حين انقضت «الطيور» على البشر بلا سبب ظاهر

مصدران لواحدٍ من أهم أفلام هيتشكوك

TT

حين انقضت «الطيور» على البشر بلا سبب ظاهر

خلال قرابة 60 سنة، تداول أكاديميون ونقاد ومخرجون ومنظرون وأساتذة جامعات، أفلام ألفرد هيتشكوك المختلفة؛ خصوصاً تلك التي حققها من عام 1948 (حبل) وحتى عام 1963 (الطيور)، مروراً بأفلامه الأخرى في هذه الفترة الثرية من حياته السينمائية، وشملت: «غريبان في قطار» (1951)، و«نافذة خلفية» (1954)، و«فرتيغو» (1958)، ثم «شمال شمالي- غرب» (1959)، ووصولاً إلى «سايكو» (1960)، من بين أفلام أخرى.
«الطيور» كان آخر أفلام هذه الحقبة؛ إذ تبعته خمسة أفلام (حتى سنة 1976) لم يصل أحدها إلى قيمة الأفلام المذكورة أعلاه، وإن حافظت على مقادير الإجادة عموماً. وكون «الطيور» كان آخر أفلام أهم مراحل هيتشكوك الإبداعية، جعله - وأفلام أخرى - مصدر اهتمام كبير لدى دارسي سينما المخرج والمعجبين به.
«الطيور» هو فيلم الرعب الوحيد لهيتشكوك الذي تناول نوعاً معيناً من المخلوقات التي تبدو أليفة، أو على الأقل غير متوحشة، لتنقلب فجأة إلى مصدر خوف وموت. نجاحه الكبير كعمل جماهيري من ناحية، وكفيلم مبدع من ناحية ثانية، كان بداية تدافع هوليوود لإنتاج أفلام حول كل شيء تعرفه الحياة المدنية والريفية من مخلوقات مألوفة الحضور تنقلب إلى متوحشة. فكان هناك «الضفادع» و«الوطاويط» و«الجرذان» و«النمل» و«الكلاب» و«النحل» و«العناكب» و«الديدان» و«الأرانب»، وكل ما يخطر على بال من اعتاد وجود هذه المخلوقات بيننا كتحصيل حاصل.

- مصادر مختلفة
أصول فيلم هيتشكوك الثامن والأربعين نبعت من مصدرين: واحد واقعي، والآخر أدبي.
في الشهر الثامن من سنة 1961 هاجمت ألوف الطيور، ولسبب غامض؛ بلدة سانتا كروز، على ساحل ولاية كاليفورنيا. قيل إن الضباب الكثيف جعلها تفقد قدرتها على الرؤية، فارتطمت بالمباني والنوافذ، ما يعني أن الهجوم لم يكن عن عمد؛ لكن هذه النظرية لم تجد ما يؤكدها، وبقي الحدث بلا تفسير علمي معروف.
أثارت اهتمام ألفرد هيتشكوك هذه الحادثة، وتذكر أن لديه حقوق رواية قصيرة كانت الكاتبة الروائية دافني دو مورييه قد وضعتها قبل سنوات، وتتحدث عن هجوم طيور على منزل في مزرعة نائية. وفي كل الأحوال وجد المخرج الذي كان يبحث عن مشروع جديد يضاهي به فيلمه السابق «سايكو» (1960) في الجمع بين الحادثة الواقعية والرواية الخيالية ضالته، واتصل بكاتب سيناريو «سايكو»، جوزف ستيفانو، لكي يشركه في المشروع الجديد؛ لكن ستيفانو لم يتحمس له. هنا اتصل بالروائي إيفن هنتر وطلب منه كتابة سيناريو الفيلم.
في مطلع شهر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1961، أنجز هنتر سيناريو فيلم «الطيور»، وأرسله إلى هيتشكوك. في الثلاثين من الشهر نفسه، بعث هيتشكوك إلى الكاتب رسالة بثه فيها ملاحظاته على السيناريو. فقد اعتبره طويلاً؛ خصوصاً في نصفه الأول، ويشكو ضعفاً في تطور شخصياته (خصوصاً شخصيتي بطليه). انتقدت الرسالة مشاهد اعتبرها هيتشكوك لا داعي لها. كتب: «هي ليست أكثر من وصلات بين المشاهد الأساسية» وهو أمر كان هيتشكوك يرفضه. مشاهد «لا شكل لها»، كما كتب في رسالته.
الفيلم بالنسبة لهيتشكوك كان عليه أن يكون مثيراً من البداية وإلى النهاية. الفيلم الذي يفشل في ذلك هو من خارج سرابه. لم يكن التشويق، بالنسبة إليه، فعلاً مرحلياً، ولم يكن انتقائياً حسب المشهد الذي يحدث فيه هجوم أو قتل أو حالة اعتداء؛ بل عليه أن يكون منتشراً طوال مدة العرض من دون تراجع. وإذا ما شاهدنا «الطيور» من جديد فسندرك مقصد هيتشكوك؛ بل مدرسته كلها.
قام هنتر بالتغييرات المطلوبة، وفي مطلع ربيع عام 1962 بوشر التصوير، وامتد حتى منتصف صيف العام ذاته، مسجلاً بعض الصعوبات في التنفيذ. لم يكن من السهل مثلاً تطويع الطيور لكي تتصرف على أي نحو وحسب، أنهكها المخرج كلما لم يعجبه تصرف، أو وجد أنه بالإمكان تحسين أحد المشاهد ليؤدي غرضه. من بين المصاعب أن بطلة الفيلم تيبي هدرن التي اختارها المخرج عندما شاهدها في دعاية تلفزيونية، لم تكن تعرف أي شيء يُذكر عن التمثيل، لذلك كتب هيتشكوك لاحقاً: «كل أداء لها، كل لمحة، من صنعي».

- أتون المواجهة
يفتح هيتشكوك فيلمه على شارع في مدينة سان فرنسيسكو. ميلاني (تيبي هدرن) تنظر إلى السماء؛ حيث تتكاثر طيور سوداء زاعقة. نظرتها متسائلة عن السبب الذي يُثير هذه الطيور على هذا النحو، ثم تمضي خطوات قليلة وتدخل محل بيع طيور في الوقت الذي يخرج فيه رجل قصير بدين مع كلبين صغيرين. إنه هيتشكوك ذاته. هناك تلتقي بالمحامي ميتش (رود تايلور) الذي سيكون السبب وراء قيام ميلاني بزيارته في بلدته الساحلية الصغيرة.
ستختفي هذه الطيور لنحو عشرين دقيقة، خلال ذلك تكون ميلاني خلالها انتقلت لزيارة ميتش ووالدته وشقيقته في بلدته بمناسبة عيد ميلاد شقيقته الصغيرة.
ستمضي من الفيلم 52 دقيقة قبل أن نشهد الهجوم الفعلي الأول للطيور على البشر. يحدث ذلك بينما تحضر ميلاني حفلة عيد ميلاد الشقيقة في المنزل القائم خارج البلدة (فوق لسان بحري). في الحفلة هناك أم ميتش (جسيكا تاندي) وآني (سوزان بليشيت) المدرسة في مدرسة «بوديغا باي» للأطفال، وعدد من الأطفال وأمهاتهم. إنه هجوم سريع وخاطف، ويتم تدبير مدخل له (فتاة تلعب الاستغماية بعصابة على عينيها، وتعتقد أن أحد الأولاد رمى شيئاً على رأسها). تنال المفاجأة من الجميع؛ لكن لا إصابات كبيرة. هذه متروكة لمشاهد أخرى لاحقة.
قبل هذا المشهد هناك توطين الحكاية في موقعها المكاني والعاطفي: آني تحب ميتش من طرف واحد. كانت على علاقة وثيقة به؛ لكنها تعتقد الآن أن والدته ليديا هي التي تسببت في إبعادها عنه. تصف لها رد فعلها كلما التقت آني بها، وهو رد الفعل الحذر والبارد ذاته الذي ووجهت به ميلاني عندما التقت بأم ميتش للمرة الأولى.
ستعترف الأم بأن موقفها هو خوفها من البقاء وحيدة إذا ما تركها ابنها وتزوج من امرأة أخرى. لكن في رحى هذه الدقائق سيبدو الفيلم كما لو أنه دراما اجتماعية- عاطفية. صحيح أن قصة الحب ليست موجودة تحت أي تقاليد محتملة أو معتادة؛ لكن هيتشكوك (وكاتبه، وربما باستيحاء من رواية دو مورييه) يشتغلان على هذا المنحى الدرامي الخالي من حدة التشويق لما قبل نصف مدة الفيلم (119 دقيقة) قبل أن يضع كل شخصياته في أتون من المواجهة والدفاع عن النفس ضد إرهاب الطيور.
عندما يقع الهجوم الكبير الأول ترتفع حدة الفيلم لتبلغ قمة تأثيرها؛ لكن مزيداً من هجمات الطيور يكمن في ذلك النصف الثاني من الفيلم، وهو النصف الذي تبرز فيه الأسئلة حول ما الذي يمكن أن ترمز إليه تلك الطيور؟ لماذا تهاجم البشر؟ هل هناك علاقة بين ميلاني وبين تلك الطيور، إذ بدأت هجماتها مع وصول ميلاني إلى البلدة؟
تبقى الأسئلة في الأذهان طويلاً، وتتعدد الإجابات والتحليلات في كل مرة يتم فيها إعادة النظر إلى هذا الفيلم البديع.


مقالات ذات صلة

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

يوميات الشرق تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

حصد فيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب جائزة «أفضل عمل أول» في مهرجان «برلين السينمائي».

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)

«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

تمتلك الأحياء الشعبية قدرة خاصة على احتضان الحكايات، وإعادة إنتاجها عبر الزمن، ومن هذا الفضاء ينطلق المسلسل السعودي «حي الجرادية»

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

المخرج التركي إلكر تشاتاك قال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام».

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز