«إذا نسيت»، هو معرض للفنانة الشابة آية الفلاح، في غاليري الزمالك للفن بالقاهرة، يضم 25 عملاً فنياً، وكأنها تقدم خريطة لـ«روحها» وذاتها الداخلية؛ ما يدعو المتلقي إلى أن يتوقف أمام عاطفتها المتأججة والغريبة في لوحاتها.
تقر الفلاح أن الأعمال «منها وإليها»، فهي منذ نحو خمس سنوات تحوّل كل ما تمر به ويمر بها إلى تكوينات وشخوص وكتابات على سطح لوحاتها، ومن ثم تتأملها بعد أن تنتهي من الرسم؛ لتصبح بمثابة رسائل موجهة إليها تواجه مخاوفها وتغوص عبرها في مشاعرها. وتقول الفلاح لـ«الشرق الأوسط»، إنه «منذ بداية مشواري الفني، تنبع لوحاتي من شخصيتي ومشاعري وتجاربي الخاصة، والأمر لم يكن قراراً متعمداً؛ لكني وجدت نفسي أبرز المعاني والانفعالات التي أمر بها في حياتي، وإذ كان ذلك لا يقدم لي بالتأكيد (وصفة جاهزة) للتخلص من مخاوفي أو أزمات الحياة؛ لكنه ربما يساعدني على الوعي بذاتي، مثلما أشار بول سيزان (من أن الفنان عندما ينتهي من رسم نفسه ويشاهدها، فإنه يتعقل ذاته في الأنا التي يجدها في حالة رسمه اللاشعوري)».
ربما لذلك أيضاً تجد الفلاح في معرضها المستمر حتى 28 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، وسيلة مثالية لتذكرها بمن تكون... إذا نسيت!، لذلك اختارت الجملة الأخيرة عنواناً للمعرض. وتضيف «لمست أغنية فرنسية شهيرة (إذا نسيت) قلبي أثناء رسم اللوحات، وجدت كلماتها تتطابق مع حالتي مع فني، الذي يضعني أمام نفسي ويعرفني من أكون».
لكن المدهش أنه أثناء ذلك الغوص في النفس والإبحار إليها، وجدت الفنانة كذلك في أعمالها وسيلة للتواصل مع الناس والوصول إليهم. ووفق الفلاح «يتشابه البشر في كل الأزمنة والأمكنة، قد تختلف الوجوه والمسميات وبعض التفاصيل الشكلية للتجارب الذاتية، لكنها في النهاية ذات جوهر واحد، وصراعات مشتركة تتأرجح ما بين النجاح والفشل، والسعادة والحزن، التشتت والاستقرار، وغير ذلك مما يمكن أن يمر به الإنسان في حياته؛ ومن هنا رغم ما أقدمه من تجارب خاصة، فإنها ستمس قلب المتلقي وفكره».
على سبيل المثال، في اللوحة التي تحمل اسم أغنية «Si jamais j’oublie» أو «إذا نسيت»، تلمس من خلالها رغبة الفنانة في إشعال الروح التي انطفأت داخلها، محاولة استعادة توازنها، واسترجاع لحظات السعادة والتشبث بها كي لا تفر، وهي لحظات إفاقة يمر بها الناس جميعاً، لا سيما بعد المرور بصدمات إنسانية أو عاطفية في حياتهم. أما في لوحة Ma Rue Dans أو «في شارعي» فيمكن للمتلقي أن يستعيد ذلك الإحساس بالتغير الذي لا مفر منه في الحياة، وهو الانتقال من الطفولة للنضوج. وفي مجموعة أعمالها التي تجسد كائنات خيالية خارج كوكب الأرض في اللوحات أو المنحوتات التي يحتضنها المعرض، فإن المشاهد ربما يجد نفسه هائماً مع الفنانة في أحلام الطفولة، أو في أحلام جديدة لعالم من صنعه، حيث تسود البراءة وتنعدم المسؤوليات والأعباء. وفي أعمال أخرى يعيش حالة من السعادة المؤكدة.
في السياق ذاته، تبرز الثقافة الأوروبية للفنانة على مسطح لوحاتها، فهي حين تستعين بالنص تستخدم كلمات فرنسية مأخوذة من كلمات الأغنيتين المشار إليهما، بعضها واضح ليعيش المشاهد الأحاسيس نفسها التي مرت بها أو ليستعيد إحساسه الشخصي الذي توقظه هذه الكلمات، وبعضها الآخر مبهم غير مقروء بوضوح؛ لكنه يخدم تقنية الأعمال كحدود بصرية تثري الشكل وتثير الشغف لمزيد من التأمل.
وحتى في تجربتها مع السفر، فإن المشاهد يجد نفسه، شغوفاً بتأثير طول ترحالها على الأعمال. وتقول «سافرت كثيراً، لولا السفر لم أكن لأعبر عن تجربتي الشخصية عبر تلك الأساليب التجريبية والرؤى المتحررة بلا قلق أو خوف أو قيود، على سبيل المثال انتقالي للعيش مع زوجي في أذربيجان، واقترابي من التشكيل الأفريقي أكسباني، جرأني على استخدام الخامات والألوان الصارخة، بعد أن كنت أميل للرماديات والألوان الترابية، إضافة إلى التركيبات اللونية غير المألوفة».
يوازي جرأة الأفكار والمزج اللوني، نوع آخر من الجرأة، وهو الدمج ما بين التجريدية والتشخيصية، وكأن الفنانة أرادت من خلال الأسلوب التجريدي وتحليقها في عالم خيالي، أن تخفف من حدة «الجرعة الدرامية» المكثفة في أعمالها بما تنطوي عليه من مشاعر متدفقة وصراعات عنيفة، ومن هنا أيضاً اتجهت لأول مرة إلى تقديم منحوتات تحمل الهوية الغرائبية نفسها. وتوضح «لم تكن مجرد رغبة في خوض تجربة نحتية، إنما أردت أن تحول بعض كائناتي غير المعتادة إلى شخوص ثلاثية الأبعاد، لتصبح أكثر قدرة على اجتذاب المتلقي، وحثه على التواصل والتفاعل معها، لذلك لم تعنيني اختيار خامات نفيسة، كالبرونز بقدر ما كان يعني لي المضمون والتأثير؛ ولذلك اكتفيت بالجبس والإسمنت والبلاستيك المعالج»، مضيفة «أعتقد أن تجربتي القادمة سوف يسيطر عليها النحت».
10:45 دقيقه
رؤية تشكيلية ذاتية لتجارب السعادة والحزن بمعرض قاهري
https://aawsat.com/home/article/2688866/%D8%B1%D8%A4%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%8A%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%B0%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B2%D9%86-%D8%A8%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%D9%82%D8%A7%D9%87%D8%B1%D9%8A
رؤية تشكيلية ذاتية لتجارب السعادة والحزن بمعرض قاهري
يضم 25 لوحة ومنحوتة للفنانة المصرية آية الفلاح
- القاهرة: نادية عبد الحليم
- القاهرة: نادية عبد الحليم
رؤية تشكيلية ذاتية لتجارب السعادة والحزن بمعرض قاهري
مواضيع
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

