إبداعات غربية تتوجها دايفيز ومكدورمند وأخريات

في عام خلا من أداء نسائي عربي ناصع

تيلدا سوينتون
تيلدا سوينتون
TT

إبداعات غربية تتوجها دايفيز ومكدورمند وأخريات

تيلدا سوينتون
تيلدا سوينتون

رغم الظروف القاهرة التي عرقلت مساعي الأفلام السينمائية من الوصول إلى جمهورها عبر المهرجانات والعروض التجارية معاً، فإن الوضع تبلور، كما الحال في كل عام، عن مواهب في الأداء، الرجالي والنسائي، لا يمكن غض النظر عنها. الحال أن الأداءات الجيدة من الإناث والذكور كثيرة بحيث لا يمكن إتاحة مجال كاف للممثلين من الجنسين في تحقيق واحد. عليه فإن التالي هو استعراض لأفضل تمثيل نسائي خلال العام الذي نشهد مضيّه بعد مشاق. وعلى التمثيل الرجالي أن يأتي في الأسبوع الأول من السنة الجديدة.

لا تميّز
يستقي الناقد أفلامه من العروض الفعلية والافتراضية التي شاهدها هذه السنة، ويمكن له أن يلحظ، في تحليق يطير به فوق ما شاهده من أفلام (شرط أن تكون شاملة وغزيرة) أن أفلام 2020 لم تخل من الأداءات النسائية المتميّزة.
من هذه الزاوية فإن ما شاهده هذا الناقد من أفلام عربية لا يوفر أكثر من مثالين أو ثلاثة من حسن الأداء النسائي في الوقت التي افتقرت السينما العربية (تبعاً لما شوهد من أفلامها) في مجال توفير بطولات نسائية كما الحال في العام الأسبق 2019 والأعوام السابقة له.
أبرز الأداءات ذات التميّز كان من نصيب المغربية خنساء بطمة عن دورها في «زنقة كونتاكت»، وهي استحقت جائزة أفضل ممثلة في مهرجان فينيسيا (في المسابقة الموازية) في خريف السنة.
والناقد لا يستطيع إغفال الممثلة هيام عبّاس في «غزة حبي»، تعكس صدقاً وبساطة ظاهرية تخفي مشاعر قويّة تحت ملامحها لكن الفيلم ليس عنها، بل عن بطله سليم ضو في دور العاشق الذي يمنعه خجله من البوح بحبه.
بدورها، لم تشهد السينما المصرية أفلاماً فنية التوجه يمكن البحث في أرجائها عن أداءات خاصّة. الممثلات اللواتي شاركن فيما توفر من أفلام لعبن الأدوار التي لا يزيد عمق مفاداتها وعواطفها عن سنتم واحد. من بينهن دينا الشربيني في «البعض لا يذهب للمأذون مرتين» (يكاد المرء يعرف فحواه من عنوانه) وهيفاء وهبي في «أشباح أوروبا» وبسمة وناهد السباعي في «ماكو» وياسمين رئيس في «لص بغداد» كما منى زكي في «العنكبوت».
مع مثل هذه الأفلام التي لا تتوخى إلا لمداعبة الجمهور فإنه لا مجال لتميّز ممثلة عن أخرى إلا بملامح وجهها وطريقة تجسيدها للشخصية التي تُكتب لها كما لسواها.

أزمات عاطفية
من حسن الحظ أن الوضع ليس بهذا القدر من السوء عالمياً. واستعادة ما تمت مشاهدته من أفلام خلال 2020 تكشف عن أكثر من عشر ممثلات غرزن أصابعهن عميقاً في شخصياتهن.
ماريسا توماي كانت رائعة في دورها الكوميدي كامرأة تقف وسط نزاع ابنها مع صديقها في «ملك الجزيرة المسروقة». الفيلم لا يعدو واحداً من أعمال المخرج جيد أباتوف الضحلة كقيمة، لكنها برعت في توفير هذا الوضع وكانت السبب الوحيد لمشاهدة الفيلم.
في المواقف الصعبة إنما ضمن أفلام جادّة نجد ديانا لين تجسد الأسى الذي يمكن أن يصيب زوجة تجد حفيدها الصغير غير قادر على الدفاع عن نفسه بعدما تزوّجت أمه من رجل آخر بعد وفاة والده. هناك مزج اندفاع لمواجهة أكثر عنفاً، داخلياً، مما تتوقعه في البداية.
إنه الاندفاع صوب القرارات الصعبة ذاتها كما تمر بها ياسنا ديورتزيتش في فيلم ياسميلا زبانتش «كيو فاديس، عايدة» (بوسنيا). بطلة الفيلم مترجمة تعمل لحساب قوة للأمم المتحدة موجودة في محيط بلدة سربريتزا الحدودية خلال الحرب الأهلية اليوغوسلافية، وهي تشهد أولاً نزوح مئات المواطنين الساعين للاحتماء بمعسكر القوات الدولية، ثم فشلها في حماية زوجها وولديهما عندما يقتحم الصرب المعسكر ويقودون الرجال لإعدامهم.
أداء ياسنا حثيث ومندفع وعاطفي بالضرورة وجيد بالتجسيد. والأقرب إليه في اندفاعه العاطفي يكمن في أداء تيلدا سوينتن في الفيلم القصير «صوت إنساني» للمخرج الإسباني بدرو ألمودوفار.
كون الفيلم قصيراً (30 دقيقة) لا يعدو أكثر من مسألة دقائق عرض. ما تضعه سوينتن في هذا العمل مبهر في انفعالاته. هي أيضاً تبذل وتندفع وتؤدي دوراً عاطفياً (ولو في موضوع مختلف تماماً) لكن كل لقطة توفرها للكاميرا متجانسة كما لو أن المخرج التقطها في 30 دقيقة في لقطة واحدة. كون الفيلم كله حولها مسؤولية تعيها وتمنحها كل التجسيد الصحيح الممكن.
هذه المسؤولية تشعر بها كايت وينسلت بطلة «إيمونايت» الذي تقع أحداثه في العقد الرابع من القرن التاسع عشر لكن على مستوى مختلف. دورها في هذا الفيلم مُعقّد. هي زوجة رجل يعمل في الحفر الأثري تتعرّف في ذلك المكان النائي بزوجة رجل آخر في المجال نفسه وتتحابان. وينسلت تعرف أنها تنتقل مجدداً إلى متحف أعمالها الجادة بعد سنوات من العمل في أفلام لمجرد الوجود. وهي تتعمّق في الدور وتمنحه مفاتيح التعبير الخجولة والشغوفة معاً.

