بروتوكولات من حرب 1973 تكشف كيف شعرت إسرائيل بالهزيمة

كيسنجر صاح بهم: ليس أمامكم سوى الانتصار

دبابة مدمرة في سيناء إبان حرب أكتوبر 1973 (غيتي)
دبابة مدمرة في سيناء إبان حرب أكتوبر 1973 (غيتي)
TT

بروتوكولات من حرب 1973 تكشف كيف شعرت إسرائيل بالهزيمة

دبابة مدمرة في سيناء إبان حرب أكتوبر 1973 (غيتي)
دبابة مدمرة في سيناء إبان حرب أكتوبر 1973 (غيتي)

كشفت البروتوكولات التي سمحت وزارة الأمن الإسرائيلية بإعلانها، يوم أمس (الخميس)، عن أبحاث الحكومة خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) العام 1973، أن القادة السياسيين والعسكريين بلغوا حد الشعور بالهزيمة. وراحوا يفكرون في اتخاذ خطوات يائسة، مثل اختراق القوات السورية وصولاً إلى دمشق أو قصف الأحياء المدنية في دمشق. واتضح من هذه البروتوكولات، أن وزير الخارجية الأميركية، هنري كيسنجر، فزع من هذه الأجواء، فبعث برسالة إلى الحكومة عبر سفيرها في واشنطن يقول فيها: «إنكم ملزمون بالانتصار».
وقد فهمت رئيسة الحكومة الإسرائيلية، غولدا مئير، مغزى هذه الرسالة فاعتبرتها تحذيراً، وخلال المداولات التي جرت في مساء اليوم الرابع من الحرب 10 أكتوبر 1973، عندما كانت القوات السورية قد حررت قسماً كبيراً من أراضي الجولان، وبدأ الأميركيون يتحدثون عن ضرورة إصدار قرار في مجلس الأمن الدولي حول ضرورة وقف إطلاق النار، وقالت مئير: «إذا تقرر وقف إطلاق نار الآن، هل سيكون ما هو موجود خلف القناة مع مصر (إذ كان الجيش المصري قد حطم خط بارليف وتقدم في عمق سيناء محرراً المزيد من أرضها)، ويبقى كذلك؟».
وقالت مئير خلال مداولات في ساعة متأخرة من مساء اليوم نفسه، «لدي شعور أنه يحظر علينا الخروج بوضع يقولون فيه في العالم إن ما كنا نعتقد حيال إسرائيل والجيش الإسرائيلي ليس صحيحاً. وعندما يقول كيسنجر »إنكم ملزمون بالانتصار«، فإنه توجد في ذلك دلالة رهيبة. وإذا لم ننتصر فإننا سننتهي».
وقد وافقها نائب رئيس أركان الجيش، يسرائيل طال، الرأي فقال: «أجل، يحظر علينا أن لا ننتصر. مصداقيتنا في العالم ستنهار تماماً. إذا لم نجري تحولاً في اتجاه الحرب، فإن أصدقاءنا وليس فقط أعداءنا سيتوصلون إلى الاستنتاج بأن إسرائيل باتت دولة ضعيفة. وعندها سيطالب الرب بالحصول على كل شيء».
ويصف البروفسور أوري بار يوسيف، الباحث في إخفاقات هذه الحرب، بأن البروتوكوت التي تم كشفها، أمس، تتناول الفترة الأكثر درامية في الحرب. وقال: «حتى الآن كنا نعرف ماذا قيل في أروقة الحكومة ولكننا اليوم نعرف كيف قيلت هذه الأمور، وهذا شيء مختلف».
ويتضح من البروتوكولات أن القائد العسكري الأسطوري في إسرائيل، موشيه ديان، كان يائساً وسوداوياً فراح يطلب وقف النار أو القيام بعمليات ضرب يائسة مثل قصف دمشق وحتى احتلالها. لكن رئيس الأركان، دافيد إلعزار، الذي حاول تهدئته، رفض الخروج إلى أهداف كبيرة غير واقعية. وقال: «اليوم الرابع للحرب هو يوم حاسم. لقد عملنا طوال الأيام الأربعة الما ضية وفقاً لمفهوم معين. أننا سنهاجم سوريا. ونصل إلى خط وقف إطلاق النار (في الجولان المحتل) وننتقل إلى هجوم مضاد. وفي هذه الأثناء المصريون يلجمون... والسؤال هل سنتمكن من تحقيق حسم في الهضبة. أي إذا هاجمنا غداً، هل سنقترب من مشارف دمشق ونصل إلى وقف إطلاق نار بعد ذلك. فأنا أؤيد مهاجمة سوريا لكنني أعارض قصف قلب المدن. فهم لم يقصفوا المدن عندنا وعلينا أن نلتزم نحن كذلك».
وقال قائد سلاح الجو، بيني بيلد، إنه «ينبغي مهاجمة مصر وليس سوريا. وأنا لا أوافق على فرضية أن سوريا لا يمكن أن تُهزم، ومصر مهزومة ستمنع الأردن من مساعدة السوريين. العكس هو الصحيح». ووجهت مئير سؤالا لبيلد: «كم طائرة تحتاج كي يكون شعورك أفضل؟». وأجاب بيلد: «بإمكاني استيعاب عشرين طائرة، رغم أنه ليس لدي طيارون احتياط لها». وقال اللواء رحبعام زئيفي: «لدينا قدرة للحسم في الجبهة السورية فقط وليس المصرية... فالجنود منهكون، وليس لدينا دبابات».
واعتبر رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، إيلي زاعيرا، أنه «أشك بأن روسيا ستوافق بسهولة على القضاء على نظام إحدى الدول الموالية لها في الشرق الأوسط. والحسابات هي ليست سورية وإسرائيل ومصر فقط، وإنما هناك حسابات كثيرة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. وأعتقد أن وقف إطلاق النار هي مؤشر على الشعور السوري، وأنه يوجد تهديد للنظام. ووقف إطلاق النار سيتم فقط عندما نتقدم نحو دمشق».
ولخصت مئير النقاش بأنه «نصادق على أن ينفذ الجيش الإسرائيلي غداً جهداً هجومياً مركزاً في سوريا وتدمير فيالق الجيش وتحقيق حسم يشل الأنشطة السورية. ولكن، لا يوجد قرار باحتلال دمشق».
وتكشف البروتوكولات عن جلسة للحكومة في اليوم الثاني للحرب، يعلن فيها رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، دافيد إلعزار: «قضينا ليلة غير جيدة. لقد اجتاحوا الجولان بكميات كبيرة من الدبابات دفعة واحدة. وحتى الآن 81 قتيلاً (إسرائيليا). وهذا لا يشمل موقع جبل الشيخ». ورد الوزير يغآل ألون: «أنا قلق من نقل قوات من جبهات غير ناجعة. لعلنا نقصف دمشق؟». وأجابه إلعزار: «تقنيا لا توجد صعوبة بالقصف. لكن من الناحية العملية فإنهم لا يقصفون المدن ولذلك لا أريد أن أبدأ بهذا». وسألت مئير عن «شعور الشبان في مرتفعات الجولان»، وأجاب إلعزار بأنه «شعور قاس. ورغم أنهم يقولون إننا ندمر عدداً كبيراً من الدبابات، لكن لا نهاية لذلك».
وخلال مداولات في مكتب رئيسة الحكومة، مساء اليوم الثالث من الحرب، 9 أكتوبر، قال وزير الأمن، موشيه ديّان، إن محرري الصحف الإسرائيلية يصفون الوضع عند قناة السويس بأنه «زلزال»، وأضاف «نحن الآن على بعد 4 كيلومترات عن القناة. وقد نضطر إلى إخلاء هذه المنطقة أيضاً». واتضح أن المصريين يطلقون نيران مضادة للدبابات. وحدثت اشتباكات مع قوات أريك (أريئيل شارون) وبرن (اللواء أبراهام إدن) لكنهم صامدون«. وسألت مئير: «هل رأيت رد فعل (وزير الخارجية الأميركي هنري) كسينجر؟». وأجاب ديان «نعم، ولن أنتحر إذا وافق على الدعوة لوقف إطلاق نار من دون انسحاب (المصريين). وهم يريدون مواصلة القتال».
وتبين المحاضر أن ديان كان يناقض نفسه، فمرة يعارض قصف مطار دمشق الدولي، قائلاً: «هل تعتقدون أنكم تتحدثون عن مطار عسكري؟ قد تصاب طائرات مدنية جاثمة هناك». ومرة يؤيد. فيقول: «يجب أن يصرخوا إننا صاعدون إلى دمشق»، وأجابت مئير أن «هذا ضروري لنا من أجل المساومة. وهذا ضروري لكسرهم». لكنه يعود ويقول: «لقد فقدنا 56 طائرة، إضافة إلى 40 طائرة جاثمة دون قدرة على التحليق. وبالأمس فقدنا 13 طائرة. وبهذه الوتيرة، هذا الوضع ليس جيداً. وابني يقول إن سلاح الجو سيكون منتهياً بعد 3 – 4 أيام. هذا مقلق». وقالت له مئير: «أتوقع بأن يتخذ قرار بالأغلبية في مجلس الأمن الدولي سيدعو إلى الانسحاب حتى (حدود) 1967. وسيكون هناك فيتو أميركي ضد ذلك. وإذا وضعوا فيتو الآن سيكون من الصعب استخدامه ضد وقف إطلاق النار». وقال ديان إنه «ليس لدينا مشكلة عتاد فقط، وإنما مشكلة طيارين وما إلى ذلك. ولدينا مشاكل كمية. وبإمكاننا السيطرة على القناة غداً، لكن سنفقد جنوداً كثيرين». وعقبت مئير أن «هل لدينا مؤشراً على أن الروس سيعطونهم (للمصريين) المزيد من العتاد؟». وأجاب ديان «بالتأكيد، أعتقد ذلك. انتهت صواريخهم».



اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.


العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.