لقاءات رسمية بين خصوم ليبيين لأول مرة بحثًا عن تحالف واسع ضد المتطرفين

تعقد في القاهرة ويشارك فيها زعماء قبائل وقادة من الجيش.. بالتزامن مع «حوار جنيف»

عناصر من ميليشيات {فجر ليبيا} لدى اشتباكهم مع القوات الموالية للحكومة بالقرب من قاعدة {الوطية} جنوب شرق البلاد (أ.ف.ب)
عناصر من ميليشيات {فجر ليبيا} لدى اشتباكهم مع القوات الموالية للحكومة بالقرب من قاعدة {الوطية} جنوب شرق البلاد (أ.ف.ب)
TT

لقاءات رسمية بين خصوم ليبيين لأول مرة بحثًا عن تحالف واسع ضد المتطرفين

عناصر من ميليشيات {فجر ليبيا} لدى اشتباكهم مع القوات الموالية للحكومة بالقرب من قاعدة {الوطية} جنوب شرق البلاد (أ.ف.ب)
عناصر من ميليشيات {فجر ليبيا} لدى اشتباكهم مع القوات الموالية للحكومة بالقرب من قاعدة {الوطية} جنوب شرق البلاد (أ.ف.ب)

يبدو أن الحوار الذي ترعاه الأمم المتحدة في جنيف بين الليبيين يسير في طريق، والإجراءات العملية لبناء الدولة ومحاربة الإرهاب تسير في طريق آخر مختلف.
وبعيدا عن الجهود التي يقوم بها المبعوث الخاص للأمين العام للمنظمة الدولية، برناردينو ليون، تشهد خارطة الصراع الليبي تحولات جوهرية، تتركز في انعقاد حلقات اتصال رسمية، ولأول مرة، برعاية القاهرة، بين عناصر من الدولة الجديدة التي يقودها برلمان طبرق المنتخب من الشعب، وأطراف من نظام العقيد الراحل معمر القذافي، بعد أن فشل قادة الميليشيات المتطرفة في أن يستقطبوا لصفهم أي عناصر من النظام السابق الذي حكم ليبيا لمدة 42 عاما.
وبعد أشهر من الرسائل المباشرة وغير المباشرة بين زعماء سياسيين من المحسوبين على «ثورة فبراير»، التي أسقطت حكم القذافي، ووزراء سابقين عملوا مع العقيد الراحل، يمكن القول إن الكفة رجحت لصالح فريق فبراير «المدني» الذي حاز الأغلبية في انتخابات البرلمان الأخيرة، لتزيد بذلك عزلة المتطرفين والمتحالفين معهم من قادة «الإخوان» وقوات «فجر ليبيا» الذين ينتمي معظمهم لمدينة مصراتة الواقعة على بعد نحو 200 كيلومتر إلى الشرق من العاصمة طرابلس.
ومن المعروف أن ليبيا أصبح فيها ثلاثة فرق.. منها فريقان مما يسمى «فبراير»، وهما فريق المتطرفين بقيادة جماعة الإخوان المسلمين من جانب، والفريق المدني ممثلا في البرلمان المدعوم من الجيش الوطني من جانب آخر. ويتقاتل هذان الفريقان منذ أكثر من سنة على السلطة دون أمل في حسم الصراع سريعا.
ويقول أحد القادة العسكريين المخضرمين، والذي كان يعمل لسنوات في الجيش أيام حكم القذافي، إن الطرف الذي يكسب ود رجال القبائل والعسكريين من النظام السابق يمكنه الفوز في هذه المنافسة الدموية.
ويضيف أحد المسؤولين المصريين ممن كانوا مكلفين بمراقبة الأوضاع في هذا البلد المجاور، إن قوات ما يسمى «فجر ليبيا» التي يقودها «الإخوان»، والمحسوبة على مصراتة، بعثوا برسائل لرجالات من نظام القذافي ممن يقيمون في كل من القاهرة وتونس والجزائر، من أجل عقد تحالفات معهم، إلا أن هذه المحاولات التي استمرت لعدة أشهر وصلت إلى طريق مسدود وباءت أخيرا بالفشل، ليحل محلها تحالف آخر بدأ يؤتي أكله، تحت رعاية مصرية، لجمع قيادات من البرلمان والحكومة المنبثقة عنه والتي تعمل من مدينة البيضاء، والجيش الذي يقوده خليفة حفتر، مع زعماء سابقين من نظام القذافي.
وتضم اللقاءات، التي جرى جانب كبير منها في مصر خلال الأيام القليلة الماضية، فاعلين من البرلمان الذي يرأسه المستشار عقيلة صالح، وكذا ضباطا من رئاسة أركان الجيش، وعددا من الوزراء والقادة العسكريين السابقين المحسوبين على عهد القذافي، من بينهم، على الأقل، ثلاثة وزراء وثلاثة برتبة لواء.
وتقول مصادر مصرية على علاقة بهذه اللقاءات إنها تأتي في إطار محاولات القاهرة للم شمل الإخوة في ليبيا في حربهم ضد المتطرفين، وإن هذا لا يتعارض مع مساعي الأمم المتحدة لإجراء حوار بين الخصوم الليبيين.
ومع هذا شارك في اللقاءات التي جرت بمصر قيادات لديها العديد من التحفظات على إجراء حوار جنيف، بل لديها تحفظات على رعاية الأمم المتحدة للحوار بين الليبيين أصلا، حتى لو عُقد في الداخل الليبي. ويقول أحد القادة القبليين من المحسوبين على القذافي، بعد أن شارك بمصر قبل يومين في لقاءات مع قادة من برلمان طبرق المعترف به كممثل للشرعية في ليبيا، إن «حوار جنيف هش ولا يعول عليه.. وفيه انحياز للمتطرفين الذين يقتلون الليبيين كل يوم».
ورفضت قبيلة «ورفلة»، إحدى أكبر القبائل الليبية، المشاركة في الحوار الذي يرعاه «ليون». بينما أفاد زعماء قبائل آخرون، من بينهم مولاي قديدي آما جنيدي يخلاص، رئيس المجلس الأعلى للطوارق في ليبيا، بأنهم لم يتلقوا دعوة من الأمم المتحدة للمشاركة في الحوار. وقال أحد زعماء قبيلة التبو، وهي واحدة من القبائل التي تتميز بوجود قوي في البلاد، إن الأمم المتحدة تجاهلت، من الأساس، توجيه دعوة لأي من ممثلي القبيلة للمشاركة في الحوار لـ«سبب غير مفهوم»، رغم قول الأمم المتحدة إنها حريصة على إشراك كل الأطراف.
ومن جانبه، يقول قديدي، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» حين زار القاهرة أخيرا: «نحن مع الحوار، لكن لم يدعنا إليه أحد حتى الآن». ويضيف أحد قادة التبو، والذي يعمل كمستشار رفيع المستوى في برلمان طبرق: «لقد تجاهلتنا الأمم المتحدة، ولم تتصل بنا للمشاركة». ويؤكد محمد الورفلي، رئيس اللجنة القانونية بالمجلس الأعلى للقبائل الليبية، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أنه «غاب عن الجولة الأولى من حوار جنيف قادة وزعماء يملكون القدرة على تغيير الواقع على الأرض، وحضره مجموعة من الشخصيات التي لا تمثل أي قوة تذكر في ليبيا».
وتشترط قوات المتطرفين عقد جلسات الحوار في الداخل الليبي. ولا يتفق مع هذا عدد من زعماء القبائل المحسوبة على نظام القذافي، لأنه يتم تحت تهديد السلاح، مع ملاحظة أن قوات المتطرفين أصبحت تنظر بقلق لما تقوم به القاهرة من محاولات للتوفيق بين زعماء البرلمان والجيش الوطني من جانب، وزعماء من القبائل والجيش متهمين بأنهم محسوبون على نظام القذافي من جانب آخر. ولهذا يبدو أن ضغوط المتطرفين بدأت تتجه إلى القائمين على حوار جنيف للحصول على مكاسب «وهو أمر مقلق للكثير من الليبيين»، كما يذكر مصدر في الجيش الليبي.
لكن بعثة الأمم المتحدة في ليبيا تؤكد، من جانبها، أنها وجهت دعوات للمشاركة في الحوار للقبائل وللبلديات، بلا تفرقة. ويسعى «ليون» إلى وقف لإطلاق النار بين الفرقاء أولا، قبل نقل الحوار إلى الداخل الليبي. ويرى «ليون» أن مهمته صعبة، وأن الليبيين عليهم أن يبذلوا جهدا مضاعفا لإنجاح الحوار لأنه الفرصة الأخيرة لإنقاذ الدولة من الفشل.
إلا أن أحد قادة الجيش يقول إن وقف القتال في حد ذاته يعد حلما بعيد المنال، لأن المتطرفين يسعون بشكل محموم لتعزيز قدراتهم سواء باحتلال مناطق جديدة أو من خلال السيطرة على المناطق النفطية، كما يجري من حرب مستعرة حاليا في «الهلال النفطي الغني، ولذلك نشعر بأن المطالبة بوقف الجيش لعملياته تهدف إلى تخفيف الضغط على هؤلاء الإرهابيين».
وينظر هذا القائد العسكري إلى ما تقوم به الأمم المتحدة، ويعلق قائلا إن المنظمة الدولية لا تستطيع فرض وقف لإطلاق النار على قوات المتطرفين التي «هي في الحقيقة بلا ضابط ولا رابط.. تعمل، بتنسيق من أعلى، بقيادة جماعة الإخوان، وتعمل على الأرض كمجموعات متفرقة وكأنها بلا قيادة، وتحاول استغلال حوار جنيف لالتقاط الأنفاس وإعادة الضرب من جديد بمساعدة ممولي الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط».
ومن جانبه، يقول أحمد قذاف الدم، ابن عم العقيد معمر القذافي، والمنسق السابق للعلاقات المصرية الليبية، لـ«الشرق الأوسط»، إن الحوار الذي يجري الآن (في جنيف) يُدعى إليه، للأسف، من يحملون السلاح.. «وأنا أتساءل: هل يريدوننا أن نحمل السلاح ليستمعوا لصوتنا؟».
وحصلت «الشرق الأوسط» على معلومات تفيد بأن قادة من المتطرفين مما يسمى بـ«قوات فجر ليبيا» أجروا لقاءات سرية مع عدد من زعماء الدولة الليبية المنتمين لعهد القذافي والمعتقلين في سجون الميليشيات في كل من مصراتة وطرابلس، في محاولة لعقد صفقة معهم بشأن المستقبل، بشرط أن يعلنوا الولاء لحكومة المتطرفين التي تديرها جماعة الإخوان في طرابلس بقوة السلاح، إلا أن رجال القذافي في السجون رفضوا الصفقة.
وفي المقابل، بدا من خلال المقابلات التي جرت في القاهرة خلال الأيام الماضية أن رجال القذافي يجنحون إلى التحالف مع الجناح المدني لتيار «الفبرايريين» (أي الموالين لثورة 17 فبراير) ممثلين في برلمان طبرق، وفي رئاسة أركان الجيش بقيادة كل من اللواء عبد الرزاق الناظوري واللواء خليفة حفتر، لكن بشروط معينة بعضها قابل للتحقق مثل إلغاء قانون العزل السياسي الذي ألغي بالفعل قبل يومين، وكذلك العفو العام، والبعض الآخر صعب المنال في الوقت الحالي، مثل التخلي عن القسم بالولاء لـ«فبراير» لكل من يريد الانخراط في العمل في الدولة، وغيرها من التفاصيل الخاصة بالرتب العسكرية وتقاسم السلطة مستقبلا.
وشارك في آخر اللقاءات التي عقدت في مصر بين «تيار فبراير المدني»، ورجال منتمين لعهد القذافي، اثنان من القادة الكبار في البرلمان، وثلاثة من القادة في رئاسة أركان الجيش. أما الطرف الآخر، أي زعماء العهد السابق، فكان من بينهم المهندس «ع.ك» وكان وزيرا أيام القذافي، واللواء «م.س» القائد العسكري السابق بالمنطقة الليبية الغربية، و«م.ج.ع»، وكان مسؤولا كبيرا في المؤتمر الشعبي العام (البرلمان أيام القذافي) و«ع.ش»، وكان يشغل موقعا مهما في هيئة الاستثمارات الليبية في النظام السابق.
ويحظى معظم رجال القذافي بتأييد من القبائل التي لم تشارك في «ثورة فبراير»، كما أن لهم علاقات لافتة بزعماء النازحين الليبيين الفارين من الاقتتال بين جناحي فبراير، وغالبيتهم موجود في مصر وتونس والجزائر. ويعيب هذا الفريق على الأمم المتحدة الانحياز للفبرايريين، خاصة بعد أن قال بيان البعثة الأممية في ليبيا إن مباحثات الحوار بين الخصوم «ستسترشد بمبادئ ثورة 17 فبراير». ويقول أحد كبار القادة الليبيين السابقين: «لقد أسقطت البعثة الأممية من حساباتها مليوني مهجر على الأقل من أنصار القذافي في الخارج».
وفي المقابل، ووفقا للمصادر الليبية، يمكن للقاءات القاهرة أن تعضد حوار جنيف، حتى لو جرى نقله إلى ليبيا، لكن في الشق الخاص بعزل المتطرفين.. «وهو أمر يبدو أن بعض الأطراف الدولية لا تحبذه، مثل بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية».
ومن بين من تلقوا دعوة للمشاركة في حوار جنيف ورفضوا تلبيتها محمد الورفلي، ابن قبيلة الورفلة، وهو من مدينة بني وليد التي تعرضت للغزو على يد الميليشيات المتطرفة مرتين، في 2011 و2012. ويقول الورفلي: «تلقيت دعوة لحوار جنيف.. لم تكن بصفتي رئيس اللجنة القانونية في المجلس الأعلى للقبائل الليبية، بل على أساس أنني أنتمي إلى مدينة بني وليد وأنني من قبائل ورفلة».
ويضيف: «على المستوى الشخصي أنا غير مقتنع بالحضور للقاء جنيف.. لعدة أسباب.. الأول أن هذا اللقاء تحضره أطراف أيديها ملوثة بالدم الليبي دون أن تقدم أي اعتذار، أو أي خطوة تفيد بأن هذه المجموعات نادمة على ما فعلته بالليبيين (منذ أحداث 2011 وما بعدها). والسبب الثاني أنه لم يكن هناك جدول أعمال مطروح واضح المعالم في حوار جنيف.. حوار يغلب عليه الطابع البروتوكولي أكثر من أي شيء آخر. النقطة الثالثة أن الجانب الأساسي في لقاء جنيف هو تشكيل حكومة موسعة، أي جمع حكومة طرابلس مع حكومة البيضاء. وهذه النقاط الثلاث لم تكن ولن تكون همي أنا كمواطن ليبي مهجَّر».
وتشعر غالبية القبائل التي يصنفها رجال فبراير على أنها كانت منحازة للنظام السابق بالغبن والعزلة، ويقول ممثلون عنها إن الأمم المتحدة شاركت في اللقاء حين وضعت الالتزام بمبادئ فبراير شرطا للتباحث في مسألة الحوار بين الليبيين في جنيف، رغم أن تلك القبائل تشكل قوة عددية لا يستهان بها في ليبيا.
ومن بين هذه القبائل، في المنطقة الغربية من البلاد، قبائل النوايل، والمحاميد، ووريمة، والصيعان، والأصابعة، والعجيلات، وورشفانة، وورفلة، وترهونة، وغيرها. وفي الجنوب هناك قبائل المقارحة، والتبو، والطوارق، وسوكنة، وهون، وزلة. وفي الوسط توجد قبائل سرت، وفي الشرق هناك أكثر من نصف القبائل لم تكن مع «ثورة فبراير».
ويضيف الورفلي: «انظر للمهجرين الليبيين.. عددهم مليونان وكسور. ولو افترضنا أن كل مهجر له أخ أو قريب واحد فقط داخل ليبيا مؤيد مثله للنظام السابق، فأنت هنا أمام أكثر من أربعة ملايين ليبي، بينما عدد السكان يبلغ نحو ستة ملايين نسمة. إذن ثلاثة أرباع الليبيين كانوا مؤيدين للقذافي. أنا شخص واحد مؤيد ومقيم في المهجر وعندي في الداخل ثلاثون من أقاربي مؤيدون مثلي».
ويرى أحد زعماء القبائل الليبية غير المشاركة في حوار الأمم المتحدة أن السبب في عدم التعويل على الحوار يرجع إلى أن الطريقة التي يتبعها «تريد أن تضع العربة أمام الحصان.. طرح مسألة تشكيل حكومة موسعة كان ينبغي أن يأتي بعد التوافق على خارطة طريق للخروج من الأزمة أولا، مثل الحكومة اللبنانية التي انبثقت عن مؤتمر الطائف بين الأطراف اللبنانية. وقتها اتفقت الأطراف اللبنانية على خارطة طريق أولا، ثم شكلت بعد ذلك حكومة موسعة تمثل كل أطراف الصراع».
ومنذ سقوط طرابلس والعديد من المدن الليبية الأخرى في أيدي المتطرفين تحاول الكثير من القبائل المحسوبة على القذافي النأي بنفسها عن الاقتتال الجاري بين طرفي «ثورة فبراير»، لكن طول أمد الأزمة والحروب أصبح يؤثر على الحياة اليومية للجميع، وفي كل المناطق. ويقول محمود الجبري، وهو ناشط ليبي: «نحن اليوم لسنا أمام قضية سياسية، بل قضية حياة. المواطن البسيط غير آمن.. عمليات التهجير للخصوم تجري على قدم وساق حتى اليوم، والناس لا يجدون غاز الطهي، والكهرباء تقطع عدة ساعات يوميا. الحياة أصبحت قاسية على الجميع، وحين بدأت الأمم المتحدة الدعوة للحوار يبدو أنها لم تضع هذا في الحسبان، لأنها ركزت على عقد لقاءات بين شخصيات لا علاقة بها بالواقع اليومي ولا قدرة لها على وقف الاقتتال والتشريد».
وعلى سبيل المثال قامت معظم القبائل منذ سقوط طرابلس بتشكيل مجلس أعلى للقبائل. ويقول رئيس اللجنة القانونية بالمجلس، وهو من قبيلة ورفلة: «بمجرد وصول الدعوة لي لحضور حوار جنيف اتصلت بالمجلس الاجتماعي لقبائل ورفلة، وعرضت عليه الدعوة التي وصلتني، فرفضها، وقرر عدم المشاركة في جنيف، لعدة أسباب منها أن ورفلة صدر بحقها قرار رقم 7 الصادر من المؤتمر الوطني الليبي (البرلمان السابق الذي كانت تهيمن عليه جماعة الإخوان وحلفاؤها من المتطرفين) في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2012 باقتحام مدينة بني وليد من طرف الميليشيات وجرى تشريد أهاليها وقتل العديد من الناس، وهناك المئات ما زالوا يقبعون في سجون الميليشيات جراء هذا القرار».
ويضيف الورفلي أنه «من بين أسباب عدم المشاركة أيضا أن الأطراف التي تشارك في لقاء جنيف هي أطراف منتقاة، وهي أطراف لا تملك القوة الفاعلة على الأرض. كما أن قبائل ورفلة ما زالت ترفض أن تشرف الأمم المتحدة على أي عمل يتعلق بليبيا على أساس أن الأمم المتحدة كانت سببا في الأحداث التي مرت بها البلاد من خلال القرارين رقمي 1970 و1973 (بالتدخل الدولي عن طريق حلف الناتو في ليبيا) والتي أدت إلى ما نحن فيه اليوم».
وقال «المجلس الاجتماعي لقبائل ورفلة» إن أي شخص منها يذهب لحوار جنيف سوف يعلن المجلس براءته منه ويرفع الغطاء الاجتماعي عنه. ويشعر العديد من أبناء القبائل بالمرارة من التداعيات التي أعقبت سقوط نظام القذافي وانتشار الفوضى في البلاد، وتحول عدة مدن إلى معاقل للمتطرفين. ويطالب البعض الأمم المتحدة، قبل أن تدعو للحوار، بأن تعتذر للشعب عما حل ببلاده من خراب.
وعلى سبيل المثال يقول الورفلي: «على الأمم المتحدة أن تعرب عن أسفها للشعب الليبي، وما ألحقته بالبلاد من دمار للبنية التحتية وحل لمؤسسات الدولة وتدمير الجيش. هنا يمكن الحديث مع الأمم المتحدة. لكن أن يجري حرق الأخضر واليابس تحت مظلة الأمم المتحدة، ثم تتحول بعدها إلى سائق سيارة إسعاف ومطافئ لمعالجة الجرحى وإطفاء حريق شب هنا أو شب هناك، فقبائل ورفلة ترفض هذا».
ومن جانبه، يؤكد قذاف الدم، في رده على أسئلة «الشرق الأوسط»، أن الصراع في بلاده «لم يعد على سلطة، وإنما على بقاء وطن، وعلينا جميعا أن ننحني أمامه ونقدم تنازلات، فالوطن للجميع، وأنا أدعو لحراك جديد يؤدي إلى حوار موسع على غرار مؤتمر الطائف بعد الحرب الأهلية اللبنانية.. بحيث لا يتم إقصاء أحد، ويتم تحت رعاية الأمم المتحدة، وفي مكان محايد.. نقرر فيه جميعا شكل الدولة وعلمها ونشيدها ودستورها.. ونختار مجلس وزراء محايدا بالاتفاق، ليشرف على انتخابات حرة.. وتُسلَّم كل الأسلحة للقوات المسلحة والشرطة، ونُسقط جميعا الحق العام، وليطالب من يريد بالحقوق الخاصة وفقا للقانون في الدولة الجديدة».
ويضيف: «أما الحوار الذي يجري الآن فهو، للأسف، يُدعى إليه من يحملون السلاح.. وأنا أتساءل: هل يريدوننا أن نحمل السلاح ليستمعوا لصوتنا ونحن الأغلبية والرقم الصعب في المعادلة؟ إننا، وحتى هذه اللحظة، نتصرف بمسؤولية وطنية في لحظة فارقة في تاريخ الوطن، ويشاركني في ذلك أغلبية الوطنيين الأحرار. وستخرج ليبيا قريبا بيد أبنائها.. فدولة الباطل ساعة».
ومن المعروف أن هناك قبائل أصبحت مشردة بالكامل.. وجرى تهجير سكان من بلداتهم في «العزيزية» و«السواني» و«المعمورة» و«الناصرية» و«الحاتة». وكل هؤلاء من المنطقة الغربية من البلاد، ولا يوجد ممثلون لهم في الحوار، ومنها قبائل النوايل والعجيلات والأصابعة والزنتان.
ويقول عبد الله الترهوني، أحد مشايخ ترهونة، لـ«الشرق الأوسط» إن «المشاركين في الحوار شخصيات سياسية لا تملك رصيدا مجتمعيا ولا ميليشيات مسلحة، ولا أي قوة على الأرض، وبالتالي الحوار يشبه الظاهرة الصوتية لا أكثر ولا أقل». ويضيف: «ليست القبائل الرئيسة فقط التي لم تنخرط في حوار جنيف، بل إن أطرافا فاعلة على الأرض وتملك قوة مسلحة ما زالت بعيدة عن طاولة الحوار».
وأهم هذه الأطراف «الجيش الوطني» الذي يخوض «معركة الكرامة» في المنطقة الشرقية وما يجاورها وفي المنطقة الغربية، خاصة في مناطق الوطية والعجيلات ورقدالين والزنتان وكيكلة وغيرها. وهناك أيضا «الجماعات المتطرفة والجهوية» الموجودة في صبراتة ومصراتة وبنغازي ودرنة، وتسمى في بعض الأحيان بـ«الدروع» وفي بعض الأحيان بـ«فجر ليبيا» وفي أحيان أخرى بـ«الشروق» وما إلى ذلك من مسميات.
وبينما تجري الأمم المتحدة محاولاتها لرأب الصدع بين الليبيين، وبغض النظر عن الملاحظات والانتقادات لطريقة السير في هذا المسعى، تبدو اللقاءات بين التيار المدني من «قادة فبراير» وزعماء من نظام القذافي والقبائل الكبيرة، والتي عقدت في القاهرة، لافتة للنظر كونها تمس بشكل مباشر القوى الرئيسة التي يمكنها لعب دور في تحقيق الاستقرار في ليبيا.
لكن سيكون هناك العديد من الملفات التي تحتاج إلى الحسم قبل أن تظهر نتائج «التفاهم بين خصوم الأمس». ويشير أحد المصادر إلى أن بعض الخطوات التي جرى اتخاذها بالفعل تسببت في غضب نحو 25 نائبا في برلمان طبرق من المحسوبين على قوى المتطرفين. ويضيف: «مثل هؤلاء كانوا في السابق يسعون للتحالف مع أنصار القذافي، وحين فشلوا وخسروا الأغلبية في البرلمان الجديد أصبحوا يرفضون أي مصالحة يتبناها نواب التيار المدني مع قيادات من النظام السابق».
وحاول أحد قيادات قبيلة ورشفانة، وهي من القبائل الكبرى في ليبيا أيضا، والمحسوبة على القذافي، اتخاذ خطوات عملية للوقوف إلى جانب برلمان طبرق علانية، لكن جرى التنبيه عليه من عدة قبائل أخرى بضرورة التأني قبل «الارتماء في أحضان هذا البرلمان مجانا».
وسبق لزعماء من قبيلة القذاذفة الاعتراف بالبرلمان، لكن ما زالت توجد تحفظات على مسلك الحكام الجدد خاصة أولئك الذين يجهرون بالعداء للنظام السابق، ويخشون تقديم تنازلات عن بعض شعارات وممارسات «فبراير». ووفقا للمصادر المصرية، تحاول القاهرة جسر الهوة بين الأطراف الرئيسية، من أجل تشكيل «جبهة ليبية خالصة» تكون قادرة على فرض الاستقرار والتخلص من «دولة الميليشيات والمتطرفين».
ويشكو البرلمان والحكومة والجيش المعترف بهم من قبل المجتمع الدولي من ضعف الإمكانات أمام سطوة المتطرفين المدعومين من بعض الدول في المنطقة والعالم، رغم تغير المزاج العربي العام لصالح الاعتدال بعد ما رآه من تصرفات «الإخوان» والمتطرفين حين وصلوا للحكم في تونس ومصر وليبيا وغيرها.
ويقول الورفلي إنه بعد خروج «الإخوان المسلمين» من حكم مصر وتونس، بدأ الموقف يتغير كثيرا تجاه ليبيا وتجاه معاناة الشعب. كما أن المؤسسة العسكرية القائمة حاليا في ليبيا أدركت أنها لا يمكنها تحقيق النصر على المجاميع المتطرفة والميليشيات الخارجة عن القانون إلا بالاستعانة بأبناء القوات المسلحة الليبية وضباطها، ممن أقصتهم المجاميع المتطرفة حين هيمنت على مفاصل الدولة في السنوات الثلاث الماضية.
ولوحظ في اللقاءات التي عقدت بمصر أن برلمان ليبيا وحكومته وجيشه يحاولون ضم المخزون البشري والعسكري للقبائل من أجل حسم المعارك التي طالت مع ميليشيات المتطرفين. ويبدو أن رئاسة المجلس الأعلى للقبائل الليبية التي تشكلت في شهر مايو (أيار) الماضي في بلدة العزيزية جنوب غربي طرابلس، التقطت الخيط، وقررت أن تعقد مؤتمرا لها بجوار مبنى البرلمان في طبرق، لكي تبعث برسالة مفادها أنها قررت بشكل رسمي الوقوف مع الدولة الجديدة ضد دولة الميليشيات.
ووفقا للمصادر، يبدو رئيس المجلس الأعلى لمؤتمر القبائل، الدكتور العجيلي بريني، وهو وزير سابق في عهد القذافي، وينتمي لقبيلة ورشفانة، أكثر ميلا لعقد مؤتمر القبائل، الذي يتكون من 30 شخصية، في طبرق، لكن بعض ممثلي القبائل اعترضوا على أساس أن هذه الخطوة تقديم للتنازلات المجانية لصالح الفبرايريين، و«تمنح صكا على بياض للبرلمان الذي لم يقدم أي تنازل ولم يقدم أي بوادر حسن نوايا تجاه القبائل وتجاه المهجرين وتجاه السجناء وتجاه المعتقلين والمدن المدمرة. فبأي حق تذهب القبائل للبرلمان الذي ما زال متشبثا بمبادئ فبراير؟».
ويعول العديد من الليبيين على الدور المصري لإصلاح ذات البين بين الأطراف الرئيسية. ويقول الورفلي إنه على هذا الأساس اتصلت مصر بأطراف ليبية مختلفة، ومن بينهم مسؤولون سابقون؛ من ضباط الجيش والقيادات الفاعلة. ويضيف أن مصر، مشكورة، تلعب الآن دورا كبيرا جدا ومحوريا لمساعدة ليبيا، مشيرا إلى أن «الليبيين لا يريدون عودة النظام السابق، ولكن يريدون عودة الأمن والأمان.. والشخصيات التي تلتقي بمصر همها استعادة الوجه الحقيقي لليبيا».



«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

برز ملف إعادة إعمار قطاع غزة على طاولة محادثات مصرية مع أطراف دولية مختلفة خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع جمود في خطوات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وحديث سابق بشأن أزمات تمويلية يواجهها «مجلس السلام» بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تم نفيها بعد ذلك، لكن من دون أن يترتب على ذلك قرارات ملموسة تشي بالتحرك نحو التعافي المبكر على أقل تقدير.

وبحسب خبراء مصريين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن القاهرة تعمل على دفع هذا الملف؛ سواء من خلال إيجاد مسارات موازية لخطة «مجلس السلام» نحو إعادة الإعمار، أو بما يؤدي إلى تحريك الجمود القائم بشأن مراحل وقف إطلاق النار في القطاع، وبما يحافظ على فاعلية الاتفاق في ظل اهتمام الأطراف المعنية بتطورات «الحرب الإيرانية».

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، قبل أيام المبعوث الياباني لملف إعادة بناء ومساعدات غزة أوكوبو تاكيشي، وتناول معه «مسار جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، في ظل التصعيد الإقليمي الراهن».

بحسب المتحدث باسم «الخارجية المصرية» السفير تميم خلاف، فإن «عبد العاطي استعرض رؤية مصر إزاء ضرورة الإسراع بجهود التعافي المبكر من خلال تنفيذ مشروعات عملية ذات أثر مباشر وسريع على حياة المواطنين الفلسطينيين، بما في ذلك توفير الأدوية، ومستلزمات البناء، ومحطات تحلية المياه، ومحطات توليد الطاقة المتنقلة، وأشكال السكن المؤقت اللائق، أخذاً في الاعتبار الحقائق القائمة على الأرض واحتياجات السكان الفعلية».

ملف الإعمار كان حاضراً أيضاً خلال زيارة وزير الخارجية المصري إلى واشنطن في منتصف الشهر الحالي، وتطرق في اجتماعه مع المدير القُطري للضفة الغربية وقطاع غزة ومنطقة الشرق الأوسط بمجموعة البنك الدولي ستيفان إمبلاد، إلى «تعزيز التعاون المشترك لدعم جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار في قطاع غزة».

وتطلع عبد العاطي إلى دور مهم لـ«البنك الدولي» لضمان تحقيق ظروف معيشية كريمة ومستدامة للشعب الفلسطيني ارتباطاً بخبراته الطويلة والمتراكمة في مجال إعادة الإعمار والبناء، وشدد على أهمية تنفيذ المشروعات والأنشطة الأكثر احتياجاً في هذه المرحلة لتحقيق التعافي المبكر، معرباً عن «استعداد مصر للتعاون الكامل مع (مجلس السلام) و(البنك) في هذا الصدد».

محادثات مصرية - يابانية لتسريع خطوات التعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة (الخارجية المصرية)

عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير أشرف حربي، أشار إلى أن إعادة ملف «الإعمار» إلى الطاولة مجدداً تستهدف إيجاد مسارات موازية لخطوات «مجلس السلام» التي لم تبدأ بعد في هذا الإطار، مشيراً إلى أن القاهرة تعَوّل على مؤسسات دولية وأوروبية يمكن أن تدفع عملية التعافي المبكر.

وأوضح حربي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر في المقابل تستهدف أيضاً أن تكسر جمود وقف إطلاق النار، وتعمل بشكل مستمر على أن يكون هناك حراك في ملف القضية الفلسطينية و«اتفاق غزة»؛ خشية من الجمود الكامل مع اهتمام الأطراف الدولية بالحرب الإيرانية.

وشهدت القاهرة خلال الأسابيع الماضية اجتماعات بين حركة «حماس» والممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، تركزت بشكل أكبر على مسألة نزع سلاح «حماس»، لكن دون أن تصل إلى تفاهمات، فيما تحدث ملادينوف عن «أن الوصول إلى ترتيبات تُرضي جميع الأطراف سيستغرق بعض الوقت».

وكانت وكالة «رويترز» تحدثت في تقرير نشرته مطلع أبريل (نيسان) الحالي، عن «أن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من مبلغ يبلغ 17 مليار دولار الذي تم التعهد به لغزة، مما يمنع ترمب من المضي قدماً في خطته لمستقبل القطاع الفلسطيني المدمر».

لكن «مجلس السلام» سارع في التأكيد «أنه لا يواجه أي عراقيل بشأن التمويل، وأن جميع الطلبات تمت تلبيتها (على الفور وبشكل كامل)»، مشيراً إلى أنه يركز بالأساس على «تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة واستعادة الحوكمة، وتوسيع نطاق المساعدات».

وقبل أيام من اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، استضافت واشنطن الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» تعهدت خلاله دول بتقديم مليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة وإدارتها، عقب دمار واسع لحق بالقطاع على مدار عامين من الحرب.

وتقوم الخطة على إعادة إعمار القطاع على نطاق واسع، بالتوازي مع نزع سلاح حركة «حماس»، وانسحاب القوات الإسرائيلية، تمهيداً لتسليم الإدارة إلى لجنة وطنية فلسطينية.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية والخبير في الشأن الإسرائيلي، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن القاهرة تبذل جهوداً مضاعفة لتجاوز العقبات الإسرائيلية أمام «مجلس السلام»، وتؤدي بالتبعية إلى عدم تسلم «لجنة التكنوقراط» مهام عملها بعد في قطاع غزة، وتعرقل كذلك تشكيل «قوة الاستقرار» وآليات عملها، وهي خطوات ترتبط بإعادة الإعمار والتعافي المبكر.

وأكد أنور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن عدم تنفيذ بنود وقف إطلاق النار في غزة تتعلق أيضاً ببند توفير التمويل الخاص للإعمار والتعافي المبكر والتنمية المستدامة في القطاع، فيما تعمل القاهرة على إيجاد أرضية وانطلاقة فعلية على الأرض تساعد في زيادة الدعم الإغاثي والتنموي من خلال «البنك الدولي» أو الوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا»، بما يسهم في بث الأمل بنفوس الفلسطينيين الذين يعيشون واقعاً أليماً.

وترى القاهرة أن تعثر المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من 55 في المائة من كامل أراضي قطاع غزة فقط، والأنظار الملتفتة إلى حرب إيران وما تسفر عنه من تداعيات اقتصادية وسياسية واحتمالات العودة للقتال مرة أخرى، عوامل تؤثر في المشهد الفلسطيني، وتحتاج إلى تحركات مكثفة في اتجاهات مختلفة، وفقاً لأنور.

وتُقدّر مؤسسات دولية كلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، بعدما دُمّر الجزء الأكبر من البنية التحتية والمباني خلال الحرب، ما يجعل مستقبل القطاع رهناً بتوافر التمويل والتوافق السياسي بين الأطراف المعنية كافة.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، أن إعادة إعمار وتأهيل النظام الصحي في قطاع غزة تتطلب استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار على مدى 5 سنوات تشمل إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الطبية، وتلبية الاحتياجات الصحية المتزايدة، مع تضرر 1800 منشأة صحية كلياً أو جزئياً.


مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
TT

مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)

تحوَّل مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» في اليمن إلى نموذج للتدخل المزدوج، بتوفير فرص عمل، ومساعدة المزارعين في مواجهة انعدام الأمن الغذائي من جهة، وتنمية زراعة البن بوصفه محصولاً تراثياً واستراتيجياً.

ونجح مشروع ينفِّذه «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» في محافظة تعز (جنوب غربي البلاد)، بتمويل من البنك الدولي، في خلق فرص عمل مباشرة لأكثر من 43 ألف شخص، بينهم 4 آلاف امرأة، عبر 1.3 مليون يوم عمل، وتوفير 200 ألف متر مكعب من المياه داخل خزانات مستحدثة، وتحسين 8351 هكتاراً من الأراضي.

ومكَّن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» الذي ينفِّذه، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، بتمويل من البنك الدولي، 17 ألف مزارع من استعادة القدرة على استغلال أراضيهم بكفاءة، إلى جانب دعم المزارعين في مناطق إنتاج القهوة، خصوصاً في محافظة تعز، من خلال إنشاء بنية تحتية مائية تقلل من أثر تراجع الأمطار.

يركِّز المشروع، بحسب تقرير صادر عن البرنامج الأممي، على إنشاء خزانات لتجميع مياه الأمطار، تُستخدَم خلال فترات الجفاف؛ لضمان استمرارية الري، وفي مديرية صبر الموادم، جرى إنشاء خزانين بسعة 400 متر مكعب لكل منهما.

يمنية تعرض عيّنة من محصول البن الذي أنتجته مزرعتها (الأمم المتحدة)

وطبقاً لبيانات المشروع، فإنَّ المزارعين الذين تمكَّنوا من الوصول إلى هذه الموارد سجَّلوا تحسناً ملحوظاً في إنتاجهم خلال الموسم الأخير، مقارنة بغيرهم ممَّن ظلوا يعتمدون على الأمطار غير المنتظمة.

يستند المشروع إلى تمويل تقديري يبلغ 64 مليون دولار أميركي، وتغطي تدخلاته 47 مديرية في عدد من المحافظات اليمنية، خصوصاً المناطق الأكثر هشاشة زراعياً، ومن المقرر أن تستمر أعماله حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

تحسين البنية التحتية

ويأتي المشروع بتمويل من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، ويُنفَّذ ضمن شراكة يقودها «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، إلى جانب «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي»، ضمن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن».

خزان مياه بناه مشروع أممي لمساعدة المزارعين في تعز على استدامة الإنتاج (الأمم المتحدة)

ويركز «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» على تطوير البنية التحتية الزراعية، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة التغيُّرات المناخية، بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة.

يقول سعيد الشرجبي، المهندس الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ زراعة البن في اليمن بحاجة إلى حزمة من الإجراءات الخاصة بالبنية التحتية، مثل ربط مناطق الإنتاج بشبكة من الطرق الرئيسية والفرعية والطرق الزراعية لتقليل تكاليف النقل، إضافة إلى الاستفادة منها فيما تُعرَف بالسياحة البيئية أو السياحة الزراعية.

ويدعو الشرجبي إلى إنشاء السدود والحواجز والخزانات المائية ومدها بشبكات الري المناسبة التي تساعد على ترشيد استهلاك المياه، وإنشاء المشاتل لإنتاج شتلات البن، ووضع مواصفات فنية لها يتقيَّد بها القائمون على المشاتل، وتشجيع الاستثمار في المجالات المتعلقة بالبن، مثل الإنتاج والتسويق، وتصنيع مستلزمات الإنتاج من مواد صديقة للبيئة.

وشملت أنشطة المشروع تأهيل أكثر من 201 كيلومتر من الطرق الزراعية، ما أسهم في تسهيل وصول المزارعين إلى أراضيهم وأسواقهم، وإنشاء وتحسين خزانات مياه بسعة إجمالية تجاوزت 200 ألف متر مكعب؛ لتقليل الاعتماد على الأمطار الموسمية، وتعزيز استقرار الري.

يمني في تعز يعدّ قهوة من محصول البن الذي تنتجه مزرعته (الأمم المتحدة)

وامتدت التدخلات إلى حماية الأراضي الزراعية، حيث تم تحسين وإعادة تأهيل نحو 8351 هكتاراً، وريّ أكثر من 13 ألف هكتار، وتطوير أكثر من 110 آلاف متر من قنوات الري؛ بهدف رفع كفاءة التوزيع والحدِّ من الفاقد.

ووفَّر المشروع أكثر من 1.3 مليون يوم عمل وفق بيانات البرنامج الأممي، منها نحو 130 ألف يوم لصالح النساء، بينما تمكَّن أكثر من 22 ألف مزارع من تحسين حصولهم على المياه.

إعادة إحياء الأرياف

ويأتي هذا المشروع بوصفه جزءاً من برنامج أوسع تموله المؤسسة الدولية للتنمية، الذراع التمويلية الميسّرة للبنك الدولي، ويُنفَّذ بالشراكة مع عدد من الوكالات الدولية، بينها «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي».

ولفتت هذه التحولات الزراعية أنظار كثير من المجتمعات الريفية التي تأثرت بالتغيُّرات المناخية، حيث يسعى كثير من المزارعين إلى الحصول على تمويل لمساعدتهم على تغيير وتطوير أنشطتهم الزراعية؛ لمواجهة مخاطر انعدام الأمن الغذائي.

عاملون في تعز يفحصون حبوب البن لفرزها قبل البدء بتسويقها (الأمم المتحدة)

ويشير سمير المقطري، وهو مهندس زراعي وموظف حكومي، إلى أنَّ كثيراً من الأراضي الزراعية في ريف محافظة تعز باتت مهجورة إما بسبب شح المياه، أو الهجرة الداخلية بحثاً عن الخدمات، وهو ما يهدِّد بتدهورها وانهيارها بفعل أمطار غزيرة مفاجئة بعد سنوات من الجفاف والتصحر.

ويطالب المقطري، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الجهات المعنية، الحكومية والأممية والدولية، بتوسيع نطاق المشروعات الداعمة لتعزيز الأمن الغذائي، وانتهاز فرصة تخلي آلاف المزارعين عن نبتة القات؛ لدعم استبدال شجرة البن بها، خصوصاً أن الظروف البيئية والمناخية لنموهما متشابهة إلى حدّ كبير.

وتُظهر النتائج الأولية أن تحسين إدارة المياه يمثل عاملاً حاسماً في حماية زراعة البُن، التي تعتمد تقليدياً على الأمطار المتقلبة، كما تسهم هذه التدخلات في الحد من خسائر المحاصيل، وتحسين استقرار دخل المزارعين، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على الصمود.

Your Premium trial has ended


الحوثيون يطلقون أسماء قتلاهم على مدارس في صنعاء

طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يطلقون أسماء قتلاهم على مدارس في صنعاء

طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)

تشهد العاصمة اليمنية المختطفة، صنعاء، موجةً جديدةً من التغييرات في القطاع التعليمي، مع إقدام الجماعة الحوثية على تعديل أسماء عدد من المدارس الحكومية والأهلية، في إطار سياسة الجماعة لإعادة تشكيل الوعي المجتمعي وفق توجهات آيديولوجية بصبغة طائفية.

وقالت مصادر تربوية إنَّ هذه الإجراءات لا تقتصر على تغيير الأسماء، بل تمتد إلى إعادة صياغة البيئة التعليمية، بما يشمل الأنشطة الثقافية والمضامين التربوية، في سياق سعي الجماعة لترسيخ خطاب فكري أحادي داخل المؤسسات التعليمية، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل التعليم في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وطالت التعديلات الحوثية مدارس معروفة بأسمائها التاريخية، حيث جرى استبدال أسماء شخصيات مرتبطة بالجماعة أو قتلى سقطوا في صفوفها، بأسماء تلك المدارس. ومن أبرز الأمثلة، تغيير اسم مدرسة «آزال الوادي» في مديرية الوحدة إلى اسم أحد قتلى الجماعة المعروف بـ«أبو زعبل»، إضافة إلى تغيير اسم مدرسة «موسى بن نصير» في مديرية معين إلى اسم «هاني طومر».

طلبة خلال طابور الصباح في مدرسة بصنعاء (إ.ب.أ)

وأثارت هذه الخطوة استياءً واسعاً في الأوساط التربوية والطلابية، حيث عدّها معلمون وأولياء أمور محاولةً لطمس الهوية التعليمية والوطنية، مشيرين إلى أنَّ أسماء المدارس تمثل جزءاً من الذاكرة الثقافية، وأنَّ تغييرها يعكس توجهاً نحو «حوثنة» المؤسسات التعليمية، وفرض رموز ذات دلالات طائفية.

تعديلات موازية

وأكد عاملون في القطاع التربوي أنَّ قرارات تغيير الأسماء رافقها إدخال تعديلات على الأنشطة المدرسية والمحتوى الثقافي، بما يعزِّز خطاباً فكرياً موجَّهاً داخل المدارس. ويرى مختصون أنَّ هذه التغييرات قد تسهم في تقليص مساحة التنوع الفكري، وتحويل المؤسسات التعليمية إلى أدوات لنشر توجهات آيديولوجية.

من جهتهم، عبَّر طلاب في المدارس المستهدفة عن امتعاضهم من هذه الإجراءات، مؤكدين أنَّ التعليم يجب أن يبقى بعيداً عن أي توظيف سياسي أو طائفي. كما أبدى عدد من أولياء الأمور قلقهم من هذه التحولات، مشيرين إلى توجه بعضهم لنقل أبنائهم إلى مدارس أخرى، رغم محدودية الخيارات المتاحة.

تحذيرات أممية

تتزامن هذه التطورات مع أزمة تعليمية عميقة في اليمن، حيث يعاني القطاع من تدهور البنية التحتية، وانقطاع رواتب المعلمين، ونقص حاد في الموارد.

وفي هذا السياق، كشفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) عن أنَّ نحو 3 ملايين و200 ألف طفل في اليمن خارج مقاعد الدراسة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه العملية التعليمية.

الحوثيون يجبرون منتسبي الجامعات والمدارس على تمجيد زعيم الجماعة (إكس)

وأوضحت المنظمة أنَّها تعمل خلال عام 2026 على إعادة أكثر من 172 ألف طفل إلى المدارس، إلى جانب توزيع مستلزمات تعليمية على أكثر من 316 ألف طالب، ودعم نحو 1200 معلّم عبر برامج تدريب وتأهيل مهني. إلا أنَّ هذه الجهود تصطدم بواقع معقد، في ظلِّ استمرار النزاع، وتداخل العوامل الاقتصادية والاجتماعية.

ويحذِّر مراقبون من أنَّ استمرار التلاعب بالعملية التعليمية، سواء عبر تغيير الأسماء أو المناهج، قد يؤدي إلى تعميق الانقسام المجتمعي، وتقويض فرص التعافي، مؤكدين أنَّ تحييد التعليم عن الصراعات يمثل شرطاً أساسياً لحماية مستقبل الأجيال.