لبنان والعرب: جلاء العلاقات الملتبسة يحقق المصالح المشتركة

وسط تراكم الصعوبات والتحديات المصيرية

لبنان والعرب: جلاء العلاقات الملتبسة يحقق المصالح المشتركة
TT

لبنان والعرب: جلاء العلاقات الملتبسة يحقق المصالح المشتركة

لبنان والعرب: جلاء العلاقات الملتبسة يحقق المصالح المشتركة

لطالما ارتبط لبنان بعلاقات سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة مميزة مع محيطه العربي. وغالباً ما كان يجري تجاوز الإشكاليّات السياسيّة والعقائديّة المتصلة بهوية لبنان ودوره، التي رافقت نشوء الكيان عقب خروجه من حقبة الانتداب الفرنسي في نهاية الحرب العالميّة الثانية، لا سيّما في حقبة الخمسينات والستينات من القرن الماضي، وهي الحقبة التي شهدت ازدهاراً لبنانيّاً غير مسبوق.
أما الصراع الذي كان اندلع بين جناحي لبنان من المسلمين والمسيحيين حول عروبة لبنان، فخفَت إزاء التطور الكبير الذي شهدته علاقات لبنان العربيّة، خصوصاً مع الفورة النفطيّة التي أحدثت تحولات هيكليّة في اقتصادات الخليج ومجتمعاته المتعددة. فالتسوية التي وُلدت على «الطريقة اللبنانيّة» المرتكزة إلى صيغة «لا غالب ولا مغلوب»، بما عُرف بـ«الميثاق الوطني» عام 1943، أفضت إلى إسقاط المطالبة الإسلاميّة الاندماج بسوريا والعالم العربي مقابل إسقاط الدعوات المسيحيّة للالتحاق بفرنسا والغرب شرط الحفاظ على حدوده التي أعلنت سنة 1920 تحت مسمّى «دولة لبنان الكبير». ورست المعادلة على أن لبنان دولة مستقلة ذات وجه عربي. وكان لبنان من الدول العربيّة الست المؤسسة لجامعة الدول العربيّة عام 1945 إلى جانب: مصر، المملكة العربيّة السعودية، العراق، سوريا والأردن.

على المستوى السياسي، استمر السجال المتصل بهوية لبنان وعروبته لعقود طويلة يخفت تارة ويندلع تارة أخرى، لا سيّما في أوج الحروب والمواجهات العسكريّة العربية - الإسرائيليّة؛ إذ كانت تتمدد مفاعيل تلك المواجهات إلى داخل الساحة اللبنانية المنقسمة على ذاتها سياسياً وثقافيّاً وطائفيّاً ومذهبيّاً. ولعل أبرز تجليّات ذلك الانقسام تجلى في «ثورة 1958» الشهيرة ضد محاولة إلحاق لبنان بمحاور خارجيّة لتغيير هويته ودوره وموقعه الطبيعي.
إلا أن «وثيقة الوفاق الوطني اللبناني» (التي اشتهرت باسم «اتفاق الطائف»؛ كونها أقرّت في مدينة الطائف السعودية التي استضافت البرلمانيين اللبنانيين لأكثر من أسبوعين من أجل مناقشة الإصلاحات السياسيّة ووقف النزاع الأهلي المسلح) حسمت بشكل تام هويّة لبنان العربيّة. فعُدلت مقدمة الدستور اللبناني بحيث نصت الفقرة «ب» على أن «لبنان عربي الهوية والانتماء وهو عضو مؤسس وعامل في جامعة الدول العربية وملتزم مواثيقها».

- ازدهار الخمسينات والستينات
أدّى احتلال فلسطين وإعلان دولة إسرائيل عام 1948 إلى مقاطعة عربيّة عارمة للكيان الغاصب. وشملت المقاطعة بطبيعة الحال المرافق والمرافئ الفلسطينية التي صارت تحت الاحتلال، فتقدّم وتطوّر مرفأ بيروت ومرفأ طرابلس. كما أن مصفاتي النفط اللتين أنشئتا في لبنان لعبتا دوراً مهماً في انتقال النفط العربي إلى محطات ومواقع جديدة. وازدهرت تجارة الترانزيت والشحن البحري والبرّي بين لبنان والعُمق العربي.
وأتاح النظام الاقتصادي اللبناني، الذي كان قائماً على الانفتاح (الزائد في بعض الأحيان، لا سيما لناحية إهماله تنمية الأرياف والمناطق المهمّشة، كما في تركز رأس المال في أيدي قلة قليلة من اللبنانيين) تدفقاً انسيابيّاً للأشخاص والبضائع والسلع. وساهم نظام لبنان المصرفي وحرية انتقال الودائع والأموال والسريّة المصرفيّة في رفع مستويات الثقة به؛ ما سمح بتدفق رؤوس الأموال العربيّة والخليجيّة إليه، وكان بعضها على شكل ودائع مصرفيّة أو استثمارات وتوظيفات أو تحويلات.
في المقابل، أتاح نظام التعدديّة والتنوع اللبناني الذي استقطب البعثات العلميّة الخارجيّة والإرساليّات الأجنبيّة بناء قدرات بشريّة ناجحة في الكثير من القطاعات. وصار خريجو الجامعات اللبنانيّة، وفي طليعتها الجامعة الأميركيّة في بيروت (التي يعود تاريخ تأسيسها إلى القرن التاسع عشر وتحديداً عام 1866)، وجامعة القديس يوسف (1872)، والجامعة اللبنانيّة وسواها من الصروح الأكاديميّة العريقة ينتقلون للعيش في دول الخليج، حيث ساهموا في نهضتها من خلال خبراتهم ومعارفهم.
أيضاً كان لشركات البناء اللبنانيّة نجاحات ملحوظة في تشييد البنى التحتيّة والمواصلات والمباني الحكوميّة وسواها من المرافق العامة، تنفيذاً للسياسات التنمويّة والخطط الشاملة التي أطلقتها الدول الخليجيّة بدءاً من منتصف القرن العشرين. وبلغ الاندماج اللبناني في المجتمعات الخليجيّة مراحل متقدّمة من خلال الالتزام بالعادات والتقاليد والقوانين.
وغني عن القول أن هذا الانتشار اللبناني ساهم بدوره في تعزيز الواقع الاقتصادي والاجتماعي داخل لبنان من خلال التحويلات الماليّة التي يقوم بها اللبنانيون إلى أسرهم، فضلاً عن تشييد منازل لهم في قراهم اللبنانيّة؛ ما ساهم أيضاً في الانعكاس على الدورة الاقتصاديّة في الأرياف والأطراف ولو بشكل محدود. ومثلما كان الخليج محط استقطابٍ للبنانيين للعمل والإنتاج، كذلك كانت الجامعات القائمة في لبنان نقطة جذب لشباب الخليج الذين قصدوها للتعلم والعيش، كما حقق القطاع الصحي والاستشفائي اللبناني وثبات مهمة أتاحت أيضاً أن يكون لبنان في أوقات معيّنة «مستشفى الشرق». وأضيف إلى هذه الميزات التفاضليّة تطوّر المرافق السياحيّة والفندقيّة اللبنانيّة التي ترافقت مع ثقافة حسن الضيافة والاستقبال بكثير من الود والألفة التي لم يكن يلمسها السواح الخليجيون في أوروبا والولايات المتحدة الأميركيّة ودول آسيا وسواها من المناطق السياحيّة حول العالم.

- حقبة الحرب اللبنانيّة
بطبيعة الحال، تلاشت كل هذه المزايا مع اندلاع الحرب الأهليّة اللبنانيّة عام 1975، ومعها فقد لبنان موقعه ودوره الإقليمي. وتواصلت المبادرات السياسيّة العربيّة طوال سنوات المحنة لمحاولة إنقاذ لبنان من الحرب الطاحنة، ولعل أبرزها كان «اللجنة السداسيّة العربيّة» التي ترأسها أمير الكويت الراحل الشيخ صباح الأحمد الصباح - وكان وزيراً للخارجيّة آنذاك - . ولكن الظروف المحلية والخارجيّة لم تكن قد اكتملت بعد لإنضاج الحل. وللمفارقة رفضه آنذاك العماد ميشال عون (رئيس الجمهورية اللبنانيّة الحالي، الذي كان يترأس حكومة عسكريّة حينذاك)، كما رفض بعد أشهر قليلة «اتفاق الطائف» الذي أمكن التوصل إليه برعاية سعودية - أميركيّة.
وبعد انتهاء الحرب، استمر الدعم العربي لإعادة الإعمار والنهوض. وشارك العرب بقيادة المملكة العربية السعودية في مؤتمرات الدعم الاقتصادي للبنان، لا سيّما تلك التي عُقدت في العاصمة الفرنسيّة (باريس 1 و2 و3). وحقاً، موّلت الحكومات والصناديق العربية المشاريع العامة في البنى التحتيّة والمستشفيات الحكوميّة والطرق والجسور وسواها. كذلك ساهمت في إعادة الإعمار بعد الاعتداءات الإسرائيليّة المتكررة في الأعوام 1993 و1996 و2006 وفي دعم العملة الوطنيّة اللبنانيّة من خلال ودائع ماليّة في المصرف المركزي اللبناني في بعض المراحل الماليّة والنقديّة الحرجة. ولقد ذكر أحد التقارير الدوليّة الصادرة منذ نحو خمس سنوات أن الدعم السعودي (على سبيل المثال) للبنان بين عامي 1990 و2015 بلغ نحو 50 مليار دولار شملت: الدعم الرسمي، واستثمارات القطاع الخاص، والودائع، والقروض، والمساعدات وتحويلات اللبنانيين المقيمين في المملكة إلى ذويهم في لبنان.

- أربعة محاور
تتمحور العلاقات الاقتصاديّة اللبنانيّة - الخليجيّة حول أربعة محاور رئيسيّة:
> حركة التبادل الاقتصادي والتجاري بين لبنان والخليج: ولبنان يستورد أكثر مما يصدّر؛ إذ بلغ عجز الميزان التجاري عام 2016 على سبيل المثال نحو 666 مليون دولار
> الودائع الماليّة الخليجيّة في المصارف اللبنانيّة: وقد سُحبت مبالغ كبيرة منها مع بدء الأزمة النقديّة والحركات الاحتجاجية واهتزاز الثقة بالقطاع المصرفي في لبنان عام 2019
> العمالة اللبنانيّة في الخليج وتحويلاتها الماليّة إلى لبنان: لا تزال مستمرة وتشكل ركيزة صمود مهمة للاقتصاد اللبناني، لا سيّما، في ظل الظروف الصعبة الراهنة. وقد اصطلح على تسمية الأموال الأجنبيّة المحولة إلى لبنان بـFresh dollar أو «الدولارات الطازجة» - إذا صح التعبير - والواردة إلى السوق اللبنانية التي صارت تعاني من شحّ كبير في العملات الأجنبيّة.
> الاستثمارات الخليجيّة في لبنان: كانت تتركز بشكل أساسي على القطاع العقاري الذي تقلصت محفظته العقاريّة (للخليجيين) منذ اندلاع الحرب السورية 2011 وتدهور العلاقات العربية مع لبنان. وتزايدت المعلومات عن تنامي البيوعات العقاريّة من قبل الخليجيين لأملاكهم في لبنان.

- خريطة الانهيار
في الواقع يعاني لبنان منذ سنوات من عجز في ميزانيته العامة؛ إذ إن عائداته الماليّة كانت دوماً أقل من نفقاته نتيجة الهدر والفساد. وغدا معروفاً أن قطاع الطاقة والكهرباء يستنزف خسائر سنوياً بنحو ملياري دولار أميركي، وهذا مبلغ ضخم قياساً إلى الواقع اللبناني. ثم أدّى اندلاع الاحتجاجات الشعبيّة في لبنان بوم 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 إلى اهتزاز كامل في الوضع الاقتصادي والنقدي. وصار تسرّب الودائع إلى خارج لبنان مسألة نزف يومي بعدما كان القطاع المصرفي اللبناني يستقطب ودائع بمليارات الدولارات. وبالتالي، ولد هذا التسرّب في الودائع والتحويلات الكبيرة إلى الخارج - وهي عمليّة لا تتناقض مع القوانين المحليّة، وبالأخص قانون النقد والتسليف - نقصاً حاداً في العملات الصعبة؛ ما دفع مصرف لبنان إلى التوقف عن دعم العملة الوطنيّة. وهذا الدعم سياسة كان يعتمدها منذ عام 1992 بلا انقطاع من خلال التدخل اليومي في السوق لشراء أو بيع الدولار الأميركي وفق تطور سعره بما يحافظ على سعر ثابت.
بدوره، أدى هذا الانكفاء من قبل المصرف المركزي إلى سقوط مريع لسياسة الاستقرار النقدي؛ ما دفع إلى تدهور قيمة الليرة اللبنانية (أربعة أو خمسة أضعاف وهي لا تزال تتدهور بصورة يوميّة)، وهو ما رفع من مستويات التضخم بشكل هائل. وكانت النتيجة الطبيعيّة التالية لهذا التدهور المتعدد الأوجه، تعثر القطاع المصرفي بعد خسارته جزءاً كبيراً من ودائعه بالدولار الأميركي نتيجة قرار المودعين تحويلها إلى الخارج. وهو ما دفعه إلى احتجاز الودائع وتقنين تسييلها بين أيدي المواطنين؛ تلافياً للانهيار التام وكسباً للوقت لعل تطورات سياسية إيجابية تحصل وتتيح إعادة تدفق الأموال من الخارج. وهكذا، مع تدني القيمة الشرائيّة لدى اللبنانيين والارتفاع الجنوني في أسعار السلع والمنتجات، تراجعت حركة الاستيراد وصار هناك نقص في الأدوية والمستلزمات الطبية والبضائع مع كل ما يعنيه ذلك من مآس على لبنان من كل النواحي.
إن النتيجة الحتميّة لسقوط المناخ الاستثماري وتدهور سعر العملة الوطنية كانت إقفال آلاف المؤسسات والشركات، وتالياً ارتفاع نسب البطالة إلى أكثر من 45 في المائة؛ ما أدى إلى أن يرزح أكثر من 50 في المائة من الشعب اللبناني تحت خط الفقر وفق تقديرات البنك الدولي. وعادت موجات الهجرة، وبالذات لأصحاب الكفاءات والأدمغة لتتكثف نحو كل أصقاع الأرض هروبا من الواقع المعيشي المُزري والصعب. وعمليّاً، لقد تغيّر وجه لبنان الذي فقد كل ميزاته التفاضليّة ودوره المتقدم في المنطقة.

- الآفاق المستقبلية للتعاون اللبناني ـ الخليجي
لم يسبق أن شهدت العلاقات اللبنانيّة - العربيّة عموماً، والعلاقات اللبنانيّة - الخليجيّة خصوصاً، هذا القدر من التدهور.
في كل المراحل التاريخيّة السابقة، كانت الجهوزيّة المتبادلة لتطويق أي خلاف لبناني - خليجي عالية جداً. وغالباً ما كان من المستحيل توقع الوصول إلى هذه الدرجة من القطيعة. إذ ارتكزت السياسات الخليجيّة تجاه لبنان، في معظم المنعطفات، على إبقاء التواصل قائماً ومع جميع مكونات المجتمع السياسي اللبناني دون تفرقة أو تمييز، فضلاً عن ثابتة دعم «مشروع الدولة» في لبنان بما يتيح تقليص هوامش التدخل الخارجي فيه، وبحّاصة، من القوى الإقليميّة غير العربيّة المؤثرة والفاعلة.
طبعاً، كان للتعرّض المتواصل من قبل بعض الأطراف اللبنانيّة لدول الخليج وسياساتها تأثير كبير في انهيار مجمل بُنية العلاقات التاريخيّة. وهذا مقصود، بل متعمد، في سياق اختطاف لبنان باتجاه محاور لا تلائم بتركيبتها وتكوينها الموقع الطبيعي للبنان في العالم العربي، خصوصاً أنه ينطلق من موقع العداء للهويّة العربيّة. وهذا ما يُحتّم إعادة النظر بسياسة القطيعة واستئناف التواصل الطبيعي؛ لأنه وحده الكفيل بخلق التوازن المطلوب إزاء خسارة ساحة عربيّة جديدة في مواجهة مشاريع التسلط الخارجيّة.
من هنا، المطلوب على المستوى اللبناني - الخليجي إعادة التأكيد على الروابط التاريخية بين لبنان والخليج. وهذا يُستهل من خلال ترميم العلاقات السياسيّة كمدخل لترميم العلاقات الاقتصادية والاجتماعيّة التي تعرّضت لتشوهات كبرى في السنوات القليلة الماضية. وبعد تنقية العلاقات السياسيّة، يمكن البحث في سبل تنشيط العلاقات التجارية البينية وإزالة المعوّقات والحواجز، وإعادة تطوير الحركة التجاريّة. ويضاف إلى ذلك البحث في السلع والبضائع التكاملية بين الإنتاج اللبناني والخليجي... وصولاً إلى إعادة تفعيل حركة الاستثمار الخليجي في لبنان، التي ستكون للمستثمر الخليجي أقل كلفة قياساً بالماضي نتيجة وضع لبنان الراهن، ومن شأنها أن تحقق الكسب المادي والنجاح التجاري بمعزل عن كل الاعتبارات الأخرى.
ختاماً، لبنان لا يستطيع أن يتنفس من دون الرئة العربيّة والخليجيّة. هذا كان موقعه الطبيعي، وهذا الموقع الذي يجب أن يُستعاد؛ لأن الكلفة السياسية للتخلي عنه أكبر من كلفة استعادته.

- أرقام ومؤشرات لافتة
> في نهاية عام 2015، وصل مجمل الاستثمارات الخليجيّة في لبنان، لا سيّما في القطاع العقاري اللبناني، إلى نحو 15 مليار دولار
> قُدرّت نسبة الودائع الخليجيّة في المصارف اللبنانيّة في المرحلة نفسها بنحو 100 مليار دولار
> كان السوّاح الخليجيون يمثلون نسبة 35 في المائة من حجم السياح إلى لبنان
> بلغت الاستثمارات اللبنانيّة في الخليج عام 2015 نحو 5 مليارات دولار من خلال شركات الملبوسات والمقاولات والمأكولات والمطاعم وسواها
> يوجد نحو 350 ألف مغترب لبناني في الخليج، نصفهم في المملكة العربية السعودية والباقي موزع على دول الخليج الأخرى


مقالات ذات صلة

الاستقطاب العالمي والأمن الغذائي... ملفات مرتقبة في «القمة العربية» بالسعودية

العالم العربي الاستقطاب العالمي والأمن الغذائي... ملفات مرتقبة في «القمة العربية» بالسعودية

الاستقطاب العالمي والأمن الغذائي... ملفات مرتقبة في «القمة العربية» بالسعودية

تتواصل التحضيرات للقمة العربية الـ32 والمقرر انعقادها بالمملكة العربية السعودية في شهر مايو (أيار) المقبل، ورأى مراقبون ومسؤولون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، أن «ملفات مرتقبة تفرض نفسها على أجندة القمة، استجابة لمتغيرات إقليمية ودولية ضاغطة على الساحة العربية، في مقدمتها القضية الفلسطينية، وبلورة موقف شامل إزاء تزايد حدة الاستقطاب الدولي بعد عام على اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية»، فضلاً عن ملفات الأمن الغذائي. وكان الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، أكد في تصريحات صحافية خلال زيارته للبنان منتصف الشهر الحالي، أن مؤتمر القمة العربية سيعقد في شهر مايو المقبل في المملكة العربية

