«الشيوخ» يسدل الستار على محاكمة ترمب

فشل محاولة إدانة الرئيس السابق رغم تصويت جمهوريين ضده والتراجع عن قرار استدعاء الشهود

جانب من جلسة محاكمة ترمب في مجلس الشيوخ أمس (رويترز)
جانب من جلسة محاكمة ترمب في مجلس الشيوخ أمس (رويترز)
TT

«الشيوخ» يسدل الستار على محاكمة ترمب

جانب من جلسة محاكمة ترمب في مجلس الشيوخ أمس (رويترز)
جانب من جلسة محاكمة ترمب في مجلس الشيوخ أمس (رويترز)

أسدل مجلس الشيوخ الأميركي، أمس، الستار على محاكمة الرئيس السابق دونالد ترمب، بعد تعذر تأمين أغلبية الثلثين اللازمة لإدانته، رغم تصويت 7 جمهوريين ضده، إذ جاءت النتيجة 57 صوتاً لصالح الإدانة و43 مع البراءة، فيما العدد المطلوب للإدانة 67 صوتاً.
وكان يوم أمس دراماتيكياً بامتياز في مجلس الشيوخ، إذ شهد ساعات مشحونة بمفاجآت ومشاحنات في محاكمة عنوانها الارتباك والتردد.
وصوت 7 من الأعضاء الجمهوريين لإدانة ترمب، هم ميت رومني وريتشارد بر وبيل كاسيدي وسوزان كولينز وليزا ماركوفسكي وبن ساس وبات تومي. لكن ذلك لم يوفر الأصوات الكافية.
وبعد أن قرر المجلس استدعاء شهود في المحاكمة، رفع جلساته، وتشاور فريقا الدفاع والادعاء لحسم المسألة بأقل أضرار ممكنة. وإثر عملية شد حبال ومساومات وتهديدات متبادلة، اتفق الطرفان على الاكتفاء بإدراج بيانات مكتوبة في سجل المحاكمة الرسمية وعدم استدعاء شهود حضورياً، لتجنب استمرار المحاكمة إلى أجل غير مسمى.
وكان المجلس صوّت بدعم 55 سيناتوراً ومعارضة 45 للموافقة على الاستماع إلى شهود، قبل التصويت النهائي لإقرار تبرئة ترمب أو إدانته. وانضم 5 جمهوريين إلى الديمقراطيين في هذا التصويت، وهم رومني، وماركوفسكي، وكولينز وساس وليندسي غراهام.
وهزّ هذا القرار إجراءات المحاكمة المتوقعة وغيّر من المعادلة، إذ كان من المستبعد أن يطلب فريق الادعاء شهوداً بعد مرافعات استمرت على مدى 5 أيام فقط، وتوقع فريقا الادعاء والدفاع خلالها أن يتم التصويت النهائي للبت في اليوم الخامس منها.
- ترمب «رفض دعوة المقتحمين للتراجع»
وفجّرت النائبة الجمهورية جايمي هيريرا باتلر مفاجأة كبيرة، وغرّدت مساء يوم الجمعة عن اتصال هاتفي جمع بين زعيم الجمهوريين في مجلس النواب كيفين مكارثي، والرئيس الأميركي دونالد ترمب في السادس من يناير (كانون الثاني)، يوم اقتحام الكابيتول. وقالت باتلر، التي صوتت لعزل ترمب في مجلس النواب إلى جانب 9 من زملائها، إن مكارثي أبلغها بأن ترمب قاوم دعوته لدفع مناصريه لمغادرة المبنى. وأصدرت باتلر بياناً مفصّلاً يتحدث عن الاتصال الذي أجراه مكارثي بترمب، فقالت: «عندما تمكن مكارثي من التواصل مع الرئيس في 6 يناير وطلب منه بمطالبة المقتحمين علناً وبحزم بالمغادرة... كرر الرئيس الأكاذيب بأن (أنتيفا) هي التي اقتحمت الكابيتول، وعندما رفض مكارثي الادعاءات وقال للرئيس إن المقتحمين هم مناصروه. حينها قال الرئيس، وفقاً لمكارثي: كيفين، أعتقد أن هؤلاء الأشخاص مستاؤون أكثر منك من نتيجة الانتخابات».
تصريح ناري وفيه مفاجآت متتالية، بدءاً من موقف ترمب ووصولاً إلى موقف مكارثي الذي زار مؤخراً الرئيس السابق في مقره في مارالاغو في ولاية فلوريدا، وحاول رأب الصدع في العلاقة بين الرجلين.
وحثّت باتلر «الوطنيين» على الحديث علانية ومشاركة ما يعرفونه عن الاتصال بين مكارثي وترمب في ذلك اليوم. لكن الأهم في إعلان النائبة الجمهورية هو أنه أدى إلى تغيير رأي الادعاء في استدعاء شهود، فقال رئيس المدعين جايمي راسكين إن المعطيات الجديدة دفعته نحو الدعوة إلى استدعاء هيريرا للحديث عن تصريحاتها تحت القسم في المحاكمة.
