البابا يدعو العراق إلى تحويل الاختلاف «تعايشاً»... والعالم إلى مساعدته

صالح وزعامات البلاد وممثلو طوائفه احتفوا به في «قصر بغداد»

الرئيس العراقي برهم صالح مستقبلاً البابا فرنسيس في قصر بغداد أمس (رويترز)
الرئيس العراقي برهم صالح مستقبلاً البابا فرنسيس في قصر بغداد أمس (رويترز)
TT

البابا يدعو العراق إلى تحويل الاختلاف «تعايشاً»... والعالم إلى مساعدته

الرئيس العراقي برهم صالح مستقبلاً البابا فرنسيس في قصر بغداد أمس (رويترز)
الرئيس العراقي برهم صالح مستقبلاً البابا فرنسيس في قصر بغداد أمس (رويترز)

في الساعة الثانية ظهراً بتوقيت بغداد أمس (الجمعة)، حطت طائرة البابا فرنسيس في مطار بغداد الدولي، حيث كان رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي على رأس مستقبليه. وفي قصر بغداد الرئاسي، كان رئيس الجمهورية برهم صالح ينتظر مع كبار قادة العراق وزعامات الخط الأول وصول الموكب المهيب للبابا على طريق مطار بغداد، حيث اصطف مئات المواطنين العراقيين حاملين أعلاماً عراقية وأعلام دولة الفاتيكان، مرحبين بالضيف الكبير، في وقت كانت فيه شوارع العاصمة العراقية شبه فارغة بسبب حظر التجوال الشامل.
في القاعة الكبرى بقصر بغداد، جرت الاحتفالية المركزية التي حضرها كبار قادة العراق، فضلاً عن تنوع مجتمعي وديني ومكوناتي، بالإضافة إلى ممثلي منظمات المجتمع المدني العراقي، فضلاً عن مسؤولين أممين وسفراء عرب وأجانب وقد حضرتها إلى جانب كل هذه الفعاليات والتسميات «الشرق الأوسط».
قاد الرئيس صالح ضيفه إلى صدر القاعة بعد أن عزف السلامان البابوي والجمهوري العراقي، وألقى كلمة ترحيبية قبل أن يلقي البابا كلمة وجه فيها «الشكر لرئيس الجمهورية برهم صالح على دعوته لي لزيارة العراق»، مضيفاً: «إنني ممتن لإتاحة الفرصة لي لأن أقوم بهذه الزيارة، التي طال انتظارها إلى هذه الأرض، مهد الحضارة، والمرتبطة ارتباطاً وثيقاً، من خلال النبي إبراهيم وكثير من الأنبياء».
وأضاف البابا أنه «على مدى العقود الماضية، عانى العراق من كوارث الحروب وآفة الإرهاب، ومن صراعات جلبت الموت والدمار، ولا يسعني إلا أن أذكر الإيزيديين، الضحايا الأبرياء للهجمة عديمة الإنسانية، فقد تعرضوا للاضطهاد والقتل بسبب انتمائهم الديني، وتعرضت هويتهم وبقاؤهم نفسه للخطر».
ودعا البابا فرنسيس، المجتمع الدولي، إلى أن «يقوم بدور حاسم في تعزيز السلام في العراق وكل الشرق الأوسط»، مبيناً أن «التحديات المزدادة تدعو الأسرة البشرية بأكملها في التعاون على نطاق عالمي لمواجهة عدم المساواة في مجال الاقتصاد، والتوترات الإقليمية التي تهدد استقرار هذه البلدان». وقال: «لتصمت الأسلحة! ولنضع حداً لانتشارها هنا وفي كل مكان! ولتتوقف المصالح الخاصة، المصالح الخارجية التي لا تهتم بالسكان المحليين. ولنستمع لمن يبني ويصنع السلام!». وأضاف: «كفى عنفاً وتطرفاً وتحزبات وعدم تسامح! ليعطَ المجال لكل المواطنين الذين يريدون أن يبنوا معاً هذا البلد في الجوار وفي مواجهة صريحة وصادقة وبناءة».
ودعا إلى «التصدي لآفة الفساد وسوء استعمال السلطة، وكل ما هو غير شرعي» بعد أكثر من سنة على خروج العراقيين بعشرات الآلاف إلى الشارع محتجين على الطبقة السياسية الفاسدة في نهاية 2019. وقال: «ينبغي في الوقت نفسه تحقيق العدالة، وتنمية النزاهة والشفافية وتقوية المؤسسات المسؤولة عن ذلك» من أجل تحقيق الأمن والاستقرار.
وفي إشارة إلى المسيحيين الذين يشكلون واحداً في المائة من السكان، شدّد على ضرورة «ضمان مشاركة جميع الفئات السياسية والاجتماعية والدينية، وأن نؤمن الحقوق الأساسية لجميع المواطنين»، قائلاً: «يجب ألا يعدّ أحد مواطناً من الدرجة الثانية».
وفي بلد يشهد توترات حادة وتبادل رسائل وتصفية حسابات بين قوى خارجية عدة على رأسها الولايات المتحدة وإيران، قال البابا: «أتمنى ألا تسحب الدول يد الصداقة والالتزام البناء الممدودة إلى الشعب العراقي، بل تواصل العمل بروح المسؤولية المشتركة مع السلطات المحلية دون أن تفرض مصالح سياسية أو آيديولوجية». ومضى البابا قائلاً إن «العراق مدعو إلى أن يبين أن الاختلافات يمكن أن تتحول إلى تعايش ووئام، ويجب تشجيع الحوار، وندعو إلى الاعتراف بكل المجتمعات والاتجاهات». كما أعلن البابا تشجيعه لما سماه «الخطوات الإصلاحية المتخذة في العراق»، مبيناً أن «تلبية الاحتياجات الأساسية لكثير من الإخوان تجلب السلام الدائم، والديانة يجب أن تكون بخدمة السلام والأخوّة، كما أنه يجب العمل من أجل تعزيز السلام في الشرق الأوسط وفي كل العالم».
وفي كلمته الترحيبية بالبابا، عبر الرئيس صالح عن سعادته بالزيارة التي أصر الحبر الأعظم على القيام بها رغم كل التحديات سواء تلك التي تتمثل بجائحة كورونا أو الإرهاب الذي يعاني منه العراق، لا سيما السلاح المنفلت الذي بات من الصعب السيطرة عليه في ظل تعدد الجهات والفصائل المسلحة التي تحاول تقويض جهود الدولة في إرساء السلام. وقال صالح: «فيما يحل بيننا قداسة البابا ضيفاً عزيزاً كريماً»، هناك «فرصة تاريخية لجعلها مناسبة لإعادة التأكيد على قيم المحبة والسلام والعيش المشترك ودعم التنوع» الديني والاجتماعي، واصفاً ذلك بـ«قيم إنسانية يصل صداها إلى العالم أجمع». وتابع: «مسيحيو الشرق أهل هذه الأرض وملحُها، فلا يمكن تصور الشرق من دون المسيحيين»، مؤكداً أن «استمرار هجرة المسيحيين من بلدان الشرق ستكون له عواقب وخيمة على قدرة شعوب المنطقة نفسها في العيش المشترك». وقال: «لن يتأكد أي نجاح لمنطقتنا ما لم تتأكد عودة المسيحيين من دون إكراه»، داعياً إلى «العمل على تأمين بيئة آمنة لذلك». وأشار إلى أن «سنوات من العنف والاضطهاد أدت إلى تراجع عدد المسيحيين في العراق من 1.5 مليون في 2003 إلى 400 ألف فقط اليوم». ووجه صالح كلامه إلى البابا قائلاً إن «إصراركم على زيارة العراق رغم مصاعب وباء كورونا المستجد (كوفيد - 19) والظروف العصيبة، يضاعف قيمة الزيارة لدى العراقيين». واستذكر صالح موقف جنود عراقيين يعيدون صليب إحدى كنائس الموصل إلى مكانه وتأدية التحية له بعد تحرير المدينة من «داعش»، كما أعلن رفض بلاده أن تكون ساحة للصراع والتناحر. من جانبه، وبعد انتهاء الاحتفالية المركزية في قصر بغداد، رافق الرئيس صالح ضيفه إلى مقر كنيسة النجاة التي أقيم فيها أمس (الجمعة) أول قداس على هذا المستوى الرفيع بعد نحو 10 سنوات على تفجيرها من قبل تنظيم «داعش» الذي أوقع مئات الشهداء والجرحى من أبناء الطائفة المسيحية في العراق.



اتساع رقعة القمع الحوثي في صنعاء... وتوثيق أكثر من 3900 انتهاك

عناصر حوثيون في صنعاء يحرسون تجمعاً نظمته الجماعة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء يحرسون تجمعاً نظمته الجماعة (إ.ب.أ)
TT

اتساع رقعة القمع الحوثي في صنعاء... وتوثيق أكثر من 3900 انتهاك

عناصر حوثيون في صنعاء يحرسون تجمعاً نظمته الجماعة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء يحرسون تجمعاً نظمته الجماعة (إ.ب.أ)

كشفت تقارير حقوقية يمنية عن تصاعد ممنهج في الانتهاكات التي ترتكبها الجماعة الحوثية بحق المدنيين في العاصمة المختطفة صنعاء، موثِّقةً أكثر من 3900 انتهاك خلال عامي 2024 و2025، بينها القتل والتعذيب والاختطاف والإخفاء القسري والتهجير ونهب الممتلكات والمحاكمات السياسية وقمع الحريات.

ووثَّق مكتب حقوق الإنسان في صنعاء (حكومي) نحو 3219 انتهاكاً ارتكبتها الجماعة ضد سكان العاصمة المختطفة ومديرياتها العشر خلال عامين، في وقت أظهر تقرير حقوقي آخر تسجيل 761 انتهاكاً خلال عام 2025 وحده، إلى جانب 129 انتهاكاً طالت موظفي المنظمات الإنسانية والأممية.

وتشير هذه الأرقام، وفقاً للجهتين، إلى اتساع نطاق الانتهاكات الحوثية وتنوع أدواتها، من القمع الأمني المباشر إلى الضغط الاقتصادي وملاحقة النشاط المدني والحقوقي، بما في ذلك معاقبة مواطنين على خلفيات تتصل بالتعبير عن الهوية الوطنية.

عناصر حوثيون يستقلون سيارة عسكرية في صنعاء (أ.ف.ب)

وقال مكتب حقوق الإنسان بصنعاء والتابع للسلطة المحلية الشرعية إن الانتهاكات التي رصدها خلال عامي 2024 و2025 توزعت على 14 نمطاً إجرامياً، شملت القتل خارج نطاق القانون، والاختطاف والإخفاء القسري، والتهجير، والتعذيب المفضي إلى الوفاة، والمحاكمات السياسية، والانتهاكات بحق النساء والأطفال، وقمع الحريات، ونهب الممتلكات، وفرض الإتاوات والجبايات غير القانونية.

وأوضح المكتب، في تقرير حمل عنوان «ذاكرة الألم»، أنه وثق 105 حالات قتل، بينها 71 حالة قتل مباشر و34 وفاة تحت التعذيب، إضافة إلى 135 حالة تعذيب جسدي ونفسي، و483 حالة اختطاف وإخفاء قسري، و268 حالة اعتداء وإصابة.

وسجَّل التقرير أكثر من 1537 انتهاكاً خلال عام 2024، قبل أن يرتفع العدد إلى 1682 انتهاكاً في 2025، بزيادة بلغت 145 انتهاكاً، أو ما نسبته 9.4 في المائة.

كما وثَّق المكتب 307 محاكمات ذات طابع سياسي، صدرت خلالها 39 حكماً بالإعدام بحق معارضين وناشطين، في مؤشر، بحسب التقرير، على استخدام القضاء أداة في ملاحقة الخصوم السياسيين والمعارضين للجماعة.

بائع متجول يعرض ملابس شتوية مستعملة للبيع في صنعاء (إ.ب.أ)

وطالت الانتهاكات كذلك الفئات الأكثر هشاشة، إذ رصد التقرير 299 انتهاكاً بحق الأطفال و102 انتهاكاً بحق النساء، فضلاً عن أكثر من 382 حالة تعسف وإقصاء وظيفي، و199 اعتداء على الحريات العامة، و167 انتهاكاً لحرية التنقل.

وفي ملف الممتلكات، سجَّل التقرير 302 حالة نهب واعتداء على ممتلكات عامة وخاصة، إلى جانب 125 حالة تهجير قسري وهدم منازل، في سياق ما وصفه المكتب باتساع أنماط السيطرة الحوثية على حياة السكان وممتلكاتهم.

قمع المنظمات وتجويع السكان

لم تقتصر الانتهاكات، وفق التقرير الحكومي، على المدنيين، بل امتدت إلى موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المنظمات الدولية والإنسانية، حيث تحدث عن تصعيد شمل الاعتقال والاختطاف والإخفاء القسري واقتحام مقرات المنظمات ومصادرة محتوياتها.

ويتقاطع ذلك مع تقرير صادر عن «منظمة دي يمنت للحقوق والتنمية»، وثَّق 129 انتهاكاً بحق المنظمات الإنسانية والأممية خلال العام الماضي، بينها اختطاف 52 موظفاً وإخفاء 31 آخرين قسراً في معتقلات سرية.

واتهم التقرير الجماعة الحوثية باستخدام الاقتصاد وسيلة للعقاب الجماعي، مشيراً إلى استمرار انقطاع مرتبات نحو 70 في المائة من موظفي القطاع العام، بالتزامن مع فرض الإتاوات والجبايات، وهو ما قال إنه أسهم في تراجع القدرة الشرائية بنحو 80 في المائة.

سكان صنعاء يتخوفون من انهيار معيشي جراء التصعيد الحوثي (رويترز)

ووفق التقرير، دفعت هذه السياسات نحو 80 في المائة من الأسر إلى ما دون خط الفقر، بينما وصل نصف سكان العاصمة إلى مرحلة العجز الغذائي الحاد، في صورة تعكس، بحسب معديه، انتقال القمع من الاعتقال والملاحقة إلى أدوات اقتصادية تمس القدرة اليومية على البقاء.

وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة في صنعاء، التي تضم كتلة سكانية كبيرة وتخضع منذ سنوات لسيطرة الجماعة الحوثية، فيما يعتمد جزء واسع من السكان على رواتب القطاع العام والمساعدات والأنشطة الاقتصادية الصغيرة.

ملاحقة العلم اليمني

وثَّق تقرير منظمة «دي يمنت» نمطاً آخر من الانتهاكات المرتبطة بالمناسبات الوطنية والرموز اليمنية، إذ قال إنه سجَّل 156 انتهاكاً خلال شهر واحد بحق مواطنين على خلفية رفع العلم اليمني أو إحياء مناسبة وطنية.

وشملت هذه الانتهاكات، بحسب التقرير، اختطاف 103 أشخاص، بينهم نساء وأطفال، وإخفاء 27 آخرين قسراً، إلى جانب مداهمة 12 منزلاً.

ويرسم هذا النوع من الانتهاكات، وفق التقرير، صورة عن طبيعة القيود التي تفرضها الجماعة على المجال العام، حيث لم تعد الملاحقة مرتبطة فقط بالنشاط السياسي المباشر، وإنما امتدت إلى مظاهر التعبير عن الهوية الوطنية والاحتفاء بالمناسبات العامة.

أشخاص يستقلون الجزء الخلفي من شاحنة صغيرة في أحد شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

وأكَّد مكتب حقوق الإنسان بصنعاء أن الأرقام الواردة في تقريره لا تمثل جميع الانتهاكات التي ارتكبتها الجماعة خلال الفترة محل الرصد، وإنما الحالات التي تمكن فريقه من الوصول إليها والتحقق منها، مما يرجح أن يكون الحجم الفعلي للانتهاكات أكبر من الأرقام الموثقة.

ودعا المكتب المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والإعلامية إلى التحرك وعدم السماح بمرور الانتهاكات من دون مساءلة، والعمل على إنصاف الضحايا ومحاسبة المتورطين.

وتأتي هذه الدعوات في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية والحقوقية العاملة في مناطق سيطرة الحوثيين قيوداً متزايدة على الحركة والنشاط، بينما لا تزال قضايا المعتقلين والمخفيين قسراً والمحاكمات ذات الطابع السياسي من أبرز الملفات التي تعيق أي تقدم في مسار معالجة آثار الصراع اليمني.


قبضة حوثية مشددة على الإعلام تواكب تصعيد الجبهات

الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتشدد الرقابة على الإعلام الدولي (أ.ف.ب)
الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتشدد الرقابة على الإعلام الدولي (أ.ف.ب)
TT

قبضة حوثية مشددة على الإعلام تواكب تصعيد الجبهات

الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتشدد الرقابة على الإعلام الدولي (أ.ف.ب)
الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتشدد الرقابة على الإعلام الدولي (أ.ف.ب)

تشهد الماكينة الإعلامية للجماعة الحوثية، خلال الأسابيع الأخيرة، تحولاً في وتيرة خطابها المُوجَّه، بالتزامن مع ازدياد التصعيد العسكري داخلياً، والهجمات على الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بينما تسعى إلى فرض خطاب إعلامي مُوجَّه على وسائل الإعلام العربية والدولية التي تمتلك مكاتب في مناطق سيطرتها.

ويواجه العمل الصحافي المستقل في مناطق سيطرة الحوثيِّين رقابة مشدَّدة فرضتها الجماعة على الصحافيِّين والمراسلين، تشمل حظر التغطية الميدانية المستقلة، وفرض تصاريح أمنية مشدَّدة، وتعليمات صارمة لكل مَن ينقل تفاصيل ميدانية بعدم مخالفة الرواية الحوثية، أو الحصول على رواية غير مطابقة لها من السكان، أو التعاطي مع رواية الحكومة الشرعية.

وذكرت مصادر إعلامية في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» أنَّ الجماعة الحوثية أصدرت قائمةً بالتعليمات التي وجهت مراسلي وسائل الإعلام الخارجية ووكالات الأنباء بالالتزام بها ضمن تحديثات السياسة الإعلامية المصاحَبة للتصعيد العسكري سواء في الجبهات الداخلية، أو خارجياً بالاعتداء على دول الجوار والملاحة في البحر الأحمر.

وبحسب المصادر، تضمَّنت التعليمات عدم نقل أي أخبار عن القصف الذي تتعرَّض له مناطق سيطرة الجماعة والمواقع العسكرية والمقرات التابعة لها وأي منشآت تحت إدارتها، إلا بعد الحصول على إذن من الجهات الإعلامية المعنية بالسماح بنشر ونقل المعلومات الخاصة بمثل هذه الأحداث، والاعتماد على ما يرد في وسائل إعلام الجماعة.

بالتزامن مع التصعيد العسكري تفرض الجماعة الحوثية رقابة مشددة على الإعلام (أ.ف.ب)

وشدَّدت على أن يكون تصوير أي موقع تعرَّض لقصف القوات الجوية الحكومية أو أي طرف خارجي تحت إشراف من اللجان التابعة لها الموجودة فيه، داعية إلى تغطية التجمعات التي تنظمها الجماعة لأنصارها في الميادين العامة وإبراز أعداد المشاركين والشعارات التي تُرفَع فيها.

كما تضمَّنت التعليمات عدم نقل معلومات من الميدان أو من شهود عيان في أي شأن سياسي أو عسكري، والتحذير من نقل شهادات السكان وشهود العيان إلا إذا توافقت مع الروايات الرسمية للجماعة والتي تتم إذاعتها ونشرها على وسائل الإعلام التابعة لها.

تحديث السردية

بيَّنت المصادر أنَّ الصحافيِّين والمراسلين أبدوا اعتراضهم على التعليمات التي تخصُّ نقل التصريحات والبيانات الصادرة عن الحكومة الشرعية ومسؤوليها، بوصف ذلك يخلُّ تماماً بالمهنية الإعلامية، ويحرجهم أمام وسائل الإعلام التي يمثلونها، إلا أنَّ القادة الحوثيين طلبوا منهم أن يوكلوا تلك المهام لزملائهم المقيمين في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، أو أن يرفقوا أي بيانات أو تصريحات حكومية بما ينفيها من طرف الجماعة.

استهداف المنشآت المدنية والحيوية يترافق مع مزاعم حوثية مضللة (أ.ف.ب)

ويرى مراقبون أنَّ الخطاب الإعلامي للجماعة لم يعد يقتصر على الصياغات التعبوية التقليدية، بل بات يتحرَّك ضمن استراتيجية منسقة تهدف إلى فرض واقع جيوسياسي جديد، وحجب التصدعات الداخلية المتزايدة.

وفي ملف الملاحة الدولية، انتقل الخطاب الحوثي إلى مرحلة جديدة عنوانها فرض «الحظر الملاحي» الشامل في البحر الأحمر وباب المندب.

ويقول أحمد عباس، المحلل السياسي اليمني لـ«الشرق الأوسط» إنَّ السياسة الإعلامية الحوثية المصاحبة للتصعيد الأخير لم تشهد تغيُّراً نوعياً، بل تُظهر استمرارية في التعبئة والتحشيد الذي تنتهجه الجماعة، إلا أنَّ الملاحظ هو وجود بعض التغيير في الأولويات والمبررات والذرائع.

ويشير إلى أنه، وبعد تراجع مبرر المعركة مع إسرائيل، والذي سيطر على خطاب الحركة الحوثية خلال الأعوام الـ3 الماضية، انتقلت إلى معادلة أكثر عنفاً وتطرفاً، فبعد أن كانت في السابق تعتمد على تغليفه أخلاقياً وقومياً عند توجيهه إلى الداخل والشارع العربي أيضاً، فقد أعادت توجيه ماكينتها الإعلامية نحو الشحن والتخوين الداخلي، واعتبار الحكومة الشرعية من أدوات العدو الخارجي المزعوم.

الحوثيون يكثفون نشر مجسمات وصور لأسلحتهم في شوارع المدن الخاضعة لسيطرتهم (أ.ب)

فالجماعة، وفقاً لعباس، تعتمد على مبدأ العدو الدائم، وحين يغيب العنوان الإقليمي البرّاق، تستدعى النبرة ذاتها لتبرير التصعيد الداخلي والهروب من الاستحقاقات المحلية، ويتم تحويل الخطاب من المعركة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى لغة أخرى لتبرير استهداف السفن في البحر الأحمر، وربط ذلك بالمعاناة التي تسببت بها للمجتمع، ملقيةً بالمسؤولية عنها على خصومها.

مزامنة مع التصعيد

يتعمد خطاب الجماعة الحوثية تسمية العقوبات الأميركية المفروضة عليها والقيود الأممية على نشاط تهريب الأسلحة والمعدات العسكرية بـ«الحصار» الذي تتهم به الحكومة الشرعية وحلفائها، وتحملهم المسؤولية عمّا تسببت به ممارساتها من تدهور معيشي في مناطق سيطرتها وإضرار بالاقتصاد المحلي والخدمات وتراجع أعمال الإغاثة.

وتركز وسائل إعلام الجماعة على الترويج لمعادلة «الحصار بالحصار»، بحسب ادعاءاتها، في محاولة لشرعنة استهداف السفن التجارية والمنشآت الحيوية، وربط هذه التَّحرُّكات بالتوترات الإقليمية الأوسع بين واشنطن وطهران.

ويرى أحد الباحثين في الشؤون الإعلامية والسياسية، يقيم في صنعاء، أنَّ خطاب الجماعة بات يستخدم توظيف الممرات المائية بوصفه ورقة ضغط استراتيجية بشكل صريح، بعد أن كان يؤدي ذلك بلهجة مواربة نوعاً ما، مرفقة ذلك بحالة من الاستنفار القصوى تزامناً مع المؤشرات الوشيكة لعودة الحرب البرية.

الهجوم الحوثي على ميناء المخا يعزز من التهديدات التي تطال الملاحة في البحر الأحمر (رويترز)

ويوضِّح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ الجماعة تسعى من خلال ما يسميها «بروباغندا القوة الجيوسياسية» لتعويض تراجع شعبيتها؛ وتصدير صورتها لاعباً إقليمياً نداً للقوى الكبرى، وتعزيز حملات التجنيد الإجباري الواسعة لتغطية النزف البشري الحاد في جبهات القتال، وشيطنة الأصوات المحلية المحتجة على تدهور الأوضاع المعيشية.

ويعد متابعون للشأن اليمني أنَّ إقدام الجماعة الحوثية على استهداف المنشآت الحيوية في مدينة المخا على الساحل الغربي للبلاد، والقريبة من مضيق باب المندب، يأتي في سياق واحد لتصعيدها الداخلي ومساندتها لإيران في المواجهة الإقليمية المحتدمة منذ قرابة نصف عام.

وبينما تسعى الجماعة إلى تعزيز نفوذها الداخلي وتوسيع مساحة سيطرتها على حساب الحكومة الشرعية، تحاول فرض واقع عسكري بالقرب من خطوط الملاحة الدولية، لتمكين إيران من الاستمرار في المفاوضات مع الولايات المتحدة بسقف مرتفع.


الجيش اليمني يعلن تنفيذ 181 عملية ضد مواقع حوثية خلال 24 ساعة

العقيد الركن ماجد النزيلي المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية (سبأ)
العقيد الركن ماجد النزيلي المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية (سبأ)
TT

الجيش اليمني يعلن تنفيذ 181 عملية ضد مواقع حوثية خلال 24 ساعة

العقيد الركن ماجد النزيلي المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية (سبأ)
العقيد الركن ماجد النزيلي المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية (سبأ)

أعلن الجيش اليمني، الأحد، تنفيذ 181 عملية عسكرية خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، استهدفت مواقع ومصادر نيران وقدرات تابعة للجماعة الحوثية على امتداد جبهات القتال، مؤكداً أن الضربات أسفرت عن مقتل وإصابة عشرات من عناصر الجماعة، وتدمير مخازن أسلحة ومعدات وآليات عسكرية.

وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن العمليات نُفذت باستخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية وراجمات الصواريخ، واستهدفت مواقع وأهدافاً عسكرية ومصادر تهديد حوثية في عدد من محاور القتال.

العقيد الركن ماجد النزيلي المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية (سبأ)

وكانت ميليشيا الحوثي قد استهدفت، مساء السبت، الأحياء السكنية في مدينة مأرب بستة صواريخ باليستية و4 طائرات مسيّرة.

وبحسب مكتب الإعلام بمحافظة مأرب، أسفرت الهجمات الحوثية عن وقوع جرحى ومصابين، وإلحاق أضرار مادية بعدد من المنازل والسيارات وممتلكات المواطنين.

وأضاف الناطق الرسمي في بيان أن الضربات أدت إلى تدمير عشرات المعدات والآليات، إلى جانب عدد من مخازن الأسلحة والوسائل العسكرية، مشيراً إلى تحقيق «إصابات مباشرة في الأهداف المحددة».

وبحسب النزيلي، تركزت العمليات على مصادر النيران والقدرات المستخدمة في تنفيذ الهجمات، وامتدت إلى جبهات ومحاور في تعز ومأرب والحديدة والضالع وأبين وشبوة ولحج، من بينها المخا والبرح والضباب ومقبنة وصرواح وهيلان وحريب وبيحان وطور الباحة.

وأكد المتحدث العسكري أن القوات الحكومية تمتلك «القدرة والجاهزية اللازمتين للوصول إلى مصادر التهديد وتحييدها ومنعها من مواصلة أعمالها العدائية»، وفق مقتضيات الموقف الميداني، وفي الزمان والمكان وبالوسائل التي تحددها القيادة العسكرية.

وشدد على أن الوحدات المشاركة نفذت مهامها «بكفاءة وانضباط عملياتي عالٍ»، مع الالتزام بقواعد الاشتباك وأحكام القانون الدولي الإنساني، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين وتجنيبهم تداعيات العمليات العسكرية.

وأرجع العقيد ماجد النزيلي هذه الضربات إلى ما وصفه بـ«الاعتداءات الحوثية الإرهابية المتكررة» التي استهدفت المدنيين والأعيان المدنية والمنشآت الاقتصادية والموانئ، إلى جانب وحدات ومواقع تابعة للقوات الحكومية.

ودعا المتحدث العسكري اليمنيين إلى الابتعاد عن المواقع والمنشآت والتجمعات العسكرية التابعة للجماعة الحوثية، وعدم الاقتراب منها أو الانخراط في صفوفها، محذراً من استخدام الحوثيين للمدنيين والمناطق السكنية في خدمة ما وصفه بـ«أجندة النظام الإيراني ومشروعه الذي يهدد أمن اليمن والمنطقة والملاحة والمصالح الإقليمية والدولية».

وأشار النزيلي إلى أن القوات المسلحة اليمنية في «أعلى درجات الجاهزية»، وقادرة على المبادرة وفرض معادلة ميدانية جديدة، مؤكداً استعدادها لتنفيذ المهام الموكلة إليها، والتعامل مع مختلف التطورات وفق توجيهات القيادة السياسية والعسكرية.

جانب من عمليات الجيش اليمني ضد الحوثيين في محور تعز (سبأ)

وأضاف أن أي مصدر تهديد للقوات الحكومية أو للمدنيين والأعيان المدنية ومقدرات الشعب اليمني «لن يكون بمنأى عن التعامل العسكري المشروع»، مؤكداً استمرار القوات في أداء مهامها لحماية السكان ومصالحهم وسيادة الدولة وأمنها واستقرارها.

وكانت الحكومة اليمنية قد حذرت من أن استمرار الجماعة المدعومة من إيران في امتلاك الصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة النوعية، إلى جانب تهديد الملاحة واستهداف المنشآت المدنية، يهدّدان بإعادة البلاد إلى دوامة جديدة من العنف، ويقوّضان فرص السلام التي استثمرت فيها الحكومة والأمم المتحدة والمجتمع الدولي لسنوات.