العودة إلى طهران... قرار قلب حياة أسرة أميركية إيرانية رأساً على عقب

الزوجان عماد شرقي وبهارا عميدي وابنتاهما (نيويورك تايمز)
الزوجان عماد شرقي وبهارا عميدي وابنتاهما (نيويورك تايمز)
TT

العودة إلى طهران... قرار قلب حياة أسرة أميركية إيرانية رأساً على عقب

الزوجان عماد شرقي وبهارا عميدي وابنتاهما (نيويورك تايمز)
الزوجان عماد شرقي وبهارا عميدي وابنتاهما (نيويورك تايمز)

في عام 2017، وضع زوجان إيرانيان أميركيان قائمة بالمدن في الولايات المتحدة وأوروبا التي يمكنهما الاستقرار فيها بعد أن سافرت ابنتاهما للالتحاق بالجامعة هناك.
لكن فكرة غير عادية بالمرة خطرت ببال الزوجين عماد شرقي وبهارا عميدي بالانتقال إلى إيران، حيث كانا مرتبطين ارتباطاً وثيقاً بثقافة وتقاليد الوطن الذي تركاه في مرحلة الطفولة. فقد سافرا إلى إيران عدة مرات على مر السنين ولطالما شعرا بالترحاب.
كان السيد عماد شرقي (56 عاماً) شريكاً في شركة بأبوظبي لتأجير وبيع الطائرات الخاصة، وزوجته بهارا عميدي شرقي (53 عاماً) شاعرة وكانت تلقي محاضرات عامة في الجامعات والمستشفيات عن القوة العلاجية للشعر.
حذر أفراد الأسرة في الولايات المتحدة، خاصة والد عماد، الزوجين من هذه الخطوة قائلين إنه «لا مكان لهما» في إيران، غير أنهما رفضا تلك المخاوف ووصفوها بأنها مبالغة لأن أياً منهما لم يشارك في السياسة على الإطلاق.
لكن ما حدث أن هذا القرار قلب حياتهما رأساً على عقب. وأصبح عماد هو آخر مواطن أميركي من أصل إيراني (مزدوج الجنسية) يجري اعتقاله في إيران، وحكم عليه في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) بالسجن لمدة 10 سنوات بتهم غامضة تتعلق بانتهاكات للأمن القومي، بعد محاكمة لم يحضرها ولم يكن لديه فكرة عنها من الأساس.
أما زوجته بهارا فتعيش الآن في واشنطن وتسعى لتأمين إطلاق سراح زوجها واحتواء القلق المتزايد لدى أطفالهما وآبائهما المسنين. وتحدثت علناً في مقابلة مع «نيويورك تايمز» لأول مرة عن محنة الأسرة.
قالت بهارا «كنا نشعر أن إيران هي السكن والبيت وأننا قد عدنا إلى بيتنا»، مضيفة «لقد سافرنا إلى كل مكان، ودرسنا التاريخ كاملاً» ولم نعتقد أن هذا سيحدث له ولو بنسبة واحد في المليون.
جاءت إدانة عماد شرقي على خلفية خطوات استفزازية أخرى اتخذتها إيران منذ انتخاب الرئيس جو بايدن للضغط على الإدارة الأميركية الجديدة لتغيير سياسة «الضغوط القصوى» للرئيس السابق دونالد ترمب بعد أن ألغى مشاركة بلاده في الاتفاق النووي الموقع عام 2015 وأعاد فرض عقوبات اقتصادية قاسية على طهران.
في الوقت الحالي، هناك على الأقل ثلاثة مواطنين أميركيين آخرين من أصل إيراني محتجزون في إيران منذ سنوات. وفي العقد الماضي، سعت إيران مراراً إلى تحقيق أهداف سياستها الخارجية من خلال توقيف مزدوجي الجنسية واحتجازهم كرهائن.
في هذا الصدد، قال هادي غيمي، مدير مركز حقوق الإنسان في إيران، وهي مجموعة حقوقية مقرها نيويورك، إن «السجن الذي تعرض له عماد شرقي مؤخراً يتماشى مع هذا السجل الحافل».
وفيما تحاول إدارة بايدن تحديد كيفية التعامل مع إيران، والتي يمكن أن تشمل العودة إلى الاتفاق النووي، تدعو عائلات الأميركيين المسجونين الإدارة إلى إعطاء الأولوية لإعادة أحبائهم في إطار أي مفاوضات قادمة.
بالإضافة إلى عماد شرقي، كان من بين المحتجزين باقر نمازي، مسؤول سابق في اليونيسف، وابنه سياماك نمازي، رجل أعمال، ومراد طهباز، رائد أعمال بيئي.
وانخرطت إدارة ترمب مع إيران في صفقات تبادل سجناء أسفرت عن إطلاق سراح مواطنين أميركيين محتجزين في طهران هم: شيوي وانغ، طالب دراسات عليا في جامعة برينستون، ومايكل آر وايت، أحد قدامى المحاربين في البحرية.
وتعتبر إيران رسمياً السجناء الأميركيين الآخرين مواطنين إيرانيين، رغم جوازات سفرهم الأميركية.
وأعلن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، يوم الاثنين الماضي، أن الولايات المتحدة ستنضم إلى 58 دولة في مبادرة تهدف إلى إيجاد نهج عالمي لمواجهة عمليات احتجاز الرهائن والاحتجاز التعسفي التي ترعاها الدول.
وقالت وزارة الخارجية الأميركية «سنعمل مع حلفائنا، وكثيرون منهم لديهم أيضاً مواطنون محتجزون حالياً من قبل الحكومة الإيرانية، للسعي إلى إطلاق سراحهم والتصدي لممارسات إيران المشينة المتمثلة في استخدام الاحتجاز غير العادل لمواطنين أجانب كأداة سياسية».
وعند حديثها عن زوجها، قالت بهارا وهي تبكي «هذا الملاك هو عماد، ألطف شريك... هو الأب الأكثر حضوراً».
وقالت إن المشاكل مع الأجهزة الأمنية الإيرانية بدأت بعد حوالي عام من انتقال الزوجين إلى طهران. وقبل ذلك الوقت، كان عماد يعمل ممثلاً للمبيعات الدولية في «سفارا»، وهو صندوق استثمار إيراني رفيع المستوى يضم 30 شركة في محفظته و200 مليون دولار من الاستثمارات الأجنبية.
وداهمت قوات الأمن منزلهما، وصادرت جوازات سفرهما ومعداتهما الإلكترونية وألبوماتهما العائلية، واعتقلت عماد، واحتجزته لمدة ثمانية أشهر في جناح تابع لوحدة استخبارات «الحرس الثوري» الإيراني داخل سجن «إيفين» بطهران، وتم استجوابه بشأن علاقاته التجارية ورحلاته.
وقالت بهارا إنها قد تم استجوابها عدة مرات وتعرضت للتهديد بالانتقام مراراً وتكراراً حال أبلغت السلطات الأميركية أو تحدثت مع وسائل الإعلام عن قضية زوجها. وأطلق سراح بهارا بكفالة بعد ثمانية أشهر في ديسمبر (كانون الأول) 2018.
وفي ديسمبر 2019، أصدرت المحكمة الثورية أمراً بإبلاغ عماد شرقي بأنه قد تمت تبرئته من جميع تهم التجسس والأمن القومي، وفقاً لنسخة من الأمر الذي أطلع محامي العائلة عليه صحيفة «نيويورك تايمز».
وقالت بهارا «اعتقدنا في البداية أن صمتنا قد أتى ثماره وانتهى الأمر، ويمكننا المغادرة». لكن الأمر لم يكن بهذه البساطة. فقد كان هناك حدثان غامضان أصاباهما بالقلق: تقرير إخباري إيراني كاذب عن اعتقالهما، ورفض السلطات - الذي يتعذر تفسيره - إعادة جواز سفر عماد.
وطوال عام 2020، تم استدعاء عماد أمام محكمة الثورة لحضور ثلاث جلسات، وفي 30 نوفمبر (تشرين الثاني)، استدعته المحكمة وأبلغه القاضي أنه حوكم غيابياً وحكم عليه بالسجن لمدة 10 سنوات وفقاً لوثيقة مكونة من 35 صفحة تدينه بالتجسس. وتقدم محاميه بطلب استئناف.
ودون علم عائلته أو محاميه، قرر عماد الفرار عبر الحدود مع كردستان العراق حيث حدد المهربون طرقاً لتهريب الأشخاص والبضائع عبر الحدود. وفي 4 ديسمبر (كانون الأول)، تحدثت بهارا إلى زوجها - وفق قولها - وبعد ذلك لم يرد على مكالماتها أو يرى رسائلها. وطلبت من أقاربها في طهران البحث عنه في منزلهم في طهران وفي المستشفيات ومركز الشرطة.
ولم تقدم السلطات الإيرانية أي معلومات عن مكان وجوده ولم تبلغ أسرته بأي أخبار عنه لأكثر من شهر.
وفي 17 يناير (كانون الثاني)، أفاد موقع إلكتروني تابع لـ«الحرس الثوري» بأنه تم اعتقاله عند نقطة تفتيش في محافظة أذربيجان الغربية على بعد 12 ميلاً من الحدود العراقية. وقالت بهارا «كان الأمر مدمراً، اكتشفنا جميعاً من خلال الأخبار وكنا نتصل ببعضنا البعض في محاولة للحصول على معلومات».
وأكد المتحدث باسم القضاء الإيراني، غلام حسين إسماعيلي، اعتقاله في مؤتمر صحافي في أواخر يناير. كما اختلفت رواية إسماعيلي - بشكل غير مفهوم - عن أمر المحكمة الثورية الذي برأ عماد في ديسمبر (كانون الأول) 2019. وقال المتحدث إن عماد خرج بكفالة ولديه «قضية سارية ضده» بتهمة التجسس وغيرها.
ولم ترد بعثة إيران لدى الأمم المتحدة على استفسار حول قضية عماد شرقي.
واتصل عماد شرقي بزوجته، يوم السبت الماضي، لأول مرة منذ اختفائه، وكان صوته خافتاً واعتذر عن عدم التواصل معها طيلة الفترة الماضية. واستطردت بهارا «أعطيت السماعة لبناتي... وقلنا جميعاً: نحبك، نفتقدك، نتمنى أن تعود إلى المنزل». وقالت إنه لم يستطع التحدث طويلاً أو الكشف عن الكثير، باستثناء أنه كان محتجزاً في نفس المكان الذي كان فيه من قبل، أي «سجن إيفين».

