حكايات المهاجرين تتعدد وتختلف من الغرب إلى الشرق

مهاجرون بولنديون في أميركا: لقطة من فيلم «بوابة الجنة»
مهاجرون بولنديون في أميركا: لقطة من فيلم «بوابة الجنة»
TT

حكايات المهاجرين تتعدد وتختلف من الغرب إلى الشرق

مهاجرون بولنديون في أميركا: لقطة من فيلم «بوابة الجنة»
مهاجرون بولنديون في أميركا: لقطة من فيلم «بوابة الجنة»

يُحيلنا الفيلم التشيكي السلوفاكي «الطائر المدهون» (The Painted Bird) لمخرجه فاسلاف مارهول، إلى مطلع الأربعينات ليحكي قصة صبي اسمه يوسكا (بيتر كوتلار) فقد والديه طفلاً، فطاف في البراري البعيدة بحثاً عن الطعام والمأوى وما يتيسر من أمان.
«الطائر المدهون» (2019) هو فيلم عن الهجرة من دون وجهة محددة. خلالها سيلتقي يوسكا بالعديد من الشخصيات (رجالاً ونساءً) وسيتعرض في كل مرة إلى سوء المعاملة والعنف والابتزاز.
تطغى حقيقة أن الفيلم يفقد طريقه باكراً ويقدم كل الشخصيات الأخرى (باستثناء اثنين من أصل عشرات) على أساس عنفها وشرورها التي تنعكس على يوسكا سلباً، تطغى على أن الفيلم، في جانب كبير منه، هو فيلم عن الهجرة.

20 مليون أوروبي
تناولت السينما موضوع الهجرة منذ بداياتها. هناك غجر مهاجرون في فيلم ديفيد وورك غريفيث «مغامرات دولي» (1908)، يحيكون شراً بابن البلد الطبيب لكي يخطفوا ابنه. خلال تلك الفترة هناك أفلام قصيرة (بطبيعة الحال تبعاً لمعظم إنتاجات السينما آنذاك) صورت «الأغراب» مثل ذلك الفيلم الذي صوره سنة 1896 (وكان المصور هو المخرج حينها)، مجهول بعنوان «حاشية عربية في جنيف». لاحقاً تعاطى تشارلي تشابلن مع موضوع المهاجرين في فيلم نقل فيه بعض تجاربه حين حط في الولايات المتحدة ونسجها داخل حكاية تتضمن شخصيته المعروفة فوق سفينة تحمل مهاجرين من أوروبا إلى الولايات المتحدة، وتعرف تشارلي على فتاة بريئة وقع في حبها واستدان دولارين لكي يتزوجها.

النهاية سعيدة.. لكن ليس كل نهايات الهجرة كذلك
في «هستر ستريت» (1975)، لجوان ميكلن سيلفر تعريف بهجرة اليهود إلى أميركا في عهد مضى وما لاقوه من متاعب ليست بالضرورة عنصرية بقدر ما هي ثقافية واجتماعية عامة. الفيلم جيد في تناوله هذه الشؤون، ومرة أخرى قالت المخرجة بعد بضع سنوات من إنجاز فيلمها إنها استوحته من تجربة والديها.
تذكر الإحصاءات أن ما لا يقل عن 20 مليون أوروبي نزحوا من بلدانهم إلى الولايات المتحدة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. بعض هؤلاء كانوا موضوع أفلام عدة في السنوات الخمسين الماضية وأحد هذه الأفلام كان بوحي من وقائع حقيقية.
أهم هذه الأفلام، على نحو أو آخر، فيلم مايكل شيمينو «بوابة الجنة» (Heaven‪’‬s Gate) الذي أنجزه، بعد سنوات من العمل على السيناريو ومصاعب كثيرة حين التصوير، سنة 1980.
في عام 1892، وقعت معارك وجود في ولاية وايومنغ بين لاجئين بولنديين وتشيكيين، وبين مرتزقة استأجرهم أصحاب مزارع لتربية البقر بغية طردهم من الأراضي المحاذية لمزارعهم. سُميت تلك المعارك بحرب «جونسون كاونتي» نسبة لموقعها. وأحسن شيمينو توفير الحديث للجبهات المتعددة للموضوع، فالحكايات متعددة وأبطالها (من الفريقين الأميركي المولد والمهاجرين) مختلفون في الثقافات والمفاهيم والغايات.
قبل ذلك انشغل المخرج فرنسيس فورد كوبولا، بنقل تجربة الحياة بالنسبة للمهاجرين الإيطاليين في فيلميه «العراب» (1972) و«العراب 2» (1974). هذان الفيلمان تحفتان بصرف النظر عما حوياه من مواضيع. في الأول ننتقل إلى حياة عائلة دون كارليوني (مارلون براندو) ومواجهتها لعصابات مافياوية أخرى. في فصل من فصول الفيلم يسرد الفيلم كيف قتل صقلي والد دون كارليوني وقسم الثأر الذي قطعته العائلة على نفسها.
في فصل آخر نجد أصغر أبناء الدون، وقد عاد إلى صقلية، ونفذ ذلك الثأر بعدما حاولت المافيا الوصول إليه واغتياله.
في الجزء الثاني من الثلاثية (ورد الجزء الثالث في 1990)، يعود بنا كوبولا إلى نشأة دون كاروليوني (مثله في هذا الجزء روبرت دي نيرو)، في مدينة نيويورك، وكيف انتقل في مطلع شبابه من حياة الزمرة المشاغبة إلى السيادة بعدما تخلص - بعد سنوات - من إيطالي آخر هيمن على الحي، وأجبر من فيه على الطاعة.
كوبولا، في هذين الفيلمين، ومارتن سكورسيزي في كل أفلام العصابات الإيطالية والشوارع السفلى من نيويورك، أفضل من جسد العامل المتعلق بالمهاجرين الإيطاليين وانتماءاتهم العرقية وصراعاتهم فيما بينهم، كما ضد القانون.
لكن سكورسيزي تعرض كذلك، في «عصابات نيويورك» (2002)، إلى الهجرة الآيرلندية وصدامها، كذلك، مع من سبقهم من مهاجرين وذلك، أيضاً وأيضاً، تبعاً لوقائع تاريخية.
ولا ننسى أن المخرج إيليا كازان كان عرض تجربته المرة من طفولته وحتى صباه، إذ وُلد في القسطنطينية في سنة 1906. وواجه وأهله تعسف الأتراك وعنصريتهم حيال غير المسلمين، وصعوبة الحياة تحت عبء هذا التعسف، مما حدا به للهجرة إلى الولايات المتحدة. هذا كان عصارة تجربته التي وضعها في «أميركا أميركا» (1963).

أخيار وأشرار
أفلام المهاجرين شملت كل المشارب البشرية. هناك أفلام عن مهاجرين يابانيين وصينيين وأتراك ولاتينيين ومن شرق أوروبا وغربها، كما أفلام عن مهاجرين أميركيين وأوروبيين إلى تلك البلاد. والحال أنه في كل بلد يحوي أقليات هناك نزعات عنصرية من أصحاب البلاد الأصليين، ولو أن هذا الموضوع يطول التعرض إليه.
‫بطبيعة الحال هناك العديد من الأفلام العربية التي أُنتجت عن الهجرة العربية إلى القارة الأقرب، أوروبا. في هذا العام واجهنا فيلم كوثر بن هنية «الرجل الذي باع ظهره» عن السوري سامي اللاجئ إلى لبنان في مطلع الحرب الأهلية في بلده.
يلتقي في بيروت بفنان بلجيكي، وهذا يدعوه لمساعدته في الهجرة إلى بلجيكا، بشرط أن يبيعه ظهره. يريد الرسام من سامي حرية التصرف بظهره ليوشمه ويرسم عليه ويعرضه ويجني منه المال الطائل. ‬
يوافق سامي بعدما وضعت المخرجة سببين لذلك: تحقيق حلم الهجرة إلى بلد أوروبي واللحاق بحبيبته التي لم يكن يعلم أنها تزوجت من سواه.
في العام السابق، 2019، شاهدنا فيلماً مختلفاً عن المهاجرين العرب (العراقيين تحديداً)، عنوانه «بغداد في خيالي» لـ(المهاجر منذ حين طويل) سمير جمال الدين.
يتوسم «بغداد في خيالي» رسم مجموعتين من الشخصيات العراقية والعربية عموماً، قسم منفتح وآخر منغلق. ليس هناك مجال لخيار ثالث، لكن المشكلة هي أن الانفتاح على العلاقات الجنسية (طبيعية ومثلية) ليس كافياً لنقض التطرف كما يقترح الفيلم.
يتناول المخرج شخصيات عديدة تعيش في لندن اليوم، محملة بذكريات حياتها السابقة في العراق. في الفيلم بيئتان متناقضتان، عراقية خيرة وشريرة، وبريطانية منفتحة لا تستطيع فهم عدم رغبة بعض المهاجرين التأقلم مع المجتمع البريطاني.
وهناك بالطبع قضية المهاجرين غير الأوروبيين في أوروبا في عدد كبير من الأفلام القديمة والجديدة، ورد الفعل الجاهز حيالهم.
في الفيلم البغاري «خوف» لإيفاليو كريستوف، نجد أرملة تعيش وحيدة في منزلها الريفي في قرية بعيدة، كانت في رحلة صيد منفردة عندما تجد أفريقياَ أسود يجوب الغابات القريبة متجهاً صوب الحدود الألمانية بغاية الهجرة. تقوده، بفرض من بندقيتها، إلى القرية، وبعد رفض السلطات إيواءه بحجة أنها مشغولة بجمع مجموعة كبيرة من المهاجرين الآسيويين، تضطر لقبوله في منزلها. تعامله لحين بعنصرية جاهزة، لكنها عندما تتعرف عليه، تقرر أن يبقى معها ما يجلب غضب أهل القرية وتعرض بعضهم لها.

من نلوم؟
يذكر هذا الفيلم الذي هو من إنتاج العام الماضي، بفيلم الألماني رينر فرنر فاسبيندر، «علي: الخوف يأكل الروح» الذي ما زال، ومنذ إنجازه سنة 1973، مثالاً مهماً للعلاقة بين المهاجرين إلى أوروبا والأوروبيين.
هنا حكاية عامل مغربي (الهادي بن سالم)، يتعرف على المرأة التي تجاوزت سن الشباب وجاذبيته (بردجيت ميرا) ويقعان في الحب. هذا يضعهما في فوهة الموقف العنصري معاً في فيلم أدان مخرجه فيه هذا الموقف الاجتماعي القاصر.
لكن من المُلام إذا ما خاف الأوروبيون من المهاجرين، خصوصاً إذا ما كانوا على شاكلة بطل فيلم «برلين ألكسندربلاتز» (للأفغاني المهاجر برهان قرباني) القادم من أفريقيا (غير العربية) لاجئاً بصورة غير شرعية.
بعد أن يرفض، في البداية، ولوج السبيل غير القانوني لتحقيق الذات، يستجيب ويبني ثروته من خلال توزيع (ثم الإشراف على توزيع) المخدرات.
مشكلته هي حب الانتماء في مواجهة بلد يبقى غريباً عليه. مشكلة الأوروبيين (غير المُعالجة بوضوح هنا) هي النظر إلى هذا التمادي في الهجرة واعتبار الفيلم تأييداً لدعواهم بوقف استقبالهم وإعادتهم من حيث جاءوا.
إنه موضوع شائك في الحياة، ومتعدد الحكايات والأفلام في السينما، لكن النماذج التي سقناها هنا تعكس بعض تلك المواقف على شاشتي الحياة والأفلام معاً.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».