وقال راسكين: «خلال الأيام الأخيرة، قدمنا أدلة كثيرة تظهر كيف أن الرئيس ترمب أشعل فتيل التحريض وفشل في حمايتنا. لكن النائبة باتلر أصدرت بياناً تحدثت فيه عن الاتصال بين ترمب وكارثي. هذا دليل إضافي قاطع يثبت التهمة بحق الرئيس وتقاعسه عن واجباته كقائد للقوات المسلحة وتحريضه للمتمردين. لهذا نطلب استدعاء النائبة باتلر لتوضيح تواصلها مع زعيم الجمهوريين. ونحن مستعدون للحديث معها عبر الفيديو».
- تهديد جمهوري باستدعاء بيلوسي
وبمجرد الإعلان عن نية الادعاء استدعاء شهود، ثار فريق الدفاع غضباً، وتوعّد محامي ترمب مايكل فان دير فين بأنه سيستدعي «المئات من الشهود»، كما غيّر السيناتور الجمهوري غراهام من تصويته المعارض لاستدعاء شهود، ليصوّت بالتالي لصالح الاستدعاء، حتى يسعى بدوره إلى استدعاء شهود من طرف الجمهوريين المعارضين للمحاكمة.
وقد تم طرح بعض الأسماء المثيرة للجدل، كوزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، ونائبة الرئيس كامالا هاريس، إضافة إلى رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي. وغرّد غراهام قائلاً: «إذا أراد المجلس استدعاء شهود، فسوف أصر على عدد منهم، ويمكننا أن نبدأ ببيلوسي. هل كانت تعلم بوجود أدلة بالتخطيط على العنف قبل خطاب الرئيس ترمب؟ وهل رفضت طلب شرطة الكابيتول دعم الحرس الوطني؟ إن شهادتها مناسبة للغاية في قضية التحريض».
موقف دعمه السيناتور الجمهوري تيد كروز، الذي غرّد: «إذا استدعى المدعون النائبة هيريرا باتلر كشاهدة، فأول شاهد من قبل محامي ترمب يجب أن يكون نانسي بيلوسي». هذا يعني أن تصويت المجلس لاستدعاء شهود فتح أبواباً واسعة للتأخير في بت القضية.
إضافة إلى موقف باتلر، بحث الديمقراطيون إمكانية تسليط الضوء على التضارب في المعلومات المتعلقة باطلاع ترمب على الخطر المحدق بنائبه مايك بنس، قبل التغريد لانتقاده يوم اقتحام الكابيتول. ففيما أكّد محامو ترمب أنهم لا يملكون الجواب لهذه التساؤلات، تحدث السيناتور الجمهوري تومي توبرفيل إلى الصحافيين، وأكد لهم أنه تحدث مع ترمب عبر الهاتف يوم الاقتحام، وأبلغ بأن شرطة الكابيتول أخرجت بنس من قاعة المجلس خوفاً على سلامته. وهذا قد يفسح المجال أمام الادعاء لاستدعاء توبرفيل كشاهد.
وفي ظل هذه التطورات المتسارعة، أكد بعض الجمهوريين أن استدعاء شهود لن يؤدي إلى تغيير رأيهم في التصويت النهائي لصالح تبرئة ترمب. وكان زعيم الأقلية الجمهورية ميتش مكونيل قد أصدر بياناً أكد فيه أنه سيصوت لتبرئة الرئيس السابق.
ولعل النقطة الأساسية التي يركز عليها هؤلاء الجمهوريون هي أن استدعاء شهود لن يغير من قناعاتهم بأن محاكمة رئيس سابقة غير دستورية. ما يعني أن نتيجة المحاكمة لن تتغير على الأرجح، لأن التصويت لصالح الإدانة سيتطلب 67 صوتاً، ما يعني ضرورة انضمام 17 جمهورياً لكل الديمقراطيين في المجلس.
- تسوية بعد العاصفة
أدّت هذه المعطيات إلى توصّل الطرفين الديمقراطي والجمهوري إلى تسوية لتجنب الوقت المستهلك لاستدعاء شهود. فوافق فريقا الدفاع والادعاء على إدراج تصريحات النائبة باتلر رسمياً في محاضر الجلسات من دون استدعائها للإدلاء بإفادتها، ما جنّب الطرفان استدعاء عدد كبير من الشهود، وإطالة وقت المحاكمة إلى أجل غير مسمى.
وكان هناك توافق شبه ضمني بين القيادات الديمقراطية والجمهورية على ضرورة إنهاء المحاكمة للتفرغ لبنود أخرى على أجندة المجلس، كالمصادقة على التعيينات الرئاسية التي لا تزال عالقة، ومشاريع الإنعاش الاقتصادي والهجرة. وهي ملفّات تدفع الإدارة الأميركية باتّجاهها.
وقد حذّرت السيناتورة الجمهورية مارشا بلاكبيرن، الديمقراطيين قائلة: «إذا أردتم استدعاء شهود، لدينا لائحة. هذا إذا ما أردتم أن تستمر المحاكمة لمدة عامين، ما يعني عرقلة أجندة بايدن كلها».


مقالات ذات صلة

لولالترمب: لا نريد حرباً باردة جديدة

أميركا اللاتينية الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (رويترز)

لولالترمب: لا نريد حرباً باردة جديدة

أعلن الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، متوجهاً إلى دونالد ترمب من نيودلهي: «لا نريد حربًا باردة جديدة»، داعياً ترمب إلى معاملة كل البلدان بالتساوي.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد ترمب يتحدَّث مع الضيوف خلال مأدبة عشاء المحافظين في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)

خطة الـ150 يوماً... كيف استعاد ترمب سلاحه الجمركي عبر ثغرة قانونية لم تُختبر من قبل؟

أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، فرض رسوم جمركية عالمية جديدة بنسبة 15 في المائة على الواردات الداخلة إلى الولايات المتحدة كافة، لتدخل حيز التنفيذ فوراً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)

قرار المحكمة العليا الأميركية يُعيد خلط أوراق المواجهة بين ترمب وشي

دخلت العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين منعطفاً جديداً من الغموض والتعقيد، عقب قرار المحكمة العليا الأميركية، القاضي بإبطال الرسوم الجمركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز) p-circle

ترمب يعلن إرسال سفينة مستشفى إلى غرينلاند

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، إنه سيرسل سفينة مستشفى إلى غرينلاند، وهي منطقة دنماركية تتمتع بحكم ذاتي كان الرئيس الأميركي يهدِّد بالسيطرة عليها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ محتجون في مواجهة عناصر من «آيس» بمدينة مينيابوليس في مينيسوتا يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)

أميركا: موظف بوزارة الأمن الداخلي قتل مواطناً بتكساس في مارس 2025

أظهرت سجلات صدرت ‌خلال الأسبوع الحالي أن أحد موظفي الهجرة الاتحاديين بالولايات المتحدة قتل بالرصاص مواطناً أميركياً في ولاية تكساس في مارس 2025.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.