لبنان والعرب: جلاء العلاقات الملتبسة يحقق المصالح المشتركة

وسط تراكم الصعوبات والتحديات المصيرية

لبنان والعرب: جلاء العلاقات الملتبسة يحقق المصالح المشتركة
TT

لبنان والعرب: جلاء العلاقات الملتبسة يحقق المصالح المشتركة

لبنان والعرب: جلاء العلاقات الملتبسة يحقق المصالح المشتركة

لطالما ارتبط لبنان بعلاقات سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة مميزة مع محيطه العربي. وغالباً ما كان يجري تجاوز الإشكاليّات السياسيّة والعقائديّة المتصلة بهوية لبنان ودوره، التي رافقت نشوء الكيان عقب خروجه من حقبة الانتداب الفرنسي في نهاية الحرب العالميّة الثانية، لا سيّما في حقبة الخمسينات والستينات من القرن الماضي، وهي الحقبة التي شهدت ازدهاراً لبنانيّاً غير مسبوق.
أما الصراع الذي كان اندلع بين جناحي لبنان من المسلمين والمسيحيين حول عروبة لبنان، فخفَت إزاء التطور الكبير الذي شهدته علاقات لبنان العربيّة، خصوصاً مع الفورة النفطيّة التي أحدثت تحولات هيكليّة في اقتصادات الخليج ومجتمعاته المتعددة. فالتسوية التي وُلدت على «الطريقة اللبنانيّة» المرتكزة إلى صيغة «لا غالب ولا مغلوب»، بما عُرف بـ«الميثاق الوطني» عام 1943، أفضت إلى إسقاط المطالبة الإسلاميّة الاندماج بسوريا والعالم العربي مقابل إسقاط الدعوات المسيحيّة للالتحاق بفرنسا والغرب شرط الحفاظ على حدوده التي أعلنت سنة 1920 تحت مسمّى «دولة لبنان الكبير». ورست المعادلة على أن لبنان دولة مستقلة ذات وجه عربي. وكان لبنان من الدول العربيّة الست المؤسسة لجامعة الدول العربيّة عام 1945 إلى جانب: مصر، المملكة العربيّة السعودية، العراق، سوريا والأردن.

على المستوى السياسي، استمر السجال المتصل بهوية لبنان وعروبته لعقود طويلة يخفت تارة ويندلع تارة أخرى، لا سيّما في أوج الحروب والمواجهات العسكريّة العربية - الإسرائيليّة؛ إذ كانت تتمدد مفاعيل تلك المواجهات إلى داخل الساحة اللبنانية المنقسمة على ذاتها سياسياً وثقافيّاً وطائفيّاً ومذهبيّاً. ولعل أبرز تجليّات ذلك الانقسام تجلى في «ثورة 1958» الشهيرة ضد محاولة إلحاق لبنان بمحاور خارجيّة لتغيير هويته ودوره وموقعه الطبيعي.
إلا أن «وثيقة الوفاق الوطني اللبناني» (التي اشتهرت باسم «اتفاق الطائف»؛ كونها أقرّت في مدينة الطائف السعودية التي استضافت البرلمانيين اللبنانيين لأكثر من أسبوعين من أجل مناقشة الإصلاحات السياسيّة ووقف النزاع الأهلي المسلح) حسمت بشكل تام هويّة لبنان العربيّة. فعُدلت مقدمة الدستور اللبناني بحيث نصت الفقرة «ب» على أن «لبنان عربي الهوية والانتماء وهو عضو مؤسس وعامل في جامعة الدول العربية وملتزم مواثيقها».

- ازدهار الخمسينات والستينات
أدّى احتلال فلسطين وإعلان دولة إسرائيل عام 1948 إلى مقاطعة عربيّة عارمة للكيان الغاصب. وشملت المقاطعة بطبيعة الحال المرافق والمرافئ الفلسطينية التي صارت تحت الاحتلال، فتقدّم وتطوّر مرفأ بيروت ومرفأ طرابلس. كما أن مصفاتي النفط اللتين أنشئتا في لبنان لعبتا دوراً مهماً في انتقال النفط العربي إلى محطات ومواقع جديدة. وازدهرت تجارة الترانزيت والشحن البحري والبرّي بين لبنان والعُمق العربي.
وأتاح النظام الاقتصادي اللبناني، الذي كان قائماً على الانفتاح (الزائد في بعض الأحيان، لا سيما لناحية إهماله تنمية الأرياف والمناطق المهمّشة، كما في تركز رأس المال في أيدي قلة قليلة من اللبنانيين) تدفقاً انسيابيّاً للأشخاص والبضائع والسلع. وساهم نظام لبنان المصرفي وحرية انتقال الودائع والأموال والسريّة المصرفيّة في رفع مستويات الثقة به؛ ما سمح بتدفق رؤوس الأموال العربيّة والخليجيّة إليه، وكان بعضها على شكل ودائع مصرفيّة أو استثمارات وتوظيفات أو تحويلات.
في المقابل، أتاح نظام التعدديّة والتنوع اللبناني الذي استقطب البعثات العلميّة الخارجيّة والإرساليّات الأجنبيّة بناء قدرات بشريّة ناجحة في الكثير من القطاعات. وصار خريجو الجامعات اللبنانيّة، وفي طليعتها الجامعة الأميركيّة في بيروت (التي يعود تاريخ تأسيسها إلى القرن التاسع عشر وتحديداً عام 1866)، وجامعة القديس يوسف (1872)، والجامعة اللبنانيّة وسواها من الصروح الأكاديميّة العريقة ينتقلون للعيش في دول الخليج، حيث ساهموا في نهضتها من خلال خبراتهم ومعارفهم.
أيضاً كان لشركات البناء اللبنانيّة نجاحات ملحوظة في تشييد البنى التحتيّة والمواصلات والمباني الحكوميّة وسواها من المرافق العامة، تنفيذاً للسياسات التنمويّة والخطط الشاملة التي أطلقتها الدول الخليجيّة بدءاً من منتصف القرن العشرين. وبلغ الاندماج اللبناني في المجتمعات الخليجيّة مراحل متقدّمة من خلال الالتزام بالعادات والتقاليد والقوانين.
وغني عن القول أن هذا الانتشار اللبناني ساهم بدوره في تعزيز الواقع الاقتصادي والاجتماعي داخل لبنان من خلال التحويلات الماليّة التي يقوم بها اللبنانيون إلى أسرهم، فضلاً عن تشييد منازل لهم في قراهم اللبنانيّة؛ ما ساهم أيضاً في الانعكاس على الدورة الاقتصاديّة في الأرياف والأطراف ولو بشكل محدود. ومثلما كان الخليج محط استقطابٍ للبنانيين للعمل والإنتاج، كذلك كانت الجامعات القائمة في لبنان نقطة جذب لشباب الخليج الذين قصدوها للتعلم والعيش، كما حقق القطاع الصحي والاستشفائي اللبناني وثبات مهمة أتاحت أيضاً أن يكون لبنان في أوقات معيّنة «مستشفى الشرق». وأضيف إلى هذه الميزات التفاضليّة تطوّر المرافق السياحيّة والفندقيّة اللبنانيّة التي ترافقت مع ثقافة حسن الضيافة والاستقبال بكثير من الود والألفة التي لم يكن يلمسها السواح الخليجيون في أوروبا والولايات المتحدة الأميركيّة ودول آسيا وسواها من المناطق السياحيّة حول العالم.

- حقبة الحرب اللبنانيّة
بطبيعة الحال، تلاشت كل هذه المزايا مع اندلاع الحرب الأهليّة اللبنانيّة عام 1975، ومعها فقد لبنان موقعه ودوره الإقليمي. وتواصلت المبادرات السياسيّة العربيّة طوال سنوات المحنة لمحاولة إنقاذ لبنان من الحرب الطاحنة، ولعل أبرزها كان «اللجنة السداسيّة العربيّة» التي ترأسها أمير الكويت الراحل الشيخ صباح الأحمد الصباح - وكان وزيراً للخارجيّة آنذاك - . ولكن الظروف المحلية والخارجيّة لم تكن قد اكتملت بعد لإنضاج الحل. وللمفارقة رفضه آنذاك العماد ميشال عون (رئيس الجمهورية اللبنانيّة الحالي، الذي كان يترأس حكومة عسكريّة حينذاك)، كما رفض بعد أشهر قليلة «اتفاق الطائف» الذي أمكن التوصل إليه برعاية سعودية - أميركيّة.
وبعد انتهاء الحرب، استمر الدعم العربي لإعادة الإعمار والنهوض. وشارك العرب بقيادة المملكة العربية السعودية في مؤتمرات الدعم الاقتصادي للبنان، لا سيّما تلك التي عُقدت في العاصمة الفرنسيّة (باريس 1 و2 و3). وحقاً، موّلت الحكومات والصناديق العربية المشاريع العامة في البنى التحتيّة والمستشفيات الحكوميّة والطرق والجسور وسواها. كذلك ساهمت في إعادة الإعمار بعد الاعتداءات الإسرائيليّة المتكررة في الأعوام 1993 و1996 و2006 وفي دعم العملة الوطنيّة اللبنانيّة من خلال ودائع ماليّة في المصرف المركزي اللبناني في بعض المراحل الماليّة والنقديّة الحرجة. ولقد ذكر أحد التقارير الدوليّة الصادرة منذ نحو خمس سنوات أن الدعم السعودي (على سبيل المثال) للبنان بين عامي 1990 و2015 بلغ نحو 50 مليار دولار شملت: الدعم الرسمي، واستثمارات القطاع الخاص، والودائع، والقروض، والمساعدات وتحويلات اللبنانيين المقيمين في المملكة إلى ذويهم في لبنان.

- أربعة محاور
تتمحور العلاقات الاقتصاديّة اللبنانيّة - الخليجيّة حول أربعة محاور رئيسيّة:
> حركة التبادل الاقتصادي والتجاري بين لبنان والخليج: ولبنان يستورد أكثر مما يصدّر؛ إذ بلغ عجز الميزان التجاري عام 2016 على سبيل المثال نحو 666 مليون دولار
> الودائع الماليّة الخليجيّة في المصارف اللبنانيّة: وقد سُحبت مبالغ كبيرة منها مع بدء الأزمة النقديّة والحركات الاحتجاجية واهتزاز الثقة بالقطاع المصرفي في لبنان عام 2019
> العمالة اللبنانيّة في الخليج وتحويلاتها الماليّة إلى لبنان: لا تزال مستمرة وتشكل ركيزة صمود مهمة للاقتصاد اللبناني، لا سيّما، في ظل الظروف الصعبة الراهنة. وقد اصطلح على تسمية الأموال الأجنبيّة المحولة إلى لبنان بـFresh dollar أو «الدولارات الطازجة» - إذا صح التعبير - والواردة إلى السوق اللبنانية التي صارت تعاني من شحّ كبير في العملات الأجنبيّة.
> الاستثمارات الخليجيّة في لبنان: كانت تتركز بشكل أساسي على القطاع العقاري الذي تقلصت محفظته العقاريّة (للخليجيين) منذ اندلاع الحرب السورية 2011 وتدهور العلاقات العربية مع لبنان. وتزايدت المعلومات عن تنامي البيوعات العقاريّة من قبل الخليجيين لأملاكهم في لبنان.

