رئيس الشركة السعودية للصناعات العسكرية: نكوّن قطاعاً متكاملاً وندرس استحواذات جديدة

أبوخالد أكد لـ «الشرق الأوسط» دور الشراكات الدولية في جذب الاستثمارات الأجنبية

الصناعة العسكرية السعودية تسجل تطوراً ملموساً لبلوغ أهداف «رؤية المملكة 2030» (رويترز)
الصناعة العسكرية السعودية تسجل تطوراً ملموساً لبلوغ أهداف «رؤية المملكة 2030» (رويترز)
TT

رئيس الشركة السعودية للصناعات العسكرية: نكوّن قطاعاً متكاملاً وندرس استحواذات جديدة

الصناعة العسكرية السعودية تسجل تطوراً ملموساً لبلوغ أهداف «رؤية المملكة 2030» (رويترز)
الصناعة العسكرية السعودية تسجل تطوراً ملموساً لبلوغ أهداف «رؤية المملكة 2030» (رويترز)

تمضي السعودية في تطوير قطاع الصناعات العسكرية بهدف توطين ما يربو على 50 في المائة من القطاع بحلول عام 2030، وستلعب الشركة السعودية للصناعات العسكرية (سامي) دوراً رئيسياً في هذا التوجه، بالإضافة إلى خطط لأن تكون من ضمن أفضل 25 شركة عالمية في ذلك الوقت.
وكشف المهندس وليد أبوخالد، الرئيس التنفيذي للشركة السعودية للصناعات العسكرية (سامي)، عن دور في بناء قطاع صناعات عسكرية متكامل الأركان في المملكة، مشيراً إلى أن الشراكات والاستحواذات ستكون مكملة لذلك الدور.
كما أكد أن الشركة تعمل على إنشاء قطاع للصناعات العسكرية البحرية خلال الفترة المقبلة، لافتاً إلى مضي «سامي» في استحواذات قادمة وشراكات جديدة سيعلن عنها في حينها، ومشدداً في الوقت نفسه على أهمية وجود سلاسل إمداد كاملة في قطاع الصناعات العسكرية، وهو ما يحتاج إليه القطاع خلال الفترة المقبلة.
وتطرق المهندس أبوخالد للعديد من المواضيع في قطاع الصناعات العسكرية، بينها تطوير البنية التحتية لقطاع المنشآت الصغيرة، وتوقيت التصدير الخارجي، وأبرز تحديين تواجههما الصناعة العسكرية. إلى نص الحوار التالي:

