لبنان والعرب: جلاء العلاقات الملتبسة يحقق المصالح المشتركة

وسط تراكم الصعوبات والتحديات المصيرية

لبنان والعرب: جلاء العلاقات الملتبسة يحقق المصالح المشتركة
TT

لبنان والعرب: جلاء العلاقات الملتبسة يحقق المصالح المشتركة

لبنان والعرب: جلاء العلاقات الملتبسة يحقق المصالح المشتركة

لطالما ارتبط لبنان بعلاقات سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة مميزة مع محيطه العربي. وغالباً ما كان يجري تجاوز الإشكاليّات السياسيّة والعقائديّة المتصلة بهوية لبنان ودوره، التي رافقت نشوء الكيان عقب خروجه من حقبة الانتداب الفرنسي في نهاية الحرب العالميّة الثانية، لا سيّما في حقبة الخمسينات والستينات من القرن الماضي، وهي الحقبة التي شهدت ازدهاراً لبنانيّاً غير مسبوق.
أما الصراع الذي كان اندلع بين جناحي لبنان من المسلمين والمسيحيين حول عروبة لبنان، فخفَت إزاء التطور الكبير الذي شهدته علاقات لبنان العربيّة، خصوصاً مع الفورة النفطيّة التي أحدثت تحولات هيكليّة في اقتصادات الخليج ومجتمعاته المتعددة. فالتسوية التي وُلدت على «الطريقة اللبنانيّة» المرتكزة إلى صيغة «لا غالب ولا مغلوب»، بما عُرف بـ«الميثاق الوطني» عام 1943، أفضت إلى إسقاط المطالبة الإسلاميّة الاندماج بسوريا والعالم العربي مقابل إسقاط الدعوات المسيحيّة للالتحاق بفرنسا والغرب شرط الحفاظ على حدوده التي أعلنت سنة 1920 تحت مسمّى «دولة لبنان الكبير». ورست المعادلة على أن لبنان دولة مستقلة ذات وجه عربي. وكان لبنان من الدول العربيّة الست المؤسسة لجامعة الدول العربيّة عام 1945 إلى جانب: مصر، المملكة العربيّة السعودية، العراق، سوريا والأردن.

على المستوى السياسي، استمر السجال المتصل بهوية لبنان وعروبته لعقود طويلة يخفت تارة ويندلع تارة أخرى، لا سيّما في أوج الحروب والمواجهات العسكريّة العربية - الإسرائيليّة؛ إذ كانت تتمدد مفاعيل تلك المواجهات إلى داخل الساحة اللبنانية المنقسمة على ذاتها سياسياً وثقافيّاً وطائفيّاً ومذهبيّاً. ولعل أبرز تجليّات ذلك الانقسام تجلى في «ثورة 1958» الشهيرة ضد محاولة إلحاق لبنان بمحاور خارجيّة لتغيير هويته ودوره وموقعه الطبيعي.
إلا أن «وثيقة الوفاق الوطني اللبناني» (التي اشتهرت باسم «اتفاق الطائف»؛ كونها أقرّت في مدينة الطائف السعودية التي استضافت البرلمانيين اللبنانيين لأكثر من أسبوعين من أجل مناقشة الإصلاحات السياسيّة ووقف النزاع الأهلي المسلح) حسمت بشكل تام هويّة لبنان العربيّة. فعُدلت مقدمة الدستور اللبناني بحيث نصت الفقرة «ب» على أن «لبنان عربي الهوية والانتماء وهو عضو مؤسس وعامل في جامعة الدول العربية وملتزم مواثيقها».

- ازدهار الخمسينات والستينات
أدّى احتلال فلسطين وإعلان دولة إسرائيل عام 1948 إلى مقاطعة عربيّة عارمة للكيان الغاصب. وشملت المقاطعة بطبيعة الحال المرافق والمرافئ الفلسطينية التي صارت تحت الاحتلال، فتقدّم وتطوّر مرفأ بيروت ومرفأ طرابلس. كما أن مصفاتي النفط اللتين أنشئتا في لبنان لعبتا دوراً مهماً في انتقال النفط العربي إلى محطات ومواقع جديدة. وازدهرت تجارة الترانزيت والشحن البحري والبرّي بين لبنان والعُمق العربي.
وأتاح النظام الاقتصادي اللبناني، الذي كان قائماً على الانفتاح (الزائد في بعض الأحيان، لا سيما لناحية إهماله تنمية الأرياف والمناطق المهمّشة، كما في تركز رأس المال في أيدي قلة قليلة من اللبنانيين) تدفقاً انسيابيّاً للأشخاص والبضائع والسلع. وساهم نظام لبنان المصرفي وحرية انتقال الودائع والأموال والسريّة المصرفيّة في رفع مستويات الثقة به؛ ما سمح بتدفق رؤوس الأموال العربيّة والخليجيّة إليه، وكان بعضها على شكل ودائع مصرفيّة أو استثمارات وتوظيفات أو تحويلات.
في المقابل، أتاح نظام التعدديّة والتنوع اللبناني الذي استقطب البعثات العلميّة الخارجيّة والإرساليّات الأجنبيّة بناء قدرات بشريّة ناجحة في الكثير من القطاعات. وصار خريجو الجامعات اللبنانيّة، وفي طليعتها الجامعة الأميركيّة في بيروت (التي يعود تاريخ تأسيسها إلى القرن التاسع عشر وتحديداً عام 1866)، وجامعة القديس يوسف (1872)، والجامعة اللبنانيّة وسواها من الصروح الأكاديميّة العريقة ينتقلون للعيش في دول الخليج، حيث ساهموا في نهضتها من خلال خبراتهم ومعارفهم.
أيضاً كان لشركات البناء اللبنانيّة نجاحات ملحوظة في تشييد البنى التحتيّة والمواصلات والمباني الحكوميّة وسواها من المرافق العامة، تنفيذاً للسياسات التنمويّة والخطط الشاملة التي أطلقتها الدول الخليجيّة بدءاً من منتصف القرن العشرين. وبلغ الاندماج اللبناني في المجتمعات الخليجيّة مراحل متقدّمة من خلال الالتزام بالعادات والتقاليد والقوانين.
وغني عن القول أن هذا الانتشار اللبناني ساهم بدوره في تعزيز الواقع الاقتصادي والاجتماعي داخل لبنان من خلال التحويلات الماليّة التي يقوم بها اللبنانيون إلى أسرهم، فضلاً عن تشييد منازل لهم في قراهم اللبنانيّة؛ ما ساهم أيضاً في الانعكاس على الدورة الاقتصاديّة في الأرياف والأطراف ولو بشكل محدود. ومثلما كان الخليج محط استقطابٍ للبنانيين للعمل والإنتاج، كذلك كانت الجامعات القائمة في لبنان نقطة جذب لشباب الخليج الذين قصدوها للتعلم والعيش، كما حقق القطاع الصحي والاستشفائي اللبناني وثبات مهمة أتاحت أيضاً أن يكون لبنان في أوقات معيّنة «مستشفى الشرق». وأضيف إلى هذه الميزات التفاضليّة تطوّر المرافق السياحيّة والفندقيّة اللبنانيّة التي ترافقت مع ثقافة حسن الضيافة والاستقبال بكثير من الود والألفة التي لم يكن يلمسها السواح الخليجيون في أوروبا والولايات المتحدة الأميركيّة ودول آسيا وسواها من المناطق السياحيّة حول العالم.

- حقبة الحرب اللبنانيّة
بطبيعة الحال، تلاشت كل هذه المزايا مع اندلاع الحرب الأهليّة اللبنانيّة عام 1975، ومعها فقد لبنان موقعه ودوره الإقليمي. وتواصلت المبادرات السياسيّة العربيّة طوال سنوات المحنة لمحاولة إنقاذ لبنان من الحرب الطاحنة، ولعل أبرزها كان «اللجنة السداسيّة العربيّة» التي ترأسها أمير الكويت الراحل الشيخ صباح الأحمد الصباح - وكان وزيراً للخارجيّة آنذاك - . ولكن الظروف المحلية والخارجيّة لم تكن قد اكتملت بعد لإنضاج الحل. وللمفارقة رفضه آنذاك العماد ميشال عون (رئيس الجمهورية اللبنانيّة الحالي، الذي كان يترأس حكومة عسكريّة حينذاك)، كما رفض بعد أشهر قليلة «اتفاق الطائف» الذي أمكن التوصل إليه برعاية سعودية - أميركيّة.
وبعد انتهاء الحرب، استمر الدعم العربي لإعادة الإعمار والنهوض. وشارك العرب بقيادة المملكة العربية السعودية في مؤتمرات الدعم الاقتصادي للبنان، لا سيّما تلك التي عُقدت في العاصمة الفرنسيّة (باريس 1 و2 و3). وحقاً، موّلت الحكومات والصناديق العربية المشاريع العامة في البنى التحتيّة والمستشفيات الحكوميّة والطرق والجسور وسواها. كذلك ساهمت في إعادة الإعمار بعد الاعتداءات الإسرائيليّة المتكررة في الأعوام 1993 و1996 و2006 وفي دعم العملة الوطنيّة اللبنانيّة من خلال ودائع ماليّة في المصرف المركزي اللبناني في بعض المراحل الماليّة والنقديّة الحرجة. ولقد ذكر أحد التقارير الدوليّة الصادرة منذ نحو خمس سنوات أن الدعم السعودي (على سبيل المثال) للبنان بين عامي 1990 و2015 بلغ نحو 50 مليار دولار شملت: الدعم الرسمي، واستثمارات القطاع الخاص، والودائع، والقروض، والمساعدات وتحويلات اللبنانيين المقيمين في المملكة إلى ذويهم في لبنان.

- أربعة محاور
تتمحور العلاقات الاقتصاديّة اللبنانيّة - الخليجيّة حول أربعة محاور رئيسيّة:
> حركة التبادل الاقتصادي والتجاري بين لبنان والخليج: ولبنان يستورد أكثر مما يصدّر؛ إذ بلغ عجز الميزان التجاري عام 2016 على سبيل المثال نحو 666 مليون دولار
> الودائع الماليّة الخليجيّة في المصارف اللبنانيّة: وقد سُحبت مبالغ كبيرة منها مع بدء الأزمة النقديّة والحركات الاحتجاجية واهتزاز الثقة بالقطاع المصرفي في لبنان عام 2019
> العمالة اللبنانيّة في الخليج وتحويلاتها الماليّة إلى لبنان: لا تزال مستمرة وتشكل ركيزة صمود مهمة للاقتصاد اللبناني، لا سيّما، في ظل الظروف الصعبة الراهنة. وقد اصطلح على تسمية الأموال الأجنبيّة المحولة إلى لبنان بـFresh dollar أو «الدولارات الطازجة» - إذا صح التعبير - والواردة إلى السوق اللبنانية التي صارت تعاني من شحّ كبير في العملات الأجنبيّة.
> الاستثمارات الخليجيّة في لبنان: كانت تتركز بشكل أساسي على القطاع العقاري الذي تقلصت محفظته العقاريّة (للخليجيين) منذ اندلاع الحرب السورية 2011 وتدهور العلاقات العربية مع لبنان. وتزايدت المعلومات عن تنامي البيوعات العقاريّة من قبل الخليجيين لأملاكهم في لبنان.