- خريطة الانهيار
في الواقع يعاني لبنان منذ سنوات من عجز في ميزانيته العامة؛ إذ إن عائداته الماليّة كانت دوماً أقل من نفقاته نتيجة الهدر والفساد. وغدا معروفاً أن قطاع الطاقة والكهرباء يستنزف خسائر سنوياً بنحو ملياري دولار أميركي، وهذا مبلغ ضخم قياساً إلى الواقع اللبناني. ثم أدّى اندلاع الاحتجاجات الشعبيّة في لبنان بوم 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 إلى اهتزاز كامل في الوضع الاقتصادي والنقدي. وصار تسرّب الودائع إلى خارج لبنان مسألة نزف يومي بعدما كان القطاع المصرفي اللبناني يستقطب ودائع بمليارات الدولارات. وبالتالي، ولد هذا التسرّب في الودائع والتحويلات الكبيرة إلى الخارج - وهي عمليّة لا تتناقض مع القوانين المحليّة، وبالأخص قانون النقد والتسليف - نقصاً حاداً في العملات الصعبة؛ ما دفع مصرف لبنان إلى التوقف عن دعم العملة الوطنيّة. وهذا الدعم سياسة كان يعتمدها منذ عام 1992 بلا انقطاع من خلال التدخل اليومي في السوق لشراء أو بيع الدولار الأميركي وفق تطور سعره بما يحافظ على سعر ثابت.
بدوره، أدى هذا الانكفاء من قبل المصرف المركزي إلى سقوط مريع لسياسة الاستقرار النقدي؛ ما دفع إلى تدهور قيمة الليرة اللبنانية (أربعة أو خمسة أضعاف وهي لا تزال تتدهور بصورة يوميّة)، وهو ما رفع من مستويات التضخم بشكل هائل. وكانت النتيجة الطبيعيّة التالية لهذا التدهور المتعدد الأوجه، تعثر القطاع المصرفي بعد خسارته جزءاً كبيراً من ودائعه بالدولار الأميركي نتيجة قرار المودعين تحويلها إلى الخارج. وهو ما دفعه إلى احتجاز الودائع وتقنين تسييلها بين أيدي المواطنين؛ تلافياً للانهيار التام وكسباً للوقت لعل تطورات سياسية إيجابية تحصل وتتيح إعادة تدفق الأموال من الخارج. وهكذا، مع تدني القيمة الشرائيّة لدى اللبنانيين والارتفاع الجنوني في أسعار السلع والمنتجات، تراجعت حركة الاستيراد وصار هناك نقص في الأدوية والمستلزمات الطبية والبضائع مع كل ما يعنيه ذلك من مآس على لبنان من كل النواحي.
إن النتيجة الحتميّة لسقوط المناخ الاستثماري وتدهور سعر العملة الوطنية كانت إقفال آلاف المؤسسات والشركات، وتالياً ارتفاع نسب البطالة إلى أكثر من 45 في المائة؛ ما أدى إلى أن يرزح أكثر من 50 في المائة من الشعب اللبناني تحت خط الفقر وفق تقديرات البنك الدولي. وعادت موجات الهجرة، وبالذات لأصحاب الكفاءات والأدمغة لتتكثف نحو كل أصقاع الأرض هروبا من الواقع المعيشي المُزري والصعب. وعمليّاً، لقد تغيّر وجه لبنان الذي فقد كل ميزاته التفاضليّة ودوره المتقدم في المنطقة.

