أفغانستان.. عودة المحاكم الشرعية

بسبب الرشى والفساد.. قضاء طالبان ينتعش بين الأفغان

أفغانستان.. عودة المحاكم الشرعية
TT
20

أفغانستان.. عودة المحاكم الشرعية

أفغانستان.. عودة المحاكم الشرعية

تتربع أفغانستان الجديدة بعد رحيل نظام طالبان على قائمة الدول الأكثر فسادا في العالم، حيث أشارت منظمة الشفافية الدولية في آخر تقرير لها إلى أن الأفغان يدفعون ملايين الدولارات سنويا رشوة من أجل تسيير أمورهم في مؤسسات الدولة التي تسعى إلى النهوض بمساعدات المانحين بعد الإطاحة بحكومة طالبان المتشددة نهاية عام 2001.
ويشير تقرير الشفافية الدولية إلى أن المؤسسة القضائية في هذا البلد هي الأكثر تورطا في عمليات الفساد المالي بسبب دفع الرشى إلى الموظفين الحكوميين. حتى الرصد الحكومي الأفغاني والذي جاء على لسان منظمات مستقلة ومؤسسات حقوقية أشار إلى أن المحاكم الأفغانية أكثر فسادا من باقي المؤسسات الحكومية الرسمية والسبب عدم وجود إرادة قوية في محاربة الفساد المستشري في هذه المؤسسة التي باتت تفقد المصداقية يوما بعد يوم بين المواطنين الأفغان، وهو الأمر الذي تسبب في إقبال الناس على حل مشاكلهم الحياتية وحتى الجنائية لدى محاكم طالبان وقضاتها المتنقلين في مناطق واسعة تخضع لسيطرة مقاتلي طالبان بالجنوب والشرق الأفغانيين معاقل طالبان الأساسية التي حكمت البلاد بين 1996 و2001.