> في البداية، ما هي استراتيجية الشركة السعودية للصناعات العسكرية (سامي) لتحقيق هدفها المعلن كواحدة من أفضل خمس وعشرين شركة في الصناعات العسكرية في العالم؟
- إن الهدف الرئيسي لـ«رؤية السعودية 2030» هو تنويع مصادر الدخل والاعتماد على قطاعات عدة بدلاً من الاعتماد على الدخل من قطاع النفط. وإذا ما نظرنا إلى توطين الصناعة بشكل عام، وتوطين الصناعات العسكرية بشكل خاص، نرى أن ذلك هو جزء رئيسي من «رؤية 2030»، وعندما أطلق «الرؤية» في 2017، مهندسها الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، قال «لن نرضى بأن تكون السعودية من أكبر خمس دول إنفاقاً على الأمن والدفاع في العالم، في حين أن الإنفاق الداخلي لا يتعدى نسبة 4 إلى 5 في المائة. ولا بد أن يكون هناك برنامج واضح لتوطين الصناعات العسكرية»، فشرع في إنشاء الشركة السعودية للصناعات العسكرية، وتلاه مباشرة تأسيس الهيئة العامة للصناعات العسكرية. وأدوار الجهتين هي مختلفة تماماً؛ إذ إن الهيئة العامة للصناعات العسكرية هي جهة حكومية بحتة تقوم بتشريع الأنظمة وسنّ القوانين لتوطين الصناعات العسكرية. أما الشركة السعودية للصناعات العسكرية (سامي)، فهي تنفذ المشاريع. ولكن لأول مرة، نؤسس شركة تملكها الحكومة 100 في المائة، ويطلق عليها «الشريك الرائد في توطين الصناعات العسكرية». ويأتي ذلك مع مسؤولية كبيرة جداً، والأهداف التي وُضعَت لشركة «سامي» هي مليئة بالتحديات ومهمة للمملكة عامة، ويتمثل واحد منها في أن تكون ضمن أفضل 25 شركة متخصصة في الصناعات العسكرية في العالم. وأنا متأكد جداً من أننا على الطريق الصحيحة لتحقيق هذا الهدف قبل عام 2030، ولكن هناك الكثير من الأهداف الأخرى أيضاً، منها دعم توظيف المواطنين والمواطنات على مستويات عالية من العمل وفي تخصصات معينة، بالإضافة إلى دعم الناتج المحلي في السعودية، والدخول في مجال البحث والتطوير في الأنظمة العسكرية.
وإذا ما تحدثنا عن استراتيجية شركة «سامي»، فهي ببساطة إيجاد وعقد الشراكات مع أفضل شركات الدفاع والطيران في العالم. ومثالاً على ذلك، نذكر دخول الشركة في شراكة استراتيجية مع «لوكهيد مارتن» الأميركية، والتي أعلن عنها خلال معرض الدفاع الدولي «آيدكس» في أبوظبي. كما أننا عقدنا أيضاً العديد من الشراكات الأخرى مع شركات عالمية رائدة، مثل «إل3 هاريس»، و«نافانتيا»، و«سي إم أي». ومن أهمية هذه الشراكات أنها تجعلك قريباً من الشركات العالمية الرائدة في مجال الأنظمة العسكرية.
كما قمنا في الوقت نفسه بالاستحواذ على بعض الشركات والقدرات الداخلية في السعودية؛ إذ إن ذلك يهدف إلى تطوير وتوحيد بعض المتطلبات وخلق فاعلية أكبر، وهذا هو الإطار العام الذي تشكلت فيه شركة «سامي»، والمتمثل في عقد شراكات عالمية وإتمام عمليات استحواذ داخلية مبدئية. ولكن الاهتمام الرئيسي يتمثل في دعم سلاسل الإمداد المحلية في السعودية، والتي نرغب في تفعيلها داخلياً.
ولن تنجح شركة «سامي» إذا لم يكن هناك سلاسل إمداد يمكن الاعتماد عليها. فعلى سبيل المثال، لن تدخل «سامي» في صناعة الملابس العسكرية. هناك مجالات كثيرة في قطاع الصناعات العسكرية، ونحن نرغب في الاعتماد على شركات وطنية محلية. فستكون الشركة بمثابة المقاول الرئيسي في منظومة الصناعات العسكرية، وبعدها سنعتمد على سلاسل الإمداد.
> وبالتالي بناء قطاع عسكري متكامل للصناعة العسكرية من منشآت صغيرة ومتوسطة وكبيرة؟
- بالطبع، وهذا لم يكن موجوداً في السابق. كما لم يكن هناك هيئة عامة للصناعات العسكرية، وشريك وطني رائد كشركة «سامي»، أما الآن، فبات هناك وجود لقطاع الصناعات العسكرية، ولكن لا بد من العمل على تطوير البنية التحتية لقطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة في مجال الأنظمة العسكرية. وإذا تواجد هذا، فإن هدف الوصول إلى قائمة أفضل 25 شركة صناعات عسكرية في العالم سيكون سهل التحقيق.
> قُسِّمت الشركة السعودية للصناعات العسكرية (سامي) إلى عدد من وحدات الأعمال، والتي تتضمن الأنظمة الجوية، والأنظمة الأرضية، والإلكترونيات الدفاعية، والأسلحة والصواريخ، والتقنيات الحديثة، لماذا التقسيم على هذا النحو؟
- تم إجراء دراسة معمقة قبل تأسيس شركة «سامي» بناءً على متطلبات القوات المسلحة، أفضت إلى أهمية وجود شركة صناعات عسكرية تكون بمثابة شريك وطني مسؤول عن أنظمة الدفاع، وتستطيع أن تلبي جميع احتياجات القطاع. فقمنا بوضع وحدة الأنظمة الأرضية لوجود طلبات كثيرة على المدرعات والعربات ذات الدفع الرباعي، في حين وُضِعت وحدة الأنظمة الجوية لتلبية كل المتطلبات المتعلقة بالطائرات الحربية النفاثة أو المروحية والطائرات من دون طيار. أما وحدة الأسلحة والصواريخ، فتهدف إلى تلبية احتياجات المملكة في هذا الجانب، في حين تُعَد وحدة الإلكترونيات الدفاعية العقل المدبر لأي منظومة عسكرية؛ إذ كان لا بد لنا من أن ندخل هذا القطاع بشكل قوي. وفيما يتعلق بوحدة التقنيات الحديثة، فيواكب هذا القطاع أي تقنية متقدمة في الأنظمة العسكرية ويساعدنا في أن نكون جاهزين لها.
كما أن هناك قطاعاً مهماً في الصناعات العسكرية، وهو البحرية، والذي نعمل على تأسيس وحدة خاصة به؛ وذلك لأن هناك الكثير من الأنظمة في هذا القطاع التي هي في حاجة إلى تطوير وهناك متطلبات جديدة في جميع الأوقات. لذا؛ فكان لا بد من أن يكون لشركة «سامي» وجود في هذا القطاع. وبالتالي، فنحن مثل أي شركة دفاع عالمية أخرى، تعمل على تلبية جميع متطلبات قواتها المسلحة.
> كيف يمكن التنسيق بين هذه الوحدات للوصول إلى كفاءة عمل عالية تحت مظلة شركة «سامي»؟
- تمت دراسة الهيكل الإداري لشركة «سامي» بشكل دقيق ومتعمق؛ إذ تقوم جميع وحدات الأعمال والقطاعات في الشركة بالمتابعة مع الرئيس التنفيذي. كما لدينا إدارة خاصة بالاستراتيجية وتطوير الأعمال، وأخرى لإدارة العمليات. ونسعى إلى تحقيق فاعلية كبيرة بين جميع الوحدات. لدينا الكثير من المشاريع المشتركة، ولا بد من أن يكون هناك إدارة معينة توفر الربط بين الأنظمة والوحدات المستفيدة منها.
> أين تكمن مكامن القوة في شركة «سامي»؟
- تجتمع مكامن قوة شركة «سامي» في كوادرنا الوطنية من الشباب والشابات الذين استطعنا استقطابهم داخلياً. يمكن لهذه النخبة من الكوادر والعقول والمواهب أن يعملوا في أفضل الشركات العالمية في أي مكان في العالم، ويكونوا من الناجحين فيها. أنا أعتبر أن موظفينا هم سر نجاحنا وكنز نفتخر به، ونحن نحرص على تطوير قدراتهم؛ لأنهم هم من سيقود مسيرة الأنظمة العسكرية في المستقبل.
> كيف يمكن لعمليات الاستحواذ والشراكات التي أبرمتها الشركة السعودية للصناعات العسكرية (سامي) خلال الفترة الماضية مع لاعبين رئيسيين في القطاع، أن تقدم القيمة المضافة لها؟
- يمكن أن يتم ذلك من خلال طريقتين؛ الأولى هي عقد شراكات مع شركات عالمية، وهذه الخطوة من شأنها أن تسهم في نقل المعرفة والتقنيات المتقدمة وتساعد الكوادر الوطنية على فهمها والتعامل معها بطريقة أفضل، وكيفية الاستفادة والتعلم من الخبرات العالمية. أما الطريقة الأخرى، فهي الاستحواذ على شركات محلية؛ الأمر الذي يسهم في بناء قدرات مباشرة على أرض الواقع. وتساعد هذه الشركات المحلية التي تم الاستحواذ عليها، في تمكين الشركات العالمية من تنفيذ العمل بالتعاون مع الشركات المحلية. فمن خلال اتباع الطريقتين مجتمعتين، سيكون بإمكاننا تحقيق هدفنا المرجو، وهو الارتقاء بشركة «سامي» ضمن مصاف أفضل 25 شركة صناعات عسكرية في العالم.
> هل نستطيع القول إن الاستحواذ على الشركات الوطنية هو تهيئة البنية التحتية للقطاع، والشراكات الدولية هي من تبني البنية الفوقية؟
- نعم، بالضبط. إن عقد الشراكات مع الشركات العالمية هو ما سيضمن نقل المعرفة والتقنيات المتقدمة، وكذلك تلبية بعض متطلبات القوات المسلحة. أما عمليات الاستحواذ، فهي التي تهيئ البنية التحتية لاستيعاب تلك القدرات والعمل عليها، وتجهيز بيئة العمل للمستقبل.
> هل تدرسون تنفيذ عمليات استحواذ خلال الفترة المقبلة؟
- بالطبع، نحن نعمل على تنفيذ استحواذات بشكل مستمر؛ وذلك تماشياً مع استراتيجيتنا الواضحة، والتي حددها مجلس إدارة الشركة. وبالنظر إلى المنظومة الدفاعية وبيئتها المتكاملة، فنرى أن القطاع العسكري المحلي يحتاج إلى خدمات الصيانة والتوضيب والتطوير، وهذا أمر مهم بالنسبة لجميع القطاعات. لكن هناك أيضاً حاجة إلى دعم مجال صناعة صيانة المحركات، سواءً محركات الطائرات أم محركات العربات. وهذا جزء نقوم بمراجعته حالياً، على أن يكون لدينا مخططات استحواذ في جميع أنواع القدرات المتعلقة في مجال الصيانة والتوضيب والتطوير. إن جميع القطاعات العسكرية، سواءً كانت جوية أم بحرية أم برية، تحتاج إلى القدرات الهندسية. نحن بصدد التعمق في مجال الأنظمة الهندسية من أجل تطوير أنظمة معينة خاصة بالدفاعات العسكرية.
> كم منتج تنتج الشركة السعودية للصناعات العسكرية (سامي) بشكل مباشر أو من خلال شركاتها التابعة؟
- على مستوى المقاول الرئيسي، لدينا الكثير من الأنظمة والمنتجات التي نحن على استعداد للتعامل معها؛ وذلك بفضل شركائنا العالميين من ذوي القدرات العالية في شتى مجالات الأنظمة العسكرية. أما على مستوى الشركات التابعة لنا، فلدينا شركة الإلكترونيات المتقدمة «إيه أي سي» وشركة المعدات المكملة للطائرات المحدودة «إيه إيه سي سي»، وأنا أعتقد أنه بإمكاننا التعامل مع أي نظام في العالم. صحيح أنه قد لا نستطيع تصميم الأنظمة وتطويرها في الوقت الحالي؛ لأن ذلك يتطلب بعض الوقت، ولكن يمكننا الاستحواذ على أي نظام، ومن ثم إيجاد القدرات للتعامل معه، وتدريب القوات المسلحة على استخدامه، بالإضافة إلى صيانته وتوضيبه وتطويره، على أن تتم الصيانة والتوضيب بشكل مباشر.
> هل تستخدمون في عملياتكم مفهوم الثورة الصناعية الرابعة؟
- نعمل حالياً على بناء بعض المصانع التي ستستخدم الذكاء الاصطناعي والرقمنة، وستكون فاعليتها عالية جداً؛ مما سيجعلها من أفضل المصانع ليس فقط على مستوى المنطقة، بل على مستوى العالم. وأنا أعني ذلك بكل ما للكلمة من معنى.
> هل هناك نوايا لشراكات جديدة مع كبرى الجهات الفاعلة في قطاع الصناعات العسكرية العالمي؟
- هذا جزء من استراتيجية أعمال الشركة؛ إذ حددنا في هذا الإطار القدرات التي من المجدي الاستحواذ عليها أو بناؤها داخل السعودية. لذلك؛ فقد وضعنا قائمة تضم عدداً من الشركات العالمية التي نحن على تواصل معها من أجل عقد شراكات في المملكة، لا بد أن نذكر هنا أن السوق السعودية مغرية جداً، وجميع الشركات العالمية تتنافس لأن يكون لها وجود في هذه السوق الجاذبة. وبشكل خاص، نلاحظ حالياً أن العديد من الشركات العالمية الكبرى مستعدة وتتسابق لتُكوِّن شراكات استراتيجية مع شركة «سامي» في السعودية.
> وهذا يدخل ضمن مساعيكم إلى جذب الاستثمارات الأجنبية إلى المملكة؟
- إنَّ معظم الشركات الأجنبية التي دخلت في شراكات معنا ستجلب استثماراتها معها، وستقوم بتأسيس كيانات لها في السعودية بالتعاون مع شركة «سامي»؛ وذلك لخدمة القوات المسلحة، الأمر الذي يسهم في دعم «رؤية 2030»، وبالتالي تنويع الاقتصاد السعودي ومصادر الدخل، وأيضاً خدمة الكثير من المجالات.
