99 مفكراً وخبيراً يتحدثون عن عالم «ما بعد كورونا»

فرص وإمكانات لإعادة هيكلة جذرية للمجتمعات... من صلب الفوضى

99 مفكراً وخبيراً يتحدثون عن عالم «ما بعد كورونا»
TT

99 مفكراً وخبيراً يتحدثون عن عالم «ما بعد كورونا»

99 مفكراً وخبيراً يتحدثون عن عالم «ما بعد كورونا»

في مارس (آذار) الماضي، اعتبر زملائي في مركز «فريدريــك إس. باردي» لدراسة المستقبل البعيد التابع لجامعة بوسطن أنّه من المفيد لنا أن نبدأ بالتفكير «بالفترة التي ستلي جائحة كورونا». ولا عجب في هذا الأمر حيث إن التفكير بالشكل الذي سيصبح عليه العالم بعد فيروس «كوفيد - 19» يبدو أمراً منطقياً جداً لمركز دراسات معني بالمستقبل.
في الأشهر التي تلت هذه المحادثة، تعلّمتُ أموراً كثيرة أهمّها أنّ «العودة إلى الوضع الطبيعي الذي كنّا نعيشه قبل الجائحة» ليست ممكنة.
- موسم التعلّم
بدأتُ بمشروع جديد فرض علي حياة خاصّة به، فعلى مدار 190 يوماً، نشرنا 130 فيديو مدّة كلّ واحدٍ منها نحو خمس دقائق يجمعها سؤالٌ واحد: كيف يمكن لفيروس «كوفيد - 19» أن يؤثّر على مستقبلنا؟
أجريتُ مقابلات مع مفكّرين بارزين تمحورت حول 101 موضوع متنوّع بين المال والديون، والسلاسل التموينية والتجارة العالمية، والعمل والروبوتات، والصحافة والسياسة، والمياه والغذاء، والتغيّر المناخي وحقوق الإنسان، والتجارة الإلكترونية والأمن السيبراني، وفقدان الأمل والصحة النفسية، والجندرة والعنصرية، والفنون الجميلة والأدب، وحتّى الأمل والسعادة.
ضمّت مقابلاتي ضيوفاً أبرزهم رئيس الأكاديمية الأميركية الوطنية للعلوم ومدير سابق لوكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه) وقائد سابق لحلف الناتو ورئيس وزراء إيطالي سابق ورائد فضاء بريطاني.
أجريت مقابلات عبر تطبيق «زوم» الذي بات يتمتّع بشعبية كبيرة اليوم، مع كيشور مهبوباني من سنغافورة ويولاندا كاكابادسي من كيتو وجوديث بتلر من بيركلي في كاليفورنيا وأليس رويزا من نيروبي وجيريمي كوربين من لندن. وفي الحلقة الأخيرة، استضفتُ بان كي مون، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة من سول.
شكّل هذا المشروع بالنسبة لي فترة حقيقية للتعلّم، وساعدني في فهم أمورٍ كثيرة أهمّها أنّ «كوفيد - 19» ليس إعصاراً ننتظر انتهاءه. في فترة ما قبل الجائحة، كان عالمنا طبيعياً جداً، ولكن زمن ما بعد الجائحة لن يعود إلى هذه الطبيعة أبداً لأربعة أسباب ستتعرّفون عليها فيما يلي:
- تسارع التحوّلات
كما هو حال الأشخاص الذين يعانون من مشاكل صحية والمعرّضين أكثر من غيرهم للإصابة بـ«كوفيد - 19»، سيساهم التأثير العالمي لهذه الأزمة في تسريع التحوّلات التي كانت قد بدأت قبلها.
يشدّد إيان بريمر، رئيس مجموعة «أوراسيا»، على أنّ سنة من هذه الجائحة العالمية كفيلة بأن تحمل معها عقداً أو أكثر من التحوّل الذي لم نشهده من قبل.
على سبيل المثال، يحذّر فيل باتي، من «تايمز هاير إدوكايشن» من أنّ الجامعات ستتغيّر «بشكل كبير وللأبد» ولكنّ العامل الأكبر في هذا التغيّر سيكون حاجة قطاع التعليم العالي القديمة والملحّة للتغيير.
من جهتها، ترى آن ماري ليبينسكي، الحائزة على جائزة بوليتزر، أنّ الصحافة تتجه للمصير نفسه، بينما يتحدّث خبير الاقتصاد آتيف ميان من جامعة برينستون عن مخاوف تحيط بهيكلة الدين العالمي.
وفي هارفرد، يعتقد داني رودريك، خبير السياسات التجارية، أنّ الجائحة سرّعت «التراجع عن العولمة المفرطة» الذي كان قد بدأ قبل ظهور الفيروس، بينما يعبّر بيري ميرلينغ، خبير الاقتصاد من مركز «باردي» عن قناعته بأنّ «المجتمع سيشهد تحوّلاً أبدياً... وأنّ العودة إلى الوضع الذي كان قائماً ليست ممكنة».
- مشهد مضطرب
أما السياسة فستتجه إلى المزيد من الاضطراب. ويشهد الاقتصاد العالمي حالة من الضبابية القاتمة إلى درجة أنّ أنغوس ديتون، خبير الاقتصاد الحائز على جائزة نوبل والذي يشتهر بتفاؤله الدائم، يشعر بالقلق من الدخول في مرحلة مظلمة قد تتطلّب «من 20 إلى 30 عاماً من العمل قبل إحراز أي تقدّم»، دون أن ننسى الحيرة التي تسيطر على غالبية المحلّلين السياسيين.
من جهته، يقرّ فرانسيس فوكوياما، المنظّر السياسي من جامعة ستانفورد، بأنّه «لم يرَ فترة سيطرت عليها هذه الدرجة من القلق فيما يتعلّق بالمشهد السياسي العالمي ومستقبله أكثر من هذه التي نعيشها اليوم».
طرح «كوفيد - 19» أسئلة جادّة وخطيرة حول جدارة الحكومات وتصاعد الشعبوية اليمينية وتهميش الخبرات وتراجع تعددية الأطراف وحتّى فكرة الديمقراطية الليبرالية نفسها، ولكنّ الأكيد أنّ أياً من الخبراء الذين حاورتهم لم يتوقّع أن المشهد السياسي المستقبلي سيكون أقلّ اضطراباً مما كان عليه قبل الجائحة.
على الصعيد الجيوسياسي، يفسّر غراهام أليسون، عميد كلية كيندي التابعة لجامعة هارفرد، هذا الاضطراب على أنّه «منافسة كامنة متجذّرة هيكلية ثوقيديدسية» (نسبة لـ«ثوقيديدس»، مؤرخ إغريقي شهير، صاحب كتاب تاريخ الحرب البيلوبونيسية ويعد أول المؤرخين الإغريق الذين أعطوا للعوامل الاقتصادية والاجتماعية أهمية خاصة) أنتجتها قوّة جديدة متصاعدة هي «الصين» تهّدد بإزاحة القوّة الحاكمة الحالية، أي «الولايات المتحدة».
ساهم «كوفيد - 19» في تعظيم هذه المنافسة الجبارة على النفوذ والتي تظهر تداعياتها في آسيا وأوروبا وأفريقيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط.
- عادات الجائحة
أما العادات التي فرضتها الجائحة فستكون باقية. ولكنّ التحوّلات لن تكون جميعها مكروهة. فقد أجمع الخبراء من جميع القطاعات على أنّ العادات التي نمّاها النّاس خلال الجائحة لن تختفي ولن تقتصر على الاجتماعات عبر تطبيق «زوم» والعمل من المنزل.
يؤكّد روبين مورفي، أستاذ الهندسة في جامعة تكساس «إي أند إم»، على أنّ «الروبوتات ستصبح منتشرة في كلّ مكان» نتيجة الجائحة، لا سيما أنها اليوم مستخدمة في كلّ القطاعات كأعمال التوصيل وإجراء فحوصات «كوفيد - 19» والخدمات الآلية وحتّى في المنازل. وسمعتُ أيضاً من كلّ من كارن أنتمان، عميد كليّة الطب في جامعة بوسطن، وعادل حيدر، عميد كلية الطب في جامعة آغا خان في باكستان، أنّ الخدمات الطبية الهاتفية باقية وستنتشر أكثر.
من جهته، يذهب فالا أفشار، خبير الرقمية في شركة «سيل فورس» المتخصصة بصناعة البرامج الإلكترونية، أبعد من زملائه ويعتبر أنّ عالم ما بعد الجائحة سيشهد «تحوّل جميع الأعمال إلى الصيغة الرقمية» وأنّ قسماً كبيراً من التجارة والتفاعل والقوى العاملة سينتقلون إلى العالم الرقمي أيضاً.
- خلق فرص جديدة
ترى لوري غاريت، الصحافية المتخصّصة بالعلوم والتي حذّرت لعقود من انتشار الأوبئة العالمية، في الجائحة فرصة لإصلاح غياب المساواة الذي تفرضه أنظمتنا الاجتماعية والاقتصادية وتشرح أّن «التحوّلات الجذرية والدائمة التي ستشهدها جميع النشاطات» ستخلق إمكانية لإعادة هيكلة جذرية من صلب الفوضى.
يقول العالم البيئي بيل ماك كيبن إنّ الجائحة يمكن أن تتحوّل إلى نداء أخير يدفع البشر إلى رؤية «الأزمة والكارثة كفرصة حقيقية يمكن الاستفادة منها».
يشارك عالم الاقتصاد توماس بيكيتي الضيفين السابقين رأيهما، ويقرّ بخطر تصاعد اليمين وعدم المساواة، ولكنّه أيضاً يأمل بأن يتعلّم البشر «استثمار المزيد في مجال الرفاهية، معتبراً أن (كوفيد - 19) سيساعد في تشريع الاستثمارات العامّة في مجالي الصحة والبنى التحتية».
في سياق متصل، تعتقد يولاندا كاكابادسي، وزيرة البيئة السابقة في الإكوادور، أنّ العالم سيدرك أنّ «صحّة البيئة توازي صحّة البشر أهميّة» وأنّه يجب منح البيئة نوعاً جديداً من الاهتمام. بدوره، يأمل المؤرخ العسكري أندرو باسيفيتش، رؤية حوارٍ حول «تعريف الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين».
عبّر آتشيم ستاينر، مسؤول إداري في برنامج الأمم المتحدة للتنمية، عن ذهوله بالأرقام الخيالية التي أُنفقت على الاستجابة لهذه الأزمة العالمية وتساءل عمّا إذا كان العالم قد يصبح أقل معارضة للمبالغ الصغيرة اللازمة لمكافحة تغير المناخ قبل أن يصبح كارثياً وغير قابل للمعالجة.
وأخيراً، طرح نعّوم تشومسكي، أحد أهمّ المفكّرين في عصرنا، السؤال الأدقّ والأصدق وقال: «يجب أن نسأل أنفسنا عن العالم الذي سنخرج به من هذه الأزمة. ما هو شكل العالم الذي نريد أن نعيش فيه؟».
- عميد كلية «فريدريــك إس. باردي» للدراسات العالمية في جامعة بوسطن.
- خدمات «تريبون ميديا»


مقالات ذات صلة

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.