جوائز «جمعية المنتجين» هذا المساء تلقي ظلالا على الأوسكار

«الشرق الأوسط» تدخل سباق الأوسكار 2

«بين النجوم».. تم استبعاده  -  من «لعبة المحاكاة» مرشح هنا وهناك
«بين النجوم».. تم استبعاده - من «لعبة المحاكاة» مرشح هنا وهناك
TT

جوائز «جمعية المنتجين» هذا المساء تلقي ظلالا على الأوسكار

«بين النجوم».. تم استبعاده  -  من «لعبة المحاكاة» مرشح هنا وهناك
«بين النجوم».. تم استبعاده - من «لعبة المحاكاة» مرشح هنا وهناك

تتعاطى جوائز «جمعية المنتجين الأميركيين» التي تعلن الليلة (السبت) في حفل سنوي معتاد، مع الأوسكار مباشرة. كذلك تفعل جوائز «جمعية الممثلين» التي ستعلن يوم غد (الأحد) وجوائز «جمعية الممثلين» التي تليها في 25 من الشهر الجاري ثم جمعية المؤلفين (فنانو المونتاج) في الـ30 منه ثم جوائز «جمعية المخرجين لأميركا» في السابع من فبراير (شباط) المقبل، تليها جوائز «جمعية الكتاب» التي ستسبق إعلان جوائز الأوسكار بيوم واحد (أي في الحادي والعشرين من الشهر المقبل).
كيف؟
معظم أعضاء كل واحدة من هذه الجمعيات عضو في أكاديمية العلوم والفنون السينمائية التي تمنح الأوسكار، وإذا ما اختار أعضاء جمعية المخرجين، مثلا، المخرج كلينت إيستوود لمنحه جائزة أفضل مخرج، وهو من بين مرشّحي هذه الجمعية البارزين، فإنهم سينتخبون إيستوود ثانية في ترشيحات الأكاديمية ذاتها.
على ذلك، ليس شرطا أن يأتي هذا الفوز أو ذاك بنتيجة حتمية. لأن أصوات المخرجين في الاقتراع الأخير ستكون ضمن محيط من الأصوات التابعة لأعضاء آخرين ينتمي معظمهم إلى الجمعيات الأخرى، لذلك قد ينال الفائز بجائزة المخرجين جائزتهم، لكن قد يعارض ذلك الممثلون من أعضاء الأكاديمية ما يجعل أوسكار أفضل مخرج يتّجه إلى سواه.
عملان بارزان
إنها 10 أفلام تتنافس على جائزة الإنتاج، والحكم هنا هو حكم إنتاجي بالدرجة الأولى. تحديدا: ما هو الفيلم الأفضل في مجمل عناصره الإنتاجية وهل استفاد الفيلم منها أم لا. إنها جائزة صناعية بالدرجة الأولى موجهة للاحتفاء بالإنتاج الجيد أساسا لكن الفن يدخل في الاعتبار وبقوّة.
على ذلك، نلحظ غياب «بين النجوم» Interstellar لكريستوفر نولان عن جوائز جمعية المنتجين (كما هو غائب عن جوائز الأوسكار الأساسية) والتفسير الوحيد هو أن يكون المنتخبون نظروا إليه كفيلم مؤثرات أكثر منه فيلم مقادير إنتاجية. لكن إذا كان هذا حقيقيا فما الذي يفعله فيلم مثل «زاحف الليل» لتوني غيلروي في قائمة الأفلام المرشّحة؟
الأفلام الـ10 المرشّحة لجائزة «جمعية المنتجين الأميركيين» هي «قناص أميركي» و«بيردمان» و«بويهود» و«فوكسكاتشر» و«فتاة مختفية» و«ذا غراند بودابست هوتيل» و«لعبة المحاكاة» و«زاحف الليل» و«نظرية كل شيء» و«سوط».
7 من هذه الأفلام دخلت ترشيحات الأوسكار التي ستعلن نتائجها في الثاني والعشرين من الشهر المقبل، وهي «قناص أميركي» و«بيردمان» و«بويهود» و«لعبة المحاكاة» و«ذا غراند بودابست هوتيل» و«نظرية كل شيء» و«سوط». الفيلم الوحيد في ترشيحات الأكاديمية الذي لم يدخل سباق «جمعية المنتجين» هو «سلما». في حين أن «فوكسكاتشر» و«زاحف الليل» أخفقا في دخول الأوسكار لكنهما يظهران ضمن لائحة جمعية المنتجين.
وفي حين أنه ليس هناك من إيضاح حول الشروط التي يلتزم بها أعضاء جمعية المنتجين في التصويت على الأفلام التي يختارونها، فإن ترشيح «نظرية كل شيء» مثلا واستبعاد «سلما» يبدو بدوره غامضا: الأول مقتبس عن كتاب تم تحويله إلى فيلم بريطاني متوسّط التكلفة، والثاني فيلم عن حادثة واقعية تم تحويلها إلى فيلم أميركي متوسط التكلفة أيضا. كلاهما جاد وكلاهما عمل بارز على ناصية العناصر الإنتاجية المتوفّرة. لكن «سلما» يتميّز بالتحقيق المضني لتأليف هذا العمل وبالكثير من عناصر البحث التاريخية لتوضيبها فيلما. الأمر ذاته ليس متوفرا في «نظرية كل شيء» لكنه متوفر في الفيلم البريطاني الآخر المرشّح لجائزة الجمعية وهو «لعبة المحاكاة»، الفيلم انطلق من سيناريو جيّد لكن كان على الإنتاج أن يبحث عميقا فيما يعرضه السيناريو من حيثيات ووقائع ومن ثم توفير غطاء تحويلها إلى فيلم تقع غالبية أحداثه في الأربعينات من القرن الماضي.
وراء العمل
من ناحية أخرى لا يمكن تفويت ملاحظة ترد لمن يدرس ترشيحات الجمعية ومقارنتها بترشيحات الأكاديمية: من عام 2005 وإلى اليوم، باستثناء عامين، فإن نسبة الأفلام التي يعلن ترشيحها لمسابقة المنتجين ثم يعلن ترشيحها لجوائز الأوسكار هو 80 في المائة. في عام 2011 بلغت 90 في المائة وفي العام التالي هبطت إلى 70 في المائة ما يعني أن نسبة الـ80 في المائة هي مستقرة.
من الناحية المقابلة فإن ترشيحات الأوسكار تبقى الأكثر ميلا للفن مما يعتقده أكثر الناس. صحيح أن الأفلام المرشّحة لجوائز جمعية المنتجين فيها عدد ملحوظ من الأفلام الجيدة، كما يمكن أن نقرأ من اللائحة ذاتها، إلا أن الأوسكار هو الذي يحيط بكل جوانب العمل السينمائي ويبرر، أكثر من سواه، السبب وراء وجود هذا الفيلم أو ذاك في عداد مرشّحيه.
أوسكار أفضل فيلم يتم تسليمه إلى المنتجين الواقفين وراء العمل وليس إلى المخرج الذي ينفّذه (كذلك جوائز جمعية المنتجين) وهذا طبيعي، لكن تأثير أعضاء الجمعية في عملية التصويت على من ينال الترشيحات ثم من ينال الأوسكار واضح. هناك 6 آلاف منتج منضمّون إلى تلك الجمعية. ليسوا جميعا في الإنتاج السينمائي (هناك 3 أقسام لمنتجي الجمعية: السينما، والتلفزيون، و«الميديا الجديدة») ما يعني أن أقل من نصفهم هم أعضاء أكاديمية العلوم والفنون السينمائية مانحة الأوسكار.
والملاحظة الأخرى هي أن فيلما واحدا فقط من الأفلام المرشّحة لأوسكار أفضل فيلم روائي هو من إنتاج رئيس (وهو «قناص أميركي») في الوقت الذي تأتي فيه الأفلام الـ7 الأخرى («سلما»، «سوط»، «نظرية كل شيء»، «ذا غراند بودابست هوتيل»، «بويهود» و«بيردمان» و«لعبة المحاكاة» كأعمال مستقلة).
في سابق الأوان، كان الفيلم المستقل يعني شيئا مختلفا عما يعنيه حاليا.
اليوم، هو مستقل إذا لم تصرف عليه شركة إنتاج هوليوودية من الـ8 الرئيسية (مترو غولدوين ماير، فوكس، صوني، باراماونت، وورنر، ديزني، يونيفرسال) من مالها الخاص لا في مرحلة الإنتاج ذاتها ولا في مرحلة الشراء.
هذا يعني أنه إذا ما انصرف رتشارد لينكلاتر لصنع «بويهود» لتحقيق فيلمه بتمويل جهة أصغر حجما من الاستوديو ولم يستطع بيعه إلى شركة توزيع تتبع واحدا من تلك الشركات العملاقة، صح معه اعتبار أن الفيلم مستقل حقا.
فئات ثلاث
هذا موضوع شائك لأن ما يصح مع «بويهود» يختلف مع فيلم مثل «نظرية كل شيء» أو «لعبة المحاكاة» فهذان الفيلمان المرشّحان لأوسكار أفضل فيلم، كما حال «بويهود» عمدا إلى أسلوب سرد غير إبداعي (وهو بالتأكيد غير ذاتي) على عكس «بويهود» و«ذا غراند بودابست هوتيل». ففي السابق، كان «الاستقلال» يشمل أيضا اختلاف منهج الإخراج عن منهج الإخراج للفيلم المؤسساتي السائد. بالتالي، وإلى حد كبير، فإن رتشارد لينكلاتر (مخرج «بويهود») ووس أندرسون («ذا غراند بودابست هوتيل») وأليخاندرو غونزاليز إيناريتو («بيردمان») هم الوارثون الحقيقيون للسينما المستقلة التي قام بها جون سايلس وجون كازافيتيز وروبرت التمن وباربرا كوبل سابقا. ما ينتج عن هذه الملاحظة هو أن الأفلام الـ8 المرشّحة لأوسكار أفضل فيلم تنتمي إلى 3 فئات إنتاجية:
الأولى (بلا ترتيب): فئة الأفلام المنتجة من معسكر الاستوديوهات الكبرى، وهي تنضوي على فيلم واحد فقط هو «قناص أميركي» (تمويل وورنر).
الثانية هي تلك الصغيرة التي يعمد مخرجوها إلى تقديم أفلام موجهة - قدر الإمكان - إلى الجمهور السائد عبر الوسائل التوزيعية المتاحة (شركات أصغر حجما أو أفرع لشركات كبرى) وهي «سوط» و«نظرية كل شيء» و«سلما» و«لعبة المحاكاة».
الثالثة، هي فئة الأفلام المختلفة ليس صناعيا فقط، بل إخراجيا ومن منطلق الهم الذاتي والمعالجة الإبداعية التي لا تشمل الخضوع لشروط الفيلم السائد، وهي «بويهود» للينكلاتر و«بيردمان» لإيناريو و«ذا غراند بودابست هوتيل» لأندرسون. ولعل «بويهود» و«ذا غراند…» يلتقيان في هذا الشأن أكثر من «بيردمان».
لكن وجود غالبية من أفلام الفئتين الثانية والثالثة في مقابل فيلم مؤسساتي واحد، لم يحدث من قبل في هذه المسابقة. على ذلك، قد يفوز ذلك الفيلم الواحد («قناص أميركي») على كل ما عداه وإن كان هذا يصعب توقعه في هذه اللحظة تحديدا.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».