> متى ستوقّع الشركة السعودية للصناعات العسكرية (سامي) عقود تصدير؟
- يتمثل هدفنا في الوقت الحالي في خدمة وتلبية احتياجات القوات المسلحة ويصب تركيزنا على السوق السعودية. أما في حال وصلنا إلى مرحلة الانتهاء من تلبية جميع احتياجات القوات المسلحة السعودية بأكملها، نقوم حينها بتركيز توجهاتنا على الأسواق الخارجية. وفي حال نظرنا إلى ميزانيات الدفاع على مستوى العالم، فالولايات المتحدة تتصدر القائمة، تليها الصين، ومن ثم السعودية، والتي تُعَد من أكبر أسواق العالم. ومع هذا، نحن نحرص في شركة «سامي» على تضمين بند خاص في جميع اتفاقياتنا مع الشركات العالمية لتأسيس مشاريع مشتركة في السعودية، ينص على أنه في حال تم تطوير منتج أو نظام سعودي، يجب على الشركة الأجنبية إدراجه ضمن سلاسل الإمداد الدولية لها. فعلى سبيل المثال، إذا قمنا بتطوير جهاز للاتصال المشفر ضمن شراكتنا مع «إل3 هاريس»، نشترط على هذه الشركة التسويق لهذا المنتج واستخدامه في صفقاتها العالمية. وأنا أؤكد لكم أننا سنكون جزءاً من سلاسل الإمداد العالمية في أقرب وقت ممكن.
> وبالتالي، هل يمكن القول إنكم في توجه لإنتاج منتجات سعودية في القطاع العسكري؟
- نعم، بكل تأكيد. سيكون هناك منتجات أو مكونات أو أجزاء من أنظمة معينة سيتم تصنيعها داخل السعودية، ومن ثم تصديرها إلى الخارج ليتم استخدامها على مستوى العالم.
> وهل لديكم خطط في هذا الجانب؟
- نعم، لدينا خطط واضحة في هذا الجانب، وما استحواذنا على شركة الإلكترونيات المتقدمة إلا خير دليل على ذلك. تتمتع هذه الشركة الضخمة بقدرات متميزة، ويعمل لديها 2200 موظف، 500 منهم مهندسون متخصصون في مجالات الأنظمة العسكرية، ويعملون على بعض الأنظمة التي تستخدم خارج السعودية.
> ماذا عن الإيرادات السنوية المقدرة بـ5 مليارات دولار بحلول 2030 التي ذكرت في وقت سابق أن شركة «سامي» تستهدفها؟
- للوصول إلى قائمة أكبر 25 شركة صناعات عسكرية في العالم، يجب أن تتجاوز مبيعات الشركة المعنية عتبة 20 مليار ريال (أو ما يعادل 5.3 مليار دولار). وإذا ما نظرنا إلى هذه القائمة، نجد أن مبيعات الشركة رقم 25 تصل تقريباً إلى 5 مليارات دولار، إن بلوغ قائمة أكبر 25 شركة متخصصة في الصناعات العسكرية في العالم هو ليس تحدياً، وإنما هدف نحن على كامل الاستعداد لتحقيقه. نؤكد جهوزيتنا في شركة «سامي» للوصول إلى هذه المرحلة بدعم وتكاتف الجميع، بما في ذلك القوات المسلحة الداعم الأساسي لتوطين الصناعات العسكرية، وكذلك الهيئة العامة للصناعات العسكرية.
> هل تساعدكم البنية التحتية في السعودية على تحقيق أهدافكم؟
- نحن نعمل على إيجاد بنية تحتية ملائمة للأنظمة العسكرية؛ الأمر الذي سيساعدنا في تلبية المتطلبات الكبيرة للقوات المسلحة. كما ذكرنا، إن السوق السعودية مغرية جداً، والعقول السعودية في القطاع موجودة. لكن ما نحتاج إليه في الوقت الحالي هو تحسين سلاسل الإمداد وإيجاد فنيين متخصصين بإمكانهم العمل على الأنظمة العسكرية.
> كيف يمكن أن نوجدهم؟
- من المهم تأسيس أكاديمية مختصة في تخريج الفنيين من الشباب والشابات، بنوعية معينة يستطيعون التعامل مع الأنظمة التي نعمل عليها. هناك بعض المؤسسات التعليمية التي تُخرِّج الفنيين، ولكن في تخصصات عامة، في حين أننا نريد التركيز على الأنظمة العسكرية. إن الهيئة العامة للصناعات العسكرية أخذت زمام المبادرة في هذا الصدد، ونحن في الشركة سنقوم بتقديم الدعم لها بأي طريقة ممكنة.
> ما هي التحديات التي يواجهها القطاع؟
- إن التحدي الأول يكمن في إيجاد ميزان في توفير أسعار تنافسية مع فكرة الاستثمار للمستقبل. والتحدي الثاني، كما ذكرنا سابقاً، هو وجود كوادر وطنية من الفنيين، مع العلم أنه لدينا الكثير من المهندسين بمن فيهم أصحاب الوظائف الثانوية. كما نحن في حاجة إلى توسيع سلاسل الإمداد للاعتماد عليها في عمليات التصنيع، بما في ذلك المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي تدعم المنظومة الكبرى.
> ما هو دوركم في الشركة السعودية للصناعات العسكرية (سامي) لتحقيق ذلك؟
- لقد أطلقنا منصة خاصة بهذا الموضوع، حيث بإمكان أي شركة تنوي التعاقد مع شركة «سامي» ولديها القدرة على الانخراط في هذا الجانب أو ترغب في تطوير قدراتها لدعم شركتنا، أن تؤكد اهتمامها من خلال التقديم عبر المنصة. بعدها، نقوم بتجميع المعلومات والتعامل مع شركائنا العالميين بشأن كيفية تطوير قدراتهم لدعم شركة «سامي». هم سيستفيدون لتطوير قدراتهم، ونحن سنستفيد كشركة لأنه سيكون هناك جودة والقدرات الموجودة أفضل من السابق.
> كيف تنظرون إلى الفترة المقبلة؟
- لدينا تفاؤل كبير جداً في الوق السعودية ورؤية وضحت توجهنا للسنوات العشر المقبلة. لقد قطعت شركة «سامي» أشواطاً مهمة، وخاضت مشواراً مميزاً. وعلى الرغم من أن سنة 2020 كانت صعبة على العالم بأجمعه بسبب جائحة «كوفيد - 19»، فإنها كانت سنة مميزة بالنسبة لشركة «سامي»؛ فقد أبرمنا العديد من الاتفاقيات المهمة، وحصلنا على فرص الأعمال طويلة المدى مع القوات المسلحة، وفزنا بعقود تطوير منتجات من الصفر. كما استحوذنا على شركة الإلكترونيات المتقدمة التي تُعَد أفضل شركة دفاع في السعودية، وانتقلنا إلى مقرنا الرئيسي الجديد. وعليه، هيأت لنا الظروف أن يكون العام الحالي وما بعده انطلاقة كبرى لنا تتطلع لها المملكة.