العالم العربي المندلاوي مستقبلاً جبالي في بغداد أمس (واع)

بغداد تحتضن أعمال المؤتمر الـ34 للاتحاد البرلماني العربي

تنطلق في العاصمة العراقية بغداد، الجمعة، أعمال مؤتمر الاتحاد البرلماني العربي في دورته الرابعة والثلاثين، وينتظر أن تشارك فيه معظم البرلمانات العربية. ويتوقع المراقبون والمهتمون بالشأن السياسي العراقي أن تساهم استضافة بغداد لأعمال المؤتمر، بعد غياب استمر لأكثر من ثلاثة عقود، في تعزيز دور العراق عربيا وإقليميا، و«تعزيز التعاون البرلماني العربي باعتباره مرتكزاً جوهرياً في التضامن العربي» كما تنص على ذلك ديباجة الأهداف التي تأسس الاتحاد بموجبها عام 1974.

فاضل النشمي (بغداد)
شمال افريقيا الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال لقائه نظيره الصيني شي جينبينغ بالرياض (الرئاسة المصرية)

السيسي وشي يناقشان التحديات الإقليمية والعالمية على هامش «قمة الرياض»

على هامش مشاركته في فعاليات «القمة العربية - الصينية» بالرياض، عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم (الخميس)، جلستَي مباحثات مع قادة الصين والعراق، تناولت المستجدات على الساحة الإقليمية والعالمية، والتحديات التي تواجه الشرق الأوسط، وسبل تعزيز التعاون الثنائي. وقال السفير بسام راضي، المتحدث الرسمي باسم رئاسة المصرية، في بيان صحافي، إن «الرئيس المصري، اجتمع (الخميس)، مع نظيره الصيني شي جينبينغ، لتبادل الرؤى إزاء تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، لا سيما في ظل التحديات التي تواجهها المنطقة». وأضاف راضي أن الرئيس الصيني «ثمّن الدور المصري الرائد في صون السلم والأمن والاستقرار في المنطقة، سواء

«الشرق الأوسط» (الرياض)
مؤتمر صحافي مشترك للأمين العام للجامعة العربية ووزير الخارجية الجزائري في ختام القمة أمس (أ.ب)

«إعلان الجزائر»: تأكيد الثوابت ورفض التدخلات

أعاد البيان الختامي للقمة العربية، التي عقدت في الجزائر، التأكيد على ثوابت مركزية القضية الفلسطينية والعمل العربي المشترك ورفض التدخلات الخارجية في الشؤون العربية. وأكد «إعلان الجزائر» تبني ودعم سعي دولة فلسطين للحصول على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، ودعوة الدول التي لم تعترف بعد بدولة فلسطين إلى القيام بذلك، كما شدد على التمسك بمبادرة السلام العربية التي أطلقتها المملكة العربية السعودية وتبنتها قمة بيروت عام 2002 «بكافة عناصرها وأولوياتها، والتزامنا بالسلام العادل والشامل كخيار استراتيجي لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لكافة الأراضي العربية». وأعلن وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان،

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
العالم العربي القمة العربية اختتمت أعمالها في الجزائر أمس (رويترز)

اختتام قمة الجزائر... والرياض تستضيف النسخة المقبلة

اختتم القادة والزعماء العرب أعمال القمة العربية الـ31 بجلسة ختامية تحدث فيها عدد من الزعماء العرب، عن قضاياهم الوطنية والقضايا العربية ذات الاهتمام المشترك، فيما أعلن أن المملكة العربية السعودية سوف تستضيف القمة التالية. وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أول المتحدثين في الجلسة الختامية للقمة، وطالب السيسي بـ«ضرورة تعزيز وحدة الصف العربي لمنع التدخلات الخارجية ومواجهة التحديات الإقليمية والعالمية». وأوضح أن عدم الاستقرار في دول المشرق وفلسطين تمتد آثاره لدول المغرب العربي، مؤكدا أن مصر ترغب في الدعم العربي للتوصل لتسوية سياسية في ليبيا في أسرع وقت.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