تجارة العالم أمام سؤال الـ10 مليارات دولار: الانتظار أم تغيير المسار؟

انسداد قناة السويس يشعل أسعار السلع والشحن... وضغوط هائلة على سلاسل الإمداد

صورة بالأقمار الصناعية تُظهر تكدس الناقلات والشاحنات العملاقة حول المجرى الملاحي لقناة السويس (رويترز)
صورة بالأقمار الصناعية تُظهر تكدس الناقلات والشاحنات العملاقة حول المجرى الملاحي لقناة السويس (رويترز)
TT

تجارة العالم أمام سؤال الـ10 مليارات دولار: الانتظار أم تغيير المسار؟

صورة بالأقمار الصناعية تُظهر تكدس الناقلات والشاحنات العملاقة حول المجرى الملاحي لقناة السويس (رويترز)
صورة بالأقمار الصناعية تُظهر تكدس الناقلات والشاحنات العملاقة حول المجرى الملاحي لقناة السويس (رويترز)

تشير تقديرات عدد من بيوت المال والخبرة الدولية إلى أن حركة التجارة اليومية عبر قناة السويس تمثل ما يصل إلى نحو 10 مليارات دولار يومياً، وتحديداً عند مستوى 9.6 مليار دولار، منها تجارة تقدَّر بنحو 5.1 مليون تتجه من الجنوب إلى الشمال، بينما 4.5 مليون تسلك الاتجاه المعاكس.
ورغم الثقة التي توليها المؤسسات والدول لإمكانية تعامل مصر مع الأزمة، والتعاون الدولي المتنامي لفك الاختناق، فإنه مع استمرار أزمة انسداد الشريان الحيوي للتجارة العالمية، فإن تكدس الحاويات والناقلات العملاقة على مدخلي القناة يثير أسئلة كثيرة عند مشغليها، لعل أبرزها حساب كلفة مغامرة الانتظار لحل المشكلة؛ مقابل كلفة زيادة المشوار والزمن عبر سلوكها طريق التجارة القديم المار برأس الرجاء الصالح.
ومما يزيد الأمر حيرة في وجه جميع الأطراف، أن الأزمة تأتي في وقت كانت فيه كل مكونات الاقتصاد العالمي -من دول إلى شركات- تتطلع إلى تخطي أزمة أخرى غير مسبوقة في التاريخ الحديث، وهي أزمة جائحة «كورونا» وتبعاتها.
وحسب بيانات «بلومبرغ»، ارتفع عدد الناقلات التي تنتظر حل المشكلة وعبور القناة إلى 240، وهي تحمل شحنات من النفط والبضائع الاستهلاكية تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات. وكان عدد هذه الناقلات 186، يوم الأربعاء.
ونقلت «بلومبرغ» عن راندي جيفنز، النائب الأول لأبحاث الأسهم والطاقة البحرية بشركة الخدمات المالية الأميركية «جيفريز»، القول إنه في حال ترك الحاويات على ظهر «إيفر غيفن»، فإن جهود تعويم الناقلة قد تُستكمل بحلول يوم الخميس المقبل، بمساعدة المد والجزر. أما في حال تفريغ الحمولة من الناقلة أو إجراء إصلاحات واسعة النطاق في مجرى القناة، «فإن فترة التوقف قد تمتد، بكل تأكيد، إلى أسبوعين، على الأقل».
وأعلن رئيس هيئة قناة السويس الفريق أسامة ربيع، أول من أمس (الخميس)، تعليق حركة الملاحة بالقناة مؤقتاً، لحين الانتهاء من أعمال تعويم السفينة العالقة... ولم يتطرق ربيع إلى المدة التي قد تستغرقها جهود تعويم السفينة، على وجه التحديد.
في غضون ذلك، أبلغ متعاملون في النفط «رويترز» بأنهم يتبنون نهج الانتظار والترقب لمعرفة ما إذا كان ارتفاع المد المنتظر يوم الأحد سيساعد في حل المسألة. وقال متعامل مع شركة غربية: «لدينا بعض الشحنات العالقة... الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح سيكون أسوأ».
وتؤثر الأزمة على مناحي التجارة العالمية كافة، وأدى الاختناق في قناة السويس إلى ارتفاعٍ ببعض أسعار السلع الأولية، وسط مخاوف الإمدادات، ويتوقع كثير من الخبراء والمراقبين اشتعال أسعار مكونات التصنيع والسلع في حال طال أمد الأزمة.

آثار الأزمة تعادل إغلاق «كورونا»
وفي أحدث تقدير، قالت شركة «أليانز» الألمانية العملاقة للتأمين، إن الخسائر الناجمة عن تعطل حركة الملاحة في قناة السويس بعد جنوح سفينة الحاويات «إيفر غيفين»، تقدَّر بما يتراوح بين 6 و10 مليارات دولار أسبوعياً للتجارة العالمية. وذكر خبراء الاقتصاد في «أليانز» في تحليل نُشر أمس (الجمعة)، أنه في عام 2019 تم نقل 1.25 مليون طن من البضائع عبر القناة، أي 13% من إجمالي حجم التجارة العالمية.
وتتوقع أكبر شركة تأمين في ألمانيا أن «هذا الحادث سيؤدي على وجه الخصوص إلى تأخير تسليم المنتجات اليومية للمستهلكين في جميع أنحاء العالم». وجنحت سفينة «إيفر غيفين»، وهي سفينة حاويات يبلغ طولها 400 متر وتديرها شركة الشحن التايوانية «إيفرغرين»، وسدت مجرى القناة منذ يوم الثلاثاء الماضي.
وحسب «أليانز»، فإن التكدس في قناة السويس يفاقم مشكلة تأخير ووقف توريد البضائع في التجارة العالمية، وقد يعني نقص الإمدادات في أشباه الموصلات وغيرها من المنتجات منذ بداية العام خسارة قدرها 230 مليار دولار، أو بنسبة 1.4% للتجارة العالمية. وأوضحت «أليانز» أن الآثار المترتبة على الحادث من هذا المنظور بالنسبة إلى أوروبا قد تكون مماثلة لآثار الإغلاق الأول المرتبط باحتواء جائحة «كورونا» في ربيع 2020، وربما أسوأ بالنسبة إلى الولايات المتحدة.

سلاسل الإمدادات العالمية في خطر
وقال محللون أمس، إن سفينة الحاويات التي جنحت في قناة السويس وأوقفت الملاحة ونقل البضائع عبر الممر المائي ستفرض ضغوطاً على سلاسل الإمداد العالمية التي تعاني جراء انتعاش النشاط الاقتصادي وشحّ المعروض من حاويات الشحن.
وعَلَقَت سفينة الحاويات «إيفر غيفن» التي يبلغ طولها 400 متر في القناة منذ الثلاثاء مما عطّل مرور حاويات نقل البضائع والمكونات والمعدات عبر أقصر ممر ملاحي بين أوروبا وآسيا.
ويأتي هذا التوقف بينما تشهد الشحنات بالفعل اضطراباً بسبب جائحة «كورونا» وزيادة الطلب على السلع. ولا تزال محاولات تعويم السفينة مستمرة، وإن كان خبراء إنقاذ حذروا من أن العملية قد تستغرق أسابيع.
وقالت خدمة المستثمرين في «موديز» إن نحو 30% من حركة نقل الحاويات عالمياً تمر عبر القناة سنوياً. وقد يؤثر توقف الممر التجاري على ما بين 10 و15% من إجمالي نشاط مناولة الحاويات عالمياً طوال فترة التعطل.
وأضافت «موديز» في مذكرة أمس، إن «الطلب الاستهلاكي والصناعي المرتفع، والنقص العالمي في طاقة الحاويات، وانخفاض الخدمات التي يمكن التعويل عليها من شركات شحن الحاويات العالمية... جعلت سلاسل الإمداد مهدَّدة بشدة حتى من أقل الصدمات الخارجية». وتابعت أنه «في هذا السياق لم يكن الحدث ليقع في وقت أسوأ».

السفن والمرافئ العالمية مجهَدة
وقال غريج نولر، من «آي إتش إس ماركت» للاستشارات، إن معدل تشغيل السفن بكامل طاقتها على الطريق التجاري بين آسيا وأوروبا بسبب كثافة الطلب من المستوردين الأوروبيين، فيما تواجه المرافئ الأوروبية نقصاً في العمالة بسبب الإجراءات المرتبطة بمكافحة جائحة «كورونا».
وتخطت الصين الولايات المتحدة كأكبر شريك تجاري لأوروبا في 2020 مما يلقي الضوء على علاقات آسيا المهمة بالصناعة والمستهلكين في أوروبا، التي هي أيضاً أكبر مقصد لصادرات الصين خارج آسيا. وأضافت شركة الاستشارات في مذكرة أن التأخير في عودة الحاويات الفارغة إلى المصدّرين الآسيويين سيفاقم أكثر النقص الحالي في الحاويات.
وأضافوا أن قناة السويس هي أيضاً المسار المفضّل للمستوردين الأميركيين للسلع المصنَّعة مثل الأحذية والملابس من جنوب شرقي آسيا والهند. وربما يتعين على السفن الآن اتخاذ المسار الأطول حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، مما يضيف نحو سبعة إلى عشرة أيام إلى رحلتها.