مقالات ذات صلة

محافظ «المركزي السعودي»: نموذجنا الوطني حصّن الاقتصاد ضد الصدمات

الاقتصاد محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (صندوق النقد الدولي)

محافظ «المركزي السعودي»: نموذجنا الوطني حصّن الاقتصاد ضد الصدمات

قال محافظ البنك المركزي السعودي (ساما)، أيمن السياري، إن الاقتصاد السعودي بات اليوم نموذجاً للمرونة والقدرة على مواجهة الأزمات من موقع قوة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص إحدى المزارع في السعودية (المعرض الزراعي السعودي)

خاص الاكتفاء الغذائي السعودي… «درع سيادية» في مواجهة عاصفة «هرمز»

في ذروة أزمة «هرمز»، نجحت استراتيجية الأمن الغذائي السعودي في تحويل التحديات العالمية إلى استقرار محلي مستدام.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس) p-circle 00:33

تحليل إخباري الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة محمد شهباز شريف للمملكة تجسيداً لعمق العلاقة

جبير الأنصاري (الرياض)
الاقتصاد مستثمر يطالع كتيباً للتعرف على خدمات «المركز السعودي للتنافسية والأعمال» (المركز)

18 مليون خدمة و4 ملايين مستثمر... قفزة نوعية لبيئة الأعمال في السعودية

تشهد بيئة الأعمال في السعودية تطوراً متسارعاً؛ مدعوماً بحزمة من الإصلاحات والخدمات الرقمية المتكاملة، حيث تجاوز عدد الخدمات المقدمة 18 مليون خدمة.

بندر مسلم (الرياض)

الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)

أغلق مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية (تاسي)، جلسة الأحد، متراجعاً بنسبة 0.8 في المائة، إلى 11464.5 نقطة، وبتداولات بلغت قيمتها 5 مليارات ريال (1.3 مليار دولار).

وانخفض سهم «أرامكو السعودية»، الأثقل وزناً في المؤشر، بنسبة 1 في المائة إلى 27.2 ريال. كما تراجع سهما «معادن» و«أديس» بنسبة 1.5 و1 في المائة، إلى 70.3 و 18.73 ريال على التوالي.

وفي القطاع المصرفي، انخفض سهم «الراجحي» بنسبة 0.7 في المائة، في حين تراجع سهم «الأهلي» بنسبة 1.4 في المائة. وتراجع سهم «السعودية للطاقة» بنسبة 3 في المائة، إلى 17.12 ريال.

في المقابل، تصدّر سهما «نايس ون» و«الأندية للرياضة» الشركات الأكثر ارتفاعاً بنسبة 6 و5 في المائة على التوالي. وصعد سهم «تسهيل» بنسبة 2.7 في المائة، إلى 132 ريالاً.


كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
TT

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)

لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للغاز في العالم، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري يُعيد تشكيل سوق الطاقة في آسيا، مستندة إلى شبكة معقدة من الإمدادات وخطوط الأنابيب وعقود الغاز المُسال، ما يمنحها نفوذاً متنامياً، خصوصاً في أوقات الأزمات. هذا ما أكده فيودور دميتريينكو، الباحث والمحلل الجيوسياسي في مجال سياسات الطاقة والتنمية المستدامة، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية.

وقال دميتريينكو إن حرب إيران كشفت ما بنته سنوات من صفقات خطوط الأنابيب وعقود الغاز الطبيعي المُسال بهدوء، وهو ما وصفه بـ«القبضة الصينية» على إمدادات الغاز في آسيا. فعندما ترددت أنباء عن قيام شركات صينية بإعادة بيع رقم قياسي بلغ 19 شحنة من الغاز الطبيعي المُسال خلال الربع الأول من عام 2026، منها 10 شحنات إلى كوريا الجنوبية، و5 إلى تايلاند، والبقية موزعة بين اليابان والهند والفلبين، قُدّم ذلك بوصفه تداولاً ذكياً، وكان كذلك بالفعل. إذ تبلغ تكلفة الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب بالنسبة لبكين نحو 250 دولاراً لكل ألف متر مكعب، في حين تجاوزت الأسعار الفورية في آسيا 830 دولاراً. وقد كان هامش الربح كبيراً للغاية، غير أن القصة الحقيقية تتجاوز بكثير أرباح مضاربات ربع سنوي واحد.

مخازن للغاز الطبيعي في نقطة تسلم تابعة لشركة «بتروتشاينا» في مدينة داليان الصينية (رويترز)

حرب إيران

وقال دميتريينكو إن ما كشفته حرب إيران هو تحول هيكلي جرى بناؤه على مدى عقد، إذ لم تعد الصين تكتفي بإعادة بيع فائض الغاز، بل تعمل على إنشاء نموذج لم تُجربه أي دولة من قبل، يتمثل في هيكل إمداد ثلاثي المستويات يجعلها المورد المرجّح لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ بأكملها. فهي تشتري الغاز بأسعار منخفضة عبر خطوط الأنابيب، وتبرم في الوقت نفسه عقوداً ضخمة للغاز الطبيعي المُسال عالمياً، ثم تُعيد توجيه الفائض إلى الدول المجاورة، حسب أسعار السوق أو متطلبات الأزمات.

ويضيف دميتريينكو أن الفجوة بين ما تتعاقد عليه الصين وما تستهلكه فعلياً تمثل فائض إعادة البيع. حالياً تبدو هذه الفجوة محدودة، في حدود 5 إلى 15 مليار متر مكعب، لكنها قد تتسع بحلول عام 2030 إلى ما بين 15 و50 مليار متر مكعب. وبحلول 2035، وإذا تحقق جزء حتى من مشروع «قوة سيبيريا 2»، فقد يصل الفائض إلى نحو 70 مليار متر مكعب، وهذه ليست أرقاماً هامشية، إذ إن 70 مليار متر مكعب تتجاوز إجمالي واردات اليابان السنوية من الغاز الطبيعي المُسال.

