مارتنديل من عالم الجريمة إلى قيادة ليفينغستون الاسكوتلندي

المدير الفني يتحدث عن «الجشع» الذي أدخله السجن وشعوره بالغضب والندم وآماله في المستقبل

مارتنديل يأمل في تعويض فشله باستغلال مهارته كلاعب  من خلال مشواره التدريبي مع ليفينغستون
مارتنديل يأمل في تعويض فشله باستغلال مهارته كلاعب من خلال مشواره التدريبي مع ليفينغستون
TT

مارتنديل من عالم الجريمة إلى قيادة ليفينغستون الاسكوتلندي

مارتنديل يأمل في تعويض فشله باستغلال مهارته كلاعب  من خلال مشواره التدريبي مع ليفينغستون
مارتنديل يأمل في تعويض فشله باستغلال مهارته كلاعب من خلال مشواره التدريبي مع ليفينغستون

في عطلة أعياد الميلاد عام 2004، ألقى القبض على اللاعب الإنجليزي السابق ديفيد مارتنديل، وبقى بمفرده في زنزانة خاوية بعض الأيام، نظراً لأن الشرطة ألقت القبض عليه يوم إجازة، وبالتالي كان من المفترض أن يظل محبوساً حتى يوم المحاكمة، يوم الثلاثاء التالي. يقول مارتنديل: «الحبس لمدة أربعة أيام في زنزانة بمفردك هو أمر مرعب. لقد مرت وكأنها أربعة أشهر. كنت أعرف أنني يجب أن أغير طريقة حياتي».
وتُعد رحلة مارتنديل اللاحقة من بين أكثر القصص التي لا تُصدق في كرة القدم الاسكوتلندية على مدار تاريخها الطويل. ويعود السبب في ذلك، بصورة جزئية، إلى أنه يشعر بالندم على الأعمال التي قام بها، والتي أدت إلى اعتقاله في مركز للشرطة على بُعد ياردات قليلة من ملعب «سلتيك بارك». وأكد مجلس إدارة نادي ليفينغستون يوم الجمعة الماضي أنه «يشعر بالراحة» لاستمرار مارتنديل على رأس القيادة الفنية للنادي بشكل مؤقت. وهناك العديد من الأسباب التي تجعلنا نتفهم اتخاذ النادي لمثل هذه الخطوة، خاصة بعدما أصبح مارتنديل شخصية ذات أهمية متزايدة في النادي، وعلى وشك الحصول على رخصة التدريب من الدرجة الأولى من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم.
ورغم ذلك، هناك مَن يشكك في قدرة مارتنديل على قيادة النادي الذي يلعب في الدوري الاسكوتلندي الممتاز. يقول مارتنديل عن ذلك: «أعلم أن الناس سيقرأون هذا وسيكون لديهم بعض التحفظات، وأنا أتقبل هذا الأمر تماماً. كل ما أطلبه هو أن يحكمون عليّ بناءً على شخصيتي اليوم، وليس ديفيد مارتنديل في عام 2004».
وكان تورط مارتنديل في الجريمة المنظمة خطيراً بالشكل الذي جعل المحكمة تصدر حكمها عليه بالسجن لمدة ستة أعوام ونصف العام؛ فعندما بدأت أعماله التجارية في مجال الحانات والمطاعم تخسر الكثير من الأموال، تحول مارتنديل، الذي لم يكن لديه خلفية عن كرة القدم الاحترافية، إلى عالم الجريمة. يعترف مارتنديل بذلك قائلاً: «اسمع. كنت أعرف ما كنت أفعله. أنا لا أحاول التخفيف من مشاركتي في تلك الأعمال. لقد كان دافعي في ذلك مالياً من الدرجة الأولى، إنه الجشع الذي ألقى بي في هذا المصير».
ويضيف: «لقد نشأتُ في منطقة فقيرة، وكنت أطمح لأن يكون لدي سيارات من طراز (بي إم دبليو) أو (رينج روفر)؛ لم أكن أريد أن أكون ذلك الشخص الذي يذهب إلى عمله ويأتي منه فقط ويعاني لسداد إيجار المنزل في نهاية كل شهر».
وفي أغسطس (آب) 2004، عندما تم الإفراج عنه بكفالة، التحق مارتنديل بجامعة «هيريوت وات» للحصول على درجة علمية في مجال إدارة مشروعات البناء. وبعد ثماني سنوات، حصل مارتنديل على الشهادة الجامعية بامتياز مع مرتبة الشرف. لقد التزمت جامعة «هيريوت وات» بإعادة تأهيل مارتنديل ووافقت على ضمه بدوام كامل عندما خرج السجن في عام 2010. وإذا كان ذلك قد منحه إحساساً بالقيمة الذاتية والمصداقية، فإنه لا يزال يشعر بالألم بسبب ما حدث في أكتوبر (تشرين الأول) 2006، عندما قدم إقراراً بالذنب. يقول عن ذلك: «الوقوف في المحكمة العليا وأن تعلم أنك تحت رحمة القاضي، وأن مستقبلك بين يديه كان تجربة لن أكررها أبداً».
ويضيف: «اعتقدنا جميعاً أنه سيتم تأجيل القضية إلى تاريخ لاحق، لذلك أخرجت محفظتي من جيبي وخلعت ساعتي من معصمي وأعطيتها لشريكتي، التي انهارت بالبكاء. لقد شعرت بغضب شديد لأن ما قمت به قد تسبب في هذا الألم لأشخاص أحبهم».
ويتابع: «أخبرني المحامي الخاص بي أنني إذا لم أوقع على إقرار بالذنب فإنني قد أتعرض للحبس لمدة عشر سنوات. لقد كنتُ أستحق أي شيء يحدث لي، وكنتُ مصمماً على تجاوز العقوبة المفروضة علي. لقد كنت أعرف منذ اليوم الأول أنني مذنب. لقد كنت مذنباً، وكانت الطريقة الوحيدة لتصحيح الأمر - إذا كانت هذه هي الكلمة الصحيحة - هي أن يحل عليّ العقاب الذي أستحقه».
وبعد حصوله على الشهادة الجامعية، بدأ مارتنديل العمل في مشروعات البناء، لكنه لم ينسَ كرة القدم. لقد كان لاعباً واعداً وهو صغير في السن، وتولى القيادة الفنية لنادي بروكسبرن يونايتد بعد إطلاق سراحه من السجن. يقول مارتنديل، البالغ من العمر 46 عاماً: «لم أحقق قط الطموحات التي تتناسب مع إمكانياتي. لقد كنت لاعب كرة قدم جيداً، لكنني تُركت إلى الشارع أثناء نشأتي. دائماً ما كانت كرة القدم سهلة نسبياً بالنسبة لي بكل صدق، رغم أنني لم ألعب أو أدرب على المستوى الاحترافي. إنني أعلم تماماً أنني أهدرت الفرص التي جاءت في طريقي عندما كنت أصغر سناً».
وقد سمحت الظروف والترشحيات من قبل بعض الأصدقاء مارتنديل على العمل في نادي ليفينغستون، تحت قيادة المدير الفني جون ماكغلين، في عام 2014. يقول مارتنديل: «كنت أقوم فقط بجمع الكرات وأشاهد جون وهو يعمل. كنت أتطوع للعمل هناك صباح الثلاثاء وصباح الخميس، ثم أعود بعد ذلك إلى مواقع البناء».
وكان المدير الفني الذي تولى قيادة الفريق خلفاً لماكغلين، مارك بورشيل، يعرف مارتنديل جيداً، ومن هنا بدأ مارتدينديل يلعب دوراً أكبر مع النادي. وبحلول عام 2015. كان مارتنديل يحمل ابنته الصغيرة على كتفيه ويحتفل في ملعب «ماكديرميد بارك» عندما فاز ليفينغستون بكأس بتروفاك. يقول مارتنديل: «من هنا بدأت أتجه للعمل في كرة القدم على المستوى الاحترافي».
ومع ذلك، كان عمل مارتنديل في تلك الفترة لا يزال يقتصر على تنظيم المقاعد في الجزء المخصص للصحافيين بملعب المباراة، أو ترتيب حجرة الاجتماعات لأعضاء مجلس الإدارة، خلال عمله الذي كان يستمر لمدة 70 ساعة في الأسبوع.
وبعد رحيل بورشيل، تولى قيادة الفريق ديفيد هوبكين، الذي طلب من مارتنديل أن يعمل مساعداً له. يقول مارتنديل عن ذلك: «لقد كان هوبكين مذهلاً، وسأظل مديناً له لبقية حياتي المهنية». وأصبح مارتنديل مسؤولاً عن ملف التعاقدات مع اللاعبين الجدد؛ ونجح النادي في الصعود إلى الدوري الأعلى. يقول مارتنديل: «إنني فخور للغاية بحقيقة أن نادي ليفينغستون كان متفتح الذهن تماماً فيما يتعلق بإسناد مثل هذه المهمة لي». ومن المؤكد أن تحقيق الفريق لنتائج إيجابية قد سهّل كثيراً من اتخاذ مثل هذا القرار.
وفي موسم 2016 – 2017، كان ليفينغستون يلعب في دوري الدرجة الثالثة، وأصبح مارتنديل يلعب دوراً أكبر بشكل تدريجي: من مدرب، إلى مساعد للمدير الفني إلى رئيس لعمليات كرة القدم، ثم إلى الشخصية الأبرز في النادي بعد استقالة غاري هولت من منصبه الشهر الماضي. وخلال الموسم الماضي، تمكن النادي من احتلال المركز الخامس في جدول ترتيب الدوري الاسكوتلندي الممتاز، وهو ما يُعدّ إنجازاً مثيراً للإعجاب، بالنظر إلى الظروف المالية التي يعاني منها النادي. وكان تعاقد النادي مع ليندون دايكس من نادي «كوين أوف ذا ساوث» في عام 2019 بمثابة ضربة رائعة للغاية، خاصة أن نادي كوينز بارك رينجرز كان قد أنفق أكثر من مليون جنيه إسترليني للحصول على خدمات اللاعب بعد 18 شهراً فقط.
وعبر مارتنديل عن تقديره لكل من ساعده في الوصول إلى تلك المكانة، بدءاً من مسؤولي النادي مروراً بالرئيس التنفيذي، جون وارد، ورئيس مجلس الإدارة، روبرت ويلسون، وعشرات من اللاعبين. ومن المثير للاهتمام أن مارتنديل لم يتعرض لأي مضايقات من المنافسين، ويقول عن ذلك: «في الواقع، كان العكس هو الصحيح تماماً، فقد كان لاعبو ومدربو الفرق المنافسة يعاملونني بشكل رائع، ولم يتطرق أي منهم إلى تاريخي السيئ».
وخلال الأسبوع الماضي، قاد مارتنديل نادي ليفينغستون، الذي يتولى تدريبه بشكل مؤقت حتى الآن، للفوز على نادي «أير يونايتد» في كأس اسكوتلندا. ولو كانت الظروف أفضل من ذلك، كان من الممكن أن يفكر المدير الفني لنادي ليفينغستون في المنافسة على لقب الدوري الاسكوتلندي الممتاز، وهو الأمر الذي يقول عنه مارتنديل: «كنت أشعر بالقلق من أننا في مستوى لا يؤهلنا لتحقيق نتائج إيجابية في الدوري الاسكوتلندي الممتاز، لذلك سأكون صريحاً وأقول لك إنني لم أفكر قط بهذه الطريقة. ولست أنا وحدي من يفكر هكذا، لكن الأمر ذاته ينطبق على مسؤولي النادي والعاملين الرائعين به، لكنني أدركت بعد ذلك أننا لسنا بعيدين تماماً عن المنافسة، خاصة بعدما حققنا نتيجة إيجابية أمام نادٍ عملاق مثل سلتيك».
لكن هل سيظل الماضي عالقاً في أذهان مديري ومسؤولي الأندية الأخرى؟ يقول مارتنديل: «من المحتمل أن يؤدي هذا إلى زيادة الصعوبات التي أواجهها. ستكون هناك دائما عقبات، لكنني بصراحة لا أمانع ذلك؛ فمهمتي هي التغلب على هذه العقبات. لكن هل يتعين علي أن أعمل بجهد أكبر قليلاً من الأشخاص الذين لم يدخلوا السجن؟ ربما يكون هذا صحيحاً، وبالتالي يتعين علي أن أتشبث بأي فرصة تتاح لي».



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.