*خدمة «نيويورك تايمز»



زيارة لافروف إلى إيران... شراكة الضرورة ترسم ملامح الدور الروسي

أحد سكان كييف يلمس مسيّرة روسية إيرانية من طراز «شاهد 136» معروضة أمام كاتدرائية القديس ميخائيل في العاصمة الأوكرانية (رويترز)
أحد سكان كييف يلمس مسيّرة روسية إيرانية من طراز «شاهد 136» معروضة أمام كاتدرائية القديس ميخائيل في العاصمة الأوكرانية (رويترز)
TT

زيارة لافروف إلى إيران... شراكة الضرورة ترسم ملامح الدور الروسي

أحد سكان كييف يلمس مسيّرة روسية إيرانية من طراز «شاهد 136» معروضة أمام كاتدرائية القديس ميخائيل في العاصمة الأوكرانية (رويترز)
أحد سكان كييف يلمس مسيّرة روسية إيرانية من طراز «شاهد 136» معروضة أمام كاتدرائية القديس ميخائيل في العاصمة الأوكرانية (رويترز)

أكثر ما لفت الأنظار بعد الزيارة المهمة التي قام بها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى طهران قبل أيام، هو عودة حديث الكرملين عن استعداد للعب دور وساطة للتوصل إلى تسوية مقبولة بين الأميركيين والإيرانيين.

واكتسب الطرح الروسي هذه المرة أهمية خاصة لأنه جاء في سياق نقاشات أميركية روسية حول أوكرانيا. وفي إطار الحديث عن تطبيع أوسع لعلاقات واشنطن مع موسكو بعد «صفقة الديزل» والتوافق على انفتاح عريض وتعاون في مجالات أخرى.

