كواليس حرب إدارة بايدن على الوباء

تسعى لتطعيم الملايين في وقت قياسي وتعدّ استراتيجية للسنوات المقبلة

TT

كواليس حرب إدارة بايدن على الوباء

تبدأ الاجتماعات صبيحة كل يوم بعد الفجر بوقت وجيز. يصل عشرات الموظفين وهم يحملون أقداح قهوة خاصة بهم، وينضمون إلى الاجتماع الافتراضي عبر تطبيق «زووم» من مقر حكومي في العاصمة واشنطن، أو من منازلهم، أو حتى من مكاتب مجاورة.
تبدأ الجلسات بعرض أحدث الإحصائيات، بهدف تركيز نطاق العمل والتذكير بما هو على المحك: حالات الإصابة الجديدة بفيروس كورونا، عدد المرضى في المستشفيات، وعدد الوفيات. لكن الأرقام تشتمل أيضاً على أحدث علامات التقدم المحرز: اختبارات الفيروس التي أُجريت، وعبوات اللقاح التي شُحنت، وجرعات اللقاح التي وُزّعت، وفق تقرير نشرته وكالة «أسوشييتد برس» حول خفايا حرب إدارة بايدن على الوباء.
وفي حين أن الإدارة الأميركية السابقة تعاملت مع الوباء ضمن الاستجابة للكوارث الطبيعية، باستخدام شعار وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية، تقتبس إدارة الرئيس بايدن مبادئ العمل من وزارة الدفاع.

- «حرب مفتوحة»
صرح جيف زينتس، منسق الاستجابة لفيروس كورونا، في مقابلته مع وكالة «أسوشييتد برس»: «نحن في حالة حرب مفتوحة مع الفيروس. ونستعين بكل الموارد والأدوات المتاحة لدى الحكومة الفيدرالية في القتال على كل الجبهات».
وتواجه استراتيجية إدارة بايدن اختبارات حاسمة وعاجلة، لا سيما بعد أن ورثت خطة غير متسقة لتوزيع اللقاحات، ومع التهديدات الناشئة عن تحورات الفيروس الجديدة. ويكمن الهدف، كما يقول مساعدو الرئيس بايدن، في بساطته بقدر طموحه: بعد عام كامل من اتخاذ موقف الدفاع، فإنهم يريدون نقل المعركة إلى الفيروس.
تدور حملة المواجهة الجديدة حالياً في المدارس، وفي مصانع الأدوية المعقمة، وعلى المساحات الشاسعة لمواقف السيارات في الملاعب الرياضية، وعلى طول الأرصفة المحاذية لمنازل المواطنين الأميركيين. ومن أجل هزيمة الفيروس، يتعين على فريق الرئيس بايدن الإشراف على الجهود اللوجستية الضخمة المعنية بتوصيل جرعات اللقاح إلى ملايين المواطنين، مع ضرورة التغلب على التردد في تناول اللقاح، والشكوك العلمية المنتشرة في مواقع التواصل الاجتماعي بشأنه، فضلاً عن الإرهاق الواضح في كل أنحاء المجتمع الأميركي بعد مرور عام كامل القيود والتداعيات الاقتصادية الثقيلة.
بالنسبة إلى بايدن، فإن التغلب على الوباء هو بمثابة تحدٍ واضح ومحدد لرئاسته، واختبار أكيد لوعوده الأساسية للشعب الأميركي بقدرته على إدارة تفشي الوباء بطريقة أفضل من الإدارة السابقة. ويبدو أن فريقه الرئاسي يبذل جهوداً هائلة بوتيرة يومية لمتابعة كل تفاصيل هذه الحرب على «كوفيد - 19»، من إنشاء مصنع جديد للقفازات الجراحية في الولايات المتحدة بحلول نهاية العام الجاري، ومطالبة المواطنين الأميركيين بضرورة ارتداء الكمامات الواقية أثناء التنزه رفقة حيواناتهم الأليفة.
أودى الوباء بكثير من المواطنين الأميركيين في العام الماضي، بعدد أكبر ممن سقطوا ضحايا القتال في الحرب العالمية الثانية. وتشير بعض التوقعات إلى أن عدد الوفيات ربما يتجاوز ضحايا الحرب الأهلية الأميركية بحلول بداية الصيف المقبل.
تراجعت حالات الإصابة الجديدة بالفيروس، والتي شهدت أعلى مستوياتها بعد موسم أعياد الميلاد، بصورة مطردة خلال الأسابيع الأولى من الإدارة الأميركية الجديدة، غير أنها لا تزال مرتفعة بصورة تبعث على القلق، فيما لا يزال معدل الوفيات مستمراً بمعدل 21 ألف حالة وفاة في الأسبوع.
ومنذ أن تولى منصبه الجديد قبل ثلاثة أسابيع، تعامل فريق الرئيس بايدن مع المشكلة القائمة على عدة جبهات. فأفرجوا عن مليارات الدولارات من الأموال الفيدرالية الموجهة لتعزيز التطعيمات والاختبارات، كما طوروا نموذجاً جديداً لانتشار أكثر من 10 آلاف جندي من الخدمة الفعلية للانضمام إلى عناصر الحرس الوطني المكلفين بتوزيع اللقاحات على المواطنين. ومن المقرر افتتاح مراكز التطعيم الجماعية، المدعومة من القوات الفيدرالية، في ولايات كاليفورنيا، وتكساس، ونيويورك، خلال الأسابيع المقبلة.

- ملايين الجرعات
ومع ازدياد المخاوف بشأن التحورات التي ربما تكون خطيرة في الفيروس، لا ينظر فريق الرئيس بايدن إلى اللقاحات بأنها الحل السحري للمشكلة، وإنما مجرد جزء من سلسلة تكميلية من الخطوات التي يمكن أن توفر إمكانات حقيقية لتحقيق تقدم ملموس. ومن أجل نجاح الولايات المتحدة في احتواء المشكلة بصورة كاملة، أفاد الدكتور أنتوني فاوشي، كبير خبراء الأمراض المعدية في الولايات المتحدة، بضرورة زيادة وتيرة التطعيم على الصعيد الدولي بُغية الحد من التحورات المحتملة للفيروس.
وقال زينتس: «لن نحاول التخفيف مطلقاً من مدى صعوبة الأوضاع الراهنة، ولكننا سوف نطرح الدليل الواضح على التقدم والعمل». ويسير الرئيس بايدن بخطى متسارعة على مسار تجاوز هدفه المتمثل في توفير 100 مليون لقاح خلال أول 100 يوم من ولايته الرئاسية.
وهو هدف قابل للتحقيق، ويرسم صورة مختلفة تماماً عن سياسات إدارة الرئيس ترمب التي أسفرت عن تقويض ثقة الرأي العام. ووفقاً لبيانات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في البلاد، جرى تقديم ما لا يقل عن 26 مليون جرعة لقاح خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من تولي بايدن منصبه الرئاسي. وصرح الرئيس بايدن يوم الخميس أثناء جولته في المعاهد الوطنية الصحية قائلاً: «إنها مجرد البداية. إن هدفنا النهائي هو هزيمة فيروس كورونا تماماً».
وحثت الدكتورة لينا وين، طبيبة الطوارئ وأستاذة الصحة العامة في جامعة جورج واشنطن، إدارة الرئيس بايدن على وضع أهداف أكثر صرامة بغرض زيادة وتيرة التطعيمات حتى 3 ملايين جرعة لقاح بصفة يومية.
كانت أغلب المنجزات في عمليات توصيل اللقاح حتى الآن ترجع إلى مخططات التصنيع المسبقة منذ فترة طويلة، وليس إلى إجراءات فريق بايدن الرئاسي الأخيرة، كما يعترف مساعدوه. ولكن مع احتمال حصول اللقاح الثالث على الموافقة خلال الأسابيع المقبلة، فإنهم يحاولون العمل على استباق المرحلة المقبلة من التحديات، التي تشمل القدرة على توصيل جرعات اللقاح والاستجابة للطلب الكبير المتوقع على اللقاحات.
وعمل فريق بايدن كذلك على تسريع خط الإمدادات الحالية، إذ أعلن الرئيس الخميس الماضي أن الولايات المتحدة قد حصلت على التزامات تعاقدية من شركتي «مودرنا» و«فايزر» بشأن تقديم 600 مليون جرعة من اللقاح، كافية لتطعيم 300 مليون مواطن أميركي، بحلول نهاية يوليو (تموز) المقبل، أي قبل شهر من الميعاد المتوقع في البداية.

- انتقادات حكام الولايات
رغم التقدم الملحوظ في مكافحة الوباء، لم تفلت استراتيجية بايدن من الانتقادات. ففي مكالمة مع البيت الأبيض الثلاثاء الماضي، ناشد آسا هاتشينسون حاكم ولاية أركنساس الإدارة الأميركية على العمل عبر حكومات الولايات بدلاً من سبل التوزيع البديلة، قائلاً إن لديهم طلباً زائداً لا يمكن تغطيته في الوقت الحالي. وأعرب حكام آخرون عن قلقهم من أن البرنامج الفيدرالي لتوزيع اللقاحات سيضر بخططهم الخاصة باستخدام المراكز الصحية في توزيع اللقاحات.
وصرح هاتشينسون لـ«أسوشييتد برس» قائلاً: «يُقدر الحكام تلك الشراكة الفيدرالية كثيراً. ولكن من المهم توجيه أي زيادة في المقدرة على صناعة اللقاحات إلى الولايات من أجل التوزيع، لا اللجوء إلى التوزيع من خلال برامج فيدرالية منفصلة».
وخرج أحد النجاحات المبكرة لخطة بايدن من رحم المناقشات مع حكام الولايات المحبطين بسبب التقلبات المستمرة في إمدادات اللقاح. ودفع انعدام اليقين ببعض الولايات إلى إبطاء توزيع اللقاحات الأولى بُغية ضمان توافر ما يكفي من اللقاحات للجرعة الثانية في حالة انخفاض عمليات التوصيل. ولقد تعهد فريق بايدن بمنح حكومات الولايات إخطاراً بثلاثة أسابيع بشأن ما هو مقبل إليهم.
وصرح مايك ديواين، الحاكم الجمهوري لولاية أوهايو، لـ«أسوشييتد برس»: «نرى مزيداً من اللقاحات في الأفق بأكثر مما كنا نراه قبل أسابيع قليلة. وكلما علمنا المزيد عن اللقاحات، زاد سرورنا بذلك».

- استراتيجية طويلة المدى
كانت آراء الرأي العام المبكرة بشأن استجابة إدارة الرئيس بايدن للأزمة إيجابية ومشجعة إلى درجة كبيرة. فبعد مرور أسبوعين على الإدارة الجديدة، أظهر استطلاع للرأي من تنظيم شركة «كوينيبياك» أن 61 في المائة من المواطنين الأميركيين موافقون على الطريقة التي يتعامل بها بايدن مع جائحة فيروس كورونا. وأفاد كل الديمقراطيين ونحو 33 في المائة من الجمهوريين بأنهم يوافقون على ذلك. وفي استطلاع آخر من الشركة نفسها في ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، وافقت نسبة 39 في المائة من المواطنين الأميركيين على أسلوب تعامل الرئيس ترمب مع أزمة فيروس كورونا. ولقد وافق 78 في المائة من الجمهوريين، في حين بلغت نسبة الموافقين من الديمقراطيين 3 في المائة فقط.
وتقدم استراتيجية الرئيس بايدن الوطنية لمكافحة الوباء، التي نُشرت في اليوم التالي لتوليه منصبه، خريطة طريق خلال الشهور المقبلة: إجراء مزيد من الاختبارات، وتوفير الإرشادات الواضحة، وتوزيع مزيد من اللقاحات بإنصاف.
غير أن الطريق صوب «الوضع الطبيعي الجديد» لا تزال غير واضحة. إذ تبقى المساجلات العلمية بشأن ضرورة ما يجب إنجازه لبلوغ مرحلة «المناعة الجماعية»، لا سيما مع استمرار ظهور الطفرات الجديدة في الفيروس، بلا حل حتى الآن.
ويواصل فريق الرئيس بايدن العمل بنشاط مع شركات الأدوية لتجهيز جرعات «معززة» لمواجهة تحورات الفيروس، بصفة سنوية على الأرجح، على غرار لقاحات الإنفلونزا. وهم يجهزون البنية التحتية اللازمة لتكثيف اختبارات الفيروس، نظراً لأن تلك الاختبارات قد تكون جزءاً من الحياة خلال السنوات المقبلة.
يقول مساعدو الرئيس بايدن إن مناشدته المواطنين الأميركيين مواصلة ارتداء الكمامات الواقية خلال المائة يوم الأولى من رئاسته سوف تستمر من دون شك. كما من المرجح تعديل أهدافه الأخرى صعوداً في الشهور المقبلة.
وقال جيف زينتس: «سوف نعمل على تحديد المجموعة التالية من الأهداف ذات الصلة أثناء مواصلة التقدم في إنجاز المجموعة الأولى من الأهداف المعلنة».



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.