- خريطة الانهيار
في الواقع يعاني لبنان منذ سنوات من عجز في ميزانيته العامة؛ إذ إن عائداته الماليّة كانت دوماً أقل من نفقاته نتيجة الهدر والفساد. وغدا معروفاً أن قطاع الطاقة والكهرباء يستنزف خسائر سنوياً بنحو ملياري دولار أميركي، وهذا مبلغ ضخم قياساً إلى الواقع اللبناني. ثم أدّى اندلاع الاحتجاجات الشعبيّة في لبنان بوم 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 إلى اهتزاز كامل في الوضع الاقتصادي والنقدي. وصار تسرّب الودائع إلى خارج لبنان مسألة نزف يومي بعدما كان القطاع المصرفي اللبناني يستقطب ودائع بمليارات الدولارات. وبالتالي، ولد هذا التسرّب في الودائع والتحويلات الكبيرة إلى الخارج - وهي عمليّة لا تتناقض مع القوانين المحليّة، وبالأخص قانون النقد والتسليف - نقصاً حاداً في العملات الصعبة؛ ما دفع مصرف لبنان إلى التوقف عن دعم العملة الوطنيّة. وهذا الدعم سياسة كان يعتمدها منذ عام 1992 بلا انقطاع من خلال التدخل اليومي في السوق لشراء أو بيع الدولار الأميركي وفق تطور سعره بما يحافظ على سعر ثابت.
بدوره، أدى هذا الانكفاء من قبل المصرف المركزي إلى سقوط مريع لسياسة الاستقرار النقدي؛ ما دفع إلى تدهور قيمة الليرة اللبنانية (أربعة أو خمسة أضعاف وهي لا تزال تتدهور بصورة يوميّة)، وهو ما رفع من مستويات التضخم بشكل هائل. وكانت النتيجة الطبيعيّة التالية لهذا التدهور المتعدد الأوجه، تعثر القطاع المصرفي بعد خسارته جزءاً كبيراً من ودائعه بالدولار الأميركي نتيجة قرار المودعين تحويلها إلى الخارج. وهو ما دفعه إلى احتجاز الودائع وتقنين تسييلها بين أيدي المواطنين؛ تلافياً للانهيار التام وكسباً للوقت لعل تطورات سياسية إيجابية تحصل وتتيح إعادة تدفق الأموال من الخارج. وهكذا، مع تدني القيمة الشرائيّة لدى اللبنانيين والارتفاع الجنوني في أسعار السلع والمنتجات، تراجعت حركة الاستيراد وصار هناك نقص في الأدوية والمستلزمات الطبية والبضائع مع كل ما يعنيه ذلك من مآس على لبنان من كل النواحي.
إن النتيجة الحتميّة لسقوط المناخ الاستثماري وتدهور سعر العملة الوطنية كانت إقفال آلاف المؤسسات والشركات، وتالياً ارتفاع نسب البطالة إلى أكثر من 45 في المائة؛ ما أدى إلى أن يرزح أكثر من 50 في المائة من الشعب اللبناني تحت خط الفقر وفق تقديرات البنك الدولي. وعادت موجات الهجرة، وبالذات لأصحاب الكفاءات والأدمغة لتتكثف نحو كل أصقاع الأرض هروبا من الواقع المعيشي المُزري والصعب. وعمليّاً، لقد تغيّر وجه لبنان الذي فقد كل ميزاته التفاضليّة ودوره المتقدم في المنطقة.