تعطل مضيق هرمز وميزة أمن الطاقة للصين

قبل 28 فبراير (شباط)، كانت هذه مجرد نظرية، لكن بعد هذا التاريخ أصبحت سياسة واقعية.

فعندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران، وأقدم «الحرس الثوري» الإيراني على خنق مضيق هرمز، بات لدى مستوردي الطاقة في آسيا أسباب جدية للقلق. إذ تحصل اليابان على نحو 93 في المائة من احتياجاتها النفطية عبر هذا المضيق. كما أعلن مجمع رأس لفان في قطر، وهو الأكبر من نوعه في العالم، حالة القوة القاهرة بعد هجوم بطائرة مُسيّرة.

وفي السياق ذاته، لم يكن لدى الفلبين سوى أقل من 10 أيام من مخزون الديزل، ما دفعها إلى إعلان حالة طوارئ في قطاع الطاقة، في حين أُغلق أكثر من 40 في المائة من محطات الوقود في لاوس.

وكانت إعادة بيع شحنات الغاز الطبيعي المُسال الجزء الأكثر وضوحاً في المشهد. ففي مارس (آذار) وحده، أعادت الصين بيع ما بين 8 و10 شحنات، وهو رقم قياسي شهري، إلى مشترين لم يكن لديهم خيار آخر. وجاء بعض هذه الشحنات من مشروعات روسية، وقد اشترتها اليابان رغم العقوبات المفروضة على الطاقة الروسية، إذ لم يكن أمامها بديل عملي سوى مواجهة خطر انقطاع الكهرباء.

دور الصين في سوق الغاز: صانع سوق لا منافس مباشر

يقول دميتريينكو إن السردية الناشئة، التي تصوّر الصين بوصفها منافساً للولايات المتحدة في سوق الغاز الطبيعي المُسال، تخلط بين الشكل والمضمون، فالولايات المتحدة ستضيف بحلول عام 2030 نحو 260–270 مليار متر مكعب من طاقة التصدير، أي ما يزيد على 30 في المائة من الإمدادات العالمية. في المقابل، لا تقوم الصين بتصدير أي كميات من الغاز المسال.

وبالمعنى الإنتاجي البحت، لا توجد منافسة مباشرة، لكن الصين، حسب دميتريينكو، لا تخوض هذه المنافسة أصلاً، بل تدير في الوقت نفسه 3 استراتيجيات مختلفة داخل السوق العالمية للغاز.

سفينة تحمل شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا في محطة للغاز بمقاطعة جيانغسو الصينية (رويترز)

ويقول دميتريينكو إن الاستراتيجية الأولى تتمثل في ضغط الأسعار عبر التحكيم السعري، إذ إن كل شحنة تضخها الصين في السوق الفورية الآسيوية تزيد السيولة وتدفع الأسعار إلى الانخفاض، ما يقوّض هامش العلاوة الذي يعتمد عليه المنتجون الأميركيون.

وتبلغ نقطة التعادل للغاز الأميركي نحو 7 إلى 9 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية عند التسليم إلى آسيا. ومع تزايد الشحنات المعاد بيعها، قد تنخفض الأسعار إلى نحو 6 دولارات أو أقل، ما يجعل المشروعات الجديدة أقل جدوى ويثني المستثمرين.

الاستراتيجة الثانية هي تآكل الطلب الهيكلي. فكل مليار متر مكعب من الغاز الروسي أو التركماني المنقول عبر الأنابيب إلى الصين يقابله تراجع مماثل في الحاجة إلى الغاز الطبيعي المُسال من مصادر أخرى. وإذا ضخ مشروع «قوة سيبيريا 2» حتى 30 مليار متر مكعب من طاقته التصميمية البالغة 50 مليار متر مكعب، فإن ذلك وحده كفيل بتقليص الطلب الصيني على الغاز المُسال، بما يعادل إنتاج محطة تصدير أميركية كبرى.

ومع التوسع في الطاقة النووية والمتجددة، يتضح أن اعتماد الصين على الغاز المنقول بحراً يتراجع تدريجياً، في الوقت الذي يستعد فيه المعروض العالمي من الغاز المُسال للارتفاع.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى فائض في الغاز المُسال قد يبلغ نحو 65 مليار متر مكعب بحلول عام 2030، في حين قد تصل الطاقة الفائضة إلى نحو 130 مليار متر مكعب، أي ما يقارب 15 في المائة من القدرة العالمية غير المستغلة. وفي حين تستطيع قطر، بفضل انخفاض تكاليف إنتاجها، تحمّل هذا الفائض، يواجه منتجون آخرون تحديات أكبر بكثير.

ناقلة غاز طبيعي مسال تغادر الرصيف بعد تفريغها في محطة الاستلام التابعة لشركة «بتروتشاينا» في داليان بمقاطعة لياونينغ الصين (رويترز)

الاستراتيجية الثالثة هي النفوذ في أوقات الأزمات، وهي الأكثر إثارة لقلق صناع القرار في طوكيو وسيول ومانيلا ونيودلهي. فعندما أُغلق مضيق هرمز، كانت الصين الاقتصاد الآسيوي الكبير الوحيد الذي يمتلك فائضاً من الغاز يمكن طرحه في السوق. ولم يكن ذلك بدافع السخاء، بل بوصفه أداة نفوذ. كما أرسلت بكين ناقلات ديزل إلى الفلبين بعد أن بلغت أزمة الطاقة في مانيلا مستوى حاداً. وكانت الرسالة إلى كل جار يعتمد على الطاقة واضحة: أمن إمداداتكم تمر عبرنا الآن.

ما ينبغي أن يثير قلق واشنطن وطوكيو، خصوصاً منتجي الغاز الطبيعي المُسال الأميركيين، هو أن التوقيت يبدو قاسياً. فالولايات المتحدة على وشك تشغيل أكبر موجة من قدرات الإسالة في تاريخها، بنحو 100 مليار متر مكعب من طاقة التصدير الجديدة بحلول عام 2028، مع دخول مشروعات إضافية الخدمة لاحقاً.

وقد تمت الموافقة على هذه المشروعات على افتراض أن الطلب الآسيوي، وفي مقدمته الطلب الصيني، سيواصل نموه. وقد يتحقق ذلك جزئياً، لكن كل مليار متر مكعب من الغاز المنقول عبر الأنابيب من روسيا أو تركمانستان إلى الصين يعني عملياً تراجعاً مماثلاً في الطلب على الغاز الطبيعي المُسال في السوق القابلة للاستهداف.

وإذا واصل المشترون الصينيون إعادة توجيه شحنات الغاز ذات المنشأ الأميركي إلى دول ثالثة، كما يفعلون لتفادي الرسوم الجمركية، فإن جزيئات الغاز الأميركية تنتهي إلى منافسة نفسها في أسواق جنوب شرق وجنوب آسيا.

أما بالنسبة لليابان، فالمشكلة أعمق، فقد كشفت حرب إيران عن اعتماد تدركه طوكيو منذ عقود، لكنها لم تنجح في معالجته. إذ يمر نحو 93 في المائة من واردات اليابان النفطية، وجزء كبير من وارداتها من الغاز الطبيعي المُسال، عبر مضيق هرمز. وعندما أُغلق المضيق، وجدت اليابان نفسها مضطرة لشراء شحنات أعادت الصين بيعها، وربما تضمنت غازاً روسياً، وهو ما كانت العقوبات اليابانية تهدف في الأصل إلى تجنّبه.

وتواجه كوريا الجنوبية والهند والفلبين وتايلاند المعضلة ذاتها بدرجات متفاوتة. فلا واحدة منها تمتلك خطوط أنابيب برية مباشرة إلى كبار منتجي الغاز، وجميعها تعتمد على ممرات بحرية تمر عبر نقاط اختناق استراتيجية. والصين وحدها بين كبار مستوردي آسيا هي التي نجحت في بناء بديل بري متكامل، لا تستخدمه فقط لتعزيز أمنها الطاقي، بل أيضاً أداة نفوذ تجاري وسياسي في أنحاء المنطقة.

ويخلص دميتريينكو إلى أن هذا الوضع لم يتشكل مصادفة، بل جاء نتيجة استثمار امتد لنحو 15 عاماً وبمئات المليارات من الدولارات، شمل تطوير خطوط الأنابيب، ومحطات الغاز الطبيعي المُسال، والعقود طويلة الأجل، إلى جانب برامج تطوير الغاز الصخري والطاقة النووية. وعليه، لم تكن حرب إيران سبباً في خلق النفوذ الصيني في سوق الطاقة الآسيوية، بل كشفت عن حجمه الحقيقي. وبالنسبة للدول التي تسارع اليوم إلى تأمين إمداداتها من الوقود، فإن هذا الإدراك جاء متأخراً أكثر مما ينبغي.


لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
TT

لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)

يشهد الملف المالي اللبناني زخماً موازياً لمسار الملف السياسي الذي أفضى إلى اتفاق هدنة لمدة 10 أيام قابلة للتجديد، في ظل ترجيحات باستكمال استجابة صندوق النقد الدولي لتمكين لبنان من الحصول على دعم مالي طارئ، إلى جانب إبرام اتفاقات تمويلية إضافية مع البنك الدولي. ومن المتوقع أن تُخصَّص مجمل هذه القروض لمواجهة جزء من الأعباء التراكمية الناجمة عن الحرب المتكررة في نسختها الثانية، بما في ذلك متطلبات النزوح السكاني وتقديم المساعدات الإنسانية.

ومع تكريس معادلة مرجعية تقضي بالربط التلقائي بين تدفق الدعم المالي والتمويل وتثبيت وقف إطلاق النار، والانطلاق في مسار إنهاء المواجهات العسكرية عبر اتفاق شامل، تُفيد المعلومات الواردة من واشنطن -حسب مسؤول مالي كبير تواصلت معه «الشرق الأوسط»- بسيادة «أجواء إيجابية» ومشجّعة رافقت مباحثات الوفد الوزاري اللبناني مع كبار المسؤولين في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ويأتي ذلك في إطار مساعٍ مكثفة لحشد دعم مالي «استثنائي» مخصّص لمعاونة النازحين، وإعادة إعمار البنى التحتية، والتحضير لمرحلة إعادة إعمار المساكن والقرى المدمّرة.

إشارات واعدة

وثمة إشارات واعدة، وفق المسؤول المعني، برزت في الاستجابة العاجلة لطلب الوفد اللبناني من قبل البنك الدولي، بتوقيع اتفاقية تمويل 200 مليون دولار مخصصة لدعم برنامج «أمان» للأسر الأكثر فقراً وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي.

بينما أظهرت إدارة صندوق النقد الدولي تفهماً معمقاً للاحتياجات المالية الطارئة، يؤمل ترجمته قريباً في اعتماد بدائل ملائمة لخطوط تمويلية تتعدّى المانع القانوني لفقدان لبنان شرط استدامة الدين العام، والناتج تلقائياً عن قرار «التعثر عن سداد مستحقات الديون السيادية» منذ ربيع عام 2020.