في ولاية كابيسا الواقعة شرق البلاد، والتي تبعد عن العاصمة كابل 270 كيلومترا، تقع بلدة «تجاب» التي تسيطر عليها طالبان عمليا منذ أربع سنوات، حيث أقامت الحركة الأصولية فيها محاكم متنقلة، ولديها قاض يقوم بحل ملفات الناس العالقة، كما أن لدى طالبان هناك معتقلات خاصة بها تحتفظ فيها بالسجناء سواء كانوا من عناصر الجيش والشرطة أو الموالين لهما أو مواطنين عاديين يتم رفع الشكوى ضدهم لدى مسلحي طالبان، وتقوم الحركة في هذه البلدة وغيرها التي تخضع لها بحل مشاكل المواطنين الذين يراجعونها بدل المحاكم الحكومية بسبب انتشار الفساد فيها وسوء معاملتهم من قبل القضاة.
وفي إحدى بلدات ولاية كابيسا شرق البلاد، أقدم رجل على عملية أراد فيها قتل أحد الأشخاص لينتقم من ابن عم له قتل قبل عشرين سنة تقريبا، لكنه فشل في إنجاز المهمة فوقع في قبضة مقاتلي طالبان الذين يسيرون أمور البلدة في غياب تام للشرطة والمحاكم الرسمية. ويقول حكيم الله، وهو اسم مستعار للشخص المستهدف، إن طالبان راجعته وطلبت منه الإفصاح عن شروطه في حل المعضلة التي كاد يفقد فيها حياته. ويقول إنه خول طالبان في حل ملفه وهو يدرك جيدا أنه إذا راجع المؤسسات الرسمية فإنها ستطلب منه عشرات الآلاف من العملة الأفغانية مقابل تسجيل قضيته في المحاكم، ثم إنه سينتظر سنوات طويلة حتى يتم التوصل إلى حل لقضيته، وقد يفقد فيها حياته نظرا لعدم وجود ضمانات كافية بأن الدولة ستحميه. ويقول حكيم الله إن طالبان وبعد التشاور مع زعماء القبائل في القرية وطرفي القضية أمرت بأن يقوم المستهدف بإطلاق النار على خصمه الذي أراد قتله من نفس المسافة، مشيرا إلى أنه رفض هذا الحل، مؤكدا أنه قد عفا عن الرجل، وأنه ترك الأمر إلى الله، لكن طالبان لم تقتنع خوفا من حدوث مشاكل جديدة، فقامت بإصدار الحكم الخاص بها حيث أمرت بدفع ما يقرب من 2000 دولار غرامة والحكم على الجانبين بترك البلدة لثلاث سنوات، كما قامت بتقريب العائلتين عبر إقامة حفلات التصالح بينهما وانتهت المشكلة.
حركة طالبان التي تستعد للعودة إلى الحياة العامة في عموم أفغانستان تعرف كيف تستغل الأوضاع لصالحها. يقول حبيب حكيمي، وهو كاتب ومحلل سياسي يتابع شؤون طالبان، لـ«الشرق الأوسط»، إن الحركة تستغل حالة الاستياء الموجودة لدى المواطن العادي، فأنشأت في بعض المناطق محاكم متنقلة من أجل الوصول إلى القرى الواقعة خارج مناطق نفوذها. وتعقد جلسات استماع يومين في الأسبوع في المناطق الحدودية جنوب البلاد، مما يتطلب قيام ممثلي ادعاء بإحضار أدلة وشهود. وفي كونار، هناك خبراء قانونيون من طالبان يرافقون القادة المتشددين من أجل تقديم خدمات للأهالي المحليين والمسلحين.
ورغم أن القليل من الأفغان معجبون بحكم طالبان خلال الفترة بين عامي 1996 - 2001، فإن البعض ينظر إلى عدم وجود فساد في نظام قضائها باعتباره ميزة لصالح الحركة، فلم تكن الرشى شائعة، وكان نفوذ المتقاضين وعشائرهم غير مؤثر، وكان الدارج هو تطبيق الشريعة الإسلامية أو على الأقل نسختها العرفية في الريف الأفغاني.
وفي ولاية قندهار جنوب أفغانستان معقل طالبان السابق، وصل الخلاف بين مطيع الله خان ومحمد أيوز على ممتلكاتهما الموجودة في جنوب أفغانستان إلى طريق مسدود. فرغم أن كلا منهما دفع أتعابا للمحامين تزيد على 1000 دولار، فإنهما لم يحصلا على أي حكم من النظام القضائي الحكومي. أما المحاكم القبلية، وهي شبكات عرفية مكونة من شيوخ يعتمد عليهم أغلب المواطنين الأفغان الذين يعيشون في الريف، فهي تعاني من بعض جوانب قصور أيضا.
ولذلك، سلك الرجلان طريقا يسلكه عدد متزايد من الأفغان في هذه الأيام عندما تضيق بهم السبل: اتجها إلى حركة طالبان. وتم في غضون أيام قليلة حل مشكلتهما دون الحاجة لدفع رشى أو رسوم. وقال خان، وهو من أهالي مدينة قندهار واتهم أيوز بالاستيلاء على منزله «كان سيظل مستوليا على منزلي لولا تدخل طالبان. لقد تمتع قضاتها بالسرعة والنزاهة». ويرى العديد من الأفغان المحبطين من القوانين المستقاة من الغرب ونظام المحاكم الحكومي الذي ينظر إليه على نطاق واسع على أنه فاسد، أن الأحكام السريعة والقائمة على التقاليد تعتبر أفضل أمل يتشبثون به للوصول للإنصاف والعدل. في مدينتي كويتا وشامان الباكستانيتين، وهما ملاذ لأتباع طالبان في المنفى، يتحدث الأهالي عن طوابير طويلة من الأفغان الذين ينتظرون للمثول أمام القضاة.
من جهته، قال حاجي خوداي نور، وهو أحد أهالي قندهار حصل مؤخرا على حكم في نزاع على أرض من خلال حركة طالبان في كويتا «لن تجد مثل هذا العدد من الأشخاص الذين يمثلون أمام محاكم طالبان، أمام المحاكم الأفغانية. هناك مئات من الأشخاص في انتظار الإنصاف والعدالة هناك».
بيد أنه لا يمكن كذلك نسيان الوحشية التي كانت بارزة في قلب النظام القضائي لحركة طالبان، فكان يتم تنفيذ عمليات إعدام جماعية وعلنية على نحو شائع. وغالبا ما تفضي مخالفات بسيطة، مثل تقصير اللحى أو الاستماع إلى الموسيقى، إلى عقوبة مثل الضرب المبرح. ومع ذلك، ما زال العديد من الأفغان ينظرون إلى النظام الحكومي نظرة سلبية. يقول أمان الله، وهو مدرس من منطقة أندار في غزني «لا يوجد أحد يعتقد أن نظام القضاء الحكومي أفضل من نظام القضاء التابع لحركة طالبان. حتى لو شعر شخص ما بانتهاك حقوقه، هناك إجراءات للاستئناف في نظام القضاء التابع لحركة طالبان». وفي المحاكم الرسمية آلاف الملفات والدعاوى يتكدس بعضها فوق بعض لسنوات طوال دون أن يتمكن القضاة من حلها، الأمر الذي فتح الباب أمام المحسوبية ودفع الرشى لتقديم الملفات في تلك المحاكم.
ويرى مسؤولون غربيون منذ فترة طويلة أن وجود نظام عدالة نزيه ومحترم يعتبر أمرا أساسيا لقمع التمرد، وهو اعتراف بأن القبول الذي تحظى به حركة طالبان منذ فترة طويلة يعود إلى تبنيها لقوانين القضاء العرفي الريفي. وبعد انتهاء المهمة العسكرية للقوات الدولية وبعد إنفاق أكثر من مليار دولار كمساعدات لتطوير نظام المحاكم في أفغانستان، ما زال هذا النظام يفتقر إلى المصداقية ويسخر منه المواطنون الأفغان يوميا، فهناك مقولة مشهورة موجودة حتى في كابل، تنصحك بأنك إذا كنت تريد تسوية نزاع حول مزرعتك أمام المحكمة، فينبغي عليك أولا أن تبيع دجاجك وبقرتك وزوجتك.
وأصبحت البرامج التي لا تحصى لتدريب المحامين والقضاة بتمويل من الحلفاء الغربيين مثالا على التبذير. كما تعج الكتب بقوانين مناسبة للديمقراطيات على النمط الغربي. مثل هذه الحالات تتكرر في مناطق مختلفة من أفغانستان حيث باتت المحاكم الرسمية الحكومية مهجورة من قبائل أصحاب الدعاوى بسبب كثرة الفساد فيها وعدم النزاهة في إصدار القرارات، فضلا عن ضعف القضاة وعدم وجود ضمانات كافية لتنفيذ القرارات الصادرة، اليوم أصبح المواطن الأفغاني يفضل الرجوع إلى محاكم طالبان المتنقلة بدل الحكومة لأنها تصدر القرارات بصورة عاجلة ولا تطلب الرشى أو الوساطات، والجميع لديها سواسية، على حد قول كثير من المواطنين.
«الشرق الأوسط» أجرت العديد من الاتصالات مع المواطنين في مناطق متنوعة من أفغانستان. يقول جل زرين، وهو من أهالي ولاية باكتيكا شرق البلاد، إنه رفع الدعوى ضد رجل استولى على قطعة أرض تابعة لها أبا عن جد في المحاكم الحكومية، وظلت الدعوى تتنقل من دائرة إلى أخرى إلى أشهر عدة دون إصدار قرار. كما أنه دفع للقضاة وآخرين نصف قيمة قطعة الأرض محسوبية دون نتيجة، وفي النهاية اضطر إلى أن يرجع إلى قاض معين من قبل مقاتلي طالبان حيث أرسل رسالة صغيرة يطلب فيها ممن استولى على الأرض الحضور إلى جلسة القضاء في مدة لا تتجاوز يومين، وفعلا حضر الرجل، وبعد الاستماع إلى أقوال الشهود والنظر في المستندات أمر قاضي طالبان بإرجاع الأرض دون تردد، وهذا ما حصل. ويضيف زرين أنه سعيد الآن بأنه حصل على حقه المشروع دون أن يخسر شيئا. فيما يقول عبد الواحد، وهو عضو في اللجنة الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان، إن اللجنة رصدت حالات كثيرة من هذا النوع، وإن محاكم طالبان رغم وجود ثغرات ونقائص تحظى باحترام شديد لدى المواطن البسيط الذي لا يستطيع دفع الرشى، وهي ظاهرة باتت تكتسح جميع المحاكم الحكومية، على حد قول عبد الواحد.
الرئيس الأفغاني الجديد أشرف غني قال في خطاب له عقب تسلمه السلطة من خلفه حميد كرزاي إن المحاكم في أفغانستان فقدت مصداقيتها، وإنها أكثر المؤسسات فسادا، مشيرا إلى أن إصلاح المؤسسة القضائية يتصدر أولوياتها. وتعهد بأنه سيجري تعديلات إصلاحية عاجلة على هذه المؤسسة ليعيد إليها اعتبارها لكنها تظل مهمة شاقة وصعبة، بحسب تقرير لـ«نيويورك تايمز»، ذلك أنه وفقا لاستطلاع للرأي صدر عن مؤسسة «غالوب» في شهر أكتوبر (تشرين الأول)، أعرب 25 في المائة فقط من الأفغان عن ثقتهم في النظام القضائي في البلاد، كما أن الولايات المتحدة الأميركية الداعمة الأساسية لأفغانستان بدأت في السنوات الأخيرة، بعد أن أقرت بأن القانون القبلي العرفي ما زال هو الخيار المفضل لدى أغلب المواطنين الأفغان، في إنفاق أموال بهدف دعم المجالس المحلية وربطها أكثر علانية بالحكومة. إلا أن مراجعة قامت بها منظمة متابعة مستقلة اكتشفت أنه بدلا من أن يؤدي هذا الجهد إلى تحسين صورة الحكومة، فإنه أدى في أغلبه إلى تحسين مكانة المحاكم العرفية، التي يعتبر قضاء طالبان فرعا راديكاليا لها، حيث يشكل مزيجا من تقاليد قبائل البشتون والتفسيرات المتطرفة للشريعة الإسلامية. وعلى الجانب الآخر يقول منتقدون «إن قضاء طالبان في كثير من الأحيان لا ينصف المرأة والطفل الأفغاني في حقوقهما، وذلك في مجتمع قبلي محافظ تكون للرجل الكلمة الفصل».