- الآفاق المستقبلية للتعاون اللبناني ـ الخليجي
لم يسبق أن شهدت العلاقات اللبنانيّة - العربيّة عموماً، والعلاقات اللبنانيّة - الخليجيّة خصوصاً، هذا القدر من التدهور.
في كل المراحل التاريخيّة السابقة، كانت الجهوزيّة المتبادلة لتطويق أي خلاف لبناني - خليجي عالية جداً. وغالباً ما كان من المستحيل توقع الوصول إلى هذه الدرجة من القطيعة. إذ ارتكزت السياسات الخليجيّة تجاه لبنان، في معظم المنعطفات، على إبقاء التواصل قائماً ومع جميع مكونات المجتمع السياسي اللبناني دون تفرقة أو تمييز، فضلاً عن ثابتة دعم «مشروع الدولة» في لبنان بما يتيح تقليص هوامش التدخل الخارجي فيه، وبحّاصة، من القوى الإقليميّة غير العربيّة المؤثرة والفاعلة.
طبعاً، كان للتعرّض المتواصل من قبل بعض الأطراف اللبنانيّة لدول الخليج وسياساتها تأثير كبير في انهيار مجمل بُنية العلاقات التاريخيّة. وهذا مقصود، بل متعمد، في سياق اختطاف لبنان باتجاه محاور لا تلائم بتركيبتها وتكوينها الموقع الطبيعي للبنان في العالم العربي، خصوصاً أنه ينطلق من موقع العداء للهويّة العربيّة. وهذا ما يُحتّم إعادة النظر بسياسة القطيعة واستئناف التواصل الطبيعي؛ لأنه وحده الكفيل بخلق التوازن المطلوب إزاء خسارة ساحة عربيّة جديدة في مواجهة مشاريع التسلط الخارجيّة.
من هنا، المطلوب على المستوى اللبناني - الخليجي إعادة التأكيد على الروابط التاريخية بين لبنان والخليج. وهذا يُستهل من خلال ترميم العلاقات السياسيّة كمدخل لترميم العلاقات الاقتصادية والاجتماعيّة التي تعرّضت لتشوهات كبرى في السنوات القليلة الماضية. وبعد تنقية العلاقات السياسيّة، يمكن البحث في سبل تنشيط العلاقات التجارية البينية وإزالة المعوّقات والحواجز، وإعادة تطوير الحركة التجاريّة. ويضاف إلى ذلك البحث في السلع والبضائع التكاملية بين الإنتاج اللبناني والخليجي... وصولاً إلى إعادة تفعيل حركة الاستثمار الخليجي في لبنان، التي ستكون للمستثمر الخليجي أقل كلفة قياساً بالماضي نتيجة وضع لبنان الراهن، ومن شأنها أن تحقق الكسب المادي والنجاح التجاري بمعزل عن كل الاعتبارات الأخرى.
ختاماً، لبنان لا يستطيع أن يتنفس من دون الرئة العربيّة والخليجيّة. هذا كان موقعه الطبيعي، وهذا الموقع الذي يجب أن يُستعاد؛ لأن الكلفة السياسية للتخلي عنه أكبر من كلفة استعادته.

- أرقام ومؤشرات لافتة
> في نهاية عام 2015، وصل مجمل الاستثمارات الخليجيّة في لبنان، لا سيّما في القطاع العقاري اللبناني، إلى نحو 15 مليار دولار
> قُدرّت نسبة الودائع الخليجيّة في المصارف اللبنانيّة في المرحلة نفسها بنحو 100 مليار دولار
> كان السوّاح الخليجيون يمثلون نسبة 35 في المائة من حجم السياح إلى لبنان
> بلغت الاستثمارات اللبنانيّة في الخليج عام 2015 نحو 5 مليارات دولار من خلال شركات الملبوسات والمقاولات والمأكولات والمطاعم وسواها
> يوجد نحو 350 ألف مغترب لبناني في الخليج، نصفهم في المملكة العربية السعودية والباقي موزع على دول الخليج الأخرى


مقالات ذات صلة

الاستقطاب العالمي والأمن الغذائي... ملفات مرتقبة في «القمة العربية» بالسعودية

العالم العربي الاستقطاب العالمي والأمن الغذائي... ملفات مرتقبة في «القمة العربية» بالسعودية

الاستقطاب العالمي والأمن الغذائي... ملفات مرتقبة في «القمة العربية» بالسعودية

تتواصل التحضيرات للقمة العربية الـ32 والمقرر انعقادها بالمملكة العربية السعودية في شهر مايو (أيار) المقبل، ورأى مراقبون ومسؤولون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، أن «ملفات مرتقبة تفرض نفسها على أجندة القمة، استجابة لمتغيرات إقليمية ودولية ضاغطة على الساحة العربية، في مقدمتها القضية الفلسطينية، وبلورة موقف شامل إزاء تزايد حدة الاستقطاب الدولي بعد عام على اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية»، فضلاً عن ملفات الأمن الغذائي. وكان الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، أكد في تصريحات صحافية خلال زيارته للبنان منتصف الشهر الحالي، أن مؤتمر القمة العربية سيعقد في شهر مايو المقبل في المملكة العربية

