظرة السائدة، عن أن المبايض لا تدخل في حالة خمول بعد انقطاع الطمث، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت تلعب دوراً في الشيخوخة والأمراض المزمنة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
آسيا السفينة «إتش إم إيه إس ليوين» (البحرية الملكية الأسترالية)

أستراليا تفتح تحقيقاً بعد العثور على كاميرا بأماكن استحمام النساء على سفينة عسكرية

أعلنت وزارة الدفاع الأسترالية، الأربعاء، فتح تحقيق عقب العثور على كاميرا على متن إحدى سفن البحرية، وتحديداً في أماكن الاستحمام المخصصة للنساء.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
بروفايل رائدة الفضاء الفرنسية صوفي أدنو (رويترز)

بروفايل هل تكون الفرنسية صوفي أدنو الوجه الأوروبي القادم على سطح القمر؟

رائدة الفضاء الفرنسية صوفي أدنو تعود بنجاح إلى الأرض وتعلن جاهزيتها التامة للعودة إلى المدار بعد إتمام مهمتها التاريخية «إبسيلون».

كوثر وكيل (لندن)

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.