مخاطر للصناعة العالمية
وقالت خدمة المستثمرين في «موديز» إنه نتيجة لذلك، فإن قطاعي التصنيع والسيارات الأوروبيين، لا سيما مورّدي السيارات، سيكونان الأكثر تضرراً. وقال المحللون: «هذا بسبب أنهما يديران سلاسل إمدادات حسب الحاجة، مما يعني أنهما لا يخزنان المكونات ويكون لديهما في المتناول ما يكفي فحسب لفترة قصيرة، ويستوردان المكونات من شركات التصنيع الآسيوية. و«حتى إذا تم حل الموقف سريعاً، فإن اكتظاظ الموانئ ووقوع المزيد من التأخيرات في سلاسل التوريد المقيّدة بالفعل لا مناص منه». وأضافوا أن وسائل النقل البديلة غير مناسبة، إذ إن قدرات الشحن الجوي تعاني شحاً بالفعل بسبب انخفاض حركة السفر الجوي العالمية؛ بينما النقل بالسكك الحديدية بين أوروبا وآسيا محدود وبالفعل يقترب من طاقته الكاملة.
وكان وزير النقل في سنغافورة، أكبر مركز لإعادة الشحن في العالم، قد قال مساء الخميس، إن توقف الملاحة في قناة السويس قد يُحدث اضطراباً مؤقتاً في الإمدادات في المنطقة، وربما يؤدي إلى السحب من المخزونات. وقال سوميت أغاروال، أستاذ الاقتصاد في جامعة سنغافورة الوطنية: «وجهة نظري أن هذا سيسبب مشكلات لكثير من الدول والصناعات في أنحاء العالم في الأمد القصير».

اختناق في دورة الطاقة
كما يسبب توقف القناة اضطراباً نجم عنه ارتفاع تكاليف الشحن لناقلات المنتجات البترولية إلى المثلين تقريباً هذا الأسبوع، وتحويل عدة سفن مسارها بعيداً عن المجرى المائي الحيوي. ويتوقع محللون تأثيراً أكبر على الناقلات الأصغر والمنتجات البترولية، مثل صادرات النفتا وزيت الوقود من أوروبا إلى آسيا، إذا ظلت القناة متوقفة لأسابيع.
وقالت سري بارافيكاراسو، المديرة المعنية بالنفط في آسيا لدى «إف جي إي»: «نحو 20% من النفتا الآسيوية تُورد من البحر المتوسط أو البحر الأسود عبر قناة السويس»، مضيفة أن إعادة توجيه مسار السفن حول رأس الرجاء الصالح قد يضيف نحو أسبوعين إلى زمن الرحلة وأكثر من 800 ألف طن من استهلاك الوقود للناقلات من فئة «سويسماكس».
والوقود أكبر مصدر تكلفة منفرد للسفينة، ويشكل ما يصل إلى 60% من تكاليف التشغيل. وعلى النقيض، يفاقم التوقف الوضع السيئ لسوق زيت الغاز، أو الديزل، الآسيوية التي يعتريها الضعف بالفعل نظراً لأن آسيا تصدّر الوقود إلى أسواق في الغرب، مثل أوروبا، والذي يتدفق ما يزيد على 60% منه عبر القناة المكتظة في 2020 حسب «إف جي إي».
وتُظهر بيانات ملاحية من «رفينيتيف» أن أكثر من 30 ناقلة نفط تنتظر في شمال وجنوب القناة للمرور عبرها منذ الثلاثاء. وقالت «بريمار إيه سي إم شيببروكينغ» للوساطة في الشحن البحري، إن «أسعار (الشحن) للناقلات من فئتي أفراماكس وسويسماكس في البحر المتوسط تحركت أولاً أيضاً، إذ بدأت السوق تضع في الاعتبار توافر عدد أقل من السفن في المنطقة».
وقالت «بريمار إيه سي إم» إن أربع ناقلات على الأقل من فئة (لونغ - رينغ 2) ربما كانت تتجه صوب السويس من حوض الأطلسي تقيم على الأرجح الآن مساراً حول رأس الرجاء الصالح. وبإمكان الناقلة من تلك الفئة حمل نحو 75 ألف طن من النفط.
وأضافت أن ارتفاع الطلب على خام حوض الأطلسي داخل أوروبا سيزيد أيضاً من استخدام تلك الناقلات الأصغر حجماً ويدعم أسعار الشحن. وزادت تكلفة شحن المنتجات الأقل تلويثاً للبيئة، مثل البنزين والديزل، من ميناء «توابس» الروسي على البحر الأسود إلى جنوب فرنسا من 1.49 دولار للبرميل في 22 مارس (آذار)، إلى 2.58 دولار للبرميل في 25 مارس، بزيادة 73%، حسب «رفينيتيف».
وقال أنوب غاياراج، سمسار شحن ناقلات لدى «فيرنليس» سنغافورة، إن مؤشراً قياسياً للشحن البحري للسفن من فئة (لونغ - رينغ 2) من الشرق الأوسط إلى اليابان، المعروف باسم «تي سي 1» ارتفع إلى 137.5 نقطة (ورلد سكيل) في وقت مبكر من أمس مقارنةً مع 100 نقطة (ورلد سكيل) الأسبوع الماضي.
وعلى نحو مماثل، سجّل مؤشر لتكاليف الشحن للسفن من فئة (لونغ - رينغ 1) على نفس المسار، المعروف باسم «تي سي 5» 130 نقطة (ورلد سكيل)، ارتفاعاً من 125 في نهاية الأسبوع الماضي. و«ورلد سكيل» هي أداة للقطاع تُستخدم لحساب تكاليف الشحن.
وقال محللون إن تأثير تأخيرات الشحن البحري على أسواق الطاقة سيخفف منه موسم يتسم بانخفاض الطلب على النفط الخام والغاز الطبيعي المسال. وقالت شركة «كبلر» لمعلومات البيانات: «الطبيعة الموسمية لهذه التدفقات تعني أنه من المستبعد أن نشهد فرض ضغوط على شركات شحن الغاز الطبيعي المسال التي تنقل شحنات إلى الشرق، إذ إن مسارات رأس الرجاء الصالح الأصول والأقل تكلفة تحظى بتفضيلها».
وقال سمسار شحن بحري يعمل من سنغافورة، إن عدة ناقلات غاز مسال حوّلت مسارها، مضيفاً أن المعنويات تجاه أسعار الشحن لناقلات الغاز المسال أكثر إيجابية بعد الحادث.
وأضاف أن بعض المشترين الأوروبيين الذين يترقبون تأخيرات في إمدادات الغاز المسال من قطر ربما يدرسون خيارات أخرى مثل الشراء في السوق الفورية. لكنّ محللين يقولون إنه في ظل أن الطلب على الغاز المسال في موسم يتسم بالانخفاض، فإن التأثير ربما يكون ضئيلاً.
وقال كارلوس توريس دياز، رئيس أسواق الغاز والكهرباء لدى «ريستاد إنرجي»، في مذكرة (الخميس) إنه إذا استمر التوقف في قناة السويس لأسبوعين، قد يتأجل تسليم نحو مليون طن من الغاز المسال إلى أوروبا. وأضاف أن هذا الرقم قد يتضاعف إلى ما يزيد على مليوني طن من الشحنات المؤجلة التسليم في ظل أسوأ تصور إذا ظلت القناة متوقفة لأربعة أسابيع.

تركيا تبحث عن دور
ووسط هذه الأزمة، يبدو أن أنقرة تحاول مغازلة القاهرة في إطار المحاولات الأخيرة لإعادة العلاقات المنقطعة منذ أكثر من 7 سنوات بين البلدين، إذ أعرب وزير النقل التركي أمس، عن استعداد بلاده لتقديم المساعدة على خلفية حادثة جنوح سفينة في قناة السويس المصرية «إذا تلقينا رداً على عرضنا بالمساعدة».
وقال قره إسماعيل أوغلو إن «الحادث يؤثر على التجارة العالمية، ولدينا أسطول قوي وماهر للغاية، وعرضنا تقديم المساعدة، وإذا تلقينا رداً إيجابياً سنقدم المساعدة. سفينة (نانا هاتون) التي نمتلكها واحدة من السفن المعدودة في العالم التي تنفّذ مثل هذه العمليات الكبيرة»، حسب وكالة «الأناضول» التركية للأنباء. وأوضح أن السفينة تشرف على العمليات في مضيق البوسفور، وأنها جاهزة للتحرك. وتابع أن قناة السويس من الممرات اللوجيستية المهمة.


مقالات ذات صلة

الاقتصاد لقطة جوية تُظهر حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز وخليج عُمان (أ.ف.ب)

تداعيات الحرب الإيرانية تتسلل بشكل أعمق إلى مفاصل الاقتصاد العالمي

أظهرت استطلاعات رأي رئيسة نُشرت يوم الخميس أن الاقتصاد العالمي يواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة الصدمة الطاقية الناجمة عن الحرب الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (لندن، طوكيو )
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يتربع على قمة 10 أيام مع اشتعال أزمة «هرمز»

استقر الدولار الأميركي بالقرب من أعلى مستوياته في أسبوع ونصف يوم الخميس، مدفوعاً بزيادة الطلب عليه كملاذ آمن.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد سبائك ذهبية موضوعة على طاولة في قبو لدى تاجر المعادن الثمينة «برو أوروم» (د.ب.إ)

الذهب يتراجع وسط مخاوف من التضخم الناجم عن ارتفاع النفط

انخفض سعر الذهب يوم الخميس مع ارتفاع أسعار النفط الذي غذّى المخاوف من التضخم واستمرار ارتفاع أسعار الفائدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مرافق تخزين النفط التابعة لشركة «يونيتانك» الألمانية للخدمات اللوجستية للنفط (إ.ب.أ)

النفط يواصل مكاسبه ويخترق حاجز 103 دولارات وسط تعثر محادثات السلام

واصلت أسعار النفط ارتفاعها يوم الخميس في أعقاب تعثر محادثات السلام بين إيران والولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

السياحة السعودية: نهضة اقتصادية مذهلة تقودها «رؤية 2030» من العراقة إلى الريادة

قوارب تعبر بين أشجار المورينغا في جزيرة فرسان في جازان جنوب السعودية (وزارة السياحة)
قوارب تعبر بين أشجار المورينغا في جزيرة فرسان في جازان جنوب السعودية (وزارة السياحة)
TT

السياحة السعودية: نهضة اقتصادية مذهلة تقودها «رؤية 2030» من العراقة إلى الريادة

قوارب تعبر بين أشجار المورينغا في جزيرة فرسان في جازان جنوب السعودية (وزارة السياحة)
قوارب تعبر بين أشجار المورينغا في جزيرة فرسان في جازان جنوب السعودية (وزارة السياحة)

لم تكن السياحة في السعودية يوماً مجرد نشاط عابر، بل هي امتداد لثقافة ضاربة في القدم، حيث كانت أرضها ملتقى لطرق التجارة التاريخية ومقراً لأطهر البقاع. ومع انطلاق «رؤية 2030»، انتقل هذا الإرث من حيز استقبال الحجاج والمعتمرين إلى فضاء سياحي رحب وشامل، مستفيداً من موقع استراتيجي وتنوع طبيعي وثراء ثقافي جعل المملكة اليوم واحدة من أكثر الوجهات جذباً للعالم.

هندسة المنظومة

بدأ بناء القطاع السياحي الحديث من خلال إصلاحات هيكلية جذرية هدفت إلى إيجاد بيئة عمل متكاملة. فقد أسست المملكة وزارة السياحة لتنظيم القطاع، والهيئة السعودية للسياحة لبناء الهوية التسويقية «روح السعودية»، وصندوق التنمية السياحي الذي تولى مهمة استقطاب الاستثمارات وتعزيز القدرات التمويلية للمشاريع الكبرى. وتكاملت هذه الجهود مع كيانات متخصصة مثل «الهيئة السعودية للبحر الأحمر» لتطوير السياحة الساحلية، و«البرنامج الوطني للربط الجوي» الذي عمل على ربط المدن السعودية بالعالم لضمان تدفق السائحين بانسيابية عالية.

تمكين الوصول وابتكار التجربة الرقمية

تُمثِّل التأشيرة السياحية الإلكترونية حجر الزاوية في هذا الانفتاح، حيث توسَّعت لتشمل مواطني 66 دولة، مما سهل دخول ملايين السياح. وبالتوازي مع ذلك، صدر نظام السياحة الجديد ليدعم المستثمرين عبر تسهيل التراخيص، ويدعم الكفاءات الوطنية عبر برامج مثل «رواد السياحة».

ولم تكتفِ المملكة بالجانب التنظيمي، بل أطلقت حلولاً ذكية مثل المرشدة السياحية الافتراضية «سارة»، مما يعكس التزام الدولة بتقديم تجربة سياحية رقمية متطورة تتماشى مع تطلعات الجيل الجديد من المسافرين.

عائلة تزور حي طريف التاريخي في الدرعية (وزراة السايحة)

طموحات تتخطى الأرقام

لقد أثبتت الأرقام نجاعة هذا التحول؛ فبعد أن كان المستهدف هو 100 مليون سائح بحلول 2030، تم تحقيق هذا الرقم قبل موعده بخمس سنوات، ليُرفع سقف الطموح إلى 150 مليون سائح. وفي عام 2025، سجَّلت المملكة قفزة تاريخية بوصول عدد السياح (محليين ووافدين) إلى 123 مليوناً، من بينهم 29.3 مليون سائح من الخارج، مما وضعها ضمن أهم 15 دولة سياحية عالمياً، مع إنفاق سياحي إجمالي تجاوز 304 مليارات ريال (80 مليار دولار). هذا النمو لم يكن مجرد أرقام، بل ترجم إلى تقدم المملكة 11 مرتبة في تصنيف السياح الدوليين لتستقر في المرتبة 14 عالمياً، مما جعلها ضمن أهم 15 وجهة سياحية على خريطة العالم.

سيَّاح في رحلة «هايكنغ» في سودة عسير جنوب السعودية (وزارة السياحة)

سياحة الأعمال والرياضة

أصبحت المملكة اليوم الحاضنة الكبرى لأحداث لا يمكن تفويتها؛ فمن سياحة الأعمال والمؤتمرات التي استضافت منتدى «فورتشن» العالمي ومعرض الدفاع ومؤتمر «ليب»، إلى السياحة الرياضية التي شهدت استضافة «رالي داكار» و«فورمولا 1» وبطولات التنس العالمية (ماسترز 1000). وتتوج هذه الرحلة بالفوز التاريخي باستضافة «إكسبو 2030» في الرياض، والترقب العالمي لاستضافة «كأس العالم 2034»، وهي أحداث ستدفع بالقطاع السياحي إلى آفاق غير مسبوقة من النمو والتمكين للمجتمعات المحلية.

استشراف المستقبل

مع افتتاح وجهات أيقونية مثل «العلا» و«الدرعية» و«نيوم» ومشروع «البحر الأحمر» وأولى رحلات «أرويا كروز»، تتهيأ المملكة لمرحلة جديدة تتجاوز فيها السياحة كونها قطاعاً اقتصادياً لتصبح جسراً ثقافياً عالمياً. إن هذا التطور يضمن تمكين المواطن السعودي وتوليد فرص عمل مستدامة، مما يحوِّل المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية استغلال المقومات التاريخية لبناء اقتصاد سياحي حديث وقوي ينافس أعرق الوجهات العالمية.


تداولات متباينة في سوق الأسهم السعودية... و«بترورابغ» يقفز 10 %

مستثمران يتابعان شاشة التداول في السوق المالية السعودية (رويترز)
مستثمران يتابعان شاشة التداول في السوق المالية السعودية (رويترز)
TT

تداولات متباينة في سوق الأسهم السعودية... و«بترورابغ» يقفز 10 %

مستثمران يتابعان شاشة التداول في السوق المالية السعودية (رويترز)
مستثمران يتابعان شاشة التداول في السوق المالية السعودية (رويترز)

تراجع مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية (تاسي) بشكل طفيف، في مستهل تداولات أولى جلسات الأسبوع، بنسبة 0.04 في المائة، ليستقر عند 11105.6 نقطة، في ظل سيولة بلغت 1.4 مليار ريال (373 مليون دولار).

وضغط سهم «أرامكو السعودية»، الأثقل وزناً في المؤشر، على أداء السوق بتراجعه 0.3 في المائة إلى 27.14 ريال، فيما انخفض سهم «أديس» بنسبة 1.2 في المائة ليصل إلى 18.34 ريال.

في المقابل، سجل سهم شركة «رابغ للتكرير والبتروكيماويات (بترورابغ)» ارتفاعاً بلغ 10 في المائة، وصل بسعره إلى 12.65 ريال، وهو الأعلى منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وذلك بعد إعلان الشركة النتائج المالية للربع الأول.

كما حقق سهما «البحري» و«سابك» مكاسب لافتة بنسبة 3.4 و2.3 في المائة لتصل أسعارهما إلى 34.44 و58.6 ريال على التوالي.

وعلى صعيد القطاع المصرفي، سجل سهم مصرف «الراجحي» ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.3 في المائة إلى 68.9 ريال، بينما تراجع سهم «الأهلي» بنسبة 0.15 في المائة ليستقر عند 39.72 ريال.


البنوك السعودية تحقق أرباحاً فصلية غير مسبوقة بـ6.4 مليار دولار مدعومة بـ«رؤية 2030»

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (واس)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (واس)
TT

البنوك السعودية تحقق أرباحاً فصلية غير مسبوقة بـ6.4 مليار دولار مدعومة بـ«رؤية 2030»

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (واس)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (واس)

أكد القطاع المصرفي السعودي مكانته بوصفه عموداً فقرياً للاقتصاد الوطني، مُسجِّلاً فصلاً تاريخياً جديداً غير مسبوق مع انطلاقة عام 2026. وللمرة الأولى في تاريخها، نجحت البنوك الـ10 المدرجة في اقتناص صافي أرباح بلغ 6.4 مليار دولار (23.95 مليار ريال) خلال الرُّبع الأول فقط، محققةً نمواً سنوياً بنسبة 7.6 في المائة، لتبرهن المصارف المحلية على قدرة فائقة في تحويل الزخم الاقتصادي الذي تولده «رؤية 2030» إلى مكاسب مالية مستدامة.

لم يكن هذا الأداء القياسي وليد الصدفة، بل جاء مدفوعاً بأداء استثنائي للمصارف الكبرى وهي: «البنك الأهلي السعودي»، ومصرف «الراجحي»، و«بنك الرياض»، و«البنك السعودي الأول»، و«البنك السعودي الفرنسي»، و«البنك العربي الوطني»، ومصرف «الإنماء»، و«بنك البلاد»، و«البنك السعودي للاستثمار»، و«بنك الجزيرة».

وقد تربع مصرف «الراجحي» على قمة الهرم الربحي بنمو قفز إلى 14.3 في المائة، مُحقِّقاً 6.75 مليار ريال. وهو ربح أرجعه المصرف إلى ارتفاع صافي الدخل من التمويل والاستثمار بنسبة 18.4 في المائة، وارتفاع إجمالي العوائد على التمويل والاستثمار، وإجمالي دخل العمليات بنسبة 14.4 في المائة، وارتفاع رسوم الخدمات المصرفية وتحويل العملات الأجنبية، وقابل ذلك انخفاض في مصروف الاستهلاك.

وفي المركز الثاني، جاء «البنك الأهلي السعودي» بصافي ربح بلغ 6.42 مليار ريال بنسبة نمو بلغت 6.66 في المائة. وأوضح البنك أن نمو صافي أرباحه يعود إلى ارتفاع الدخل من التمويل والاستثمارات بنسبة 3.1 في المائة ليصل إلى 14.8 مليار ريال؛ نتيجة ارتفاع الدخل من محفظة التمويل بنسبة 4.4 في المائة، وارتفاع دخل العمليات التشغيلية، وانخفاض مصاريف العمليات التشغيلية؛ نتيجة انخفاض في إيجارات ومصاريف المباني وصافي مخصص الانخفاض لخسائر الائتمان المتوقعة بالصافي.

أما «بنك الرياض»، فقد حافظ على مركزه الثالث بأرباح ناهزت 2.61 مليار ريال، وبنسبة نمو بلغت 5.1 في المائة. وردَّ البنك ذلك إلى ارتفاع دخل العمليات؛ نتيجة زيادة دخل المتاجرة، وصافي دخل العمولات الخاصة وانخفاض في خسائر بيع استثمارات مقتناه لغير أغراض المتاجرة، قابلها انخفاض في صافي دخل الأتعاب والعمولات، وإيرادات العمليات الأخرى، ودخل توزيعات الأرباح، وصافي دخل تحويل العملات الأجنبية، وقابل ذلك انخفاض مصاريف العمليات؛ نتيجة انخفاض صافي مخصص الانخفاض في خسائر الائتمان والأصول المالية الأخرى، وإيجارات ومصاريف المباني والعمليات الأخرى.

وعلى أساس ربعي، واصل القطاع المصرفي السعودي تحقيقه لأرقام قياسية جديدة في صافي الأرباح، حيث نمت الأرباح في الرُّبع الأول بنسبة 1.26 في المائة، مقارنةً بالرُّبع الرابع من 2025، الذي سجَّل فيه أرباحاً وصلت إلى 6.31 مليار دولار (23.66 مليار ريال).

أحد فروع بنك «الراجحي» في السعودية (البنك)

تحليل الأداء التاريخي

وأرجع محلل الأسواق المالية وعضو «جمعية الاقتصاد» السعودية، الدكتور سليمان آل حميد الخالدي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، هذا الأداء التاريخي إلى 4 أسباب رئيسية: استمرار ارتفاع أسعار الفائدة مما دعم صافي هامش الربح، ونمو الإقراض العقاري وتمويل الشركات المرتبط بالمشروعات الكبرى، وتحسُّن جودة الأصول وانخفاض المخصصات مقارنة بفترات سابقة، وقوة الإنفاق الحكومي والمشروعات المرتبطة بـ«رؤية 2030»، ما عزَّز النشاط الاقتصادي وخلق فرص تمويل جديدة.

وأشار إلى أنَّ نتائج الرُّبع الأول من 2026 تعكس متانة القطاع المصرفي السعودي، مدعوماً بنمو متوازن في معظم البنوك، وعلى رأسها مصرفي «الراجحي» و«البنك الأهلي السعودي». وقال: «هذا الأداء يؤكد قوة نموذج الأعمال المصرفي في المملكة، وقدرته على الاستفادة من البيئة الاقتصادية الإيجابية، مع استمرار الطلب على التمويل من الأفراد والشركات»، لافتاً إلى أنَّ القطاع المصرفي حقَّق خلال العام الماضي أرباحاً تجاوزت 95 مليار ريال بزيادة 16 في المائة عن العام الذي سبقه.

وتوقَّع الخالدي أن يحافظ القطاع المصرفي السعودي على أدائه القوي خلال 2026، لكن بوتيرة نمو أكثر اعتدالاً، موضحاً في الوقت نفسه أنَّ أي توجه لخفض أسعار الفائدة قد يضغط نسبياً على الهوامش، «إلا أنَّ ذلك قد يقابله تحسُّن في الطلب على التمويل، كما ستظل المشروعات الحكومية والإنفاق الرأسمالي محركاً رئيسياً للنمو».

وأشار الخالدي إلى أنَّ القطاع المصرفي مرشح للاستمرار في تحقيق أرباح جيدة، مع بقاء التنافسية مرتفعة، والتركيز على الكفاءة التشغيلية، وتنويع مصادر الدخل، مضيفاً: «نحن أمام قطاع قوي، لكن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة استقرار ونمو متزن أكثر من كونها قفزات استثنائية، إلا أنه سوف يتعدى أرباح العام الماضي 2025، ويصل إلى حاجز الـ100 مليار ريال (26.6 مليار دولار) وأكثر، ويكون تاريخياً هذا الإنجاز غير المسبوق».

البنوك... والزخم الاقتصادي

من جانبه، أكد المحلل الاقتصادي والرئيس التنفيذي لشركة «جي وورلد للدراسات»، محمد حمدي عمر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنَّ الأرباح القياسية التي حقَّقتها المصارف السعودية تعكس الدور الجوهري للقطاع بوصفه أحد أبرز المستفيدين من زخم الاقتصاد المحلي. وأوضح أنَّ نمو الأرباح بنسبة 7.6 في المائة لم يكن نتيجة عوامل دورية عابرة، بل جاء مدفوعاً بمزيج من العوامل التشغيلية والهيكلية المستدامة، وفي مقدمتها استمرار نمو الائتمان بفضل تمويل المشروعات الكبرى المرتبطة بـ«رؤية 2030»، مثل «نيوم» ومشروعات البنية التحتية، فضلاً عن الانتعاش المستمر في التمويل العقاري وتمويل الأفراد، مما عزَّز حجم الأصول المدرة للدخل.

هامش الفائدة

كما أشار عمر إلى أنَّ البنوك استفادت من تحسُّن صافي هامش الفائدة، رغم بوادر التراجع في أسعار الفائدة عالمياً، وذلك بفضل قدرتها على إعادة تسعير الأصول بوتيرة أسرع من الخصوم خلال الفترات الماضية. وشدَّد على أهمية تنوع مصادر الدخل الذي لعب دوراً محورياً في تخفيف الاعتماد على دخل الفوائد، خصوصاً مع ارتفاع إيرادات الرسوم والخدمات في مجالات المدفوعات، وإدارة الأصول، والخدمات الرقمية، بالإضافة إلى الانضباط في التكاليف وتحسُّن جودة الأصول الذي انعكس في انخفاض نسب التعثر وتراجع مخصصات الائتمان. ولفت عمر إلى أنَّ النضج الرقمي بات يؤتي ثماره بشكل ملموس في رفع الكفاءة التشغيلية، لا سيما لدى البنوك الكبرى.

وفي قراءته للمستقبل، لاحظ عمر أنَّ التفاوت في نسب النمو بين البنوك يعكس اختلاف استراتيجيات المحافظ التمويلية وهياكل الودائع. وتوقَّع استمرار الأداء القوي للقطاع خلال عام 2026 مدعوماً بالطلب على التمويل والإنفاق الرأسمالي الحكومي، رغم الضغوط المحتملة على الهوامش في حال بدأت دورة خفض أسعار الفائدة وما قد يتبعها من تراجع تدريجي في هوامش الربح وإعادة تسعير الودائع.

واختتم عمر بالإشارة إلى أن تحسُّن بيئة الأعمال غير النفطية سيعزِّز جودة الأصول، مؤكداً أنَّ القطاع المصرفي يظلُّ في موقع قوة بفضل متانة الاقتصاد الكلي، وإن كانت المرحلة المقبلة ستشهد تحولاً نحو نمو أكثر استدامة، وتوازناً يتطلب مراقبة دقيقة لمستويات السيولة وتطورات أسعار الفائدة.