فلاسفة وعلماء اجتماع: العنصرية العِرقية سقطت في اختبار «كورونا»

دعوات لإعادة النظر في مجمل التركيبة السياسية والثقافية والاقتصادية

فلاسفة وعلماء اجتماع: العنصرية العِرقية سقطت في اختبار «كورونا»
TT

فلاسفة وعلماء اجتماع: العنصرية العِرقية سقطت في اختبار «كورونا»

فلاسفة وعلماء اجتماع: العنصرية العِرقية سقطت في اختبار «كورونا»

النّسب المُفجعة للإصابة والوفيات بـ«كوفيد – 19» بين الأقليّات العِرقيّة من السود وغيرهم كمجموعات الشّعوب الأصليّة مقارنةً بالمجموعة البيضاء –التي تجاوزت وفق أرقام رسميّة حاجز الـ4 أضعاف– كانت بمثابة دعوة للمنظِّرين والفلاسفة كي يُدلوا بدلوهم تفسيراً لهذا التفاوت المريع في مجتمعات لطالما تغنّت بالديمقراطيّة والمساواة والعدالة. مفكرون يساريون وعلماء الاقتصاد السياسي ذهبوا إلى تأكيد فكرة سيدريك روبنسون في كتابه الشهير «الماركسيّة السّوداء - Black Marxism» عن أن «نشوء الرأسماليّة وانتظامها وتوسعها اتّخذ دائماً اتجاهات عنصريّة الطابع»، وأن مجموع الظروف الاقتصادية والاجتماعية للأقليّات السوداء والملونة والسّكان الأصليين وطبيعة الوظائف التي يقومون بها وطبقتهم، مؤشرات كافية لتوقع أوضاعهم الصحيّة عموماً لا سيّما في حالة انتشار الوباء. فيما مال آخرون لاعتبار ما يجري كأنه «تجسيد محض لفكرة ميشيل فوكو عن (البيوباور) أو منطق التعامل مع البشر ككتل صمّاء أو مجموع أرقام دون أدنى اعتناء بالفرد في حسابات الحياة والموت، والحقوق، وملكيّة الجسد» كما يقول إريك لارسون ونعومي كلاين، والأخيرة –مؤلفة الكتاب الشهير «عقيدة الصدمة – The Shock Doctrine»– ذهبت في مقابلة لها إلى حد وصف هذه التفاوتات بـ«رأسماليّة فيروس (كورونا)» التي تمكنت من تنفيذ كثير من الخصخصة وتعظيم التحكم بحياة الأفراد وتوجيه الموارد العامّة لإنقاذ مصالح الأعمال والأثرياء، وهي أمور كانت ستثير مقاومة -ولو شكليّة- في ظروف لا وبائيّة. لكنّ هذه الأفكار جميعها تشترك معاً في اعتبار الرأسماليّة مصدراً للشرور، وأنّه يمكن -نظريّاً– إنقاذ هذه الأقليات والمجموعات العِرقيّة من خلال تحسين أوضاعها الماديّة وهي بذلك تغفل بشكل ما الإجابة عن السؤال الأساس: لِمَ تتّبع مصاعب البيولوجيا في المجتمعات الغربيّة (الديمقراطيّة) خطوط الانقسام العِرقي بهذا الشكل الفجّ والمباشر؟
البروفسور تومي كري –أحد أهم الأصوات الأكاديميّة المعاصرة المعنية بدراسات العِرق ببريطانيا- يرى «أنّ العنصريّة العِرقيّة في المجتمعات الغربيّة ليست مرضاً يمكن الشفاء منه بجرعات ديمقراطيّة مكثفّة، وليست عَرضاً زائلاً وإنما هي جزء رئيس من التكوين المجتمعي في الغرب وهيكليّة القوّة فيه ونظام الأشياء في توجيه الطموحات الفرديّة للأشخاص». ولذلك فإن مسائل مثل منظومة العبوديّة، وسلسلة المذابح الجماعيّة والحروب الكبرى في القرنين الأخيرين هي أقرب لأن تكون عرضاً لهذا التكوين القائم على هيمنة مجموعة بشريّة على أخرى ويمكن أن يتمظهر بأشكال متفاوتة، حسب مجمل الأوضاع السياسيّة والاجتماعية والتقنيّة دون أن تتغيّر الهيكليّة مطلقاً.
ويبني الفيلسوف الكاميروني أشيل ميمبي في كتابه عن «سياسة الموت – Necropolitics» على تصوّر ميشيل فوكو لـ«البيوباور»، آخذاً هذه المقاربة بشأن المسألة العِرقيّة في المجتمعات الغربيّة إلى أقصاها، متهماً النخب المهيمنة بإدارة دولها لا بغاية توسيع نطاق حريّة الأفراد وضمان حقوقهم (الديمقراطيّة)، ولكن لتمكين عمليّة السيطرة على وجودهم وتحويلهم إلى أدوات والتخلّص من الفئات غير المرغوب فيها عبر تدمير ممنهج لأجسادهم كمجموعات. ويشير ميمبي إلى أن هذه النخب توظّف ترسانة من الأسلحة والسّياسات والتشريعات المختلفة التي تحطم حياة الأفراد المنتمين إلى تلك الفئات خالقة بذلك فضاءات للفناء –مقابل فضاءات الحياة في كل تجمّع حضري- يكون الأفراد فيها أقرب إلى حالة (زومبيّة) ما بين الحياة والموت. وفضاءات الفناء تحديداً تكون بحكم وضعها المادي والاجتماعي هدفاً سهلاً لكل الأمراض والأوبئة والآفات البيولوجيّة أقلّه بالمقارنة بفضاءات الحياة على الجانب الآخر من المجتمع، وهذه بدورها إن لم تقضِ على الأفراد فإنها تنخر أجسادهم وتجعلهم أضعف في مواجهة المشكلات الصحيّة والماديّة الأخرى وغير قادرين على الوصول بالحياة البشريّة إلى إمكاناتها الوجوديّة.
ومع أن ميمبي رَسَمَ فكرة تَناقُضِ تجربة فضاءات الحياة في ظل النّموذج الرأسمالي الغربي مع تجربة فضاءات الفناء قبل ظهور أولى حالات «كوفيد – 19»، إلا أن طبيعة تأثير هذا الوباء المستجدّ على البشريّة تأتي بعد دراستها مؤخراً كأنها تأكيد لصحّة تقييمه النّظري لبنية المجتمعات الغربيّة. إذ إن نسب الوفيات بـ«كوفيد - 19» لا تزال أقلّ بكثير منها في أوبئة أخرى عصفت بحياة البشر خلال عصور سابقة -كما في حالة الطاعون الأسود مثلاً بأوروبا العصور الوسطى- ومع ذلك فإن تأثيره على المصابين به ليس مؤقتاً. إذ إنّ الفيروس يتسبب في دمار شديد للأوعيّة الدمويّة متسبباً بحدوث تجلطات تؤدي إلى فشل جزئي أو كلي في مختلف الأعضاء بسبب عدم تدفق الدّم إليها بالشكل الكافي وإن كان الجهاز التنفسي الأسرع بينها في إظهار عجزه أمام ذلك. ولذا فحتى في حالة الشفاء من المرض ثمة آثار سلبيّة لا يمكن محوها وتتسبب بإضعاف قدرة الجسد على مقارعة المصاعب الأخرى –أي أقرب للفناء من مواطنيهم الأصحاء. ولذا فإن تضاعف نسب الإصابة لأربع مرّات أو أكثر بالوباء الحالي بين الأقليّات المحاصرة في فضاءات الفناء سيجعل من المحتّم تضاعف فرص تعرضّهم للإصابة وللموت لحظة انتشار وباءات مستقبليّة، وهكذا، فيما سيستمر البعض في تفسير ذلك ربطاً بعوامل عرقيّة واجتماعيّة –الطبقة، والوضع الاقتصادي، وضعف التعليم، وطبيعة المهن وغيرها– مع إهمال البنية الهيكلية للمجتمع التي تجعل من كل ذلك الانشطار ممكناً.
ومما يدعم البناء النظري لأفكار ميمبي هذه، حقيقة أن ذات النسب المتفاوتة للإصابة والموت بـ«كوفيد - 19» بين المجموعات العِرقيّة تكررت بحذافيرها بين مجتمعات عدّة غربيّة متباعدة جغرافياً –في بريطانيا والولايات المتحدّة وأستراليا مثلاً- كما أن خطوط الانقسام التي برزت هنا تطابقت حدّ الذّهول مع نسب وفيات الأمهات عند الولادة، وحوادث القتل على يد الشرطة، وأعداد نزلاء السجون –والإعدامات المرتبطة بالجرائم في الولايات المتحدّة- وحتى انتشار أمراض القلب وضغط الدّم.
ليس في «كورونا» أي خير للبشريّة، ولا بدّ من التوحد، مجتمعاتٍ وأمماً، في مواجهته وإعدامه بالرصاص، ولكنه مع ذلك كشف، وإنْ بثمن باهظ للغاية، عن العيب البنيوي الفاضح في بنية المجتمعات المعاصرة لا سيّما تلك التي تخلع على ذاتها ادّعاءات التنظيم الديمقراطي للحياة السياسيّة وتبنّي قيم الحريّة والمساواة وحقوق الإنسان.
إن العنصريّة العِرقيّة كما ينبغي أن تُفهم اليوم أقرب لما يصفه توم كري في كتابه «اللاإنسان – The Man - Not» بشبكة معقدّة من معمار إدراكي للفرز على أساسات شكليّة يُوَظّف لابتداع وافتعال تقسيمات تكرّس على مستويات متقاطعة سياسيّة وثقافيّة واقتصاديّة وسايكولوجيّة عمليّات اجتماعيّة تمكّن بدورها لهيمنة مجموعة عرقيّة – ثقافيّة - طبقيّة على مجموعات أخرى وتضعها في دائرة تنحو إلى الفناء وتقلّص بشكل ملموس من إمكانيات الحياة الإنسانيّة لمصلحة المجموعة المهيمنة وتمنع بقسوة بالغة إمكان تبلور أي تحدٍّ فاعل لسيطرتها.
لقد أدّى «كوفيد - 19» دوره وأضاء على ديناميكيّات الانقسام القاتلة، فيما انتقلت الكرة الآن إلى ملعب العقلاء والمفكرين في المجتمعات للخروج من يوتوبيا رومانسيّة لطالما رُوّج لها عن المجتمعات الحرّة التي تتبنى الديمقراطيّة منهجاً، وإعادة النّظر في مجمل التركيبة السياسيّة الثقافية الاقتصادية التي تكرسّت في عهد الرأسماليّة المتأخرّة وسمحت باستمرار هذا التبذير للحياة الإنسانيّة. وأي تقاعس عن ذلك لا يمكن توصيفه بأقل من استقالة تامة من الواجب وشراكة –ولو سلبيّة– بالجريمة الهائلة التي يَستمر ارتكابها في كل لحظة.


مقالات ذات صلة

دراسة: فيروسات «كورونا» في الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر

صحتك فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر (رويترز)

دراسة: فيروسات «كورونا» في الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر

كشفت دراسة حديثة أن فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر حيث أصبحت قادرة على إصابة الخلايا البشرية عبر أكثر من مسار.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.