15 فيلماً عالمياً في عنق زجاجة الأوسكار

السودان غاب... وتونس الترشيح العربي الوحيد

من الفيلم التونسي «الرجل الذي باع ظهره»
من الفيلم التونسي «الرجل الذي باع ظهره»
TT

15 فيلماً عالمياً في عنق زجاجة الأوسكار

من الفيلم التونسي «الرجل الذي باع ظهره»
من الفيلم التونسي «الرجل الذي باع ظهره»

أعلنت أكاديمية العلوم والفنون السينمائية قائمتها القصيرة من الأفلام التي اختيرت للتنافس على جائزة أفضل فيلم عالمي (أجنبي، كما كان اسمه). هي المرحلة الثانية من الترشيحات. الأولى ما بعثت به الدول ومؤسساتها من أفلام التي يزيد عددها كل عام عن 75 فيلماً يزيد حيناً ويبقى ضمن هذا المعدل أحياناً.
هذه المرحلة الثانية تؤدي إلى مرحلة ثالثة وهي اختيار الأفلام الخمسة التي ستدخل السباق فيما بينها تمهيداً للمرحلة الأخيرة وهي إعلان الفيلم الفائز في حفلة الأوسكار الثالث والتسعين المقبلة.
هذا هو المنوال في كل سنة منذ العديد من الأعوام. المختلف هذه المرّة أن «القائمة القصيرة» تتألّف، وللمرّة الأولى، من خمسة عشر فيلماً وليس تسعة أفلام كما في غالب السنوات السابقة (في بعضها بلغ عدد الأفلام في هذه الفئة عشرة).
يعكس هذا أكثر من مجرد اهتمام بالسينما الناطقة بلغات أجنبية. يعكس وفرة الأفلام التي استحقت الترشيح ويعكس رغبة الأكاديمية في الاعتراف بعالمية السينما ومصادرها المتنوّعة ويعكس أيضاً نمو الصناعة السينمائية (المحاصرة اليوم بمشاكل خلقتها ظروف الوباء) إلى أفق جديد لم يتوفر من ذي قبل.
‫مسابقة «أفضل فيلم بلغة أجنبية» أسست رسمياً سنة 1957. الدول التي تنافست على أوسكار هذه المسابقة كانت خمسة (لم يكن هناك، ولعشرات السنين بعد ذلك التاريخ، ما يُعرف بالقائمة القصيرة) هي اليابان («الفيتارة البرموزية») لكن إتشيكاوا وألمانيا («كابتن كوبينيك» لهلموت كوتنر) والدنمارك («كيفيتوك» لإريك بولينغ) وفرنسا («جيرفيز» لرينيه كليمان) وإيطاليا («لا سترادا» لفديريكو فيلليني). وهذا الأخير هو الذي فاز بالأوسكار الأول في هذا التقليد.‬
قبل ذلك العام جرت العادة توزيع جوائز شرفية لأفلام وشخصيات بعضها عالمي. كانت مستحقة في معظم السنوات، لكنها بدت عشوائية وبالتأكيد غير منظمة في منهجها.
منذ عام 1957 داومت الأكاديمية الاهتمام بالسينمات العالمية لكن الترشيحات لم تكن ذات تنوّع كبير. كما الحال في الأفلام المذكورة أعلاه غلب على الترشيحات الرسمية لهذه الجائزة الأفلام القادمة من القارة الأوروبية (الغربية آنذاك بعدما تم تقسيم القارة سياسياً إلى شرق وغرب).
وصول عدد الأفلام في القائمة القصيرة إلى الرقم 15 خطوة تعزز أهمية الأفلام العالمية بالنسبة للأوسكار كما تعزز الأوسكار بالنسبة للدول العالمية. هذا الاهتمام المتبادل والاعتراف بقيمة الأعمال الناطقة بلغات بلدانها، قد يكون تمهيداً لانتقال الترشيحات الرسمية (المرحلة التالية) من خمسة أفلام فقط إلى تسعة كما حال أوسكارات الأفلام الناطقة بالإنجليزية.

- الترشيح
ما يلفت الاهتمام الجاد هنا هو أن سبعة من أفلام القائمة أتت من دول أوروبية. الثماني الأخرى خارج أوروبا. تلك الأوروبية تتكوّن من بوسنيا («كيو فاديس، عايدة»)، جمهورية التشيك («شارلاتان»)، الدنمارك («دورة أخرى»)، روسيا («الرفاق الأعزاء»)، فرنسا («كلانا»)، نورواي («أمل»)، رومانيا («جَمَعي» Collective).
أما الدول غير الأوروبية فهي تونس («الرجل الذي باع ظهره»)، تشيلي («العميل الجاسوس»)، غواتيمالا («لا لورونا»)، هونغ كونغ («أيام أفضل»)، ساحل العاج («ليلة الملوك»)، تايوان («شمس»)، إيران («أطفال الشمس») والمكسيك («لم أعد هنا»).
وصول تونس وغواتيمالا إلى هذه القائمة يتم للمرّة الأولى. بالنسبة لفيلم كوثر بن هنية «الرجل الذي باع ظهره» (العنوان الإنجليزي للفيلم «الرجل الذي باع جلده») الشامل على عدّة مواضيع ضمن سياق قصّته، فإنها المرّة السابعة التي تتقدّم فيها تونس للاشتراك في سباق أفضل فيلم عالمي. أما غواتيمالا فهذه مرّتها الثالثة التي ترسل فيها فيلماً للترشيحات. كما عرضناه سابقاً فإن فيلمها «لا لورونا» حدث رائع على صعيد السينما كفن، لجانب أن موضوعه يلقي نظرة جديدة على الديكتاتوريات اللاتينية.
خمسة من الأفلام الخمسة عشر هي من إخراج نسائي بينها «الرجل الذي باع ظهره»). واثنان من هذه الأفلام تسجيليان («جَمَعي» لإلكسندر ناناو و«العميل الجاسوس» لميتي ألبردي).
ثلاثة أفلام من هذه المذكورة في القائمتين الأوروبية وغير الأوروبية تم ترشيحها قبل نحو أسبوع لجوائز غولدن غلوبز وهي الفرنسي «كلانا» والغواتيمالي «لا لورونا» والدنماركي «دورة ثانية» لكن قوّة هذه الأفلام الثلاثة وجودتها لم تكن ستغيب عن اهتمام اللجنة الأكاديمية التي توصّلت للأفلام الخمسة عشر.
إلى حد كبير كان الأمر مخيباً للآمال بالنسبة لصانعي (وموزّعي) الفيلم السوداني «ستموت في العشرين».
فيلم أمجد أبو العلا الإنساني الذي يفوح بنسيم من الواقعية الشعرية حظي بإعجاب النقاد على نحو واسع وعلى عشرة جوائز مختلفة من عشر مهرجانات (بينها فريبورغ (الجائزة الكبرى) ومالمو للسينما العربية (أفضل مخرج) وأيام قرطاج السينمائية (أفضل سيناريو) وعلى النجمة الذهبية (مهرجان الجونة) كما على جائزة مهرجان هامبورغ للإنتاج بين أخرى.
هل هناك طريقة لفهم سبب فوز الترشيح التونسي المتمثّل بفيلم «الرجل الذي باع جلده» وعدم فوز «ستموت في العشرين»؟ على المرء أن يسأل كل فرد في لجنة الترشيحات، كلاهما جيد لكن الفيلم التونسي يتميّز بلمعة أوروبية وبتمويل عالٍ، بينما يواكب الفيلم السوداني إطاره المحلي بميزانية محدودة. هذا فارق ملحوظ لكنه لا يجب أن يؤدي إلى فهم سبب التفضيل.
نلحظ غياب الفيلمين معاً في ترشيحات سيزار الفرنسية (أعلنت قبل أيام قليلة بدورها). قائمة «أفضل فيلم أجنبي» تحتوي على أفلام ناطقة بالإنجليزية. كون المسابقة فرنسية، ونلحظ أن أربعة منها أوروبية المنشأ وهي بريطانيا («1917» لسام منديس ولو أن الفيلم ارتبط بتمويل أميركي أيضاً) وبولندا («كوربوس كريستي» ليان كوماسا، الذي ينعى الأخلاقيات والمبادئ الدينية المختلفة) والدنمارك («دورة أخرى» الفيلم الوحيد في القائمة الذي يظهر في القائمة الأميركية) وإسبانيا («عذراء أغسطس» ليوناس ترويبا). الفيلم غير الأوروبي الوحيد هو «مياه داكنة» لتود فيليبس (الولايات المتحدة).
طبعاً الغياب لف بجناحه أفلاماً أخرى مهمّة توسلت الوصول إلى هذه القائمة (على الأقل) بينها الفيلم البولندي «كوربوس كريستي». من بين الأفلام التي نالت رعاية نقدية عالية ولم تتمخض عن دخول لائحة الأوسكار فيلم ناوومي كواسي «أمهات حقيقيات»… لكن إذا ما كنا نريد أن نكون واقعيين فإن فيلم هذه المخرجة اليابانية ليس من بين أعمالها المشهودة حقاً.
جوائز الأوسكار بحد ذاتها أكثر طموحاً في تغطية نتاجات العالم، وهذا سبب مهم للتنبؤ بأن عدد الأفلام التي ستخرج من أنبوب الاختبار الحالي إلى الترشيحات الرسمية سيرتفع إلى أكثر من خمسة أفلام كما هو الحال الراهن. إن لم يكن هذا العام فبالتأكيد قبل بلوغ الأوسكار عامه الـ100 بعد سبع سنوات.


مقالات ذات صلة

حسن هادي: «مملكة القصب» كوميديا سوداء من ذاكرة الحصار

يوميات الشرق لقطة من فيلم «مملكة القصب» (مؤسَّسة الدوحة للأفلام)

حسن هادي: «مملكة القصب» كوميديا سوداء من ذاكرة الحصار

أكد حسن هادي أنَّ الفيلم حاول عكس صورة المجتمع خلال التسعينات، بسبب الحصار والعقوبات المفروضة.

داليا ماهر (الدوحة)
يوميات الشرق الفنان محمد بكري في لقطة مع أسرته من فيلم «اللي باقي منك» (الشركة المنتجة)

كيف تمكنت 4 أفلام عربية من الوصول لقائمة الأوسكار المختصرة؟

لعلها المرة الأولى التي تنجح فيها 4 أفلام عربية في الوصول لـ«القائمة المختصرة» بترشيحات الأوسكار لأفضل فيلم دولي، وهو ما اعتبره سينمائيون عرب إنجازاً كبيراً.

انتصار دردير (القاهرة )
ثقافة وفنون خلال عرض فيلم «البحر» في تل أبيب (رويترز)

فيلم إسرائيلي مرشح للأوسكار يثير تعاطفاً مع الفلسطينيين ويزعج الحكومة

يأمل مخرج فيلم إسرائيلي مرشح لجوائز الأوسكار لعام 2026 ويجسد رحلة فتى فلسطيني يسعى لرؤية البحر أن يسهم العمل السينمائي في إيقاظ التعاطف داخل إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
سينما «الأمل والألم» (أبوت فيلمز)

الأفلام العربية في ميزان سباق الأوسكار

في اليوم الأول من الشهر الحالي توقّفت «أكاديمية العلوم والفنون السينمائية» عن استقبال وقبول الأفلام الأجنبية المشاركة في سباق أوسكار «أفضل فيلم عالمي».

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق نيللي كريم في مشهد من الفيلم - مهرجان الجونة

«عيد ميلاد سعيد»... نقد اجتماعي للتمييز الطبقي في مصر

الفيلم الذي يمثّل أولى التجارب الإخراجية لسارة جوهر عُرض للمرة الأولى في مهرجان «تريبيكا السينمائي» بالولايات المتحدة الأميركية، وحصد 3 جوائز.

أحمد عدلي (القاهرة )

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز