شركات السيارات تتسابق لاجتذاب النساء

يتصدرن قائمة أسرع عملاء القطاع نموا

اشترت النساء ما تصل نسبته إلى نحو 40 في المائة من إجمالي أكثر من 16 مليون سيارة وشاحنة جرى بيعها في أميركا العام الماضي
اشترت النساء ما تصل نسبته إلى نحو 40 في المائة من إجمالي أكثر من 16 مليون سيارة وشاحنة جرى بيعها في أميركا العام الماضي
TT

شركات السيارات تتسابق لاجتذاب النساء

اشترت النساء ما تصل نسبته إلى نحو 40 في المائة من إجمالي أكثر من 16 مليون سيارة وشاحنة جرى بيعها في أميركا العام الماضي
اشترت النساء ما تصل نسبته إلى نحو 40 في المائة من إجمالي أكثر من 16 مليون سيارة وشاحنة جرى بيعها في أميركا العام الماضي

تتصدر النساء قائمة أسرع عملاء عالم السيارات نموا. ولكن القيام بالتنقل وسط عمليات تسويق سيارات الكوبيه المكشوفة الفاخرة والسيارات السوبر عالية الأوكتين في المعرض الدولي للسيارات لعام 2015 في مدينة ديترويت الأميركية الذي يقام هذا الأسبوع، يجعلنا نكتشف أن النساء يتم حصرهن في الغالب، بدلا من قيادة السيارة، في العمل كعارضات أزياء يرتدين أحذية ذات كعب عال أو في الركوب بجوار السائق.
حتى مع وصول النساء إلى أعلى المناصب في أكبرى شركات صناعة السيارات في البلاد ومساعدتهن في تسجيل مبيعات قياسية جديدة للسيارات والشاحنات، ما زال عالم السيارات يكافح لإيجاد تمثيل آخر غير الرجال في قيادة السيارات.
من جانبه، قال مارك بلاند، نائب رئيس مؤسسة «آي إتش إس أوتوموتيف» الاستشارية في مجال أبحاث صناعة السيارات، إنه «وضع ثوري إلى حد ما. إن الصناعة تشهد نساء لا يركبن من الأبواب الجانبية لهذه الشاحنات فقط. إنهن يقمن بشرائها وقيادتها واستخدامها. لقد أدركت الشركات المصنعة أنه حان وقت تغيير بعض الصور النمطية.. ولكن التغيير يستغرق وقتا طويلا كما هو الحال دائما».
اشترت النساء ما تصل نسبته إلى نحو 40 في المائة من إجمالي أكثر من 16 مليون سيارة وشاحنة جرى بيعها في البلاد العام الماضي، لترتفع النسبة من 36 في المائة المسجلة منذ 5 سنوات، حسب بيانات شركة «جي دي باور» الأميركية. بعد استشهاده بدراسة تفيد بأن النساء ينفقن 300 مليار دولار سنويا على المركبات وصيانتها، أطلق تحالف مصنعي السيارات، وهى مجموعة تضم كبرى شركات السيارات، على النساء لقب «محرك اقتصاد السيارات».
ولكن تأثير الرجال على السيارات ما زال قويا. فـ9 من كل 10 مندوبي مبيعات سيارات في التوكيلات هم من الرجال، وفقا للجمعية الوطنية لتجار السيارات، وتشكل النساء أقل من ثلث الحاضرين في معارض السيارات، وفقا لتحالف مصنعي السيارات.
وتقول مجموعات التركيز من النساء بشكل روتيني للقائمين على دراسات استطلاع الرأي، بأنهن يشعرن بأنه يساء فهمهن عن طريق التسويق للسيارات الحديثة الذي يعتمد على الشجاعة والرجولة. فقالت ميلودي لي، وهي مديرة استراتيجيات علامات تجارية وشهرة لدى شركة «كاديلاك»، لمجلة «آد إيج»: «تعتبر صناعة السيارات ناديا يقتصر على الرجال في كثير من النواحي».
في صناعة لا تحتل فيها النساء مناصب قيادية إلا بنسبة 3 في المائة فقط، بدأت النساء كذلك في الحصول على شهرة أكبر في أعلى مناصب شركات صناعة السيارات، يتصدرهن ماري بارا، التي أصبحت العام الماضي أول رئيسة تنفيذية لإحدى شركات تصنيع السيارات الكبرى، وأكبر شركة لصناعة السيارات في أميركا، وهي شركة «جنرال موتورز».
كما تتصدر النساء واحدة من أكبرى العلامات التجارية في الشاحنات (شركة رام، التي تولت فيها بيكي بلانشارد منصب المدير هذا الشهر)، ويشرفن على أكثر خطوط شاحنات من حيث المبيعات في أميركا الشمالية «فورد F - 150»، الذي تقوده المهندسة الرئيسية جاكي دي ماركو، التي بدأت عملها في شركة «فورد» في منصب مصممة محركات 3.8 لتر، ويعود إليهن الفضل في القيام بعمل أفضل تصاميم الشاحنات على مستوى العالم (فازت سيارة شيفروليه كولورادو، بقيادة المهندسة الرئيسية للمركبات أنيتا بيرك، بلقب شاحنة العام عن 2015 في استطلاع أجرته مجلة «موتور تريند»). وهناك أحد أفضل التصاميم تألقا في المعرض، «السوبر كار NSX» الرائعة من «أكورا»، وهي من تصميم ميشيل كريستنسن، أول مصممة للأجزاء الخارجية للسيارة بالشركة.
بعد عام من المبيعات القوية للسيارات، ركز معرض هذا العام إلى حد كبير على الأداء والرياضة والسيارات السوبر، ليبتعد عن التركيز خلال سنوات الركود على السيارات «السيدان» الصغيرة والمركبات الخضراء. ولكن قال محللون إنه «ينبغي على شركات صناعة السيارات، للحفاظ على هذا الزخم، الاهتمام بالمركبات التي تجتذب النساء بشكل أفضل، بما في ذلك السيارات الرياضية المدمجة متعددة الأغراض، التي تستحوذ حاليا على نسبة 12 في المائة من مبيعات السيارات في البلاد، وهو تقريبا حجم الحصة السوقية لشاحنات البيك - أب ذات الحجم الكامل».
على عكس الشاحنات، زاد حجم مبيعات سيارات الكروس أوفر بمعدل يقترب من 80 في المائة منذ عام 2007، وفقا لبيانات جمعها أليك جوتيريز، أحد كبار المحللين في «كيلي بلو بوك». وتظهر سجلات «آي إتش إس أوتوموتيف» أن أغلب عمليات تسجيل أعلى موديلات السيارات الرياضية متعددة الأغراض والكروس أوفر، مثل تويوتا RAV4، ونيسان روج، هي لأسماء سائقات من النساء. (في أغلب السيارات التي يهيمن عليها الرجال: فيراري فيراري إف 12 بيرلينيتا، وماكلارين MP4، سواء الفاخرة أو السوبر كار، كانت نسبة 94 في المائة من عمليات تسجيل السيارات بأسماء رجال).
ودفع هذا بعض أفضل الشركات الرئيسية في صناعة السيارات إلى توسيع دائرة تركيزها. قال الرئيس التنفيذي لشركة تيسلا، الملياردير إيلون ماسك في شهر يونيو (حزيران)، إن «شركة تصنيع السيارات التي تعمل بالكهرباء فقط ستقوم بإعطاء مزيد من الاهتمام لاحتياجات النساء في موديل الميني، فإن الرياضية Model X، ووصف السيارة السيدان الفاخرة موديل Model S، بأنها «تميل بشدة ناحية الرجال».
كما عقد المصممون بشركة «تسلا» اجتماعا مع لجنة من النساء في مقر الشركة في بالو ألتو، بكاليفورنيا، العام الماضي من أجل معرفة الجوانب التي جذبت إليها النساء أكثر في موديل Model X؛ حيث جاء أكثر من نصف طلبات الشراء حتى الآن من النساء، حسبما أفاد ماسك.
تخطت شركات صناعة السيارات الحدود إلى أنواع أخرى من أجل اجتذاب قطاع أوسع من العملاء، فكشفت شركة «جاغوار»، المشهورة بتصنيع السيارات الفاخرة، النقاب عن سيارة ذات أداء كروس أوفر أطلقت عليها اسم جاغوار إف - بيس. وذكرت شركة «بنتلي» أنها تدرس إنتاج نسخة مصغرة من سيارات رياضية متعددة الأغراض أطلقت عليها اسم بينتايغا، لاجتذاب المشتريات من النساء والمشترين الأصغر سنا. وغالبا ما ينظر إلى العميلات باعتبارهن نساء يعشن في المناطق الحضرية ولديهن قوة شرائية وحاجة للتنقل والسفر في مسافات بين الحين والآخر.
كان أحد مسؤولي شركة «نيسان» قد أشار خلال الصيف الماضي إلى أن النساء يتخذن القرار النهائي في أكثر من 60 في المائة من عمليات شراء السيارات الجديدة. ويعتبر الوصول إلى الشابات أكثر أهمية بالنسبة لشركات صناعة السيارات التي تتطلع للحصول على سائقين مدى العمر: ذكر 64 في المائة من النساء اللاتي تتراوح أعمارهن بين 22 و30 عاما أنهن اشترين سيارة أو شاحنة، مقارنة بنسبة 44 في المائة من رجال الألفية، حسب دراسة مسحية قومية أجرتها شركة «كابسترات للاتصالات» عام 2011.
وذكرت شركة «هيونداي» عند الإعلان عن موديل سانتا كروز، وهي شاحنة تعتبر مزيجا من الكروس أوفر والبيك - أب، إن أعمار الألفية، والنساء على وجه التحديد، يساعدون على قيادة الدفع باتجاه إجراء تغييرات على أحدث موديلاتها. وقال مارك ديبكو، مدير شركة «هيونداي موتور أميركا»: «نحن نطلق على الأشخاص الذين يقودون هذا التحول (مغامرو المناطق الحضرية). فهم يتمتعون بعقلية مختلفة».
أدى التوسع إلى ما هو أبعد من الجمهور التقليدي من الرجال إلى إضافة لمسات هامة، مثل خفض درجات سلم الصعود للشاحنات والسيارات الرياضية متعددة الأغراض، حسبما أفاد مدير تصميم لينكولن يوم الاثنين الماضي، وتم إعادة تصميم باب صندوق السيارة ليكون سهل الاستخدام لكل من الرجال والنساء.
بعد الانتهاء من التصاميم، جربت شركات صناعة السيارات طرقا مختلفة لاستمرار جذب عميلاتها من النساء. فعقدت شركة «بويك» شراكة مع شركة «فود نيتويرك» تقضي بعرض السيارات في مهرجانات الطعام والنبيذ. وأطلقت شركة «فورد» سحبا على جوائز مع شركة تأجير الملابس «رينت ذا راناواي».
وما زال التسويق المخصص للنساء ينطوي على خطر مخاطبة جمهور متنوع بشدة. أشار محللون إلى أن فقدان الدليل قد يجعل العلامة التجارية تقوم بتصنيف أكثر من مائة مليون سائقة في أميركا على أنهن أمهات رياضيات يفضلن سيارات الميني فان، أو ما هو أسوأ. فالجهود التي تبذلها شركات صناعة السيارات للفوز بالنساء تعكس معركتها التسويقية للحصول على السائقين الشباب، الذين قال محللون إنهم يتحدثون عندما يجري الحديث معهم، ويتراجعون نتيجة لذلك. قال نيكول يلاند المتحدث باسم «أوتو تريدر»: «لديهم مقياس قوي لقياس الأشياء التفاهة. فهم لا يفضلون التسويق إليهم، لأنه بإمكانهم رفض ذلك. فهو شعور كاذب، وهم يريدون شيئا حقيقيا وأصيلا».
الانتصار يمكن أن يثبت أن الأمر يستحق مثل هذا العناء. بدلا من أن تجعل إعلاناتها التجارية تعرض سائقين يؤيدون ركوب سياراتها ويقودون بسرعة سيارات رياضية أو يخترقون سفوح الجبال، صممت شركة «سوبارو» إعلاناتها على أشكال قلوب وجزء من قصص واقعية كجزء من حملة «الحب». في أحد الإعلانات، مثلا، يتخيل الأب ابنته كطفلة جالسة في مقعد قيادة السيارة.
قال محللون إنها قصص تحرك مشاعر الجنسين، ونجحت بالفعل في ذلك. خلال السنوات الخمس من بدء الإعلانات، في عام 2008، زادت المبيعات في الولايات المتحدة بنسبة الضعف. وشهدت شركة «سوبارو» 6 سنوات متتالية من المبيعات القياسية، وزادت العام الماضي حصتها في السوق الأميركي إلى ما يقرب من 4 في المائة، وهو مستوى قياسي.
حتى إمبراطورية الشاحنات الأميركية، التي ظلت لفترة طويلة تعرض إعلاناتها بفحولة رعاة البقر أو الأرصفة، اتسعت لتتوجه إلى شريحة خارج شريحة الرجال، الذين اشتروا 85 في المائة من الشاحنات التي تم بيعها على مستوى البلاد خلال الـ9 أشهر الأولى من عام 2014، حسب بيانات «آي إتش إس أوتوموتيف».
في شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، أعلنت شركة «دودج رام» أن نجمة موسيقى الريف ميراندا لامبرت، التي أطلقت عليها اسم «سيدة الشاحنات في كل مكان» ستكون المتحدثة الرسمية باسم العلامة التجارية الجديدة، الدودج الرام 1500 لارامي التي تتميز بزخارف براقة في المقاعد الجلدية.
يشهد عالم الشاحنات جمهورا متزايدا بين النساء، بشكل يتجاوز العملاء التقليديين: مشترون يتجاوزون السيارة الميني فان التقليدية أو السيارات الرياضية متعددة الأغراض للحصول على شاحنة ذات كابينة مخصصة لطاقم ولها 4 أبواب مع مقاعد خلفية فسيحة. كانت أغلب سيارات رام التي بيعت العام الماضي شاحنات بكابينة لها 4 أبواب، ذات ديكور داخلي ومرافق سلسة تناسب بشكل أفضل طريق الضواحي أكثر من مواقع البناء.
وقال محللون إن «آخر شيء يرغب فيه كثير من النساء، هو الاستهانة بهن في معرض السيارات في الإعلانات الوطنية». وقال ميشيل كريبس، كبير محللي «أوتو تريدي»: «لم ينجح التسويق الموجه للنساء فقط أبدا. لقد شاهدنا إعلانات بسيارات وردية ومظلات وأصحاب أموال قليلة. لا أحبذ أبدا أن يتم تخصيصي. أعطني فقط دعاية جيدة بالفعل، وسيارات جيدة بالفعل».
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



شبح «رد الرسوم» يهدد الموازنة الأميركية ويربك السندات

العلم الأميركي يرفرف فوق مدخل بورصة نيويورك (أ.ب)
العلم الأميركي يرفرف فوق مدخل بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

شبح «رد الرسوم» يهدد الموازنة الأميركية ويربك السندات

العلم الأميركي يرفرف فوق مدخل بورصة نيويورك (أ.ب)
العلم الأميركي يرفرف فوق مدخل بورصة نيويورك (أ.ب)

لم يكن قرار المحكمة العليا الأميركية بإلغاء الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب مصدر ارتياح للأسواق؛ بل أدى إلى ظهور مخاطر جديدة وحالة متجددة من عدم اليقين حول السياسة التجارية، والدَّين العام الأميركي، ومستقبل الدولار.

ولم تصدر المحكمة أي قرار بشأن ردّ الرسوم، ما يبقي الباب مفتوحاً أمام احتمال وجود عجز مالي يُقدّر بنحو 170 مليار دولار. وقد أثارت مساعي ترمب لفرض رسوم بديلة استياءً في أوروبا، وزادت من الغموض حول السياسة التجارية الأميركية، وفق «رويترز».

المحكمة العليا الأميركية في واشنطن (رويترز)

وانخفض الدولار يوم الاثنين في أسواق آسيا، ولا سيما مقابل الملاذات الآمنة مثل الفرنك السويسري والين الياباني، بينما واجهت سندات الخزانة حيرة في أسواق تحاول تقييم المخاطر المالية وفهم تداعياتها على التضخم. ويبدو أن الاستنتاج الأوضح هو أن التعريفات الجمركية البديلة التي أعلنها ترمب أقل حدة، ما قد يخفف الضغط على الأسعار على المدى القصير، إلا أن المحكمة قلصت سلطاته، لتبقى العواقب الاقتصادية للأسواق غير قابلة للتنبؤ.

وقال محللو بنك «آي إن جي» في مذكرة: «عاد الغموض. ونظراً للتهديدات الأخيرة من القادة الأوروبيين، فإن خطر التصعيد أعلى مما كان عليه قبل عام».

سندات الخزانة تواجه تحديات

يمثل أحد المخاطر المرتبطة بسندات الخزانة احتمال المطالبة القضائية باسترداد الرسوم، وهو ما يُتوقع أن يستغرق شهوراً في المحاكم الأدنى. وتشير التقديرات إلى أن الإيرادات التي جُمعت من الرسوم حتى الآن تتجاوز 175 مليار دولار، وهو جزء صغير من إجمالي الإيرادات المتوقعة البالغ أكثر من 5 تريليونات دولار، ولكنه يكفي لزيادة المخاطر التمويلية.

وقال دان سيلوك، رئيس قسم السيولة قصيرة الأجل العالمية في شركة «جانوس هندرسون»: «في حال استرداد الرسوم، سيزداد حجم إصدار الديون، ما قد يؤدي إلى تفاقم الضغوط على المدى الطويل؛ خصوصاً إذا تزامن إصدار السندات مع احتياجات الاقتراض المرتفعة واستمرار سياسة التشديد الكمي».

موظف في مكتب صرافة يعد أوراق الدولار الأميركي في مدينة سيوداد خواريز بالمكسيك (رويترز)

وارتفعت عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات بشكل طفيف إلى 4.1 في المائة يوم الجمعة، ولكنها تراجعت عن ذروتها التي تجاوزت 4.5 في المائة في منتصف عام 2025، بالتزامن مع مؤشرات تباطؤ التضخم، وتوقعات بخفض أسعار الفائدة من قبل «الاحتياطي الفيدرالي». كما ازداد انحدار منحنى العائد نتيجة انخفاض عوائد السندات قصيرة الأجل.

وقال ألبرتو كونكا، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «إل إف جي + زيست» في لوغانو بسويسرا: «تركز الأسواق حالياً على التأثير قصير الأجل؛ خصوصاً انخفاض التضخم، وتسارع وتيرة خفض أسعار الفائدة»، مضيفاً أن هذا التركيز قصير النظر؛ إذ يزيد من عجز مالي هائل، ومن المتوقع أن تشهد منحنيات العائد تقلبات أكبر نظراً لعدم استقرار المالية الأميركية.

عدم اليقين بشأن الإيرادات

قدَّر مكتب الموازنة في الكونغرس أن تعريفات ترمب الجمركية كانت ستدرّ نحو 300 مليار دولار سنوياً على مدى العقد المقبل. وفي الوقت نفسه، تستمر التعريفة البديلة بنسبة 15 في المائة لمدة 150 يوماً فقط، دون وضوح حول الموعد أو على من ستُفرض، في حين كانت بعض الدول مثل بريطانيا وأستراليا تتمتع سابقاً بتعريفات 10 في المائة، بينما كان لدى كثير من الدول الآسيوية معدلات أعلى.

وأشار جين غولدمان، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «سيتيرا» لإدارة الاستثمار، إلى أن السوق تركز على احتمال زيادة إصدارات السندات إذا اضطرت الحكومة لاسترداد الأموال أو تمويل مشاريع تحفيزية إضافية.

ويعتقد محللو «مورغان ستانلي» أن سوق الدَّين قد لا تتأثر كثيراً بالعجز المالي، نظراً لأن إدارة ترمب ستجد بدائل للرسوم الجمركية، وأن أي تمويل محتمل سيكون عبر سندات خزانة قصيرة الأجل، كما أنه من غير المرجح أن تحقق الإدارة هدف منح كل أميركي شيكاً بقيمة ألفَي دولار من عائدات الرسوم، الأمر الذي كان سيزيد الضغوط التضخمية.

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

التضخم في بؤرة الاهتمام

ويستمر عدم اليقين في التأثير على الأسواق؛ حيث واصل الدولار خسائره، منخفضاً نحو 0.4 في المائة مقابل اليورو، يوم الاثنين، ليبلغ تراجعاً قيمته نحو 12 في المائة منذ بداية ولاية ترمب الثانية في أوائل عام 2025.

وقال إيدي غابور، الرئيس التنفيذي لشركة «كي أدفايزرز» لإدارة الثروات في ديلاوير: «عندما تتوفر هذه السيولة الكبيرة ويتم خفض الرسوم الجمركية، فإن ذلك يحفز النمو ويؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة». وأضاف: «قد يؤدي ذلك أيضاً إلى تسارع التضخم في الأشهر المقبلة، وأعتقد أن سوق السندات تستشعر هذا التأثير».


قرار المحكمة العليا: الصين والهند أكثر الرابحين... وبريطانيا تدفع الثمن

عمال على خط إنتاج شركة «Kids2» الأميركية لتصنيع منتجات وألعاب الأطفال في مصنع بمدينة جيوجيانغ الصينية (رويترز)
عمال على خط إنتاج شركة «Kids2» الأميركية لتصنيع منتجات وألعاب الأطفال في مصنع بمدينة جيوجيانغ الصينية (رويترز)
TT

قرار المحكمة العليا: الصين والهند أكثر الرابحين... وبريطانيا تدفع الثمن

عمال على خط إنتاج شركة «Kids2» الأميركية لتصنيع منتجات وألعاب الأطفال في مصنع بمدينة جيوجيانغ الصينية (رويترز)
عمال على خط إنتاج شركة «Kids2» الأميركية لتصنيع منتجات وألعاب الأطفال في مصنع بمدينة جيوجيانغ الصينية (رويترز)

شهد الاقتصاد العالمي تحولاً دراماتيكياً وضع الهند والصين في قائمة أكبر الرابحين من قرار المحكمة العليا الأميركية إبطال الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب، بينما برزت بريطانيا كأكبر خاسر نتيجة إعادة ضبط النظام الجمركي الأميركي.

ويأتي هذا التحول ليقلب موازين القوى التجارية رأساً على عقب؛ حيث وجدت الدول التي كانت هدفاً رئيسياً لترمب نفسها في وضع تنافسي أفضل، في حين تضررت الدول التي كانت تتمتع باتفاقيات تفضيلية سابقة.

ويعود هذا التفوق المفاجئ للهند والصين إلى انخفاض معدلات الرسوم الفعلية عليهما بشكل ملحوظ؛ فبالنسبة للهند، تراجعت الرسوم من مستويات قياسية كانت قد وصلت إلى 50 في المائة قبل أن تنخفض إلى 25 في المائة في أوائل فبراير (شباط)، ثم تلتها تخفيضات أخرى إلى 18 في المائة وعدت بها واشنطن، بعدما أبرم رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي وترمب اتفاقية تجارية. مباشرة، بعد قرار يوم الجمعة، انخفضت الرسوم إلى 10 في المائة، ثم ارتفعت إلى 15 في المائة يوم السبت، وهو معدل يتجاوز في إيجابيته ما كان مقرراً في الإطار الثنائي السابق.

أما الصين، فقد توقع اقتصاديو «مورغان ستانلي» انخفاض متوسط الرسوم من 32 في المائة إلى 24 في المائة، مستفيدة بشكل إضافي من إلغاء رسوم «الفنتانيل» التي أبطلها القضاء، مما منح صادراتها نفَساً جديداً في الأسواق الأميركية، رغم محاولات الإدارة الحفاظ على سياسة التضييق عبر مسارات قانونية أخرى.

ومن جانبها، أشارت تقديرات «بلومبرغ» إلى أن فرض معدل عالمي بنسبة 15 في المائة سيؤدي في المحصلة إلى متوسط رسوم فعالة يبلغ نحو 12 في المائة، وهو المستوى الأدنى منذ بدء تطبيق رسوم «يوم التحرير» في أبريل (نيسان) الماضي، مما يعيد تشكيل قواعد اللعبة لشركاء أميركا التجاريين.

وفي المقابل، واجهت بريطانيا صدمة اقتصادية قوية جعلتها الخاسر الأكبر في هذه المعادلة الجديدة. فبينما كانت لندن تستفيد من معدل تفضيلي بنسبة 10 في المائة، جاء توحيد الرسوم العالمية عند 15 في المائة ليرفع التكاليف على الشركات البريطانية بشكل مفاجئ، وهو ما قد يكلف قطاع الصادرات نحو 4 مليارات دولار، ويهدد مصالح 40 ألف شركة بريطانية.

ويسعى المسؤولون البريطانيون حالياً بشكل عاجل لإقناع الإدارة الأميركية باستثناء بريطانيا من هذه الزيادة.

ولم تكن أوروبا وأستراليا بمنأى عن هذه الأضرار؛ حيث واجهت دول مثل إيطاليا وسنغافورة زيادات مماثلة، مما دفع الاتحاد الأوروبي للمطالبة بصرامة باحترام الاتفاقيات السابقة، ملوحاً بتجميد المسارات التشريعية لأي اتفاقيات تجارية جديدة مع واشنطن، حتى تتضح الرؤية القانونية والالتزامات الأميركية.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، أعلنت وزارة التجارة الصينية أنها تُجري تقييماً شاملاً لتبعات هذا الحكم القضائي، داعية واشنطن بلهجة حازمة إلى إلغاء كافة التدابير الأحادية التي تنتهك قواعد التجارة الدولية. وحذرت بكين من محاولات إدارة ترمب الالتفاف على قرار المحكمة عبر إطلاق تحقيقات تجارية قطاعية بديلة، مؤكدة أنها ستدافع عن مصالحها الوطنية بكل قوة؛ خصوصاً أن هذه التوترات تتزامن مع التحضيرات لقمة مرتقبة بين الرئيسين ترمب وشي جينبينغ في نهاية مارس (آذار) المقبل، والتي كانت تهدف في الأصل لتهدئة الصراعات التجارية.

وعملياً، بدأت الوكالات الأميركية المعنية بالامتثال للواقع القانوني الجديد؛ حيث أكدت وكالة الجمارك وحماية الحدود أنها ستتوقف عن تحصيل الرسوم التي أُعلنت غير قانونية بدءاً من فجر الثلاثاء، مع تعطيل كافة الرموز التعريفية المرتبطة بقانون الطوارئ.

هذا التوقف يفتح الباب أمام مطالبات استرداد ضخمة قد تصل إلى 175 مليار دولار من خزينة الولايات المتحدة.

وفي ظل هذا الارتباك الاقتصادي، بدأت الأسواق العالمية تتفاعل بحذر؛ حيث تراجع الدولار وانتعشت الأسهم الصينية، بينما تعالت الأصوات المطالبة بأن يكون هذا الضغط الاقتصادي دافعاً لتعجيل مسارات انتهاء الحرب في أوكرانيا، وتقليل الأعباء المالية التي تثقل كاهل الاقتصاد العالمي المنهك.


ضبابية الرسوم تعود من جديد... والشركات عالقة في «دوامة التخطيط»

دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض بعد حكم المحكمة العليا بإلغاء رسومه الجمركية يوم 20 فبراير 2026 (رويترز)
دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض بعد حكم المحكمة العليا بإلغاء رسومه الجمركية يوم 20 فبراير 2026 (رويترز)
TT

ضبابية الرسوم تعود من جديد... والشركات عالقة في «دوامة التخطيط»

دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض بعد حكم المحكمة العليا بإلغاء رسومه الجمركية يوم 20 فبراير 2026 (رويترز)
دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض بعد حكم المحكمة العليا بإلغاء رسومه الجمركية يوم 20 فبراير 2026 (رويترز)

مع استمرار الغموض بشأن معدلات الرسوم الجمركية الأميركية، عاد عدم اليقين ليخيّم مجدداً على المشهد الاقتصادي. فبعد أن بدأ مسؤولون أميركيون وأجانب، إلى جانب مديري الشركات والمحللين والمستثمرين، يأملون بانتهاء التقلبات الحادة في السياسة التجارية الأميركية التي ميّزت العام الماضي، أعاد قرار المحكمة العليا الأميركية الأسبوع الماضي خلط الأوراق؛ إذ أبطل الحكم أجزاءً رئيسية من خطط الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجمركية، قبل أن يقترح الأخير فرض رسوم كبيرة في محاولة للالتفاف على القرار.

مشهد ضبابي من جديد

في صورة تُذكّر بالأشهر الأولى من عام 2025، حين كانت مقترحات الرسوم الجمركية تتبدل بصورة مفاجئة، عادت التساؤلات بشأن السلع الخاضعة للضريبة، ونسب الرسوم، والدول المستهدفة. وتجد الشركات التي اعتقد كثير منها أنه توصّل إلى صيغة عملية للتعامل مع الرسوم المرتفعة، نفسها مضطرة لإعادة تقييم خطط التسعير، وربما الإسراع في إعادة تكوين المخزونات، أو حتى تأجيل قرارات التوظيف والاستثمار إلى حين اتضاح الرؤية.

وفي هذا السياق، قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، في مقابلة مع برنامج «واجه الأمة» على شبكة «سي بي إس»، إن أي اضطراب في القواعد التي اعتاد عليها العاملون في التجارة سيؤدي إلى اختلالات واسعة. وأضافت: «من المهم معرفة قواعد الطريق قبل ركوب السيارة، والأمر نفسه ينطبق على التجارة والاستثمار»، مشيرة إلى أن مجتمع الأعمال لا يرغب في الانخراط في نزاعات قضائية؛ بل في وضوح تنظيمي مستقر. وأعربت عن أملها في أن تكون أي خطط أميركية جديدة «مدروسة بعناية ومتوافقة مع الدستور».

كريستين لاغارد خلال اليوم الأخير من مؤتمر ميونيخ للأمن في ميونيخ بألمانيا يوم 15 فبراير 2026 (رويترز)

وكانت المحكمة العليا قد أبطلت -بأغلبية 6 قضاة مقابل ثلاثة- معظم الرسوم التي فرضها ترمب العام الماضي، معتبرة أن قانون الطوارئ الذي استند إليه لا يمنحه صلاحية فرض تلك التعريفات. وردَّ ترمب باستخدام قانون مختلف، معلناً أولاً عن تعريفة عالمية بنسبة 10 في المائة، قبل أن يرفعها إلى 15 في المائة، على أن تستمر لمدة تصل إلى 5 أشهر ريثما تبحث الإدارة عن بدائل أكثر ديمومة.

أشعة الشمس الصباحية تضرب مبنى المحكمة العليا الأميركية في واشنطن (رويترز)

تخطيط شبه مستحيل

وقال غريغوري داكو، كبير الاقتصاديين في شركة «إرنست آند يونغ- بارثينون»، إن حالة عدم اليقين لم تغب فعلياً حتى خلال الفترات التي بدت فيها الأمور أكثر استقراراً. وأضاف: «شهدنا تقلبات حادة حسب الدولة والمنتج. الوضع لا يزال غير مستقر إلى حد بعيد، ما يجعل التخطيط شبه مستحيل». وأوضح أن الشركات تواجه قرارات متقلبة: «تسمع أن الرسوم أُلغيت فتفكر في استرداد التكاليف، ثم تُفرض بنسبة 10 في المائة بعد ساعات، وترتفع إلى 15 في المائة في اليوم التالي... غياب إطار مستقر يضر بالنشاط الاقتصادي والتوظيف والاستثمار».

الفيدرالي واليقين الغائب

كان هناك اعتقاد متزايد بأن الضبابية التي طبعت عام 2025 بدأت تنحسر؛ بل إن صانعي السياسات في مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» أبدوا ارتياحاً إلى أن أثر الرسوم الجمركية على التضخم قد يكون في طريقه إلى التراجع.

غير أن التطورات الأخيرة أعادت المشهد إلى حالة من السيولة العالية؛ إذ تدرس الإدارة استراتيجيات جمركية بديلة قد تستغرق شهوراً للتنفيذ، مع احتمال الطعن بها قانونياً في كل مرحلة. وقد تنخفض معدلات ضريبة الاستيراد مؤقتاً، ولكنها قد تعود للارتفاع في إطار محاولات لإعادة فرض الرسوم الملغاة عبر مسارات قانونية مختلفة، ربما تتطلب تحقيقات مستقلة أو إجراءات من الكونغرس.

وأشار القاضي نيل غورسوش، في رأيه المؤيد للأغلبية، إلى أهمية الضمانات الإجرائية في ترسيخ سياسة مستقرة، موضحاً أن المقترحات التي تمر عبر العملية التشريعية وتحظى بدعم واسع «تميل إلى الاستمرار، ما يتيح للأفراد والشركات تخطيط حياتهم وأنشطتهم، على عكس القواعد التي تتغير يومياً».

عامل يسير داخل مصنع شركة «ذا لوكشري بيرغولا» المتخصصة في تصنيع البرغولات الألومنيوم في نوبلزفيل بإنديانا (أ.ب)

تفاؤل حذر رغم الضبابية

تأتي هذه التطورات في وقت يسوده قدر من التفاؤل بشأن الاقتصاد الأميركي. ففي استطلاع أجرته الرابطة الوطنية لاقتصاديات الأعمال، أفاد نحو 60 في المائة من الاقتصاديين بأنهم لا يتوقعون حدوث ركود خلال العام المقبل، مقارنة بـ44 في المائة في أغسطس (آب). كما رأى 74 في المائة منهم أن انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى زيادة معتدلة على الأقل في نمو الإنتاجية خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، وهو تحول قد يعزز قدرة الاقتصاد الأميركي على النمو.

من جانبه، كتب برنارد ياروس، كبير الاقتصاديين الأميركيين في مؤسسة «أكسفورد إيكونوميكس»، أن موجة عدم اليقين الجديدة قد لا تغيّر المسار العام للنمو، ولكنها قد تؤثر سلباً في الأشهر المقبلة. وقدّر أن معدل التعريفة الفعلي سينخفض من 12.7 في المائة إلى 8.3 في المائة بعد استبعاد الرسوم التي أبطلتها المحكمة، مع بقاء احتمال تطبيق تعريفة 15 في المائة الجديدة على نطاق واسع، ولو لفترة مؤقتة.

وأضاف أن أي دفعة قصيرة الأجل للنمو نتيجة خفض الرسوم «من المرجح أن يقابلها جزئياً استمرار حالة عدم اليقين». وحتى إذا نجحت الإدارة في إعادة فرض مستوى إجمالي مماثل من الرسوم عبر أدوات أخرى، فإن التأثيرات القطاعية والجغرافية قد تختلف جذرياً، ما يخلق موجة جديدة من الضبابية للشركات والمستثمرين والأسر على حد سواء.