«قمة» لتسريع إنتاج لقاحات «كورونا»

الاتحاد الأوروبي يحث أميركا على السماح بتصدير لقاح «أسترازينيكا»

ممرضة تعد جرعة لقاح بمدينة حيدر آباد في باكستان (إ.ب.أ)
ممرضة تعد جرعة لقاح بمدينة حيدر آباد في باكستان (إ.ب.أ)
TT

«قمة» لتسريع إنتاج لقاحات «كورونا»

ممرضة تعد جرعة لقاح بمدينة حيدر آباد في باكستان (إ.ب.أ)
ممرضة تعد جرعة لقاح بمدينة حيدر آباد في باكستان (إ.ب.أ)

تلتقي الأطراف الرئيسية في مكافحة «كورونا» على مدى يومين، في ما يشبه اجتماعات للقمة، وذلك بغرض البحث عن أجوبة سريعة لكيفية إنتاج مزيد من اللقاحات ضد الفيروس للسيطرة على وباء الذي يواصل التفشي. وقالت كبيرة علماء منظمة الصحة العالمية سمية سواميناتان خلال مؤتمر صحافي: «المطلوب تسليط الضوء على الثغرات التي نواجهها في هذه المرحلة بسلاسل الإمداد على صعيد الكواشف الكيميائية والمواد الأولية والمنتجات التي تحتاجون إليها لإنتاج لقاحات».
ويواجه العالم طلباً غير مسبوق نتيجة تفشي الوباء المتواصل منذ 14 شهراً، أودى خلالها بـ2.57 مليون شخص. وأعلن قطاع صناعة الأدوية أن بإمكانه إنتاج عشرة ملايين جرعة من اللقاحات المضادة لفيروس كورونا هذه السنة، ما يساوي ضعف قدرته الإنتاجية الإجمالية لجميع اللقاحات عام 2019. لكن الطبيبة سواميناتان أوضحت أن إنتاج كل هذه اللقاحات لا يتطلب توافر المواد بكميات غير مسبوقة فحسب، بل يستلزم أيضاً توفير الزجاج لصنع القوارير والبلاستيك والأغطية، في وقت زعزع فيه الوباء سلاسل التموين العالمية. وقالت: «ستركز القمة على المرحلة السابقة (للقاح)، على الثغرات، وكيف يمكن إصلاحها وإيجاد حلول»، مضيفة: «هذا يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً على المدى القريب».
ويشارك في الاجتماعات التي تعقد الاثنين والثلاثاء عبر الإنترنت الشركاء في نظام «كوفاكس» (منظمة الصحة العالمية وتحالف اللقاحات «غافي» وتحالف ابتكارات التأهب الوبائي «سيبي»)، والاتحاد الدولي لصناعة الأدوية، إضافة إلى مصنّعين من الدول النامية وخبراء وحكومات. تحت ضغط الدول والرأي العام، ضاعفت مجموعات الأدوية الكبرى في الأسابيع الأخيرة اتفاقات الشراكة لإنتاج مزيد من اللقاحات، متجاوزة المنافسة الشديدة القائمة بينها في الظروف العادية. وبموجب هذه الاتفاقات، ستقوم مجموعة «سانوفي» الفرنسية التي تأخرت في تطوير لقاحها الخاص ضد فيروس كورونا، بمساعدة فايزر - بايونتيك وكذلك جونسون أند جونسون على إنتاج مزيد من الجرعات. كما ستنتج مجموعة ميرك لقاحات جونسون أند جونسون. وستساعد شركة نوفارتيس السويسرية مجموعة فايزر ومختبرات كيورفاك الألمانية التي تلقى مساعدة أيضاً من باير.
- مزيد من التعاون
ومن الصعب في الوقت الحاضر تقدير وطأة هذا التعاون بالضبط على الإنتاج، لكن «سواميناتان» شددت على أن الاتفاقات «أمر جيد جداً، ونود أن نرى مزيداً منها عبر العالم. علينا تقصي القدرات على ملء العبوات وإتمام الإنتاج في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية واستخدام هذه المصانع لزيادة العرض». كذلك عبرت مديرة الأبحاث في معهد إنسيرم الفرنسي ماري بول كيني عن رأي مماثل، مؤكدة أن «هناك كثيراً من منتجي الأدوية الجنسية الذين يمتلكون القدرة والمعرفة، والذين بمقدورهم تقديم مساعدتهم في هذه العملية». لكن هذا التعاون يطرح مشكلات الملكية الفكرية والتراخيص التي تسمح لمجموعات الأدوية الكبرى بتحقيق أرباح بعدما استثمرت مبالغ طائلة، وحظي بعضها بدعم كبير من الدول.
وقدمت الهند وجنوب أفريقيا اقتراحاً إلى منظمة التجارة العالمية يقضي بتعليق براءات الاختراع بصورة مؤقتة، لكنه يبدو في طريق مسدودة بالرغم من تصعيد منظمة الصحة العالمية ومنظمات غير حكومية الضغط بهذا الصدد. يقضي الهدف الرئيسي من جهود تكثيف إنتاج اللقاحات بالسماح بتحصين سكان الدول الأكثر فقراً التي لا تمتلك ما يكفي من المال لشراء اللقاحات من مصدرها. وإن كانت حملات التلقيح بدأت في أواخر ديسمبر (كانون الأول) في كثير من الدول الغنية، فإن أولى الجرعات الموزعة عبر آلية «كوفاكس» الرامية إلى مكافحة النزعة القومية على صعيد اللقاحات، لم تصل إلا هذا الأسبوع.
وتم إرسال نحو عشرين مليون جرعة لقاح إلى عشرين بلداً، تضاف إليها الأسبوع المقبل 14.4 مليون جرعة توزع على 31 بلداً.
وقال المدير العام لمنظمة الصحة تيدروس أدهانون غيبريسوس: «هذا تقدم مشجع، لكن كمية الجرعات الموزعة عبر كوفاكس تبقى ضئيلة نسبياً». وشدد على أن حجم اللقاحات المقرر توزيعها عبر «كوفاكس» بحلول نهاية مايو (أيار)، لا تمثل سوى من 2 إلى 3 في المائة من سكان الدول التي ستتلقاها، «في حين يتجه البعض بسرعة إلى تلقيح جميع سكانه خلال الأشهر المقبلة».
- أسترازينيكا
من جهة أخرى، ذكرت صحيفة «فايننشيال تايمز» أن الاتحاد الأوروبي سيحث الولايات المتحدة على السماح بتصدير ملايين الجرعات من لقاح أسترازينيكا للوقاية من «كوفيد - 19»، وذلك مع سعي التكتل لسد النقص في إمدادات اللقاح. ويرغب الاتحاد الذي يضم 27 دولة أيضاً في أن تكفل واشنطن حرية تدفق شحنات مكونات اللقاحات المهمة واللازمة للإنتاج في أوروبا. ونقلت الصحيفة عن المفوضية الأوروبية قولها: «نثق بقدرتنا على العمل مع الولايات المتحدة لضمان أن اللقاحات المنتجة أو المعبأة في الولايات المتحدة ستصل كاملة للوفاء بالالتزامات التعاقدية لمنتجي اللقاحات مع الاتحاد الأوروبي».
وبدأت دول الاتحاد التطعيم في نهاية ديسمبر (كانون الأول)، لكن حملاتها تسير بوتيرة أبطأ بالمقارنة مع دول أخرى غنية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا العضو السابق في التكتل. ويرى مسؤولون أن معاناة المصنعين من مشاكل في الإمدادات لها دور في بطء الإنتاج والتوزيع.
ويجري الاتحاد الأوروبي غداً محادثات مع واشنطن، لضمان الحصول على واردات من المواد أميركية الصنع المستخدمة في تصنيع اللقاحات المضادة لفيروس كورونا التي تخضع راهناً لقيود تصدير صارمة، على ما قال مصدر أوروبي. وسيلتقي الفرنسي تييري بريتون مفوض السوق الداخلية الأوروبية، المكلف من بروكسل بخصوص إنتاج اللقاحات، جيفري زينتس منسق فريق العمل الخاص بـ«كوفيد - 19» في البيت الأبيض، على ما أفاد مصدر مطلع على الملف وكالة الصحافة الفرنسية. وتابع المصدر أنّ الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يودان «العمل معاً بشكل متناسق لتفادي (سيناريو) عنق الزجاجة» لمصنّعي اللقاحات الأوروبيين.
ومن بين المواد المحظورة قيد المناقشة، الأكياس التي يتم تركيبها في أحواض الشركات المصنّعة، وهي غالباً ما يتم تصنيعها في الاتحاد الأوروبي بواسطة شركات أميركية أو في الولايات المتحدة بواسطة شركات أوروبية، بالإضافة إلى القوارير والحقن. وتتطلب كل المواد المستخدمة في تصنيع اللقاحات موافقات خاصة من السلطات الأميركية للسماح بتصديرها. وأفاد المصدر الأوروبي بأنّ «الفكرة ليست تجاوز» القواعد، لكن «تسهيل وتسريع... التدابير الإدارية». وأضاف: «نحن نتخذ إجراءات في شكل مسبق. حينما يزداد إنتاج اللقاحات في أوروبا بشكل حاد، نريد أن نتأكد من أن جميع المواد ستكون موجودة». ولا ينطبق نظام مراقبة الصادرات الخاص بالاتحاد الأوروبي إلا على اللقاحات الجاهزة للاستخدام، وقد تم استخدامه مؤخراً لمنع إرسال ربع مليون جرعة من لقاح أسترازينيكا إلى أستراليا.
وأخطرت الشركة السويدية البريطانية دول الاتحاد الأوروبي الـ27 بأنها لن تكون قادرة إلا على تقديم ثلث عدد الجرعات الموعودة مبدئياً إلى التكتل في الربع الأول من العام الجاري. وقال المصدر الأوروبي إن محادثات الاثنين، «لا تهدف إلى التفاوض بشأن جرعات» اللقاحات الجاهزة، موضحاً أن ذلك «متروك للشركات».


مقالات ذات صلة

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended