«عام كورونا» في الثقافة الغربية... شؤم معولم

فريق العمل على قاموس «كولينز» اختار كلمة «الإغلاق - Lockdown» علامة لـ2020

TT

«عام كورونا» في الثقافة الغربية... شؤم معولم

درجت المعاجم الكبرى في الإنجليزية على اختيار كلمة كل عام تكون رمزاً للمصطلح أو الفكرة الأكثر تداولاً خلال فترة الاثني عشر شهراً المنصرمة، وتعبيراً بأحرف قليلة عن روح المرحلة وثقافتها وانشغالاتها. وهكذا كانت سنة «بريكست» وسنة الأخبار الكاذبة وسنة المناخ. وعن عامنا هذا، اختار فريق العمل على قاموس «كولينز» كلمة «الإغلاق - Lockdown» علامة على عام 2020، فيما أعلن فريق معجم «أكسفورد» عجزه لأول مرة عن اختيار كلمة، لكثرة ما جلب هذا العام من لطائف اللغة، ولذا قرر استثنائياً إعلان مجموعة من الكلمات معاً: فيروس كورونا، والتباعد الاجتماعي، والجائحة، والكمامة، والحجر الصحي، والعزل، والقطيع، والعاملون الأساسيون، وغيرها. واقترحت مجلة هندية على المعجم رقماً لتلك الغاية: 2020، لكثرة ما حمله هذا العام من الكوارث والأخبار والإغلاقات، فيكون كناية عن كل عام يفيض بشؤم معولم.
وفي الحقيقة، فإن 2020 كان له نصيبه، كما كل أعوام البشر، من الحروب والمآسي والكوارث الطبيعية والصراعات السياسية الكبرى، لكن تجربة تفشى وباء كورونا عبر المسكونة أثبتت أنها -وما تزال- الأوسع تأثيراً، بما لا يقاس على مختلف جوانب الحياة الإنسانية عامة. وقد تسببت على الصعيد الثقافي تحديداً في تغيير سلوك ملايين البشر وطرائق تفكيرهم، وفرضت عليهم إيقاعات مستحدثة لناحية إنتاج واستهلاك المادة الثقافية، ودفعت إلى الأمام بعض الأفكار -التيارات- قنوات التواصل بين المنتجين والمستهلكين على حساب أخرى.
ومع أن ترتيبات الحجر الصحي والعزل تسببت في إلغاء عدد غير مسبوق من الأنشطة الثقافية والفنية والأدبية، فإن حاجة الناس إلى المنتج الثقافي عموماً لم تفتر، بل أصبحت في بعض الأحيان ملتجأً للبشر من كآبة المنظر ووعثاء الزمن. فانتقلت كثير من الأنشطة والمعارض والمحاضرات والأمسيات الشعرية، وحتى احتفالات منح الجوائز الأدبية، إلى تطبيقات الاجتماع عبر الإنترنت، وهو إن أفقد الأحداث بعضاً من وهج الحضور الشخصي، فإن توسع قاعدة المشاهدة حول كثيراً من الأحداث المحلية إلى مظاهرة مُعولمة بامتياز.
من إيطاليا، حيث فتكت بؤرة مبكرة من الفيروس بالآلاف، كانت متاجر الكتب واحدة من أوائل الأماكن العامة التي سمحت السلطات بفتحها بعد تخفيف إجراءات العزل جزئياً، وسجل اقتناء مواد القراءة إقبالاً استثنائياً هذا العام الذي شهد أيضاً احتفاء البلاد بمرور 700 سنة على نشر «الكوميديا الإلهية» للشاعر الفلورنسي دانتي أليغيري، النص الذي كان فاصلاً في الانتقال بين اللاتينية القديمة واللغة الإيطالية الحديثة، ومثل دون شك واحداً من النصوص المؤسسة لمرحلة النهضة اللاحقة في أوروبا، وأحد عيون الأدب العالمي.
فرنسا التي خططت لاستعادة نجمها الروائي المفكر ألبير كامو (1913-1960) لمرور ستين سنة على غيابه، تضاءلت فيها الذكرى، وما أعد لها من الأنشطة الثقافية والفنية، أمام الاستعادة غير المسبوقة لروايته الأهم «الطاعون - 1947» فور تفشي وباء «كوفيد-19»، وإجراءات الإغلاق الاستثنائي التي فرضتها الحكومة في محاولة لاحتوائه، إذ تهافت كثيرون للحصول على نسخة الرواية، كما لو كانت مصل الوقاية أو مهدئ الأعصاب من عواقب العزلة، فيما وصفتها صحف باريس بأنها «إنجيل لأزمنة الشقاء التي نعيش»، وكاتبها بـ«العراف» الذي رأى كورونا قبلنا، ورسم لنا صورة العالم لحظتها. ولم تقتصر الظاهرة على الفرنسيين وحدهم، إذ تضاعفت مبيعات «الطاعون» ببريطانيا بأكثر من ألف في المائة، مقارنة بالسنة الماضية، وقال باعة الكتب باليابان إن الطلب عليها خلال شهر واحد فاق مبيعاتها المتراكمة لأكثر من 30 عاماً ماضية، بينما تكرر انقطاع المعروض منها على متاجر الكتب الإلكترونية، مثل «أمازون».
بريطانياً، نشرت جيه كيه رولينغ، مؤلفة «هاري بوتر»، الرواية الأطول الأكثر مبيعاً في التاريخ، روايتها الجديدة «الإيكابوغ - The Ickabog» مسلسلة على الإنترنت مجاناً في 34 حلقة كي تسلي الأطفال من سن (7-9) في أثناء فترات العزل. و«الإيكابوغ» اسم وحش أسطوري كان يُعتقد في العصور القديمة أنه وراء اختفاء الأطفال والحيوانات لدى عبورهم منطقة مظلمة في الطريق بين الشمال والجنوب. ورغم تورط رولينغ بعدة جدالات ثقافية عامة تسببت بتعرضها لانتقادات، فإنها ما تزال تتربع على عرش أثرى أدباء العالم، وقد بيعت نسخة أولى من أول طبعة لـ«هاري بوتر وحجر الفلاسفة» -باكورة أعمالها- في مزاد علني أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بـ60 ألف جنيه إسترليني، فيما لم تحقق نسخة من الـ«برنسيبا» لإسحق نيوتن تعود لعام 1729 أكثر من 24 ألف جنيه. على أن هذي الأرقام بدت بمثابة فكة صغيرة بعدما بيعت نسخة الطبعة الأولى لـ«فوليو» الشاعر المسرحي ويليام شكسبير بنيويورك مقابل نحو 10 ملايين دولار أميركي. لكن عام 2020 لم ينقضِ على البريطانيين قبل أن يفقدوا كبير روائييهم جون لو كاريه عن 89 عاماً، وهو الذي يعد أهم كتاب أدب الجاسوسية خلال السبعين عاماً الأخيرة، وعراب أدب مرحلة الحرب الباردة، تاركاً وراءه 24 رواية مهمة، وعشرات الأعمال السينمائية والدرامية المستلهمة منها، كما مذكرات شخصية نشرها قبل وفاته بسنوات قليلة، ومكانة في قلوب البريطانيين لا يسهل ملؤها. ولم تكتمل الأحزان بعدها، إذ ألغيت الاحتفالات بأعياد الميلاد لأول مرة في تاريخ بريطانيا المعاصر بسبب موجة جديدة من فيروس كورونا، فيما أعلنت حكومة لندن بعد توقيعها اتفاق اللحظة الأخيرة مع الاتحاد الأوروبي حول «بريكست» إلغاء مشاركتها في برنامج «إيراسموس» لتبادل الطلاب بين الأقطار الأوروبية، الأمر الذي يعد ضربة لجهد علمي مشترك ازدهر خلال العقود الماضية، ومنح فرصاً عبر القارة للتعلم واكتساب المهارات لملايين الأوروبيين، بمن فيهم نحو 17 ألف طالب بريطاني في العام الحالي وحده.
وفي السويد التي حاولت تبني سياسة متساهلة تجاه كورونا كلفتها غالياً، تمكنت الأكاديمية السويدية من تجاوز محنتها الذاتية بسبب اتهامات بتجاوزات جنسية، وعادت رغم الوباء لمنح جوائز نوبل بانتظام، كما عهدها سنوياً منذ 1901. وقد حازت نوبل للآداب الشاعرة الأميركية لويز غليك (77 عاماً) لـ«صوتها الشعري المميز الذي من بساطة مكوناته الجمالية ينقل تجربة الوجود الفردية إلى العالم»، وفق بيان الأكاديمية.
وعلى الجهة الأخرى من الأطلسي، كانت الولايات المتحدة الغارقة لأذينها بوباء «كوفيد-19» قد فقدت مبكراً هذا العام الكاتبة إليزابيث أورتزل، عن عمر 52 عاماً، التي اشتهرت بمذكراتها «أمة البروزاك» التي فتحت باب النقاش المجتمعي في الولايات المتحدة حول ظاهرة الاكتئاب المعاصر، وتركت أثراً لا يُمحى على أدب الاعتراف نسوياً. كما توفي الناقد الفرنسي - الأميركي جورج ستاينر، عن 90 عاماً، بعدما قدم عبر سلسلة من الكتب ومئات المقالات جسراً بين الثقافات الأوروبية (لا سيما أعمال المثقفين اليهود) والأميركية عبَرَهُ كثيرون في الاتجاهين، وكانت له نظرات عميقة في اللغة والفكر شكلت ذائقة كثير من المثقفين الأميركيين المعاصرين. لكن هذا البلد الهائل أيضاً لم يعدم علامات انتصار للكتاب، رغم كل الأزمات الصحية والاقتصادية والسياسية المتلاحقة، إذ أعلن عملاق النشر «بنغوين راندوم هاوس» عن شراء غريمه «سيمون آند تشيستر»، في صفقة تجاوزت قيمتها ملياري دولار أميركي، فيما حققت مذكرات الرئيس السابق باراك أوباما عن فترة ولايته الأولى مبيعات مليونية خلال أيام قليلة من طرحها في الأسواق، وتفوقت على كل الأعمال الأدبية، لا سيما أنها صدرت في خضم الانتخابات الرئاسية الأميركية، ومناخها شديد الاستقطاب. على أن أفضل الأنباء ربما كانت صدور رواية أخرى للأميركي الشهير دون ديليلو (84 عاماً) باسم «الصمت»، وإن كان فيها -وهو الناقد الأدبي الأبرز لنموذج الحياة الأميركية المعاصرة- ينحت لحظة صعبة للبشرية عندما تتوقف كل الشاشات نهائياً عن العمل، ليعلو صوت الصمت إيذاناً منه بالعودة لذواتنا التي صارت تتنفس فضاءات سيبيرية.
ألم يكن بمقدورك أن تكون أكثر تفاؤلاً يا ديليلو ونحن نحاول لاهثين مع انقضاء الأيام الأخيرة من 2020 البائس قلب صفحة الوباء المعولم إلى الأبد؟!


مقالات ذات صلة

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الألمانية، أولريكه أوتينغر، إن فكرة فيلم «كونتيسة الدم»، الذي عرض في الدورة الأحدث من مهرجان برلين السينمائي، لم تولد من رغبة مباشرة في تقديم عمل عن مصاصي الدماء، بل جاءت نتيجة رحلة شخصية قامت بها في أواخر التسعينات، حين دُعيت إلى فيينا وقررت أن تسلك طريقاً طويلاً بالسيارة مروراً ببرلين وشرق ألمانيا وعدد من دول أوروبا الشرقية في طريقها إلى النمسا، وهي الرحلة التي جعلتها تشعر بأن تلك المدن القديمة تبدو وكأنها مدن منسية، تقبع خارج الزمن، بما تحمله من عمارة وتاريخ وطبقات من الذاكرة، فكانت الشرارة الأولى التي أوحت لها بفيلم عن مصاصي الدماء.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم لم يكن مشروعاً بسيطاً يمكن إنجازه بشكل اعتيادي كما يحدث مع الأفلام الأخرى نظراً لطبيعته الخاصة وما يحتاجه من تفاصيل وتجهيزات عدة، وهو أمر جعل العمل عليه مستمراً لأكثر من 27 عاماً حتى يرى النور، وهي فترة كانت كفيلة بإعادة كتابة السيناريو عدة مرات وإحداث تغيرات كبيرة، لكن مع ثبات فكرة العمل وطبيعته.

وأوضحت أن تعاونها في كتابة الحوار مع الكاتبة النمساوية الحاصلة على نوبل إلفريدي يلينيك أضاف للنصّ بعداً ثقافياً وساخراً، مشيرة إلى أنها تواصلت معها في أوائل الألفية الجديدة، وكتبت مقاطع تحمل إشارات دقيقة إلى التاريخ النمساوي والبنية الاجتماعية، لكن بعض تلك المقاطع حُذف لاحقاً بسبب ضرورة تقليص زمن الفيلم، وما بقي من مساهمتها يمنح العمل نبرة نقدية خفية، تتسلل عبر الحوار دون مباشرة.

المخرجة الألمانية أولريكه أوتينغر (الشركة المنتجة)

وفي ما يتعلق ببناء السيناريو، قالت إنها تعتمد دائماً على دفتر ضخم من الصور والرسوم والمواد البصرية التي تجمعها على مدار سنوات، وصنعت من هذه المواد لوحات قصصية استعانت بها في مناقشة مدير التصوير، فالصور كانت نقطة البداية، قبل أن تبني حكاية تقوم على تنويعات المطاردة، وفق قولها «فمصاصو الدماء يبحثون عن دم جديد، والكونتيسة تنقب في تاريخ عائلتها، والخيط الرئيسي يتمثل في البحث عن كتاب غامض يهدد وجود مجتمع مصاصي الدماء نفسه».

وأكدت أن شخصية «مصاص الدماء» جذبتها لأنها نموذج حي لكيفية تحديث الأساطير القديمة باستمرار، مع بقاء الصور ذاتها تتكرر عبر العصور، وكانت مهتمة بإعادة قراءة هذا الكائن من زاوية مختلفة، لذلك أدخلت شخصية «مصاص الدماء النباتي»، الشاب المتمرد الذي يذهب إلى العلاج النفسي في محاولة لاستعادة طبيعته، في مفارقة ساخرة مع الصورة النمطية للكائن المتعطش للدماء.

وأشارت إلى أن الكونتيسة وخادمتها تمثلان في المقابل ذروة الإغواء والقوة، بينما تحاول «قوى النظام» من أطباء نفسيين وشرطة وباحثين في مصاصي الدماء القبض عليهم، غير أن خوفهم نفسه هو ما يسمح بوجودهم، مؤكدة أن طبيعة الفيلم الباروكية، واعتماده على مواقع تاريخية وديكورات معقدة وأزياء استثنائية، جعلته عملاً مكلفاً بطبيعته، وهو ما أبطأ خروجه للنور.

وأوضحت أولريكه أوتينغر أنها خلال وجودها في فيينا بدأت تبحث عن مواقع تحمل طابعاً غرائبياً وتاريخياً في آن واحد، مثل برج الحمقى الذي كان من أقدم المصحات النفسية في أوروبا وتحول إلى متحف، إضافة إلى الأنفاق السرية والمناجم والمواقع المرتبطة بتاريخ مضطرب، وهو ما عزّز لديها فكرة العبور بين الماضي والحاضر داخل حكاية واحدة، مؤكدة أن السفر والمكان يشكلان دائماً مصدر إلهامها الأساسي، وأعمالها تتحرك غالباً على خطوط التماس بين التحولات السياسية والاقتصادية الكبرى وما تخلقه من مخاوف وأوهام بالخلاص.

صناع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأكدت أن اللون الأحمر يسيطر على الفيلم بوصفه محوراً بصرياً، مشيرة إلى أنه «يظهر في المخمل والحرير والشموع والسلالم الرخامية حتى تفاصيل الطعام، فالأحمر ظهر ليس رمزاً مباشراً للدم فقط، بل طاقة جمالية تخلق توتراً دائماً بين الغواية والخطر».

وأكدت أوتينغر أنها منذ البداية كانت ترى في النجمة الفرنسية إيزابيل أوبير تجسيداً مثالياً لشخصية «الكونتيسة»، وأنها ناقشت المشروع معها على مدى ما يقرب من 20 عاماً، وأبدت حماسة واضحة، لكن تعثر التمويل كان يؤجل التنفيذ في كل مرة، إلى أن توفرت الميزانية أخيراً فانضمت فوراً إلى فريق العمل، مؤكدة أن الدور مختلف جذرياً عن الأدوار النفسية المعقدة التي اشتهرت بها أوبير، فـ«الكونتيسة» في الأحداث ليست شخصية تحليلية تُشرح دوافعها، بل تمثل حضوراً أيقونياً طاغياً، متسلطاً، يفرض نفسه بالصمت والهيبة.

وأوضحت أن «الفيلم يتنقل لغوياً بين الألمانية والفرنسية، في انعكاس لحياة تعبر الحدود الثقافية»، مؤكدة أن «أوبير عملت على تحسين لغتها الألمانية، فيما تعلمت الممثلة بيرجيت مينيشماير الفرنسية، ليصبح الحوار انتقالاً طبيعياً بين لغتين لا تفصل بينهما حدود صارمة»، معتبرة أن تمسك فريق العمل وحماسهم للتجربة جعلاها تتجاوز صعوبات عدة، أهمها إكمال التصوير في 30 يوماً فقط.


جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
TT

جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

خطف خبر إحالة الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي إلى محكمة الجنايات، الاهتمام في مصر، على خلفية قضية تعود لعام 2025 تضمنت اتهامات بـ«السرقة بالإكراه»، وتصدر اسم الفنانة «الترند» على «غوغل» و«إكس» بمصر، الأربعاء، خصوصاً بعد إصدارها بياناً عبر ممثلها القانوني تطالب فيه بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف».

وأحالت جهات التحقيق القضية رقم 6553 لسنة 2025 جنايات قصر النيل، والمقيدة برقم 1434 لسنة 2025 كلي وسط القاهرة إلى محكمة الجنايات لاتهام الفنانة و4 آخرين بارتكاب سرقة بالإكراه والتسبب في إصابة سيدة بإصابات بالغة، وتحددت أولى جلسات المحاكمة في 26 مارس (آذار) الجاري، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

ونشر العديد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي تعليقاً على الواقعة، وكتب الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن على صفحته بـ«فيسبوك» أن «ما وصلني من معلومات يرجع الواقعة لأكثر من عامين، حيث كانت الفنانة شريكة بالإيجار في استوديو يضم أكثر من فنان في مجالات تصميم الحلي والفنون بشكل عام».

مضيفاً أنه «خلال فض الشراكة وخروج المستأجرين، حدث خلاف بين إحدى المستأجرات وصاحبة المكان تطور إلى مشاجرة أصيبت فيها والدة صاحبة الاستوديو، ما أدى لتحريك بلاغ تطور إلى دعوى قضائية من جانب صاحبة المكان ضد كل المستأجرين الحاضرين للواقعة ومن بينهم جيهان».

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

وقال عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط»: «هذه القضية تعكس عدم تناول بعض المواقع الصحافية لقضايا معينة بما يناسب حجم الموضوع، فقد تم تضخيم الأمر وهذا ثمن الشهرة؛ لأن القضية تعود للفترة التي سبقت شهرة الفنانة، لدرجة أن اسمها في المحاضر غير مطابق لاسمها الفني، والقضية حالياً في يد القضاء ويجب أن تتعامل الصحافة مع هذه القضايا بتوازن وليس على أساس شهرة المتهم».

وأصدرت الفنانة جيهان الشماشرجي بياناً عبر مستشارها القانوني، تطالب فيه وسائل الإعلام بـ«تحري الدقة فيما ينشر عن إحالتها للمحاكمة، مع التأكيد على أن قرار الإحالة الصادر عن النيابة جاء على خلفية نزاع بين أطراف أخرى يتعلق بشركة تجارية وخلافات نشبت بينهم، وأن اسمها جاء في القضية ضمن اتهام شائع مع عدة أطراف أخرى، وأنها ليست طرفاً في النزاع التجاري محل الخلاف».

وأشار البيان إلى أن «نشر قرار الإحالة لا يعني ثبوت الاتهام، والكلمة الأخيرة تبقى للقضاء بعد نظر الدعوى». وطالب بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف، إلى حين صدور حكم القضاء المصري في القضية».

جيهان الشماشرجي في مسلسل «بطل العالم» (صفحتها على فيسبوك)

وقال الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، إن «القضية التي تواجهها جيهان الشماشرجي ترجع إلى نحو 3 سنوات حين كانت تعمل في تصميم الإكسسوارات، وفي النهاية حدث خلاف، والنيابة وجهت اتهاماً لها وأحيلت مع آخرين للجنايات».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «القضية أخذت بعداً إعلامياً آخر يضخمها بسبب نجومية جيهان الشماشرجي، بعد أن أصبحت فنانة معروفة، ولا نستطيع التحدث في قضية ما زال ينظرها القضاء، خصوصاً أن جيهان الشماشرجي امتثلت لهذا الوضع وذهبت لإجراء مناظرة، وما زالت الدعوى منظورة»، لكن وفق سعد الدين «تظل هذه القضية مرتبطة بشهرة الفنانة، ولو كانت وقعت بين شخصين عاديين لم يكن أحد ليسمع بها».

وشاركت جيهان الشماشرجي في العديد من الأعمال الدرامية والسينمائية في الفترة الأخيرة من بينها مسلسلا «إخواتي» و«بطل العالم»، وفيلما «أحمد وأحمد» و«علشان خاطر جليلة» الذي أعلنت عن الانتهاء من تصويره قبل أيام، وفي الموسم الرمضاني الحالي تشارك في المسلسل الإذاعي «المتر براءة». وشاركت من قبل في مسلسلي «جودر: ألف ليلة وليلة» و«الحشاشين».


«قرآن المغرب»... طقس رمضاني يحتفي بالتلاوات النادرة لكبار القراء المصريين

مسجد أحمد بن طولون في القاهرة (الهيئة المصرية لتنشيط السياحة)
مسجد أحمد بن طولون في القاهرة (الهيئة المصرية لتنشيط السياحة)
TT

«قرآن المغرب»... طقس رمضاني يحتفي بالتلاوات النادرة لكبار القراء المصريين

مسجد أحمد بن طولون في القاهرة (الهيئة المصرية لتنشيط السياحة)
مسجد أحمد بن طولون في القاهرة (الهيئة المصرية لتنشيط السياحة)

إنها الـ45 دقيقة الأخيرة قبل أذان مغرب رمضان في مصر، ففي حين يجهز الملايين موائد إفطارهم لسد جوعهم، تبحث ملايين أخرى في التوقيت نفسه عن «غذاء الروح»، ممثلاً في آيات الذكر الحكيم أو ما يعرف بـ«قرآن المغرب»، تلك التلاوة القرآنية التي تبثها إذاعة القرآن الكريم المصرية يومياً، خلال أيام شهر رمضان، إعلاناً عن اقتراب موعد الإفطار.

وعلى مدار عقود طويلة، تحول «قرآن المغرب» من مجرد فقرة إذاعية إلى طقس روحاني وتقليد رمضاني، يرتبط بوجدان المصريين، فأصوات كبار القراء تنساب في وقت واحد من أجهزة الراديو في كل بيت، ومقهى، ومتجر، ووسيلة مواصلات، كما أن جلّ المساجد في مختلف المحافظات تقوم بتشغيل تلك التلاوة عبر مكبرات الصوت.

ويزيد من الارتباط بذلك الطقس الروحاني، أنه يُسمع من خلاله مشاهير القراء من دولة التلاوة المصرية، لا سيما الرعيل الأول منهم، الذين ارتبطت جموع المسلمين بحناجرهم، أمثال محمد رفعت، ومحمد صديق المنشاوي، وعبد الباسط عبد الصمد، ومحمود خليل الحصري، ومحمود علي البنا، ومصطفى إسماعيل وغيرهم، إلى جانب أنه يتم اختيار التلاوات النادرة من تراث الإذاعة المصرية خصيصاً لـ«قرآن المغرب»، ما يزيد من متابعتها والإنصات إليها.

مصريون يتلون القرآن الكريم في رحاب الجامع الأزهر (الأزهر)

ووفقاً لتصريحات صحافية لرئيس إذاعة القرآن الكريم المصرية، إسماعيل دويدار، فإنه للمرة الأولى هذا العام، تتم إذاعة تسجيلات نادرة جداً لكبار القراء، مضيفاً أن «هذه الكنوز حصلنا عليها بعد جهد كبير من أسر القراء والمحبين، وقمنا بترميمها تقنياً لتليق بآذان المستمعين».

واعتادت إذاعة القرآن الكريم خلال السنوات الماضية أن تعلن عن جدول القراء طوال شهر رمضان، وهو ما يجد تفاعلاً كبيراً بين المستمعين، حيث يبحث مُحبو كل قارئ عن يومه المحدد، منتظرين أن يُحلّق صوته بهم إلى عنان السماء، كما يطالب آخرون بإدراج أصواتهم المفضلة في الأعوام المقبلة وعدم تغافلها، ما يعكس مكانة «قرآن المغرب» في نفوس المصريين.

كما أن تلك التلاوات يتم تداولها بشكل كبير بين رواد منصات التواصل الاجتماعي في الأيام التالية لبثها، كدلالة أخرى على تمسك أجيال المصريين بتقليدهم الرمضاني الذي ترسخ عبر الإذاعة المصرية، رغم انتشار التطبيقات الحديثة للقرآن الكريم.

طقس سنوي

وعن ارتباط الكثير من المصريين بـ«قرآن المغرب»، يقول رئيس إذاعة القرآن الكريم السابق، رضا عبد السلام، لـ«الشرق الأوسط»: «الشعب المصري لديه ارتباط وجداني بأصوات قراء القرآن، فهي في ذاكرتهم السمعية ليست مجرد أصوات تلاوة، بل هي انعكاس حي للروح المصرية، خصوصاً أن الله حبا مصر بمدرسة تلاوة متفردة لا مثيل لها، فأسماء مثل رفعت وعبد الباسط والمنشاوي، صاغوا وجدان المصريين، ولا تزال أصواتهم خالدة، وبالتالي تلاوات المغرب تُعيد إلى الأذهان أصوات كبار القراء الذين ارتبطت أصواتهم بذاكرة رمضان لعقود طويلة».

إذاعة القرآن الكريم تواظب على بث «قرآن المغرب» منذ تأسيسها (الشرق الأوسط)

ويبيّن أن «قرآن المغرب» يعد بمنزلة «عرس سنوي للقرآن»، لذا عملية اختيار قرائه تخضع لخطة، حيث يتم اعتماد خريطة تلاوات تضم 33 قارئاً من عمالقة دولة التلاوة المصرية، يتم توزيعهم على مدار 33 يوماً، تبدأ من غرة شهر رمضان المبارك، وتمتد حتى نهاية اليوم الثالث من عيد الفطر.

ويوضح قائلاً: «عندما كنت رئيساً لإذاعة القرآن الكريم، كنت أخصص أكثر من شهرين للإعداد لتلاوات المغرب، نبحث عن الجديد والنادر، فالمستمع يكون في ترقب للصوت الذي سيصحبه لحظة الإفطار، كما أنه يعلم أن ما سيبثه أثير الإذاعة في هذه الفقرة ليس مكرراً، بل سيكون جديداً ومميزاً، وهو ما يفسر الارتباط بـ(قرآن المغرب)، الذي يبقى دائماً حاضراً في وجدان المستمعين».

مصريون ووافدون في انتظار أذان المغرب بصحن الجامع الأزهر (الأزهر)

بدوره، يرى الدكتور فايز الخولي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة، أن «(قرآن المغرب) يتجاوز كونه مجرد طقس يومي رمضاني، فهو جزء من العادات الراسخة لدى المصريين، فالقرآن الكريم يحتل مكانة في الثقافة المصرية، ويزداد الاهتمام به بشكل خاص في الشهر الفضيل، لذلك فإن تلاوة المغرب تعد رمزاً للارتباط المتين بالقرآن».

ويوضح، لـ«الشرق الأوسط»، أن «رمضان هو مناسبة تعيد إحياء المشاعر الروحية والعادات الراسخة في المجتمع المصري، ولأن ارتباط المصريين بقرآن المغرب وُجد منذ تأسيس إذاعة القرآن الكريم في منتصف ستينات القرن الماضي، لذا فاستمرار هذا التقليد حتى اليوم، يعد رمزاً للتمسك بالهوية الثقافية والدينية خلال شهر الصيام».

ويلفت «الخولي» إلى أن عادة تشغيل «قرآن المغرب» عبر مكبرات الصوت في المساجد «تخلق حالة روحانية جماعية قبل الإفطار، وتجسد روح الجماعة التي يعيشها المصريون في رمضان؛ فالتلاوة لا تُسمع فردياً فقط، بل تصبح جزءاً من المشهد العام، فتخلق حالة من الطمأنينة والهدوء وسط التوتر الذي يسبق الإفطار».

ويشير أستاذ علم الاجتماع إلى أن برنامج المسابقات الشهير «دولة التلاوة» وتصدره اهتمام الرأي العام، كان له تأثير واضح هذا العام في خلق حالة جماعية من الالتفاف حول القرآن الكريم في شهر رمضان بشكل عام، والتفاعل مع تلاوات المغرب بشكل خاص.