على عتبة الأوسكار
وفي سنة حفلت بأفلام عن الأفريقيات - الأميركيات اللواتي يواجهن أوضاعاً معيشية واقتصادية واجتماعية صعبة، تبرز فيولا ديفيز كممثلة جديرة بالإعجاب. من لم يُعجب بأدائها الممتاز في «لا تراجع» (Won‪’‬t Back Down) و«مضج جداً وقريب للغاية» (Etremely Loud and Incrdibly Close) و- على الأخص - «سياجات» (Fences) لديه فرصة لإعادة النظر منها في فيلمها الأخير Ma Rainey‪’‬s Black Bottom. دورها هنا تطلّب الكثير من شحنات الغضب الكامن عميقاً في الصدور. تلجأ إلى الشخصية بكل متطلباتها النفسية والعاطفية والبدنية وهي تواجه عراقيل المجتمع الأميركي في عشرينات أميركا الصعبة.‬‬
في أحد أفضل لحظاتها في هذا الفيلم لاعبة دور مغنية (الفيلم مستوحى عن أحداث حقيقية لمغنية بلوز) تقف أمام الجمهور وتقول في حدّة: «كل ما يطلبونه مني هو صوتي، لكني أريد أن أعامل كامرأة وعليهم معاملتي على هذا النحو حتى ولو آلمهم ذلك».
دورها هنا سيؤول بها إلى ترشيحات الأوسكار بلا ريب. هناك ستواجه ممثلة أخرى أجادت الدور التي لعبته هذا العام (2020) وهي فرنسيس مكدورمند. الواقع هو أن من سيواجه المشكلة ليست ديفيز وليس مكدورمند، بل أعضاء الأكاديمية الذين سيجدون أنهم منقسمون حول أداء قوّة في تجسيدها الأفضل لديفيز وآخر لا يقل إجادة في انفعالاته توفره مكدورمند تحت سطح بشرتها في «نومادلاند» (Nomadland)‪.‬‬
مكدورمند ممثلة جيدة، ولو أنها ليست على مستوى واحد من الإجادة في كل أعمالها. في «نومادلاند» تؤدي دور امرأة عاملة (توفي زوجها منذ سنوات) تقرر ركوب سيارتها المنزلية (Mobile Home) والذهاب غرباً صوب الصحارى والمناطق البعيدة عن المدن. تلتحق بمجتمع يشابهها في تجواله ومن خلالها نتعرّف على أميركا المتوارية بعيداً عن العناوين الكبيرة والأحداث المهيمنة.
البديع هنا هو أن المخرجة كلو زاو أرادت فيلماً روائياً مصنوعاً كما لو كان تسجيلياً. لتحقيق هذه الغاية كان عليها نيل تأكيد ممثلتها الأولى، مكدورمند، بأن تلغي الدراما من أدائها وتنضوي تحت سقف اللا - تمثيل. النتيجة مبهرة لكل من يعرف صعوبة ذلك بالنسبة لأي ممثل. القدر الكبير من صهر الانفعالات وكبتها.
زاو كانت حريصة على ألا تخرج مكدورمنذ عن منظومة اختارتها بعناية، خصوصاً أن معظم من حولها من الممثلين والممثلات لا باع لهم أمام الكاميرا ويؤدون أدوارهن تحت الشرط ذاته. لذا لم يكن من المسموح لمكدورمند تأدية دورها على نحو متميّز. كان عليها أن تلجأ لشخصيتها كما يلجأ الإنسان إلى حجرته في نهاية يوم شاق.


مقالات ذات صلة

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

يوميات الشرق إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

المخرج التركي إلكر تشاتاك قال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام».

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس» بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي...

أحمد عدلي (برلين)
سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز