كيف بدأت مغامرة تطوير أول لقاح ضد «كورونا» يرخص في الغرب؟

الطبيبان أوغور شاهين وزوجته أوزلام توريجي (تايمز)
الطبيبان أوغور شاهين وزوجته أوزلام توريجي (تايمز)
TT

كيف بدأت مغامرة تطوير أول لقاح ضد «كورونا» يرخص في الغرب؟

الطبيبان أوغور شاهين وزوجته أوزلام توريجي (تايمز)
الطبيبان أوغور شاهين وزوجته أوزلام توريجي (تايمز)

يجلس زوجان باحثان إلى المائدة صباح نهار شتوي لتناول الفطور في مطبخ منزلهما في ألمانيا يومها اتفق أوغور شاهين المدير التنفيذي لشركة التكنولوجيا الحيوية الألمانية «بايونتيك» وزوجته أوزلام توريجي على أمر واحد: «ضرورة إطلاق» أبحاث لتطوير لقاح ضد فيروس «كورونا» المستجد الذي ظهر في الصين، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.
وكان أوغور شاهين قرأ للتو مقالاً علمياً يصف التفشي الكبير لهذا الفيروس في مدينة ووهان وتقول زوجته: «استنتج من ذلك بأن هناك احتمالات كبيرة بأن تكون جائحة على الأبواب».
وبدأت نقطة انطلاق مغامرة ستفضي إلى تطوير أول لقاح ضد كوفيد - 19 يرخص في العالم الغربي وهو إنجاز تم التوصل إليه خلال فترة زمنية قياسية.
وفي 24 يناير (كانون الثاني)، قرر الزوجان تخصيص جميع موارد شركتهما التي كانت تتركز حتى الآن على العلاجات المناعية لمرض السرطان، لتطوير علاج للالتهاب الرئوي الفيروسي مجهول المصدر.
وعامل السرعة أساسي في هذه العملية التي أطلق عليها اسم «سرعة الضوء»، وأكدت توريجي: «منذ ذلك التاريخ لم يمر يوم لم نعمل فيه على هذا المشروع».
وبعد أربعة أيام في 28 يناير أكدت ألمانيا تسجيل أول حالة معروفة لانتقال العدوى بين البشر على الأراضي الأوروبية.
وبعد أقل من أسبوعين كشفت منظمة الصحة العالمية لأول مرة اسم الوباء الجديد: كوفيد - 19.
وبدأ الربيع يحل على مدينة ماينز حيث مقر شركة بايونتيك عندما تحول الوباء الذي تفشى في الصين إلى أزمة صحية عالمية.
وأرغم ازدياد الحالات الحكومات على إغلاق الحدود والمدارس والمؤسسات الثقافية والرياضية والإدارات وبات العالم في عزلة.
وباشرت شبكة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تقف وراء نجاح الاقتصاد الألماني، أنشطتها لرفع التحدي الجديد.
وعلى مسافة قريبة من بايونتيك، كثفت إحدى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تأسست قبل 130 سنة وتيرة إنتاجها.
ورغم أنه غير معروف، تبين أن الاختصاصي في زجاج «شوت» طرف أساسي في صناعة الأدوية بفضل زجاجاته المستخدمة بالملايين في الأبحاث السريرية حول الفيروس.
والزجاج الذي ينتجه وبات اختصاصه، مطلوب بقوة لقدرته على تحمل درجات الحرارة القصوى من 80 درجة تحت الصفر إلى 500 درجة وهي ميزة ستكون أساسية؛ إذ إنه يجب تخزين لقاح فايزر - بايونتيك في حرارة 70 درجة مئوية تحت الصفر.
وبحلول نهاية 2021 ينوي مصنع زجاج شوت إنتاج زجاجات تكفي لملياري جرعة لقاح.
وواجهت الشركة كوفيد - 19 حتى داخل مقارها وسرعان ما تفشى الفيروس في مركز إنتاج مهم في مترنيخ ببافاريا بعد إحدى حفلات الجعة، لتصبح المنطقة أول بؤرة لانتشار كوفيد - 19.
ونتيجة إغلاق الحدود، لم يتمكن عمال يتحدرون من جمهورية التشيك من «لقاء أصدقائهم أو أسرهم لأسابيع».
وفي جميع أنحاء العالم منعت الجائحة الطائرات من التحليق وحولت المطارات التي تعج عادة بالمسافرين إلى مبانٍ مقفرة وكئيبة.
وفي مركز الشحنات الدوائية التابع لخدمة «لوفتهانزا» للشحن في مطار فرانكفورت، يتسارع النشاط ويتصاعد التوتر.
ويستعد أكبر مركز أوروبي لنقل الأدوية الذي تولى نقل 120 ألف طن من الأدوية العام الماضي، لنقل الملايين من جرعات اللقاح.
ويملك المركز مساحة مكيفة تقدر بـ12 ألف متر مربع مخصصة لهذا النوع من المنتجات ودرجات الحرارة المطلوبة تؤمن في حاويات خاصة بواسطة كتل من الثلج الجاف، ثاني أكسيد الكربون بشكله الصلب في درجات حرارة تبلغ 78.9 تحت الصفر.
و«فرابورت» الشركة المشغلة لمطار فرانكفورت ليست المؤسسة الوحيدة التي تستثمر في مجال التبريد.
وفي ولاية بادن فورتمبيرغ (جنوب غرب) دخلت «بايندر» وهي شركة ألمانية غير معروفة صغيرة إلى متوسطة الحجم، على الساحة.
ما هو اختصاصها؟ إنتاج «ثلاجات فائقة البرودة» تكون درجة الحرارة فيها «أكثر برودة من القطب الشمالي» بحسب الإعلام الألماني، وبالتالي يمكن لدرجات الحرارة أن تصل حتى 90 درجة مئوية تحت الصفر.
وقامت مؤسسة «توتلينغن» التي تعد من الشركات الرائدة في السوق، أولاً بتزويد المختبرات ثم الوسائل اللوجيستية وباتت تتعاون مع السلطات الألمانية لتجهيز مراكز التلقيح.
وأعلنت آن لينز المكلفة المكتب الإعلامي: «كل شيء بدأ في أغسطس (آب) عندما تلقينا طلبات من شركات الخدمات اللوجيستية وأكدت أن علينا تجهيز مراكزنا المخصصة للتخزين بثلاجات».
وأضافت: «مذاك ازداد الطلب لدرجة أصبحنا نعمل على مدار الساعة ونوظف ونبحث عن مزيد من الموظفين».
وفي 18 نوفمبر (تشرين الثاني) بعد 10 أشهر على إطلاق مغامرتها العلمية، أعلنت بايونتيك مع شريكها الأميركي فايزر أن لقاحها ضد كوفيد - 19 فعال وآمن بنسبة 95 في المائة وهي نسبة قريبة من شركة «موديرنا» التي تتنافس معها لتطوير التقنية نفسها لمواجهة الوباء.
وعلى وقع هذه الأنباء تحسنت البورصات العالمية، واستعاد العالم أجمع الأمل.
وتم إنشاء 450 مركز تلقيح في كل أرجاء ألمانيا، أكبرها في هامبورغ حيث يمكن تطعيم 7 آلاف شخص يومياً في 64 حجرة صغيرة مخصصة لهذه الغاية.
وفي هامبورغ كما في برلين سيضطر كل زائر إلى اتباع سلسلة إجراءات بدءاً بالتحقق من الهوية حتى عملية التلقيح.
وسيخضع كل فرد لمعاينة طبية قبل تلقي اللقاح وفي نهاية المطاف ستكون هناك «قاعة انتظار» للتأكد من أن العملية برمتها تمت بشكل صحيح.
وفي الثاني من ديسمبر (كانون الأول)، كانت بريطانيا أول بلد غربي يجيز بشكل طارئ استخدام لقاح فايزر - بايونتيك.
وتلتها في هذه الخطوة الولايات المتحدة والسعودية وسنغافورة وبدأ صبر ألمانيا التي ضربتها بقوة موجة ثانية من حالات كوفيد – 19، ينفذ.
ومارست ضغوطاً على الوكالة الأوروبية للأدوية، الهيئة الناظمة، لتتخذ قراراً بشأن اللقاح الذي كان مقرراً في 29 ديسمبر (كانون الأول) على أبعد تقدير.
وفي 21 من الجاري أعطت الوكالة الأوروبية للأدوية الضوء الأخضر للقاح، قبل أكثر من أسبوع من الموعد المحدد وأعلن الاتحاد الأوروبي بدء حملة التلقيح في 27 منه.
وفي مركز هامبورغ أكدت السلطات الصحية أنها مستعدة، في حين بدأت بايونتيك عمليات تدريب على الإنترنت مع أطباء وممرضات وتجيب الشركة على أكثر من ألف سؤال من الفرق الطبية.
وانطلقت أولى الشاحنات المحملة بجرعات اللقاح من مصنع فايزر للإنتاج في بلجيكا الأربعاء.
وتتجه الشاحنات إلى مراكز التوزيع الـ25 التي حددتها السلطات الفيدرالية الألمانية التي ستنقلها لاحقاً إلى مناطق البلاد الـ294 بحسب بايونتيك.
وسيواكب عناصر شرطة مسلحون القوافل على طول الطريق وتتخوف ألمانيا من عمليات تخريب محتملة بعد أن ازداد عدد الرافضين للقاح، وأولئك الذين لا يؤمنون بوجود الفيروس، منذ الصيف.
وفي مرحلة أولى سيتم تلقيح الأشخاص الأكثر عرضة للخطر الذين تزيد أعمارهم على ثمانين عاما.
وتفشى الفيروس بقوة في عدد من دور رعاية المسنين ويبقى عدد الوفيات اليومية مرتفعا.
وتعتبر المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أن كل لقاح سينقذ حياة بشرية، وتقول: «عندما نرى عدد الأشخاص الذين توفوا جراء هذا الفيروس ندرك حينها عدد الأرواح التي سينقذها اللقاح».
وبما أنه يتم الأخذ بالحسبان مرور أي يوم، قرر المسؤولون في دار للمسنين في هالبرشتات (شرق)، بدء حملة التطعيم السبت، ومنح شرف الأولوية لإديث كويزالا، المقيمة البالغة من العمر 101 عاماً، لتكون أول شخص يتلقى اللقاح.
ومن المقرر انطلاق حملة التلقيح رسمياً، غدا (الأحد)، في جميع أنحاء البلاد، وفي دول أخرى في الاتحاد الأوروبي.
وربما سيتمكن أوغور شاهين وأوزلام توريجي من احتساء فنجان جديد من الشاي خلال الفطور.


مقالات ذات صلة

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.