ترسيم حدود لبنان وسوريا يشكّل الاختبار الأول لعلاقاتهما

الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي يتوسط الوزيرين منسى وابو قصرة في لقاء التوقيع بمدينة جدة (واس)
الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي يتوسط الوزيرين منسى وابو قصرة في لقاء التوقيع بمدينة جدة (واس)
TT
20

ترسيم حدود لبنان وسوريا يشكّل الاختبار الأول لعلاقاتهما

الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي يتوسط الوزيرين منسى وابو قصرة في لقاء التوقيع بمدينة جدة (واس)
الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي يتوسط الوزيرين منسى وابو قصرة في لقاء التوقيع بمدينة جدة (واس)

شكّلت الاشتباكات التي شهدتها الحدود الشرقية للبنان منتصف شهر مارس (آذار) الحالي أول اختبار للدولتين اللبنانية والسورية الجديدتين، في مقاربة الملفات المعقّدة والمتراكمة التي كان النظام السوري السابق كما الحكومات اللبنانية التي كان يسيطر عليها «حزب الله» تفضّل أن تبقى مجمّدة على حالها تبعاً لمصالح الطرفين. الحدود اللبنانية - السورية تمتد على طول أكثر من 375 كلم. ويُجمع الخبراء على أن تأخر ترسيمها، ووجود عوامل جغرافية واجتماعية تضاف إليها عوامل أخرى سياسية وأمنية، أمور تجعل منها «خاصرة رخوة» للبلدين، قد تشهد تجدد المواجهات العسكرية في أي وقت كان، وبخاصة أن فيها عشرات المعابر غير الشرعية التي تُستخدم لتهريب الأفراد والسلع والسلاح منذ سنوات طويلة.

شهد ملف ترسيم الحدود اللبنانية - السورية خلال الساعات الماضية خرقاً كبيراً بالإعلان من مدينة جدّة عن توقيع اتفاق برعاية ووساطة المملكة العربية السعودية بين وزير الدفاع اللبناني ميشال منسّى ووزير الدفاع السوري مُرهف أبو قصرة، جرى فيه التأكيد على «الأهمية الإستراتيجية لترسيم الحدود بين البلدين، وتشكيل لجان قانونية ومتخصصة بينهما في عدد من المجالات، وتفعيل آليات التنسيق بين الجانبين للتعامل مع التحديات الأمنية والعسكرية على أن يُعقد اجتماع متابعة في المملكة العربية السعودية خلال الفترة المقبلة».

الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي يتوسط الوزيرين منسى وابو قصرة في لقاء التوقيع بمدينة جدة (واس)
الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي يتوسط الوزيرين منسى وابو قصرة في لقاء التوقيع بمدينة جدة (واس)

مصادر مطلعة رأت أن دخول المملكة العربية السعودية على خط الوساطة بين البلدين «يجعل أي اتفاق أو تفاهم أمكن التوصل إليه ملزِماً للطرفين ويعطيه بُعداً أكثر جدية». وما تجدر الإشارة إليه هنا أن الجيش اللبناني ينشر 4 أفواج على طول الحدود اللبنانية - السورية بعدد عناصر يبلغ نحو 4838 عنصراً، يتوزّعون على 108 مراكز من بينها 38 برج مراقبة مجهزين بكاميرات وأجهزة استشعار ليلية، كما كان قد أعلن رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي. إلا أن هذا الواقع لم يحُل دون مواجهات عنيفة شهدتها هذه الحدود بدأت بين العشائر، وانضم إليها «حزب الله» قبل أن تتحوّل بين الجيش اللبناني وقوات الأمن السورية؛ ما أدى إلى مقتل 7 أشخاص في لبنان و3 من الجانب السوري.

التطورات الميدانية

المناطق الحدودية – في شمال شرقي لبنان بالذات - كانت قد شهدت، بعد سقوط النظام السابق في دمشق، اشتباكات متفرقة بين مهرّبين من الطرفين. وأطلقت قوات الأمن السورية خلال شهر فبراير (شباط) الماضي حملة أمنية في محافظة حمص التي تحدّ شمال لبنان وشماله الشرقي؛ بهدف إغلاق الطرق المستخدمة في تهريب الأسلحة والبضائع. وتتهم هذه القوات «حزب الله» بأنه ينشط في رعاية عصابات التهريب عبر الحدود، وأن المواجهات المسلحة التي خاضتها على الحدود الشرقية للبنان شارك فيها عناصر الحزب بشكل مباشر. غير أن قيادة «حزب الله» نفت أي علاقة له بالموضوع.

وفي منتصف الشهر الحالي، بعد مواجهات دامية بين الطرفين على أثر اتهام سوريا عناصر «حزب الله» بدخول أراضيها وخطف وقتل ثلاثة من أفراد الجيش السوري، دخل الجيش اللبناني على الخط بإيعاز من رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون الذي أعطى توجيهاته بالردّ على مصادر النيران والانتشار في بلدة حوش السيد علي التي شهدت أعنف المواجهات. ومن ثم، أوكل الرئيس عون وزير الخارجية اللبناني يوسف رجّي التواصل مع السلطات السورية لحل الأزمة، قبل أن يتسلّم وزير الدفاع منّسى الملف.

الترسيم أولاًفي أي حال، يرى كثيرون أن حل الأزمة الحدودية بين البلدين تبدأ بترسيم الحدود. وحقاً، هذا ما نصّ عليه قرار مجلس الأمن الدولي في عام 2006، وحمل الرقم 1680، ولحظ إلى جانب الترسيم إقامة علاقات دبلوماسية رسمية بين البلدين، كما أكد على وجوب نزع سلاح الميليشيات. غير أن سوريا رفضت، يومذاك، القرار، واعتبرته تدخلاً في شؤونها الداخلية، بينما رحّب به عدد من الدول الغربية بجانب الحكومة اللبنانية.

قوات في المنطقة الحدودية بين سوريا ولبنان (آ ب)
قوات في المنطقة الحدودية بين سوريا ولبنان (آ ب)

العميد المتقاعد خليل الحلو، الباحث اللبناني في الشؤون السياسية والاستراتيجية، يرى أن «مسألة ترسيم الحدود مع سوريا ليست مسألة طوبوغرافية حصراً، إنما لها بُعد اجتماعي باعتبار أن لدى كثيرين من اللبنانيين أملاكاً في الجهة السورية من الحدود، ما يتطلب نقاشات ومفاوضات طويلة». ويلفت الحلو في لقاء مع «الشرق الأوسط» إلى أن «القضية لا تُحل على مستوى وزيري الدفاع أو الجيشين اللبناني والسوري، بل تحتاج إلى مؤتمر قمة بين رئيسي جمهورية البلدين يضم وزراء متخصصين، وهي ورشة إذا ما انطلقت قد تستمر لسنوات».

وفق الحلو، فإن «تطبيق القرار الدولي 1680 مرتبط بشكل أساسي بقدرة الجيش اللبناني على الانتشار لضبط الحدود. وراهناً لديه 4 أفواج حدود برّية وعشرات أبراج المراقبة، كما يمتلك سلاح جو. وبالتالي، إذا ما كُلّف فعلياً ضبط الحدود عبر قرار سياسي واضح، لا بالكلام وحده، فهو قادر على ذلك، من دون تناسي أدوار الأجهزة الأمنية الأخرى في هذا المجال».

للعلم، تربط لبنان وسوريا 6 معابر نظامية، هي:

- معبر المصنع الذي يربط بين بيروت ودمشق من جهة البقاع الشرقي

- معبر جوسية الواقع بين بلدة القاع اللبنانية ومدينة القصير السورية

- معبر مطربا شرقي مدينة الهرمل اللبنانية

- معبر الدبوسية بشمال لبنان

- معبر تلكلخ غربي محافظة حمص، مقابل منطقة وادي خالد في عكار

- ومعبر العريضة قرب الشاطئ الذي يؤدي من شمال لبنان إلى مدينة طرطوس السورية.

أما المعابر غير الشرعية فتعدُ بالمئات.

الرؤية السورية

في هذه الأثناء، ترى جهات رسمية لبنانية، فضَّلت إغفال ذكر هويتها، أن السلطة الجديدة في سوريا «لا تبدو متحمسة أو مستعجلة» لبت الملفات العالقة مع لبنان، سواء الملف الحدودي أو ملف اللاجئين أو سواها من الملفات؛ نظراً لأن أولوياتها لا تزال محصورة بضبط الوضع في الداخل السوري، ومعالجة مئات الملفات لتسهيل أمور الناس داخل البلاد. وتشير مصادر في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى وجود علامات استفهام حول قدرة السلطات الجديدة هناك من الإمساك بكامل الأراضي السورية وضمناً الحدود.

في المقابل، توضح السياسية والباحثة السورية - الأميركية الدكتورة مرح البقاعي لـ«الشرق الأوسط» أن «الدولة الجديدة في سوريا لا تزال في مرحلة التأسيس؛ إذ لم يتجاوز عمرها ثلاثة أشهر». ومن ثم تتطرق إلى «الكثير من القضايا والمشكلات العالقة في الداخل السوري، خصوصاً بعد سقوط نظام استبدّ بالحكم لمدة خمسين سنة ونصف السنة. لذلك؛ حتى الآن، لم يكتمل المشهد الداخلي السوري بصورته الرسمية والإجرائية».

وترى البقاعي أن «الاشتباكات عبر الحدود هي في منطقة لطالما كانت غير مستقرة لعقود. ثم أنها كانت تحت سيطرة النظام السابق في سوريا، شهدت تفاعلات معقدة، إذ كانت بعض العشائر المحلية على وفاق مع النظام الذي رحل، كما كان لها علاقات مع (حزب الله) في لبنان. هذه العشائر كانت تعمل على طرفي الحدود، وتعتمد بشكل أساسي على التهريب مصدراً للموارد».

وبحسب البقاعي، «تكمن المشكلة الأساسية في هذه المنطقة الحدودية - وتحديداً في المنطقة الشرقية - في غياب الأمن والسيطرة الفعلية، حيث تنتشر عصابات التهريب التي اعتاشت لعقود على هذه الأنشطة في ظل غياب أي تنمية حقيقية. ومع الواقع الجديد في البلدين، أتت الاشتباكات نتيجةً مباشرة لمحاولة الأطراف الجديدة فرض سيطرتها».

أما عن رؤيتها للحل، فتقول الباحثة السورية - الأميركية إنه «من الضروري البدء بوقف عمليات التهريب، لكن الحل الجذري يتطلب العودة إلى مسألة ترسيم الحدود بين البلدين. وهذا أمر معقّد وسيأخذ وقتاً؛ إذ إنه مرتبط بالوضع الإقليمي ككل، وليس فقط بالحدود اللبنانية - السورية، بل يشمل أيضاً الحدود اللبنانية مع إسرائيل».

وللعلم، تعدّ مصادر نيابية لبنانية أن وضع الحدود السورية الراهن مرتبطاً إلى حد كبير بوضع الحدود الجنوبية. وتشير لـ«الشرق الأوسط» إلى «وجود قرار أميركي - إسرائيلي حاسم بتضييق الخناق على (حزب الله)، وقطع كل طرق إمداده بكل الوسائل، ومن هنا تُفهم عمليات القصف الإسرائيلي التي نشهدها للحدود الشرقية بين الحين والآخر».

ولادة متعسّرة

في الحقيقة، بعد سقوط النظام في سوريا، كانت هناك خشية لبنانية كبيرة من تفلّت أمني ينسحب على لبنان. وظلّت السلطات في بيروت تراقب من بعيد التطورات إلى أن قرّر رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي زيارة دمشق للقاء الرئيس السوري أحمد الشرع منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، إلا أن اللقاء بقي دون نتائج. وعملية.

أيضاً، عُقد لقاء بين الشرع وعون على هامش القمة العربية في مارس (آذار) الحالي، شدَّدا خلاله على ضرورة ضبط الحدود بين البلدين. لكن المواجهات المسلحة التي تلت اللقاء أكدت أن الملف يتطلب معالجة أعمق وعلى المستويات كافة.

هنا لا تُنكر مرح البقاعي أن «العلاقات السورية - اللبنانية تشهد ولادة متعسّرة، سواءً في سوريا بعد سقوط النظام، أو في لبنان بعد الفراغ الحكومي الطويل. وكلا البلدين في حاجة ماسة إلى التعاون في مختلف المجالات، وأهمها المجال الأمني».

وهي ترى أيضاً أن «ما يمنح الدولة السورية الجديدة شرعية كبيرة، ويجعل المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية، يثق بها، هو أن بعض المجموعات التي كانت في السلطة سابقاً والمصنّفة على قوائم الإرهاب لم تعُد جزءاً من المشهد». وتتابع أن «الدول الأوروبية بدأت بالتعامل بشكل إيجابي مع الدولة الوليدة في سوريا. والسبب الرئيس لهذا التغير هو قدرة السلطات الجديدة في سوريا على إنهاء وجود حزب الله والميليشيات الإيرانية في البلاد خلال وقت قياسي... وهذا إنجاز يحسب لها، ليس فقط على المستويين الدولي والإقليمي، بل أيضاً بالنسبة للشعب السوري نفسه. إذ تم تحرير سوريا، وحياتها العامة، ومجتمعها من قبضة النفوذ الإيراني، الذي تسبّب في حالة من الفساد وانعدام الاستقرار لعقود طويلة».