العالم العربي المندلاوي مستقبلاً جبالي في بغداد أمس (واع)

بغداد تحتضن أعمال المؤتمر الـ34 للاتحاد البرلماني العربي

تنطلق في العاصمة العراقية بغداد، الجمعة، أعمال مؤتمر الاتحاد البرلماني العربي في دورته الرابعة والثلاثين، وينتظر أن تشارك فيه معظم البرلمانات العربية. ويتوقع المراقبون والمهتمون بالشأن السياسي العراقي أن تساهم استضافة بغداد لأعمال المؤتمر، بعد غياب استمر لأكثر من ثلاثة عقود، في تعزيز دور العراق عربيا وإقليميا، و«تعزيز التعاون البرلماني العربي باعتباره مرتكزاً جوهرياً في التضامن العربي» كما تنص على ذلك ديباجة الأهداف التي تأسس الاتحاد بموجبها عام 1974.

فاضل النشمي (بغداد)
شمال افريقيا الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال لقائه نظيره الصيني شي جينبينغ بالرياض (الرئاسة المصرية)

السيسي وشي يناقشان التحديات الإقليمية والعالمية على هامش «قمة الرياض»

على هامش مشاركته في فعاليات «القمة العربية - الصينية» بالرياض، عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم (الخميس)، جلستَي مباحثات مع قادة الصين والعراق، تناولت المستجدات على الساحة الإقليمية والعالمية، والتحديات التي تواجه الشرق الأوسط، وسبل تعزيز التعاون الثنائي. وقال السفير بسام راضي، المتحدث الرسمي باسم رئاسة المصرية، في بيان صحافي، إن «الرئيس المصري، اجتمع (الخميس)، مع نظيره الصيني شي جينبينغ، لتبادل الرؤى إزاء تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، لا سيما في ظل التحديات التي تواجهها المنطقة». وأضاف راضي أن الرئيس الصيني «ثمّن الدور المصري الرائد في صون السلم والأمن والاستقرار في المنطقة، سواء

«الشرق الأوسط» (الرياض)
مؤتمر صحافي مشترك للأمين العام للجامعة العربية ووزير الخارجية الجزائري في ختام القمة أمس (أ.ب)

«إعلان الجزائر»: تأكيد الثوابت ورفض التدخلات

أعاد البيان الختامي للقمة العربية، التي عقدت في الجزائر، التأكيد على ثوابت مركزية القضية الفلسطينية والعمل العربي المشترك ورفض التدخلات الخارجية في الشؤون العربية. وأكد «إعلان الجزائر» تبني ودعم سعي دولة فلسطين للحصول على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، ودعوة الدول التي لم تعترف بعد بدولة فلسطين إلى القيام بذلك، كما شدد على التمسك بمبادرة السلام العربية التي أطلقتها المملكة العربية السعودية وتبنتها قمة بيروت عام 2002 «بكافة عناصرها وأولوياتها، والتزامنا بالسلام العادل والشامل كخيار استراتيجي لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لكافة الأراضي العربية». وأعلن وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان،

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
العالم العربي القمة العربية اختتمت أعمالها في الجزائر أمس (رويترز)

اختتام قمة الجزائر... والرياض تستضيف النسخة المقبلة

اختتم القادة والزعماء العرب أعمال القمة العربية الـ31 بجلسة ختامية تحدث فيها عدد من الزعماء العرب، عن قضاياهم الوطنية والقضايا العربية ذات الاهتمام المشترك، فيما أعلن أن المملكة العربية السعودية سوف تستضيف القمة التالية. وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أول المتحدثين في الجلسة الختامية للقمة، وطالب السيسي بـ«ضرورة تعزيز وحدة الصف العربي لمنع التدخلات الخارجية ومواجهة التحديات الإقليمية والعالمية». وأوضح أن عدم الاستقرار في دول المشرق وفلسطين تمتد آثاره لدول المغرب العربي، مؤكدا أن مصر ترغب في الدعم العربي للتوصل لتسوية سياسية في ليبيا في أسرع وقت.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».