وسرعان ما برزت تأويلات تدعم فكرة الربط بين الملفين الأوكراني والإيراني في سياق مقايضات محتملة. واستعداد روسي لمساعدة الأميركيين في إيران في مقابل مكاسب مهمة للكرملين في ملف التسوية الأوكرانية. لكن، ماذا يمكن أن تقدم موسكو للرئيس دونالد ترمب في هذا المجال؟

دارت تحليلات وسائل إعلام وأوساط غربية حول استئناف الحديث عن العرض الروسي القديم الجديد، لنقل مخزون إيران من اليورانيوم المخصب إلى الأراضي الروسية، وفقاً لسيناريو «الاتفاق النووي» السابق في 2015. وهو أمر كانت موسكو عرضته مراراً ورأت فيه مخرجاً مقبولاً يمنح الرئيس الأميركي مجالاً لإعلان إنجاز المهمة في منع طهران من استخدام مخزونها لتطوير أسلحة نووية بضمانات روسية كاملة.

قد يكون هذا المدخل واحداً من الحلول التي يمكن لموسكو تقديمها ضمن رزمة من العناصر الأخرى للتأثير على الموقف الإيراني. لكنه وكما كان في السابق محاطاً بمخاطر كثيرة كما يقول خبراء روس. أبرزها عدم وجود إجماع إيراني على هذا السيناريو، وعلو أصوات في طهران تنتقد علناً المواقف الروسية وتحذر من أن موسكو قد تنقلب على الإيرانيين في حال توصلت لتفاهمات كبرى مع الغرب. وهذا الطرح بالمناسبة متبادل بين الطرفين، إذ تردد أوساط روسية وازنة التحذير نفسه تجاه الإيرانيين.

لكن الأهم من ذلك، أن هذا المدخل وحده لا يحل المشكلة. فالموقف الروسي تجاه سياسات إيران الإقليمية وأذرعها العسكرية في المنطقة لم يتغير. كما أن الموقف الروسي حيال قدرات طهران الصاروخية واضح لصالح الإيرانيين برغم علو اللهجة الروسية أحياناً في إعطاء تطمينات للمحيط العربي والعالم بأن الكرملين قادر على التأثير على الجانب الإيراني لعدم استخدام تلك القدرات ضد مصالح بلدان المنطقة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان 8 أكتوبر الجاري (أ.ف.ب)

كما أن اللافت هنا، أن الإيرانيين أنفسهم تحدثوا على المستوى الرسمي عن رفض نقل المخزون المخصب، إلى أي بلد بما في ذلك روسيا. وهذا يفتح على أسئلة حول مدى تفاهم موسكو وطهران على آليات للتحرك المشترك. يقول بعض الخبراء إن موسكو نفسها ليست مهتمة بالفعل بموضوع نقل المخزون، وإن هذا الأمر سوف يضيف أعباء إضافية من دون حوافز سياسية مهمة من جانب الغرب. يعني ذلك أن الموقف الإيراني قد يكون نتيجة اتفاق غير معلن بين الطرفين.

كما أن مشكلة نقل المخزون النووي ليست الوحيدة المطروحة تجاه موسكو غربياً، في إطار الاتهامات المتزايدة حول التعاون العسكري والتقني والاستخباراتي المتطور بين البلدين.

ولا شك أن زيارة لافروف إلى إيران كشفت مجدداً عن نمط التفاعل الحالي بين موسكو وطهران، حيث يُخفى تعاونهما العسكري التقني المهم، وإن كان غير معلن، وراء لغة دبلوماسية مبهمة.

وقد تحولت العلاقات التي كانت تتسم بالحذر تاريخياً بين موسكو وطهران إلى ما يشبه التحالف العسكري، وذلك بفضل عاملين رئيسيين: حرب أوكرانيا وسرعة تقدم تقنيات الاستخبارات الإلكترونية والفضائية، التي أصبحت بين الصادرات الرئيسية للكرملين إلى بلدان عدة.

في هذا الإطار، كتب معلق سياسي أنه «من خلال إعادة صياغة قواعد الحرب التقليدية والهجينة الحديثة، يسعى التحالف الروسي الإيراني إلى موازنة التفوق التكنولوجي الغربي عبر وضع الخطوط العريضة لـ«اقتصاد البقاء».

وهنا يمكن ملاحظة أن روسيا، في المرحلة الأولى من الحرب في أوكرانيا، كانت بحاجة ماسة للدعم الإيراني، واشترت آلافاً من ذخائر «شاهد 136» من إيران. بحلول عام 2026، اتخذ هذا التبادل طابعاً ثنائياً واضحاً. في مواجهة نقص الأسلحة الثقيلة التقليدية وتجميد عقود توريد طائرات «سو 35» المقاتلة لإيران بسبب احتياجات جبهتها في أوكرانيا، وجدت موسكو طريقة للتعويض عبر تزويد إيران ببيانات استطلاعها الفضائي.

ووفقاً لوكالات الاستخبارات الغربية، أطلقت روسيا برنامجاً واسع النطاق لتبادل المعلومات العملياتية مع طهران. ويشمل ذلك بشكل أساسي صوراً فضائية عالية الدقة وإحداثيات لتحركات القوات والسفن الحربية والطائرات الأميركية في الشرق الأوسط. وفي وقت سابق أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وجود أدلة على تبادل الكرملين بيانات الاستخبارات الإلكترونية مع طهران.

عراقجي ولافروف لدى وصولهما إلى مؤتمر صحافي عقب محادثاتهما في مقر الخارجية الإيرانية بطهران الاثنين (أ.ب)

وفقاً لتقارير، تُزوّد إيران روسيا حالياً بطائرات مسيرة انتحارية وتكنولوجيا طائرات من دون طيار منخفضة التكلفة تُنتج بكميات كبيرة، وفي المقابل تحصل على صور الأقمار الصناعية وبيانات الحرب الإلكترونية والمساعدة في تحديث أنظمة توجيه أسلحتها.

وقد تجلى نجاح هذا التعاون السري خلال الغارات الإيرانية على أهداف أميركية في المنطقة. من خلال الدقة العالية للصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية في بعض الهجمات على قواعد عسكرية.

المطلوب إذن من موسكو ليس نقل المخزون النووي وحسب، بل التعامل بجدية مع التهديدات التي يوفرها تبادل المعلومات والدعم الاستخباراتي الروسي لطهران، فهل يبدو الكرملين قادراً بالفعل في هذه المرحلة على لعب الدور المطلوب؟

ورغم أن علاقات البلدين قد بلغت مستوى نوعياً جديداً في السنوات الأخيرة. لكن العوامل نفسها التي حالت دون قيام تحالف كامل لا تزال قائمة حتى اليوم: انعدام الثقة المتبادل، ونقص الموارد، واختلاف مستويات التفكير الاستراتيجي.

فإيران، في نهاية المطاف، قوة إقليمية. أما روسيا، فلديها طموحات هائلة، وتسعى إلى لعب دور دولي عالمي. ونتيجة لذلك، تختلف رؤيتهما لأهدافهما اختلافاً جذرياً. قد تتداخل مصالح البلدين لعدة أسباب، لكنها بعيدة كل البعد عن التوافق التام.

هذا المدخل يحدد مدى قدرة الكرملين على التأثير الجدي على الشريك الإيراني، في مرحلة لاحقة، ولكن ليس الآن.

وبحسب قناعة دبلوماسيين غربيين يعتزم الكرملين مواصلة استخدام قدرته على التأثير في تصعيد أو خفض حدة تحركات إيران في الشرق الأوسط كونها ورقة ضغط في المفاوضات مع ترمب. حسابات بوتين الاستراتيجية بسيطة: تقديم تخفيض أو تقييد للمساعدات العسكرية والفضائية المقدمة لطهران لواشنطن مقابل تنازلات محددة من البيت الأبيض بشأن أوكرانيا.


إسطنبول تستضيف اجتماعاً الجمعة لبحث ملفات إقليمة ودولية

جانب من اجتماع لوزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان في العاصمة الأردنية عمان يوم 5 أغسطس الماضي (الخارجية التركية)
جانب من اجتماع لوزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان في العاصمة الأردنية عمان يوم 5 أغسطس الماضي (الخارجية التركية)
TT

إسطنبول تستضيف اجتماعاً الجمعة لبحث ملفات إقليمة ودولية

جانب من اجتماع لوزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان في العاصمة الأردنية عمان يوم 5 أغسطس الماضي (الخارجية التركية)
جانب من اجتماع لوزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان في العاصمة الأردنية عمان يوم 5 أغسطس الماضي (الخارجية التركية)

تستضيف مدينة إسطنبول، الجمعة، مباحثات بين وزراء خارجية أوروبيين مع نظرائهم في تركيا والسعودية ومصر وباكستان، تعقد للمرة الأولى بمبادرة تركية.

وقالت مصادر في وزارة الخارجية التركية، الخميس، إن وزراء خارجية دول مجموعة «إي 3»، وهم وزراء الخارجية البريطاني إد ميليباند، والفرنسي جان نويل بارو، والألماني يوهان فاديفول، سيلتقون نظراءهم في مجموعة «آر 4»، وهم وزراء خارجية السعودية الأمير فيصل بن فرحان، والمصري بدر عبد العاطي، والباكستاني محمد إسحق دار، والتركي هاكان فيدان، الذي يستضيف الاجتماع لمناقشة عدد من القضايا الإقليمية والدولية المهمة.

وتشمل المباحثات القضية الفلسطينية والتطورات في اليمن ومضيق هرمز، وسبل إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، إضافة إلى فرص التعاون والتنسيق بين المجموعتين في الفترة القادمة.

الانتهاكات الإسرائيلية وحرب إيران

ذكرت المصادر أن فيدان، الذي سيترأس الاجتماع، سيؤكد ضرورة امتناع جميع الدول عن أي أعمال من شأنها تقويض الوضع التاريخي والقانوني للقدس والإضرار بجهود حل الدولتين، وأهمية اتخاذ المجتمع الدولي موقفاً حازماً وزيادة الضغط على إسرائيل في مواجهة خطواتها لتوسيع المستوطنات غير الشرعية وتشجيع إرهاب المستوطنين غير الشرعيين.

دمار في غزة نتيجة القصف الإسرائلي (رويترز)

كما سيؤكد فيدان أن «استمرار احتلال إسرائيل لفلسطين، وموقفها المتشدد الذي يعرقل جهود السلام الدولية، وعدوانها المنتشر في جميع أنحاء المنطقة، هي الأسباب الجذرية للتوترات في الشرق الأوسط». كما يتوقّع أن يشير، في هذا الصدد، إلى استمرار إسرائيل في أعمالها الرامية إلى «زعزعة استقرار سوريا»، التي قدمت دول المجموعتين إسهامات قيّمة في تعزيز الاستقرار والازدهار فيها.

وعن حرب إيران، سيشدد فيدان، وفق المصادر، على أن الصراع بين واشنطن وطهران «لا يُمكن حله إلا عبر الدبلوماسية والحوار»، وأن الأساليب العسكرية لا تُقدّم حلاً دائماً، بل تُفاقم مواطن الضعف في المنطقة وتنطوي على خطر اتساع نطاق الصراع.

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (إ.ب.أ)

وسيؤكد أن إرساء حرية الملاحة الدائمة في مضيق هرمز وباب المندب أمرٌ حيوي للاستقرار الإقليمي والعالمي، مشيراً إلى ضرورة دعم أمن السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين، مشدداً على ضرورة ضمان حرية الملاحة بشكل دائم في مضيقي هرمز وباب المندب.

وحسب المصادر، سيُعيد فيدان تأكيد دعم تركيا لأمن السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين التي تستهدف المدنيين والبنية التحتية المدنية في السعودية، بالإشارة إلى أهمية مبدأ التضامن والتفاهم الأمني، الذي أرسته «اتفاقية مكة للدفاع المشترك».

حرب روسيا وأوكرانيا

يرتقب أن تتناول المباحثات حرب روسيا وأوكرانيا كذلك، حيث يتوقّع أن يجدد الوزير التركي التأكيد على «التحذيرات والاقتراحات» التي تطرحها بلاده باستمرار لمنع تمدد الحرب إلى منطقة البحر الأسود، ولوضع حد لسقوط ضحايا مدنيين فيها.

هجوم أوكراني على سفينة تابعة لأسطول الظل الروسي في البحر الأسود قبالة سواحل تركيا في 29 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

وسيؤكد فيدان، مجدداً، استعداد تركيا لتقديم كل الدعم الممكن لإنهاء حرب روسيا وأوكرانيا عبر الحوار والدبلوماسية، مع لفت الانتباه إلى المخاطر التي يشكلها تصاعد الصراع بينهما على الأمن الإقليمي.

وتأسست مجموعة «إي 3» قبل أكثر من 20 عاماً لتعزيز التنسيق الدبلوماسي بشأن البرنامج النووي الإيراني، فيما تشكلت مجموعة «آر 4» في مارس (آذار) الماضي، كإطار تنسيقي بين السعودية ومصر وباكستان وتركيا، التي وقعت معا «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» في 8 أغسطس (آب) الماضي.


مخاوف عراقية من عودة فصائل الظل إلى «وحدة الساحات»

عناصر من «حركة النجباء» العراقية خلال تجمع في بغداد يوم 8 أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)
عناصر من «حركة النجباء» العراقية خلال تجمع في بغداد يوم 8 أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)
TT

مخاوف عراقية من عودة فصائل الظل إلى «وحدة الساحات»

عناصر من «حركة النجباء» العراقية خلال تجمع في بغداد يوم 8 أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)
عناصر من «حركة النجباء» العراقية خلال تجمع في بغداد يوم 8 أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)

تزداد مخاوف في العراق من أن يكون تمسّكُ الفصائل المسلحة بسلاحها محاولةً لكسب الوقت استعداداً لاحتمال استئناف الحرب مع إيران، وإعادة تفعيل ما يُعرف بـ«محور المقاومة»، في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطاً أمنية وسياسية متصاعدة لمنع استخدام الأراضي العراقية منصة لهجمات إقليمية.

وقالت مصادر سياسية مقربة من «الإطار التنسيقي»؛ التحالف الذي يضم القوى الشيعية الرئيسية في البلاد، إن المفاوضات الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة لم تحقق تقدماً عملياً، مشيرة إلى أن عدداً من الفصائل لم تسلّم الصواريخ والطائرات المسيّرة التي لا تزال بحوزتها.

لكن المصادر أفادت «الشرق الأوسط» بأن «بعض قادة التحالف يستبعدون أن تُقدِم الفصائل على استهداف دول في المنطقة لإسناد إيران إذا استؤنفت الحرب؛ نظراً إلى التداعيات المحتملة على حكومة رئيس الوزراء، علي الزيدي، التي قد تجد نفسها في مواجهة ضغوط إقليمية ودولية متصاعدة».

جانب من اجتماع لتحالف «الإطار التنسيقي» في بغداد بحضور رئيس الوزراء علي الزيدي (واع)

«النجباء» تجدد رفضها حصر السلاح

ولا تبدد هذه التقديرات المخاوف من عودة مجموعات مسلحة صغيرة إلى تنفيذ هجمات يصعب إسنادها مباشرة إلى الفصائل الكبرى، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واستمرار الخلاف داخل العراق بشأن مستقبل السلاح خارج سلطة الدولة.

وفي مؤشر على استمرار رفض بعض الفصائل أي تغيير في وضعها العسكري، أكد المعاون العسكري لـ«حركة النجباء»، عبد القادر الكربلائي، الأربعاء، أن «الحركة» لن تشارك في العملية السياسية، وأن موقفها من هذه المسألة «ثابت ولم يتغير».

وقال الكربلائي، في بيان، إن «الحركة» ترفض استخدام مصطلحات «حصر أو تسليم أو نزع» سلاح المقاومة.

وتضع هذه التصريحات تحدياً إضافياً أمام مساعي الحكومة لإخضاع السلاح لسلطتها، في وقت لا تقتصر فيه المخاوف على المواجهة السياسية بين بغداد والفصائل، بل تمتد إلى احتمال استئناف الهجمات على أهداف إقليمية انطلاقاً من الأراضي العراقية.

«فصائل الظل»

وفي هذا السياق، أفادت صحيفة «المدى» العراقية، نقلاً عن مصادر وصفتها بالمطلعة، بأن إغلاق منفذ «الشيب» الحدودي مع إيران بمحافظة ميسان لا يرتبط فقط بالأسباب الفنية التي أعلنتها الحكومة، بل يأتي أيضاً في ظل مخاوف أمنية من عودة ما تصفها المصادر بأنها «فصائل الظل»، وهي مجموعات صغيرة يتراوح عدد أفرادها بين 5 و10، ويُشتبه في إمكان استخدامها لتنفيذ هجمات يصعب تتبع منفذيها.

ووفق المصادر التي نقلت عنها الصحيفة، فقد كثفت الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين مراقبة مواقع يُشتبه في إمكان استخدامها لشن هجمات، بعدما انتقلت هجمات استهدفت السعودية، وفق هذه التقديرات، من مناطق في صحراء النجف خلال يوليو (تموز) الماضي إلى محيط منفذ «الشيب» في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتشير هذه المعطيات إلى احتمال تغير أساليب عمل مجموعات مسلحة، مع تجنب المواقع التي أصبحت تحت مراقبة مشددة والبحث عن مناطق جديدة للتحرك. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من هذه التقديرات أو من هوية الجهات التي تقف وراء الهجمات المشار إليها.

وكانت الحكومة العراقية قد أكدت أن إغلاق منفذ «الشيب» مؤقت ويهدف إلى رفع الكفاءة، ونفى الناطق باسمها، حيدر العبودي، أن يكون الإجراء ذا دوافع سياسية، قائلاً إنه «إجراء إداري صرف، ولا يحتاج إلى تأويل سياسي»، بينما اتهم عبدُ الأمير تعيبان، مستشارُ رئيس الوزراء، الجانبَ الإيراني بممارسة «انتهاكات خطيرة تمس سيادة العراق، وتسبب إحداث فوضى في الحدود العراقية - الإيرانية، فضلاً عن تعمد تخريب الاقتصاد الوطني عبر تهريب العملات المزورة والمخدرات».

معبر «الشلامجة» الحدودي مع إيران في محافظة البصرة جنوب العراق (أ.ف.ب)

ضغوط أميركية

جاء الإغلاق في وقت تزداد فيه الضغوط الأميركية على بغداد بشأن حركة التجارة عبر الحدود مع إيران. ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية»، الأربعاء، عن مصدر عراقي أن الحكومة أغلقت المنفذ، بينما قال مسؤول إيراني إن المعابر الحدودية مع العراق «لا تزال مفتوحة أمام المسافرين، مع تسجيل تأخير في حركة الشاحنات».

وأفاد مصدران سياسيان بأن واشنطن تضغط على بغداد لإغلاق مزيد من المعابر مع إيران، وقال أحدهما إن وزارة الخزانة الأميركية أثارت المسألة مع الزيدي خلال زيارته نيويورك الشهر الماضي.

ولا تقتصر المخاطر على الحدود البرية. فقد أفاد مصدر أمني في محافظة البصرة، الأربعاء، بسقوط طائرة مسيّرة في البحر على بعد نحو 200 متر من ناقلة نفط تحمل اسم «كوردن أيكل»، بعد تلقي القوة البحرية العراقية معلومات من طاقمها عن رصد مسيّرتين، سقطت إحداهما في المياه واختفت الأخرى.

وفي موازاة هذه التطورات الأمنية، تواصل بغداد اتصالاتها مع دول المنطقة سعياً إلى احتواء التصعيد. وقالت وزارة الخارجية العراقية، الخميس، إن الوزير فؤاد حسين بحث هاتفياً مع نظيره الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف الملائمة للتوصل إلى تفاهمات سلمية تخفض التوترات وتعزز الأمن والاستقرار.