ومع تطلّع لبنان، وفق مساعي الوفد الرسمي، إلى شراكة متجددة مع البنك الدولي، تقوم على المرونة وسرعة الاستجابة، ومراعاة حجم التحديات الاقتصادية والإنسانية والتنموية التي تواجه البلاد، فقد ركّز على ضرورات توفير تمويل إضافي على شكل منح لدعم المجتمعات المتضررة، مع إعطاء أولوية خاصة لقطاع الإسكان، نظراً لما يُشكله من حاجة ملحّة في مرحلة ما بعد الحرب، إلى جانب دوره الأساسي في دعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

من اليسار: وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد ووزير المال ياسين جابر (إكس)

وقد فرضت الحرب والمواجهات العسكرية، على مدى 45 يوماً، بتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، تغييراً جوهرياً في مهمة الوفد اللبناني المشارك في الاجتماعات الربيعية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إذ جرى حصرها بهذه المستجدات. في المقابل، تم تعليق ملف الاتفاق التمويلي العالق، بما يتضمنه من التزامات تشريعية وتنفيذية مرتبطة بخطة التعافي الاقتصادي والإنقاذ المالي، إلى وقت لاحق، ريثما يتم احتواء الخسائر المستجدة وتلك الناجمة عن الحرب الأولى قبل أقل من عامين.

وفي ختام برنامج مكثّف من الاجتماعات مع كبار مسؤولي المؤسسات المالية الدولية والدول الصديقة، الهادفة أساساً إلى حشد الدعم للبنان وتعزيز فرص التعافي والاستقرار، واصل وزير المالية ياسين جابر، برفقة الوفد الرسمي، لقاءاته في العاصمة الأميركية. وشملت هذه اللقاءات بحثاً مع مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، في الاستحقاقات المالية الداهمة، وتأكيد أهمية مواصلة الحوار البناء بين الطرفين، بما يفضي إلى التفاهم على أولويات المرحلة المقبلة والإصلاحات المطلوبة لتعزيز الاستقرار واستعادة الثقة.

وشدّد وزير المال في مباحثاته المتواصلة مع كبار المسؤولين في البنك الدولي، على «أهمية إعطاء الأولوية للمحفظة الحالية من المشروعات المموّلة من قبله، والتي تتعدى قيمتها الإجمالية 1.3 مليار دولار أميركي، والعمل على توجيهها، بما ينسجم مع الحاجات المستجدة، ولا سيما تلك المرتبطة بإعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية وتعزيز الصمود الاجتماعي». وبالتالي المساهمة في تحسين قدرات الحكومة على مواجهة الاحتياجات الأساسية للنازحين وإعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية.

ومن المرتقب، وفق المسؤول المالي المعني، أن يبادر البنك الدولي إلى إعلان تقديرات أولية لإجمالي الخسائر المالية والاقتصادية الناجمة عن الحرب الجديدة، وذلك بعد التثبت من تثبيت وقف المواجهات العسكرية. وسيأتي هذا التقييم على غرار التقدير السريع للحرب السابقة الذي نُشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، والمستند إلى قاعدة بيانات إحصائية معزّزة بمسوحات ميدانية، بما يمهّد لتحديد الاحتياجات التمويلية العاجلة، ووضع برامج المساعدة على المديين المتوسط والطويل.

خسائر تتعدى الـ5 مليارات دولار

وثمة تقديرات أولية تشير إلى أن حجم الخسائر المسجّلة حتى إعلان الهدنة القائمة تجاوز 5 مليارات دولار، ما يرفع حكماً احتياجات إعادة الإعمار والتعافي التي كان البنك الدولي قد قدّرها بنحو 11 مليار دولار بنهاية الحرب السابقة. وقد بلغت الأضرار التي لحقت بالمباني وحدها آنذاك 6.8 مليار دولار، لتُشكل مجدداً مركز الثقل في التقديرات المرتقبة، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تراجع الإنتاجية وفقدان الإيرادات وارتفاع تكاليف التشغيل، التي كانت قد ناهزت سابقاً 7.2 مليار دولار.

صدمة سلبية على الاقتصاد

وحسب رصد تقييمي لمعهد التمويل الدولي، عقب انقضاء الشهر الأول على اندلاع المواجهات العسكرية الجديدة، فإن العدوان على لبنان شكّل صدمة سلبية متكررة للاقتصاد، الذي كان ولا يزال يعاني أزمات حادة منذ خريف عام 2019، تمثّلت في الضغوط على الناتج المحلي الإجمالي، وتدهور الميزانية، وضعف المؤسسات.

وأشار معهد التمويل الدولي إلى أن هذه الحرب قد تؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 12 و16 في المائة خلال العام الحالي، تبعاً لمدة الصراع. وفي المقابل، قدّر وزير المالية، خلال اجتماعاته في واشنطن، احتمال انكماش الناتج بنحو 7 في المائة نتيجة الحرب والخسائر الأولية. علماً بأن التقديرات الموثقة ستظل مرتبطة سلباً أو إيجاباً بمسار تطورات إنهاء الحرب وتدفّق الدعم الخارجي من المؤسسات الدولية والدول المانحة.

ومع تأكيده أن الدمار الأساسي الذي لحق بالبنى التحتية (كالطرقات والمرافق وشبكات الاتصال) قد تُسبب خسائر كبيرة، لاحظ المعهد الدولي أنّ تراجع حركة السياحة يُشكل السبب الرئيسي للانكماش، والمعزز بتأثراته على حركة الفنادق والمبيعات والنقل. بالإضافة إلى أن قطاعات منتجة، كقطاع الزراعة وقطاع الصناعة، قد عانت مشكلات وتعقيدات طرأت على صعيد سلسلة الإمداد، وتضرر الأراضي الزراعية وصعوبة تنقل القوى العاملة، ما أدّى إلى خفض الإنتاج وتراجع في حجم الاقتصاد.

وبالتوازي، أشار المعهد إلى أن نزوح أكثر من مليون شخص، أي نحو 20 في المائة من السكان، فاقم الضغوط على السكن والخدمات العامة وأسواق العمل. كما أسهمت الخسائر الكبيرة في الدخل، وارتفاع معدلات البطالة، وتعطل الأعوام الدراسية، والاضطرابات التي طالت قطاع الرعاية الصحية، في تراكم تكلفة اجتماعية مرتفعة، ولا سيما على الأسر ذات الدخل المحدود والأسر النازحة.