- الآفاق المستقبلية للتعاون اللبناني ـ الخليجي
لم يسبق أن شهدت العلاقات اللبنانيّة - العربيّة عموماً، والعلاقات اللبنانيّة - الخليجيّة خصوصاً، هذا القدر من التدهور.
في كل المراحل التاريخيّة السابقة، كانت الجهوزيّة المتبادلة لتطويق أي خلاف لبناني - خليجي عالية جداً. وغالباً ما كان من المستحيل توقع الوصول إلى هذه الدرجة من القطيعة. إذ ارتكزت السياسات الخليجيّة تجاه لبنان، في معظم المنعطفات، على إبقاء التواصل قائماً ومع جميع مكونات المجتمع السياسي اللبناني دون تفرقة أو تمييز، فضلاً عن ثابتة دعم «مشروع الدولة» في لبنان بما يتيح تقليص هوامش التدخل الخارجي فيه، وبحّاصة، من القوى الإقليميّة غير العربيّة المؤثرة والفاعلة.
طبعاً، كان للتعرّض المتواصل من قبل بعض الأطراف اللبنانيّة لدول الخليج وسياساتها تأثير كبير في انهيار مجمل بُنية العلاقات التاريخيّة. وهذا مقصود، بل متعمد، في سياق اختطاف لبنان باتجاه محاور لا تلائم بتركيبتها وتكوينها الموقع الطبيعي للبنان في العالم العربي، خصوصاً أنه ينطلق من موقع العداء للهويّة العربيّة. وهذا ما يُحتّم إعادة النظر بسياسة القطيعة واستئناف التواصل الطبيعي؛ لأنه وحده الكفيل بخلق التوازن المطلوب إزاء خسارة ساحة عربيّة جديدة في مواجهة مشاريع التسلط الخارجيّة.
من هنا، المطلوب على المستوى اللبناني - الخليجي إعادة التأكيد على الروابط التاريخية بين لبنان والخليج. وهذا يُستهل من خلال ترميم العلاقات السياسيّة كمدخل لترميم العلاقات الاقتصادية والاجتماعيّة التي تعرّضت لتشوهات كبرى في السنوات القليلة الماضية. وبعد تنقية العلاقات السياسيّة، يمكن البحث في سبل تنشيط العلاقات التجارية البينية وإزالة المعوّقات والحواجز، وإعادة تطوير الحركة التجاريّة. ويضاف إلى ذلك البحث في السلع والبضائع التكاملية بين الإنتاج اللبناني والخليجي... وصولاً إلى إعادة تفعيل حركة الاستثمار الخليجي في لبنان، التي ستكون للمستثمر الخليجي أقل كلفة قياساً بالماضي نتيجة وضع لبنان الراهن، ومن شأنها أن تحقق الكسب المادي والنجاح التجاري بمعزل عن كل الاعتبارات الأخرى.
ختاماً، لبنان لا يستطيع أن يتنفس من دون الرئة العربيّة والخليجيّة. هذا كان موقعه الطبيعي، وهذا الموقع الذي يجب أن يُستعاد؛ لأن الكلفة السياسية للتخلي عنه أكبر من كلفة استعادته.

- أرقام ومؤشرات لافتة
> في نهاية عام 2015، وصل مجمل الاستثمارات الخليجيّة في لبنان، لا سيّما في القطاع العقاري اللبناني، إلى نحو 15 مليار دولار
> قُدرّت نسبة الودائع الخليجيّة في المصارف اللبنانيّة في المرحلة نفسها بنحو 100 مليار دولار
> كان السوّاح الخليجيون يمثلون نسبة 35 في المائة من حجم السياح إلى لبنان
> بلغت الاستثمارات اللبنانيّة في الخليج عام 2015 نحو 5 مليارات دولار من خلال شركات الملبوسات والمقاولات والمأكولات والمطاعم وسواها
> يوجد نحو 350 ألف مغترب لبناني في الخليج، نصفهم في المملكة العربية السعودية والباقي موزع على دول الخليج الأخرى


مقالات ذات صلة

الاستقطاب العالمي والأمن الغذائي... ملفات مرتقبة في «القمة العربية» بالسعودية

العالم العربي الاستقطاب العالمي والأمن الغذائي... ملفات مرتقبة في «القمة العربية» بالسعودية

الاستقطاب العالمي والأمن الغذائي... ملفات مرتقبة في «القمة العربية» بالسعودية

تتواصل التحضيرات للقمة العربية الـ32 والمقرر انعقادها بالمملكة العربية السعودية في شهر مايو (أيار) المقبل، ورأى مراقبون ومسؤولون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، أن «ملفات مرتقبة تفرض نفسها على أجندة القمة، استجابة لمتغيرات إقليمية ودولية ضاغطة على الساحة العربية، في مقدمتها القضية الفلسطينية، وبلورة موقف شامل إزاء تزايد حدة الاستقطاب الدولي بعد عام على اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية»، فضلاً عن ملفات الأمن الغذائي. وكان الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، أكد في تصريحات صحافية خلال زيارته للبنان منتصف الشهر الحالي، أن مؤتمر القمة العربية سيعقد في شهر مايو المقبل في المملكة العربية

العالم العربي المندلاوي مستقبلاً جبالي في بغداد أمس (واع)

بغداد تحتضن أعمال المؤتمر الـ34 للاتحاد البرلماني العربي

تنطلق في العاصمة العراقية بغداد، الجمعة، أعمال مؤتمر الاتحاد البرلماني العربي في دورته الرابعة والثلاثين، وينتظر أن تشارك فيه معظم البرلمانات العربية. ويتوقع المراقبون والمهتمون بالشأن السياسي العراقي أن تساهم استضافة بغداد لأعمال المؤتمر، بعد غياب استمر لأكثر من ثلاثة عقود، في تعزيز دور العراق عربيا وإقليميا، و«تعزيز التعاون البرلماني العربي باعتباره مرتكزاً جوهرياً في التضامن العربي» كما تنص على ذلك ديباجة الأهداف التي تأسس الاتحاد بموجبها عام 1974.

فاضل النشمي (بغداد)
شمال افريقيا الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال لقائه نظيره الصيني شي جينبينغ بالرياض (الرئاسة المصرية)

السيسي وشي يناقشان التحديات الإقليمية والعالمية على هامش «قمة الرياض»

على هامش مشاركته في فعاليات «القمة العربية - الصينية» بالرياض، عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم (الخميس)، جلستَي مباحثات مع قادة الصين والعراق، تناولت المستجدات على الساحة الإقليمية والعالمية، والتحديات التي تواجه الشرق الأوسط، وسبل تعزيز التعاون الثنائي. وقال السفير بسام راضي، المتحدث الرسمي باسم رئاسة المصرية، في بيان صحافي، إن «الرئيس المصري، اجتمع (الخميس)، مع نظيره الصيني شي جينبينغ، لتبادل الرؤى إزاء تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، لا سيما في ظل التحديات التي تواجهها المنطقة». وأضاف راضي أن الرئيس الصيني «ثمّن الدور المصري الرائد في صون السلم والأمن والاستقرار في المنطقة، سواء

«الشرق الأوسط» (الرياض)
مؤتمر صحافي مشترك للأمين العام للجامعة العربية ووزير الخارجية الجزائري في ختام القمة أمس (أ.ب)

«إعلان الجزائر»: تأكيد الثوابت ورفض التدخلات

أعاد البيان الختامي للقمة العربية، التي عقدت في الجزائر، التأكيد على ثوابت مركزية القضية الفلسطينية والعمل العربي المشترك ورفض التدخلات الخارجية في الشؤون العربية. وأكد «إعلان الجزائر» تبني ودعم سعي دولة فلسطين للحصول على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، ودعوة الدول التي لم تعترف بعد بدولة فلسطين إلى القيام بذلك، كما شدد على التمسك بمبادرة السلام العربية التي أطلقتها المملكة العربية السعودية وتبنتها قمة بيروت عام 2002 «بكافة عناصرها وأولوياتها، والتزامنا بالسلام العادل والشامل كخيار استراتيجي لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لكافة الأراضي العربية». وأعلن وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان،

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
العالم العربي القمة العربية اختتمت أعمالها في الجزائر أمس (رويترز)

اختتام قمة الجزائر... والرياض تستضيف النسخة المقبلة

اختتم القادة والزعماء العرب أعمال القمة العربية الـ31 بجلسة ختامية تحدث فيها عدد من الزعماء العرب، عن قضاياهم الوطنية والقضايا العربية ذات الاهتمام المشترك، فيما أعلن أن المملكة العربية السعودية سوف تستضيف القمة التالية. وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أول المتحدثين في الجلسة الختامية للقمة، وطالب السيسي بـ«ضرورة تعزيز وحدة الصف العربي لمنع التدخلات الخارجية ومواجهة التحديات الإقليمية والعالمية». وأوضح أن عدم الاستقرار في دول المشرق وفلسطين تمتد آثاره لدول المغرب العربي، مؤكدا أن مصر ترغب في الدعم العربي للتوصل لتسوية سياسية في ليبيا في أسرع وقت.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.