2020... سنة غيّرت العالم

متسوقون يسيرون بأحد شوارع طوكيو لشراء مستلزمات العام الجديد (إ.ب.أ)
متسوقون يسيرون بأحد شوارع طوكيو لشراء مستلزمات العام الجديد (إ.ب.أ)
TT

2020... سنة غيّرت العالم

متسوقون يسيرون بأحد شوارع طوكيو لشراء مستلزمات العام الجديد (إ.ب.أ)
متسوقون يسيرون بأحد شوارع طوكيو لشراء مستلزمات العام الجديد (إ.ب.أ)

ما كان أحد ليتصور في 1 يناير (كانون الثاني) الماضي مع مطلع عقد جديد ما تخفيه سنة 2020؟ فقد غيرت العالم كما لم يحدث منذ الحرب العالمية الثانية.
في غضون 12 شهراً شل فيروس «كورونا» المستجد الاقتصاد واجتاح المجتمعات وحجر نحو 4 مليارات إنسان في منازلهم.

وحصد الوباء أرواح أكثر من 1.7 مليون نسمة. وأصيب نحو 80 مليوناً بفيروس «كورونا» المستجد، وهي حصيلة تقل عن العدد الفعلي على الأرجح. وفقد أطفال أهاليهم وأجدادهم، فيما قضى البعض وحيداً في المستشفى مع منع الزيارات بسبب خطر انتقال العدوى.
واحتفل كثير من العائلات بأعياد الميلاد في غياب أحباء مصابين بالمرض، أو ضمن مجموعات صغيرة، في ظل إرشادات صارمة بشكل متزايد للصحة والسفر، خصوصاً بعد اكتشاف سلالة جديدة من الوباء في المملكة المتحدة أشد عدوى.

ويقول ستين فيرموند، عالم الأوبئة المختص بالأمراض المُعدية عميد «كلية الصحة العامة» في جامعة يال: «تجربة الجائحة هذه فريدة في حياة كل شخص على وجه الأرض. فبطريقة أو بأخرى تأثر كل واحد منا بها».
إلا إن «كوفيد 19» ليس أكثر الجوائح فتكاً؛ فقد أودى الطاعون في القرن الرابع عشر بحياة ربع سكان العالم. وقضى ما لا يقل عن 50 مليون شخص في الإنفلونزا الإسبانية بين عامين 1918 و1919، و33 مليوناً جراء مرض الإيدز في غضون 40 عاماً.

لكن للإصابة بفيروس «كورونا» المستجد، يكفي أن يتنفس الشخص في المكان والزمان غير المناسبين.
ويلخص الصيني وان شونهوي (44 عاما) تجربته مع المرض الذي أدخله المستشفى لمدة 17 يوماً: «وصلت إلى أبواب الجحيم وعدت. لقد شاهدت الذين لم يتعافوا وماتوا، وقد ترك ذلك لديّ أثراً عميقاً».

وما كان أحد ليتصور حجم الكارثة عندما أعلنت السلطات الصينية في 31 ديسمبر (كانون الأول) 2019 تسجيل 27 إصابة بالتهاب رئوي فيروسي في ووهان بوسط الصين.
غداة ذلك، أغلقت السلطات سوق الحيوانات الحية في ووهان للاشتباه بارتباطها بظهور الفيروس.
في 7 يناير الماضي، أعلن المسؤولون الصينيون تحديد فيروس جديد سمي «2019 - إن كوف». وفي 11 من الشهر نفسه أبلغت الصين عن أول وفاة في ووهان. وفي غضون أيام قليلة بدأ تسجل إصابات في آسيا وفرنسا والولايات المتحدة.
في نهاية يناير، باشرت الدول إجلاء مواطنيها من الصين، وبدأت الحدود تغلق، فيما وُضع المقيمون في ووهان بإقليم هوباي الذين يزيد عددهم على 50 مليوناً، في الحجر الصحي.

وتشهد صور التقطتها وكالة الصحافة الفرنسية لرجل ميت على رصيف في ووهان والكمامة على فمه وكيس بلاستيكي في يده، على الرعب الذي لف المدينة مع أن أي مسؤول لم يؤكد مطلقاً السبب المحدد لوفاته.
عندما رست سفينة «دايموند برينسيس» السياحية في اليابان مطلع فبراير (شباط) الماضي تبين أن أكثر من 700 من ركابها أصيبوا بالفيروس، وتوفي 13 منهم.
وعمّ الرعب العالم، وبدأ السباق إلى تطوير لقاح. ووضعت شركة «بايونتيك» الألمانية الصغيرة جنباً أبحاثها حول مرض السرطان، للتركيز على مشروع جديد سمته «سرعة البرق».
في 11 فبراير، أعلنت منظمة الصحة العالمية أن اسم الوباء هو «كوفيد 19». وبعد 4 أيام على ذلك أعلنت فرنسا تسجيل أول وفاة خارج آسيا. وانتاب الرعب أوروبا مع تحول شمال إيطاليا إلى بؤرة للمرض في القارة القديمة.
في مارس (آذار)، تحدث أورلاندو غالدي، رئيس بلدية فيرتوفا في منطقة لومبارديا حيث توفي 36 شخصاً في غضون 25 يوماً، عن اليأس الذي ينتابه بقوله: «من العبث أن نرى في عام 2020 جائحة مماثلة أسوأ من الحرب».

وفرضت إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وبريطانيا الإغلاق التام. وأعلنت منظمة الصحة العالمية «كوفيد19» جائحة. وأوصدت الولايات المتحدة حدودها المغلقة أساساً مع الصين، أمام غالبية الدول الأوروبية. وللمرة الأولى في زمن السلم أرجئت الألعاب الأولمبية.
في منتصف أبريل (نيسان) كان 3.9 مليار شخص؛ أي نصف البشرية، يعيشون في ظل شكل من أشكال الإغلاق. من باريس إلى نيويورك، ومروراً بنيودلهي ولاغوس ولندن وبوينس آيريس، لم يكن يخترق صمت الشوارع المقفرة، إلا صفارات سيارات الإسعاف مذكرة بأن الموت بالمرصاد.
منذ عقود، كان العلماء يحذرون من احتمال حدوث جائحة عالمية، إلا إن مخاوفهم هذه لم تلق آذاناً صاغية. ومع هذا الوباء، باتت أكبر الدول ثراء عاجزة أمام هذا العدو الخفي.
وفي الاقتصاد المعولم، أدى توقف شبكات الإمداد إلى انقضاض المستهلكين المذعورين على المتاجر الكبيرة.
وظهرت جلية نتائج النقص المزمن في الاستثمار بالمنشآت الصحية مع مستشفيات تكافح من أجل استمرار عمل أقسام العناية المركزة فيها التي تجاوز عدد المرضى فيها قدرتها على الاستيعاب. وراحت طواقم تعاني أصلاً من انخفاض الأجور، تخوض المعركة من دون وسائل الوقاية الضرورية.
وقال نيليما فايدا بامار؛ الطبيب في بومباي: «حصلت على شهادتي في عام 1994، وكانت المستشفيات الرسمية مهملة منذ ذلك الحين». وتساءل: «لما احتاج الناس إلى جائحة ليستيقظوا؟». والهند ثالث أكثر الدول تضرراً من الجائحة بعد الولايات المتحدة والبرازيل.
في نيويورك التي تضم أكبر عدد من أصحاب المليارات في العالم، التقطت صور لطواقم طبية يرتدي أفرادها أكياس قمامة للوقاية من الفيروس. وقد أقيم مستشفى ميداني في وسط «سنترال بارك»، ومقابر جماعية على جزيرة هارت آيلاند قبالة حي برونكس في المدينة.
وقال فيرجيليو نيتو، رئيس بلدية ماناوس في البرازيل: «الأمر أشبه بفيلم رعب. لا يمكننا التحدث بعد الآن عن حالة طوارئ. إنها كارثة مطلقة» وتكدست الجثث في شاحنات مبردة بانتظار أن تحفر جرافات مقابر جماعية ضخمة.

وراحت الشركات تقفل وكذلك المدارس والجامعات. وأُلغيت اللقاءات الرياضية. وباتت حركة الملاحة الجوية المدنية شبه متوقفة؛ شاهدة على أسوأ أزمة في تاريخها. وأقفلت المتاجر والحانات والنوادي والمطاعم أبوابها. وفي إسبانيا فرضت إجراءات إغلاق صارمة جداً منع خلالها حتى الأطفال من الخروج. ووجد الناس أنفسهم عالقين في شقق صغيرة جداً أحياناً لأسابيع عدة.
وبدأ العمل من المنزل للأشخاص القادرين على ذلك. وحلت مؤتمرات الفيديو مكان اجتماعات العمل والسفر والاحتفالات، فيما عرّض الأشخاص الذين تتطلب وظيفتهم حضورهم شخصياً حياتهم أو منصبهم للخطر. ففي مايو (أيار) الماضي كانت الجائحة قد تسببت في خسارة 20 مليون شخص أعمالهم في الولايات لمتحدة.
ويتوقع البنك الدولي في عام 2021 أن يغرق 150 مليون شخص في الفقر المدقع بسبب الركود الاقتصادي. وقد تفاقم التفاوت الاجتماعي المسجل منذ سنوات.
وبات العناق والمصافحة والقبلات مجرد ذكرى، فيما تبادل الحديث يحدث عبر الكمامات وواقيات البليكسيغلاس.
وارتفع مستوى العنف الأسري وكذلك المشكلات النفسية. وفيما لجأ سكان المدن الميسورون إلى منازل أخرى يملكونها في الريف أو على الساحل، راحت الحكومات تتخبط أمام حجم الأزمة، فيما الغضب يعتمل لدى الأشخاص العالقين في المدن.
أصبحت الولايات المتحدة التي تتمتع بأكبر اقتصاد عالمي من دون أن يؤمن ذلك تغطية صحية للجميع، سريعاً أكثر الدول تضرراً من الجائحة مع أكثر من 300 ألف حالة وفاة، إلا أن الرئيس دونالد ترمب خفف بانتظام من تهديد المرض مروجاً لعلاجات لم تثبت فاعليتها، مثل الهيدروكسيكلوروكين، ومقترحاً أيضا معالجة الإصابة بماء الجافيل.
في مايو، أطلقت الحكومة الأميركية عملية «وارب سبيد» التي خصصت 11 مليار دولار لتطوير لقاح بحلول السنة الحالية. وعدّ ترمب ذلك أكبر جهد أميركي منذ تطوير القنبلة الذرية خلال الحرب العالمية الثانية.
لكن لا الأغنياء ولا النافذين يمكنهم شراء مناعة ضد الفيروس، فأصيب ترمب بالفيروس في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وقبله نظيره البرازيلي جايير بولسونارو في يوليو (تموز) الماضي. وأمضى رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون 3 أيام بالعناية المركزة في أبريل.
وأصيب بالفيروس الممثل توم هانكس وزوجته ريتا ويلسون، وأيضاً نجم كرة القدم البرتغالي كريستيانو رونالدو، وبطل كرة المضرب نوفاك ديوكوفيتش، والمغنية مادونا، والأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا، وأمير موناكو ألبير الثاني.
ومع اقتراب نهاية العام، بدأت أولى اللقاحات تطرح في الأسواق مع أنها أتت متأخرة لإنقاذ ترمب من هزيمة انتخابية في مواجهة الديمقراطي جو بايدن في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.
وأعلنت مختبرات «فايزر» الأميركية العملاقة مع شريكتها «بايونتيك» الألمانية تطوير لقاح فعال بنسبة «90 في المائة». وسارعت الحكومات لضمان مخزون من هذه اللقاحات. وبعد أسبوع على ذلك، أعلنت شركة «موديرنا» الأميركية لقاحاً فعالاً بنسبة 95 في المائة.
وتستعد الحكومات لتلقيح ملايين الأشخاص بدءاً بالمسنين وأفراد الطواقم الطبية والفئات الضعيفة، قبل أن توسع نطاق التطعيم ليشمل السكان كلهم وهو السبيل الوحيد لعودة لحياة إلى طبيعتها.
في ديسمبر (كانون الأول) الحالي أصبحت بريطانيا أول بلد غربي يرخص للقاح «فايزر - بايونتيك»، وكانت قبلها روسيا والصين باشرتا حملات تطعيم بلقاح خاص بكل منهما.
وبعدها باشرت الولايات المتحدة التلقيح، فيما أعطت أوروبا الضوء الأخضر للقاح «فايزر - بايونتيك».
ومع تهافت أكثر الدول ثراء على شراء اللقاحات، يتوقع أن تشهد بداية عام 2021 منافسة دولية على اللقاحات. فستجهد كل من الصين وروسيا للترويج للقاحها الأفضل سعراً، خصوصاً في أفريقيا وأميركا اللاتينية.
ومن الصعب راهناً تقدير الأثر الدائم الذي ستتركه الجائحة على المجتمعات. فبعض الخبراء يرون أن التوصل إلى مناعة جماعية يحتاج إلى سنوات، فيما يراهن آخرون على عودة الوضع إلى طبيعته في منتصف 2021.
ويرى البعض أن الجائحة قد تؤدي إلى نهج أكثر مرونة بشأن العمل من بُعد أو حتى إلى نقل جزئي لسلاسل الإنتاج.
في المقابل، يرى آخرون أن الخشية من التجمعات الكبيرة ستكون لها تبعات عميقة على وسائل النقل والسياحة والمناسبات الرياضية والثقافية.
ويشكل تأثير ذلك على الحريات المدنية مصدر قلق آخر أيضاً. ويفيد محللون في «فريدوم هاوس» بأن الديمقراطية وحقوق الإنسان تراجعت في 80 دولة في إطار الاستجابة للفيروس.
ويتوقع ستين فيرموند من جامعة يال «تغييرات عميقة في المجتمعات».
وإذا أصبح العمل من بُعد القاعدة في قطاع الخدمات، فماذا سيحل بسوق العقارات في وسط المدن؟ هل سيتراجع عدد السكان في المراكز الحضرية مع انتقال كثيرين إلى فسحات واسعة مع سعيهم إلى تجنب وسائل النقل المكتظة؟
ويتوقع أن يتعرض الاقتصاد العالمي لخضات جديدة؛ فقد أعرب صندوق النقد الدولي عن قلقه من حدوث ركود أسوأ من ذلك الذي تلا الأزمة المالية في 2008؛ إلا إن كثيرين يعدّون أن الجائحة تحمل كارثة أكثر دماراً واستدامة.
ويحذر لويس دارتنيل، الخبير في علم الأحياء الفلكي وصاحب موسوعة «حول الكوارث والقدرة على الصمود»: «(كوفيد19) شبيه بموجة عارمة ضربتنا، لكن يتراءى خلفها تسونامي التغير المناخي والاحترار».


مقالات ذات صلة

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended