أصغر فرهادي... عن أسرار المهنة ومجد الأوسكار من تحت سماء عمّان

المخرج الإيراني العالمي: أفضل الأفلام سيخرج من منطقة الشرق الأوسط في الأعوام المقبلة

المخرج الإيراني أصغر فرهادي الحائز جائزتَي أوسكار عامَي 2012 و2017 (إدارة مهرجان عمّان السينمائي الدولي)
المخرج الإيراني أصغر فرهادي الحائز جائزتَي أوسكار عامَي 2012 و2017 (إدارة مهرجان عمّان السينمائي الدولي)
TT

أصغر فرهادي... عن أسرار المهنة ومجد الأوسكار من تحت سماء عمّان

المخرج الإيراني أصغر فرهادي الحائز جائزتَي أوسكار عامَي 2012 و2017 (إدارة مهرجان عمّان السينمائي الدولي)
المخرج الإيراني أصغر فرهادي الحائز جائزتَي أوسكار عامَي 2012 و2017 (إدارة مهرجان عمّان السينمائي الدولي)

يشبه أصغر فرهادي أفلامه، أو أفلامه هي التي تشبهه. المخرج الإيرانيّ العالميّ هادئ، يمنح الوقتَ وقتَه، ولا يدخل الأماكن حاملاً لافتةً كُتب عليها: «حائز على جائزتَي أوسكار». لكن كل مَن تجمهروا في المسرح الخارجيّ لـ«الهيئة الملكيّة للأفلام» في العاصمة الأردنيّة عمّان يعرفون ذلك. وفدوا إلى اللقاء مع فرهادي، ليس لأنه تُوّجَ بأوسكارَين فحسب، بل للاستفادة من خبرته السينمائية الطويلة والفريدة.

في الجلسة التي امتدّت ساعتَين من ضمن فعاليّات «مهرجان عمّان السينمائي الدولي»، حيث يحلّ فرهادي ضيف شرف، تحدّث السينمائيّ الإيرانيّ أمام جَمعٍ من المحترفين والمبتدئين. التفّ حوله مخرجون وممثلون وطلّاب وصحافيون، للاستماع إليه يتكلّم عن بداياته، ومفاتيحه السينمائيّة، وأبرز أفلامه، ومحطّتَيه في سباق الأوسكار، إلى جانب مواضيع أخرى. يستقبلونه بالتصفيق الحارّ فيبادلهم التحيّة بتوقّعٍ إيجابيّ: «أنا مؤمن بأن السنوات المقبلة ستشهد على خروج أفضل الأفلام من هذه المنطقة بالذات».

فرهادي متحدّثاً أمام حشد من المحترفين والمبتدئين خلال حلوله ضيف شرف على مهرجان عمّان السينمائي (إدارة المهرجان)

بدايات مسرحيّة

عاد فرهادي إلى سنته الـ13 في مسقط رأسه أصفهان، عندما صوّر باكورة أفلامه القصيرة، مزوّداً بكاميرته الأولى، ومحاطاً بفريقٍ من الأشخاص الذين يكبرونه بسنوات. أنجز 5 أفلامٍ قصيرة قبل أن يجري اختياره للتخصص في المسرح؛ «حزنتُ كثيراً لأنهم لم يُدخلوني معهد السينما، لكن مع الوقت أيقنتُ أن المسرح هو المكان الصحيح»، ويتابع: «لولا تلك الفترة، لما صرتُ ربّما مخرجاً سينمائياً».

يكشف عن أن في فيلمه الروائيّ الطويل الأول «Dancing in the Dust» أو «الرقص في الغبار» (2003)، انعكس الكثير ممّا تعلّمه من المسرحيّات التي قرأها. يقول فرهادي: «علّمني المسرح أن أمنح الجمهور الوقت كي يكتشف الشخصيات. وممّا تأتّى من ثقافة المسرح كذلك، مفهوم الصراع بين الخير والشرّ، حيث على المشاهدين أن يقرروا بأنفسهم مَن هم الأشرار ومَن هم الأخيار».

امتدّت ندوة فرهادي ساعتَين تحدّث فيهما عن تجربته السينمائية الطويلة (إدارة المهرجان)

الموقف يحدّد الشخصيّة

بقيَ فرهادي وفياً لِما استقاه من دراسته المسرحيّة، ففي فيلمه «A Separation»، (انفصال)، الحائز «أوسكار» عام 2012، لم يصبغ أحداً من البطلَين بالأسود أو الأبيض، تاركاً الخيار للجمهور، «وبذلك أنا أجعل المشاهدين جزءاً من الفيلم»، وفق تعبيره.

غالباً ما يتحدّث فرهادي عن الموقف وكيف أنّ بنيتَه السينمائية تقوم على «وضع الشخصيات في مواقف دقيقة ومراقبة ردود أفعالها»، ويوضح أن تلك المواقف هي التي تحدّد تركيبة الشخصية وليست الحوارات الدائرة ما بينها التي تفعل ذلك.

بين مقتطفٍ وآخر من أفلامه الإيرانية الشهيرة والتي بُثّت على الشاشة الضخمة المرفوعة في المكان، يُدخل المخرج حاضري اللقاء إلى كواليس عمله؛ لا يبخل عليهم بمعلومة تقنيّة ولا يتردّد في البَوح ببعض أسرار المهنة.

فيلم فرهادي «A Separation» الحائز «أوسكار أفضل فيلم أجنبي» عام 2012

وَحيٌ من القلب

عندما يُسأل عن مصادر وحيه، يقول إن «الإلهام ينطلق من اللاوعي ومن القلب». في «A Separation» على سبيل المثال، أتاهُ الوحي من صورةٍ حُفرت في مخيّلته لشقيقه وهو يساعد جدَّيهما المصاب بألزهايمر على الاستحمام. «لازمتني تلك الصورة لوقتٍ طويل ثم قررت أن أصنع منها شيئاً، فانطلقتُ منها لأركّب قصة نادر»، بطل الفيلم الذي يهتمّ بوالده المسنّ ويواجه مشكلات في علاقته الزوجيّة.

من القلب واللاوعي، ينتقل فرهادي إلى ما يسمّيها «العمليّات الحسابيّة» التي تحوّل فكرةً إلى فيلم. يسكب الفكرة على الورق مختصراً إياها بـ3 أو 4 أسطر، ثم يتصل بقريبٍ أو بصديق ليقرأها له. يهتمّ فرهادي كثيراً بآراء المحيطين به، يستشيرهم في كل قصةٍ ونص. وصل به الأمر مرةً أن أرسل سيناريو أحد أفلامه كاملاً إلى مُدرّسةِ ابنته، لمجرّد أن يأخذ رأي شخصٍ غريب بعيداً عن المجاملات.

يقول فرهادي إن أفكار أفلامه تنطلق من قلبه ومن اللاوعي (إدارة المهرجان)

هدفان في مرمى الأوسكار

يطول الحوار والغوص في كواليس العمل، ثم يعود فرهادي إلى تلك اللحظة التي وقف فيها على مسرح «الأكاديميّة الأميركية» حاملاً الأوسكار عام 2012. كانت ليلةً استثنائية في مسيرته السينمائية، عرّفت العالم عليه كأوّل مخرجٍ إيرانيّ يتوَّج بهذه الجائزة. يؤكّد أنه لم يتوقّع الأوسكار لـ«A Separation»: «كان في نظري فيلماً محلياً ذا ميزانيّة متواضعة. لم أحسب أنّ أحداً خارج البلد سيشاهده، إلى درجة أنني لم أُعدّ له ترجمة من الفارسيّة إلى الإنجليزية».

ما هي إلّا أسابيع بعد عرضه المحلّيّ، حتى اختير الفيلم للمشاركة في مهرجان برلين، وكرّت سبحة المهرجانات والجوائز، ليكون التتويج بالأوسكار. ولم تكن تلك نهاية المجد الهوليووديّ على درب فرهادي، فهو عاد إلى لوس أنجليس مع فيلمه «The Salesman»، (البائع)، عام 2017 ليرفع «أوسكار أفضل فيلم أجنبي» مرةً جديدة.

حاز فرهادي «أوسكاره» الثانية عام 2017 عن فيلم «The Salesman»

تعليقاً على هذَين الإنجازَين، يكتفي فرهادي بعبارةٍ بسيطة: «لا أصنع الأفلام من أجل الحصول على جوائز». ثم يضيف مبتسماً: «لو فكّرت في صناعة فيلم ضخم وعالمي وخططت لهذا الأمر، ربّما لم أنل الأوسكار».

لا يبدو فرهادي مستعجلاً على شيء. يتمهّل ليراقب ما يدور حوله، ويلتقط ما ترسله الحياة من إشاراتٍ يحلو له أن يسمّيها «هدايا». «قد يلفتُني مشهد غير متوقّع خلال التصوير فأعدّل بسببه النص المعدّ مسبقاً، ليصير لاحقاً أجمل لقطات الفيلم». يؤمن بأنّ «صناعة الأفلام ليست عبارة عن كتابة وإدارة ممثلين ومونتاج فحسب، بل الأهمّ هو أخذ متّسع من الوقت لمراقبة كل ما حولك». ثم ينصح المخرجين الصاعدين بألّا يستعجلوا النجاح والجوائز، ويزوّدهم بوصيّة أتته عن تجربة: «ليست الميزانيات الكبيرة هي الطريق إلى صناعة فيلمٍ جيّد».

وفق فرهادي فإنّ النهايات هي التي تحدّد جودة الأفلام، أما هو فيحاول ألّا تكون نهاياتُه عاطفيّة ومثيرة للدموع، بل محفّزة على التفكير. يقول: «أؤمن بالنهايات التي تمهّد لبداياتٍ أخرى».


مقالات ذات صلة

«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

سينما «العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

تقع أحداث «العميل السري» في البرازيل عام 1977. خلال تلك الفترة هيمنت الديكتاتورية العسكرية على الحياة المدنية، وبسطت سلطتها عبر الخوف والعنف معاً.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

في فيلم «الطيور» (The Birds)، لم يكترث ألفرد هيتشكوك بتوفير سبب لثورة طيور النورس والغربان على سكان بلدة ساحلية في ولاية كاليفورنيا.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق ما غاب... يتقدَّم في المشهد (الشرق الأوسط)

«?Do You Love Me»... مونتاج الذاكرة في هدنة غير مستقرّة

يعتمد الفيلم (يُعرض حصرياً في سينما «متروبوليس») بنية مونتاجية مُحكَمة المعالم، حيث تتوالى اللقطات من دون روابط سببية مباشرة...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق جانب من إعلان تفاصيل الدورة الجديدة بالمهرجان القومي للسينما (وزارة الثقافة المصرية)

إرجاء جديد لـ«القومي للسينما» في مصر يثير تساؤلات

أثار قرار إرجاء المهرجان القومي للسينما في مصر مجدداً تساؤلات عن مدى إمكانية عودة المهرجان المتوقف منذ 4 سنوات.

أحمد عدلي (القاهرة )

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.