غانتس: جنرالات إسرائيل ذاقوا ويلات الحرب... وهم أكثر من يسعى إلى السلام

قال في حوار مع «الشرق الأوسط» إنه زار كل الدول العربية بالخفاء ويتمنى زيارتها علناً

بيني غانتس (إ.ب.أ)
بيني غانتس (إ.ب.أ)
TT

غانتس: جنرالات إسرائيل ذاقوا ويلات الحرب... وهم أكثر من يسعى إلى السلام

بيني غانتس (إ.ب.أ)
بيني غانتس (إ.ب.أ)

«لقد أمضيت حوالي 38 سنة مقاتلاً في الجيش الإسرائيلي. وصدقني، الجنرالات في الجيش، الذين رأوا وذاقوا ويلات الحرب، هم أكثر من يريدون السلام. وبين الجنرالات عندنا، يمكنني القول، بكل ثقة، إنني أكثرهم سعياً للسلام». هكذا بادرنا بيني غانتس، رئيس الحكومة البديل وزير الأمن الإسرائيلي. كان يرد بذلك على سؤال عن مفهوم السلام الرائج في المنطقة، أمام الشكوك التي يثيرها كثيرون في العالم العربي وفي إسرائيل نفسها. هل يمكن أن تتحوّل عملية السلام الحالية مع دول عربية إلى سلام دائم يشمل أيضاً الفلسطينيين، الذين يُعتبر الصراع معهم أساس الصراع في المنطقة؟ هل نحن أمام محور جديد لمواجهة المحور الإيراني؟ ما هو الدور الأميركي في عملية السلام الحالية؟ هل هو سلام يلتف حوله كل، أو معظم الإسرائيليين؟ هل هو «السلام مقابل السلام»، كما يقول رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قائد معسكر اليمين الاستيطاني؟
كانت هذه التساؤلات محور مقابلة طويلة مع غانتس كشف فيها أنه زار كل الدول العربية بالخفاء ضمن أداء مهمات عسكرية و«أرغب جداً أن أزورها علناً بشكل رسمي ودي وسلمي». وأكد أنه «يؤمن بالمساواة الكاملة للمواطنين العرب ومشاركتهم في الحكم»، وأن «القدس يجب أن تبقى موحدة. ولكن سيكون فيها مكان لعاصمة فلسطينية»، موضحاً: «نريد للكيان الفلسطيني أن يكون ذا امتداد جغرافي مناسب يجعله قابلاً للحياة المريحة بلا عوائق وعراقيل».
وفيما يأتي تفاصيل الحوار:
يخوض بيني غانتس هذه الأيام معركة مريرة مع بنيامين نتنياهو يمكن أن تطيح بالحكومة التي تجمعهما وتؤدي إلى انتخابات مبكرة. وهو يواجه ضغوطاً لتجنب مثل هذا الخيار خشية أن تؤدي الانتخابات المبكرة إلى تحطيم حزب «كحول لفان» الذي يقوده. لكنه يتعرض، في المقابل، لضغوط أخرى كي يواصل بعناد موقفه الرافض لشروط نتنياهو، ويعلن الخروج من الحكومة، مهما كانت النتيجة. ويؤكد أصحاب هذا الرأي الأخير أن نتنياهو سيتراجع في اللحظة الأخيرة أمام غانتس. والحقيقة أن هذه الضغوط تتم من داخل حزب غانتس ومن خارجه، ومن الصحافة، ومن الناس العاديين، وحتى من خارج البلاد. وفي خضم هذه المعركة، يبدو نتنياهو وكأنه لا يرحم. فهو يصر على وضع غانتس في موقف حرج للغاية، ويمس بمكانته العسكرية والشخصية، علما بأن غانتس كان حليفاً مخلصاً له وكان عملياً حبل النجاة لنتنياهو للبقاء في رئاسة الحكومة.
جرى اللقاء في مكتبه بوزارة الأمن في تل أبيب، في أوج «لعبة شد الحبال» مع نتنياهو. كان كل منهما ينتظر أن يتراجع الآخر قبله، لكن بما أن الوقت ينفد فقد يجدان نفسيهما أمام معركة انتخابات مبكرة لا يريدانها أبداً. قال غانتس إنه يتوقع أن يستمر هذا التدهور نحو الانتخابات، لأن نتنياهو لا يبدي بعد الاستعداد المناسب لتسوية الخلافات بينهما. سألناه عن المنطق الذي تنشأ فيه مثل هذه الحالة، خصوصاً أن الاستطلاعات كافة تشير إلى أن كلاً منهما سيخسر فيها خسارة فادحة. الليكود، بقيادة نتنياهو، سيهبط من 36 مقعداً إلى 28 مقعداً، وربما 23 في حال تشكيل حزب يميني جديد بقيادة المنشق عنه جدعون ساعر. أما «كحول لفان»، بقيادة غانتس، فسيهبط من 17 حالياً إلى 9 وربما 6 مقاعد بوجود حزب ساعر. فأجاب بأن المنطق بالنسبة له هو أن يعمل وفق المبادئ والقيم «بعيداً عن الألاعيب السياسية». واعتبر خوض الانتخابات «مسألة مسؤولية وطنية». لكنه أوضح، في الوقت نفسه، أن الاستطلاعات يمكن أن تتغير: «هناك 20 في المائة من الناخبين لم يقرروا بعد كيف سيصوتون. وأنا مؤمن بأننا سنحصل على ثلثهم، وبأننا سنستعيد قسماً من الناخبين الذين تركونا».
سئل عن مدى واقعية هذا التفاؤل، وكيف يمكن لإسرائيل أن تقبل هذا الواقع المتضعضع طيلة أكثر من سنتين خاضت خلالهما ثلاث معارك انتخابية والرابعة على الأبواب، كما أنها تقترب من افتتاح السنة 2021 والحكومة لم تنجح في إقرار موازنة عامة للدولة لسنة 2020، إضافة إلى أن جائحة «كورونا» تعصف بالصحة والاقتصاد، وهناك حوالي 600 ألف عاطل عن العمل و45 في المائة من المحال التجارية والمصالح الصغيرة تواجه خطر الإغلاق وحتى الإفلاس. هذه دولة بلا استقرار، أليس كذلك؟
رد غانتس بالقول: «لا، أنا لا أعتقد أن الاستقرار السياسي أو الاقتصادي في خطر. أوافق على التوصيف من حيث الأخطاء والإخفاقات والأضرار، أكانت موضوعية أو ذاتية، لكن لا يوجد أي خطر على استقرار إسرائيل. فإذا نظرنا إلى الأمور بشموليتها، فسنجد أن مؤسسات الحكم تعمل والديمقراطية قائمة والأمن مستتب ولدينا رئيس حكومة منذ 11 عاماً، بغض النظر عن الانتقادات له ولإدارته ولسعينا كحزب إلى تغييره. ومن أهم هواجسي العمل على تعزيز الديمقراطية. وفي هذا يوجد لي شركاء كثيرون».
- السلام
وتطرق الحوار إلى أين يجد غانتس نفسه في موضوع اتفاقات السلام والتطبيع بين إسرائيل والإمارات ثم البحرين والسودان والمغرب. فالمعروف أن نتنياهو أدار الجهود في هذا المسار وحده، ولم يشرك وزراءه بشيء، بما في ذلك غانتس نفسه، الذي سمع في الإعلام عن الاتفاق مع الإمارات، وسمع من البيت الأبيض في واشنطن عن الاتفاق مع المغرب. ومعروف أن هناك مشكلة في إبقاء الطرف الفلسطيني خارج الميدان حتى الآن، وغانتس هو المسؤول في الحكومة الإسرائيلية عن المناطق الفلسطينية المحتلة. فخلال نشاطه العسكري طيلة 38 عاماً، شاهد غانتس الفلسطينيين والعرب من خلال فوهة بندقية أو مدفع أو دبابة أو طائرة، لكن كيف يرى هذا السلام الآن؟
استهل غانتس رده في هذا الموضوع انطلاقاً من الجانب الفلسطيني بالذات، مؤكداً أنه لا يرى سلاماً متكاملاً في الشرق الأوسط من دون تسوية الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، داعياً القيادة الفلسطينية والرئيس محمود عباس إلى الانضمام للمسيرة السلمية و«عدم البقاء في الصفوف الخلفية».
سُئل: هل الفلسطينيون هم الذين اختاروا البقاء في الصفوف الخلفية؟ لقد عمل نتنياهو كل ما في وسعه، طيلة 10 سنوات، لإبقائهم خارج الصورة، أليس ذلك صحيحاً؟
رد غانس قائلاً: «أنا لا أحمّلهم مسؤولية هذا الوضع، ولا أحلل الموقف. إنما أقول إنني أريد أن يكونوا جزءاً من مسيرة السلام. فهذه المسيرة مع العالم العربي هي فرصة كبيرة وحقيقية. ولأنني معني بالفعل بأن نتوصل إلى تسوية معهم، وأثق أنه من دونهم لن يكون هناك سلام كامل وشامل، أدعوهم إلى التعاون معي ومع الدول العربية الشريكة حتى يكون لهم مكان محترم في عملية السلام الجديدة. الفلسطينيون هم جيراننا الأقربون. نلتقي بهم بباب البيت. أنا أسكن في رأس العين، على الحدود مع الضفة الغربية، وبلدتنا ملتصقة بكفر قاسم. يوجد لي أصدقاء هناك. يوجد لي أصدقاء في الطيبة وفي عرابة. أزورهم في بيوتهم ويزورونني في بيتي. وأريد أن يحصل لي الأمر نفسه مع ابن نابلس والخليل ورام الله. وأنا أعرف أن الفلسطينيين يريدون الأمر نفسه. إن غالبية الشعب الفلسطيني من الشباب الذين تقل أعمارهم عن 25 عاماً. هؤلاء يريدون رؤية تغيير في السياسة وفي الأوضاع، تماماً مثل الشباب الإسرائيلي. أنا أب لأربعة أبناء، وعندما أتحدث معهم يركزون على المستقبل ولا يعلقون في الماضي. إننا بحاجة إلى قيادة تدرك هذا التغيير وتضعه في مركز الاهتمام، كما فعلنا مع الإمارات وغيرها. لقد حان الوقت فعلاً لأن نصنع هذا السلام».
سُئل: لهذا السلام ثمن، فهل أنت مستعد لأن تدفعه؟ فالفلسطينيون يطالبون بإنهاء الاحتلال وبدولة مستقلة على حدود 1967 مع تبادل معقول للأرض وحل كل القضايا العالقة التي تسمّى لبّ القضية مثل القدس واللاجئين. فهل هذا بنظرك هذا تفكير قديم أم يوجد مجال للحديث عنه؟
أجاب غانتس: الفلسطينيون يريدون ويستحقون كياناً يعيشون فيه بشكل مستقل...
سئل: تقصد دولة...
أجاب: دولة أو إمبراطورية، يسمونها كما يشاءون. من حقهم أن يشعروا بالاستقلال وأن تكون لهم عاصمة، وأن يكون هناك حل لكل القضايا العالقة. علينا أن نتحدث بلغة جديدة عصرية عن سبل الحل ولا نتشبث بالخطاب التقليدي. نحن، من جهتنا، نريد الانفصال عنهم ونريد ضمانات لأمننا. إذا اتفقنا على الأمور الأمنية فإن الحل السياسي يأتي بسهولة. وسيكون علينا أن نجد ليس فقط حلولاً للمشاكل، بل أن يكون لدينا تعاون عميق في الاقتصاد وفي العلوم والتكنولوجيا وفي التعليم وفي كل شيء. وهذه فرصة تاريخية.
سُئل: عندما تقول عاصمة تدرك أنهم يطلبونها في القدس، أو كما يقول أبو مازن: القدس وليس في القدس.
غانتس: القدس يجب أن تبقى موحدة. ولكن سيكون فيها مكان لعاصمة فلسطينية. فهي مدينة رحبة جداً. ومليئة بالمقدسات للجميع.
سُئل: تقول عملياً إن كل مشكلة قابلة للحل والتسوية.
غانتس: بالتأكيد، ولكن بعد التوصل إلى تسوية أمنية.
سئل: هناك خطة أمنية جاهزة وافق عليها الفلسطينيون طرحها الجنرال الأميركي، جون الآن. أليست حلاً؟
غانتس: يوجد لدى إسرائيل بعض الاعتراضات عليها، جون هو صديقي الشخصي وقد تناقشنا معاً كثيراً حول هذه الخطة. فنحن نصر على ألا نعتمد على قوى عسكرية أجنبية في القضايا الأمنية.
- حدود الدولة الفلسطينية
سئل: وماذا عن الحدود؟ الفلسطينيون يطلبون حدود 1967 مع تبادل أراض. بالمقابل خطة الرئيس ترمب تتحدث عن ضم 30 في المائة من الضفة الغربية، من جهة غور الأردن.
غانتس: نحن بحاجة إلى غور الأردن ضمن الإجراءات الأمنية. ولكن مسألة المساحة ليس بالضرورة أن تكون 30 في المائة، ويمكن تقليص هذه المساحة كثيراً. أنت تعرف أننا كنا قد عارضنا مخطط الضم من البداية، وذلك قبل أن يطرح مطلب الإمارات وقبل أن يوافق نتنياهو على التجميد. ووقفنا ضد إضفاء الشرعية على البؤر الاستيطانية العشوائية. نحن نريد للكيان الفلسطيني أن يكون ذا امتداد جغرافي مناسب يجعله قابلاً للحياة المريحة بلا عوائق وعراقيل. ما نطلبه بإصرار هو الأمن. نحن بحاجة إلى نقاط مراقبة استراتيجية حقيقية لأجل الأمن. وبالطبع، يمكن الحديث عن تبادل أراض، مع أنني لا أرى كيف وأين. نحن نقول إن حدود 1967 لن تعود. ولكن يوجد دائماً إمكانية للتوصل إلى حلول وسط. المهم أن نبقي المسار حياً. وألا يتخلف الموضوع الفلسطيني عن ركب رياح السلام القائم حالياً.
- المحور الإيراني
سئل: ما هي رؤيتك تجاه رياح السلام هذه مع الدول العربية؟ هل هو سلام حقاً، أم أنه حلف في مواجهة محور آخر، مثل المحور الإيراني؟
غانتس: أنا أراه أولاً سلاماً. إنه تحالف القوى المعتدلة، التي تعبّر عن الرغبة الحقيقية للمواطنين. طبعاً لا يمكننا أن نتجاهل وجود محور مضاد هو المحور الإيراني الذي يهدد إسرائيل وجميع الدول العربية. ودعنا نتمنى أن يتوصل هذا المحور إلى الاستنتاج اللازم من رياح السلام ويبدأ هو الآخر يتغير باتجاه السلام. ولكن، إن لم يفعل، فإنه سيواجه ما لا تحمد عقباه. وهو يواجه الآن مصاعب جمة. انظر كيف تعيش سوريا اليوم أو لبنان أو العراق أو ليبيا أو اليمن. هذا المحور يدمر ونحن نسعى للسلام والازدهار لشعوبنا. لكن الأهم، أننا نتوجه لتحالفات سلام وليس لتحالفات حرب.
سُئل: استبعدك نتنياهو عن هذه الرياح. ولكن كيف تقيم أداءه في هذه المسألة: هل هو يريد سلاماً أم يريد غطاء يضيع مسألة تورطه بالفساد ويهمش محاكمته؟
غانتس: أنت تعرف كم أنا أختلف مع نتنياهو. لكن، في هذه القضية إنه هو أيضاً يتجه لهذه العملية من منطلق إيمانه بهذه الطريقة لصنع السلام. يمكن لهذا أن يخدمه في قضية المحاكمة، لكن هذا ليس الأساس. وهنا اسمح لي أن أمتدحه وأطري على أدائه، وأن أتمنى أن تتسع الدائرة لتشمل كل الدول العربية وتشمل الفلسطينيين. إنني أثق بأن مسار السلام الحالي مع الدول العربية سيخدم تسوية القضية الفلسطينية أيضاً.
- في الدول العربية... سرّاً
سئل: متى سيتيح نتنياهو لكم زيارة الدول العربية، وهل قمتم بزيارة لأي دولة عربية؟
غانتس: زرت كل الدول العربية، ولكن بالخفاء ضمن أداء مهمات عسكرية وأرغب جداً أن أزورها علناً بشكل رسمي وودي وسلمي.
سئل: لقد أمضيت 38 سنة في الجيش وتوليت كل المهام والوظائف الممكنة وشاركت في كل الحروب، ولا بد أنك تعرف جيداً أي ثمن دفعه العرب واليهود في هذه الحروب... فهل تؤمن حقاً أن رواسب الحروب يمكن أن تتبخر؟
غانتس: من دون شك. أتعرف ماذا كانت أول مهمة عسكرية لي عندما باشرت خدمتي العسكرية في سنة 1977؟ كانت تلك المشاركة في حراسة موكب الرئيس المصري أنور السادات، عندما أذهل العالم كله وجاء لزيارة إسرائيل. أجل، أنا شاركت في جميع حروب إسرائيل وأعرف ويلاتها للجميع، للفلسطينيين والسوريين واللبنانيين والمصريين وللإسرائيليين. أنا فقدت أصدقاء وأقرباء. في البلدة التي ولدت وترعرعت فيها قتل شقيقان هما أفرايم وتسفي جوبر. دماء غزيرة سالت أمام ناظري. وصدقني إن الجنرالات في الجيش، الذين رأوا وذاقوا ويلات الحرب، هم أكثر من يريدون السلام. وبين الجنرالات عندنا، يمكنني القول بكل ثقة، إنني أكثرهم سعياً إلى السلام.
سُئل: هل تتجه إسرائيل إلى انتخابات (مبكرة)؟
غانتس: نعم كما يبدو. فما دام أن نتنياهو يتعنت في موقفه ويرفض تطبيق التعهدات التي قطعها والاتفاقات التي توصلنا إليها وعلى أساسها أقمنا هذه الحكومة، فإن السبيل الوحيد أمامنا سيكون الانتخابات.
سئل: ولكن، ما دام أنكما تعرفان أن الانتخابات ليست في صالحكما، فلماذا لا تقرران وضع حد لمسار الانزلاق إلى الانتخابات؟
غانتس: نحن لا نريد التوجه للانتخابات، وليس فقط بسبب النتائج السيئة المتوقعة. إنما لأننا نرى أنه من الخطأ تحميل عبء انتخابات رابعة للجمهور. المشكلة عند نتنياهو.
سئل: هل يعتقد نتنياهو أن الاستطلاعات ليست صادقة أو أنه يشد الحبل حتى اللحظة الأخيرة، وعندها يفاجئ الجميع ويطرح عليك اقتراحاً مقبولاً لاستمرار الحكومة.
غانتس: كل شيء ممكن.
سُئل: أما زالت هناك إمكانية واقعية لاستمرار هذه الحكومة؟
غانتس: نعم بالتأكيد. فإذا قرأ نتنياهو الخريطة جيداً فسيجد أن التوجه إلى الانتخابات هو ضربة قاضية له. لن يعود منها رئيساً للحكومة. الخريطة السياسية الإسرائيلية تجاوزت نتنياهو.
سُئل: ومن البديل؟ نفتالي بينيت أو جدعون ساعر؟ إنهما أسوأ منه في القضايا الأساسية وعملية السلام.
غانتس: أجل، لا يوجد شيء واضح. فهناك نسبة كبيرة من الناس لم يقرروا بعد كيف يصوتون وهناك تغيرات في الخريطة الحزبية يمكن أن تفرز تغييرات أخرى إضافية.
سُئل: ما رأيك في دور المواطنين العرب في إسرائيل ورغبتهم في الشراكة في إدارة الدولة. الحركة الإسلامية، بقيادة النائب منصور عباس، تنسخ خيوطاً غير عادية مع نتنياهو، مقابل تحقيق مكاسب للمواطنين العرب. فهل هذا يكسبها الشرعية لدى معسكر اليمين؟
غانتس: أنا أؤمن بالمساواة الكاملة للمواطنين العرب ومشاركتهم في الحكم. وأقيم علاقات جيدة مع ممثليهم في الكنيست من القائمة المشتركة. وكما تعلم فقد مررنا في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، هذا الأسبوع، قانون المساواة بالقراءة التمهيدية.
سُئل: كنتم قد وعدتم بتعديل قانون القومية ليحتوي على بند يضمن المساواة، وتراجعتم عن ذلك.
غانتس: لم نتراجع أبداً. وعدنا بأن نضمن المساواة في القانون الأساسي، حتى لا يفهم قانون القومية على أنه تفضيل لليهود على العرب. فإسرائيل دولة يهودية ديمقراطية، ولكن سكانها العرب يجب أن يتمتعوا بالمساواة الكاملة حسب القانون. وهناك عدة طرق طرحناها حتى نضمن الأكثرية للقانون. كنا نريدها في تعديل قانون القومية ولم نفلح فلجأنا إلى سن قانون خاص. نحن نعمل حتى تسود حياتنا السياسية روح وثيقة الاستقلال التي تنص على المساواة الكاملة في الحقوق المدنية لجميع المواطنين. وليس صدفة أن نتنياهو واليمين المتطرف اعترضوا على ذلك. وأنا أمارس هذه السياسة بشكل فعلي. وأحافظ على لقاءات وحوار مع القائمة المشتركة في هذا الموضوع وفي كل المواضيع التي تهم المواطنين، سائر المواطنين، وبضمنهم العرب. وبعد إذنك، أريد أن أنهي بالتأكيد على أن روح الشراكة في الحياة يجب أن تسود الشرق الأوسط برمته. نحن بحاجة إلى هذه الشراكة حتى نوفر لشعوبنا الرفاه والازدهار.
سئل: نتنياهو من أنصار العقيدة بأن إسرائيل هي دولة غربية في الشرق الأوسط، ولا يراها جزءاً لا يتجزأ من المنطقة. وربما هذا يفسر تجاهل القضية الفلسطينية أيضاً. فهل ترى أنت إسرائيل هكذا أيضاً؟
غانتس: نحن بالتأكيد دولة غربية بحكم تركيبتها السكانية. ولكنني في الوقت ذاته أريد أن أراها تنفتح على الشرق العربي وتندمج به وتتعاون معه من أجل أن نقترب من بعضنا البعض مع الحفاظ على هوية كل طرف. لدينا مسار طويل من التعارف والتفاهم حتى نجد المشترك ونقويه ونعززه. لذلك أرى أهمية لثلاثة أمور هنا: الأمن والسلام والتربية. نحتاج إلى ثقافة سلام. نحتاج إلى اعتراف متبادل بالاحتياجات. ونحتاج إلى تغيير في مناهج التعليم الإسرائيلية والعربية التي ينقصها التعريف الحقيقي الودي والموضوعي. وأعتقد بأننا بدأنا سلوك هذا الطريق من الطرفين، وهذا يبشّر بالخير.



«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
TT

«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)

استضافت قبرص، الجمعة، اجتماعاً «عربياً - أوروبياً» تشاورياً، وسط توترات تشهدها المنطقة، ومخاوف من تجدد الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة التي تسببت في أزمة اقتصادية عالمية منذ اندلاعها نهاية فبراير (شباط) الماضي، وهدأت مع هدنة بدأت في الثامن من أبريل (نيسان) الحالي.

ويُعدّ هذا الاجتماع العربي - الأوروبي «جديداً من نوعه، فرضته تطورات المنطقة بحثاً عن توافق أكبر ضد أزمات المنطقة بين دول متضررة وذات تأثير»، وفق سفير مصر الأسبق لدى الاتحاد الأوروبي، رؤوف سعد، في حديثه لـ«الشرق الأوسط».

وحسب «الرئاسة المصرية»، فقد شارك في الاجتماع الذي انعقد في العاصمة القبرصية نيقوسيا، عدد من قادة الدول العربية، وقادة دول الاتحاد الأوروبي، ورئيس المجلس الأوروبي، ورئيسة المفوضية الأوروبية.

وأوضح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، السفير محمد الشناوي، أن الاجتماع شهد تباحثاً بين زعماء الدول العربية والأوروبية، ومسؤولي الاتحاد الأوروبي حول المستجدات والتطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وسبل خفض التصعيد الراهن، واستعادة السلم والاستقرار الإقليميين والدوليين.

الرئيس المصري ونظيره الفرنسي خلال المشاركة في القمة العربية - الأوروبية (الرئاسة المصرية)

ويرى رؤوف سعد، أن هذا الاجتماع التشاوري بين قادة عدد من الدول العربية ودول ومؤسسة الاتحاد الأوروبي «يُعد تجمعاً جديداً من نوعه، يهدف بشكل أساسي إلى حماية مصالح الأطراف كافّة، سواء الأوروبية أو العربية أو منطقة الشرق الأوسط ككل، في ظل التطورات الجيوسياسية الراهنة».

وأوضح سعد أن هذا الاجتماع «تفرضه تداعيات مستمرة، وحالة من الحذر والتخوف الشديد من اتساع نطاق الحرب»، مؤكداً أن «الحرب في غزة، وما تبعها من تصعيد في إيران، وسعت نطاق الأخطار لتتجاوز المنطقة، وتؤثر على العالم أجمع».

توافق أكبر

يرى سعد أن الهدف من هذا التجمع «هو الوصول إلى توافق مشترك أكبر لمواجهة أزمات المنطقة، وكيفية اتخاذ جهود مشتركة لتنسيق المواقف في هذا التوقيت الخطير، الذي قد يشهد تجدد الحرب، مما يصعب السيطرة على آثارها إن لم يتم وقف الحرب».

وأوضح سعد أن قبرص، التي استضافت الاجتماع رغم صغر حجمها الجغرافي، تؤدي دوراً يتجاوز هذا الحجم بفضل تاريخ علاقاتها مع الشرق الأوسط، وانخراطها في التجمع المعني بالغاز في شرق المتوسط، مما يجعلها مدخلاً مهماً للمصالح المشتركة وتعزيز التشاور.

وأبرز الشناوي أن السيسي شدد في كلمته على أن «الأزمات التي تشهدها منطقتنا لا تقف عند حدودها، بل تمتد تداعياتها لتطول الجميع، وفي المقدمة القارة الأوروبية التي تُعدّ من أكثر الأطراف تأثراً بهذه التطورات».

كما أوضح أن ثوابت الموقف المصري «واضحة لا لبس فيها، وفي مقدمتها التأكيد أن المسار السياسي يظل السبيل الوحيد المقبول للخروج من الوضع الراهن، وتحقيق الاستقرار المستدام»، مشدداً على ضرورة الالتزام التام بحرية الملاحة، وأهمية تأمين الممرات الملاحية الدولية، بوصفها قاعدة راسخة ومستقرة في القانون الدولي.

وخلال الاجتماع أكد السيسي أنه «يتعين أن تتسم أي اتفاقيات يتم التوصل إليها بالإنصاف والتوازن، وأن تراعي شواغل كل طرف، وبصفة خاصة الطرف العربي، وهذا ينسحب على الملف الإيراني والملفَين السوري واللبناني». وشدد على «الأهمية البالغة أن يهتم أي اتفاق يتعلق بإيران بالشواغل الأمنية لدول الخليج العربي».

كما لفت السيسي إلى أهمية عدم السماح لأي طرف باستغلال الظرف الإقليمي والإقدام على إجراءات تقوّض أفق السلام، والتعايش بين الشعبَين الفلسطيني والإسرائيلي على أساس حل الدولتَين. وطالب الاتحاد الأوروبي ودوله بمواصلة دعم القضية الفلسطينية، وعدم السماح بتراجعها على سلم الأولويات.

دعم أوروبي منتظر

يأتي الاجتماع التشاوري وسط أزمة اقتصادية عالمية تتأثر بها مصر، وكانت القاهرة قد دعت الاتحاد الأوروبي في مارس (آذار) الماضي خلال ذروة حرب إيران، إلى سرعة صرف شريحة دعم مالي بقيمة 4 مليارات يورو، أقرها البرلمان الأوروبي قبل عام.

تأكيدات مصرية على ضرورة مراعاة أي اتفاقيات بين واشنطن وطهران الشواغل العربية (الرئاسة المصرية)

واتخذت مصر بعد حرب إيران قرارات اقتصادية، غلب عليها التقشف، مع زيادة في أسعار الوقود والمواصلات والقطارات والمترو الرئيسي في البلاد.

وشدد السفير رؤوف سعد على أن الاتحاد الأوروبي تربطه بالشرق الأوسط سياسة الجوار التي تمثّل معياراً استراتيجياً أساسياً، حيث يربطهما البحر المتوسط، مما يجعل المشكلات قابلة للتبادل والتأثير المتبادل، مبرزاً أن ما يحدث في المنطقة يؤثر مباشرة على الأمن والاقتصاد هناك، خصوصاً مع الخوف الأوروبي الشديد من خروج الأمور عن السيطرة بسبب غلق مضيق هرمز.

ولفت سعد إلى أن دولاً كبرى، مثل بريطانيا وألمانيا، غير راضية عن الحرب التي يرى معظم الخبراء والدول أنها كانت بلا داعٍ، وأن الولايات المتحدة دفعت إليها لخدمة أجندة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، متوقعاً أن يكون هناك دعم أوروبي لمصر والدول العربية.


«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

برز ملف إعادة إعمار قطاع غزة على طاولة محادثات مصرية مع أطراف دولية مختلفة خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع جمود في خطوات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وحديث سابق بشأن أزمات تمويلية يواجهها «مجلس السلام» بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تم نفيها بعد ذلك، لكن من دون أن يترتب على ذلك قرارات ملموسة تشي بالتحرك نحو التعافي المبكر على أقل تقدير.

وبحسب خبراء مصريين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن القاهرة تعمل على دفع هذا الملف؛ سواء من خلال إيجاد مسارات موازية لخطة «مجلس السلام» نحو إعادة الإعمار، أو بما يؤدي إلى تحريك الجمود القائم بشأن مراحل وقف إطلاق النار في القطاع، وبما يحافظ على فاعلية الاتفاق في ظل اهتمام الأطراف المعنية بتطورات «الحرب الإيرانية».

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، قبل أيام المبعوث الياباني لملف إعادة بناء ومساعدات غزة أوكوبو تاكيشي، وتناول معه «مسار جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، في ظل التصعيد الإقليمي الراهن».

بحسب المتحدث باسم «الخارجية المصرية» السفير تميم خلاف، فإن «عبد العاطي استعرض رؤية مصر إزاء ضرورة الإسراع بجهود التعافي المبكر من خلال تنفيذ مشروعات عملية ذات أثر مباشر وسريع على حياة المواطنين الفلسطينيين، بما في ذلك توفير الأدوية، ومستلزمات البناء، ومحطات تحلية المياه، ومحطات توليد الطاقة المتنقلة، وأشكال السكن المؤقت اللائق، أخذاً في الاعتبار الحقائق القائمة على الأرض واحتياجات السكان الفعلية».

ملف الإعمار كان حاضراً أيضاً خلال زيارة وزير الخارجية المصري إلى واشنطن في منتصف الشهر الحالي، وتطرق في اجتماعه مع المدير القُطري للضفة الغربية وقطاع غزة ومنطقة الشرق الأوسط بمجموعة البنك الدولي ستيفان إمبلاد، إلى «تعزيز التعاون المشترك لدعم جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار في قطاع غزة».

وتطلع عبد العاطي إلى دور مهم لـ«البنك الدولي» لضمان تحقيق ظروف معيشية كريمة ومستدامة للشعب الفلسطيني ارتباطاً بخبراته الطويلة والمتراكمة في مجال إعادة الإعمار والبناء، وشدد على أهمية تنفيذ المشروعات والأنشطة الأكثر احتياجاً في هذه المرحلة لتحقيق التعافي المبكر، معرباً عن «استعداد مصر للتعاون الكامل مع (مجلس السلام) و(البنك) في هذا الصدد».

محادثات مصرية - يابانية لتسريع خطوات التعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة (الخارجية المصرية)

عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير أشرف حربي، أشار إلى أن إعادة ملف «الإعمار» إلى الطاولة مجدداً تستهدف إيجاد مسارات موازية لخطوات «مجلس السلام» التي لم تبدأ بعد في هذا الإطار، مشيراً إلى أن القاهرة تعَوّل على مؤسسات دولية وأوروبية يمكن أن تدفع عملية التعافي المبكر.

وأوضح حربي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر في المقابل تستهدف أيضاً أن تكسر جمود وقف إطلاق النار، وتعمل بشكل مستمر على أن يكون هناك حراك في ملف القضية الفلسطينية و«اتفاق غزة»؛ خشية من الجمود الكامل مع اهتمام الأطراف الدولية بالحرب الإيرانية.

وشهدت القاهرة خلال الأسابيع الماضية اجتماعات بين حركة «حماس» والممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، تركزت بشكل أكبر على مسألة نزع سلاح «حماس»، لكن دون أن تصل إلى تفاهمات، فيما تحدث ملادينوف عن «أن الوصول إلى ترتيبات تُرضي جميع الأطراف سيستغرق بعض الوقت».

وكانت وكالة «رويترز» تحدثت في تقرير نشرته مطلع أبريل (نيسان) الحالي، عن «أن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من مبلغ يبلغ 17 مليار دولار الذي تم التعهد به لغزة، مما يمنع ترمب من المضي قدماً في خطته لمستقبل القطاع الفلسطيني المدمر».

لكن «مجلس السلام» سارع في التأكيد «أنه لا يواجه أي عراقيل بشأن التمويل، وأن جميع الطلبات تمت تلبيتها (على الفور وبشكل كامل)»، مشيراً إلى أنه يركز بالأساس على «تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة واستعادة الحوكمة، وتوسيع نطاق المساعدات».

وقبل أيام من اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، استضافت واشنطن الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» تعهدت خلاله دول بتقديم مليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة وإدارتها، عقب دمار واسع لحق بالقطاع على مدار عامين من الحرب.

وتقوم الخطة على إعادة إعمار القطاع على نطاق واسع، بالتوازي مع نزع سلاح حركة «حماس»، وانسحاب القوات الإسرائيلية، تمهيداً لتسليم الإدارة إلى لجنة وطنية فلسطينية.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية والخبير في الشأن الإسرائيلي، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن القاهرة تبذل جهوداً مضاعفة لتجاوز العقبات الإسرائيلية أمام «مجلس السلام»، وتؤدي بالتبعية إلى عدم تسلم «لجنة التكنوقراط» مهام عملها بعد في قطاع غزة، وتعرقل كذلك تشكيل «قوة الاستقرار» وآليات عملها، وهي خطوات ترتبط بإعادة الإعمار والتعافي المبكر.

وأكد أنور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن عدم تنفيذ بنود وقف إطلاق النار في غزة تتعلق أيضاً ببند توفير التمويل الخاص للإعمار والتعافي المبكر والتنمية المستدامة في القطاع، فيما تعمل القاهرة على إيجاد أرضية وانطلاقة فعلية على الأرض تساعد في زيادة الدعم الإغاثي والتنموي من خلال «البنك الدولي» أو الوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا»، بما يسهم في بث الأمل بنفوس الفلسطينيين الذين يعيشون واقعاً أليماً.

وترى القاهرة أن تعثر المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من 55 في المائة من كامل أراضي قطاع غزة فقط، والأنظار الملتفتة إلى حرب إيران وما تسفر عنه من تداعيات اقتصادية وسياسية واحتمالات العودة للقتال مرة أخرى، عوامل تؤثر في المشهد الفلسطيني، وتحتاج إلى تحركات مكثفة في اتجاهات مختلفة، وفقاً لأنور.

وتُقدّر مؤسسات دولية كلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، بعدما دُمّر الجزء الأكبر من البنية التحتية والمباني خلال الحرب، ما يجعل مستقبل القطاع رهناً بتوافر التمويل والتوافق السياسي بين الأطراف المعنية كافة.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، أن إعادة إعمار وتأهيل النظام الصحي في قطاع غزة تتطلب استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار على مدى 5 سنوات تشمل إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الطبية، وتلبية الاحتياجات الصحية المتزايدة، مع تضرر 1800 منشأة صحية كلياً أو جزئياً.


مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
TT

مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)

تحوَّل مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» في اليمن إلى نموذج للتدخل المزدوج، بتوفير فرص عمل، ومساعدة المزارعين في مواجهة انعدام الأمن الغذائي من جهة، وتنمية زراعة البن بوصفه محصولاً تراثياً واستراتيجياً.

ونجح مشروع ينفِّذه «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» في محافظة تعز (جنوب غربي البلاد)، بتمويل من البنك الدولي، في خلق فرص عمل مباشرة لأكثر من 43 ألف شخص، بينهم 4 آلاف امرأة، عبر 1.3 مليون يوم عمل، وتوفير 200 ألف متر مكعب من المياه داخل خزانات مستحدثة، وتحسين 8351 هكتاراً من الأراضي.

ومكَّن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» الذي ينفِّذه، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، بتمويل من البنك الدولي، 17 ألف مزارع من استعادة القدرة على استغلال أراضيهم بكفاءة، إلى جانب دعم المزارعين في مناطق إنتاج القهوة، خصوصاً في محافظة تعز، من خلال إنشاء بنية تحتية مائية تقلل من أثر تراجع الأمطار.

يركِّز المشروع، بحسب تقرير صادر عن البرنامج الأممي، على إنشاء خزانات لتجميع مياه الأمطار، تُستخدَم خلال فترات الجفاف؛ لضمان استمرارية الري، وفي مديرية صبر الموادم، جرى إنشاء خزانين بسعة 400 متر مكعب لكل منهما.

يمنية تعرض عيّنة من محصول البن الذي أنتجته مزرعتها (الأمم المتحدة)

وطبقاً لبيانات المشروع، فإنَّ المزارعين الذين تمكَّنوا من الوصول إلى هذه الموارد سجَّلوا تحسناً ملحوظاً في إنتاجهم خلال الموسم الأخير، مقارنة بغيرهم ممَّن ظلوا يعتمدون على الأمطار غير المنتظمة.

يستند المشروع إلى تمويل تقديري يبلغ 64 مليون دولار أميركي، وتغطي تدخلاته 47 مديرية في عدد من المحافظات اليمنية، خصوصاً المناطق الأكثر هشاشة زراعياً، ومن المقرر أن تستمر أعماله حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

تحسين البنية التحتية

ويأتي المشروع بتمويل من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، ويُنفَّذ ضمن شراكة يقودها «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، إلى جانب «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي»، ضمن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن».

خزان مياه بناه مشروع أممي لمساعدة المزارعين في تعز على استدامة الإنتاج (الأمم المتحدة)

ويركز «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» على تطوير البنية التحتية الزراعية، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة التغيُّرات المناخية، بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة.

يقول سعيد الشرجبي، المهندس الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ زراعة البن في اليمن بحاجة إلى حزمة من الإجراءات الخاصة بالبنية التحتية، مثل ربط مناطق الإنتاج بشبكة من الطرق الرئيسية والفرعية والطرق الزراعية لتقليل تكاليف النقل، إضافة إلى الاستفادة منها فيما تُعرَف بالسياحة البيئية أو السياحة الزراعية.

ويدعو الشرجبي إلى إنشاء السدود والحواجز والخزانات المائية ومدها بشبكات الري المناسبة التي تساعد على ترشيد استهلاك المياه، وإنشاء المشاتل لإنتاج شتلات البن، ووضع مواصفات فنية لها يتقيَّد بها القائمون على المشاتل، وتشجيع الاستثمار في المجالات المتعلقة بالبن، مثل الإنتاج والتسويق، وتصنيع مستلزمات الإنتاج من مواد صديقة للبيئة.

وشملت أنشطة المشروع تأهيل أكثر من 201 كيلومتر من الطرق الزراعية، ما أسهم في تسهيل وصول المزارعين إلى أراضيهم وأسواقهم، وإنشاء وتحسين خزانات مياه بسعة إجمالية تجاوزت 200 ألف متر مكعب؛ لتقليل الاعتماد على الأمطار الموسمية، وتعزيز استقرار الري.

يمني في تعز يعدّ قهوة من محصول البن الذي تنتجه مزرعته (الأمم المتحدة)

وامتدت التدخلات إلى حماية الأراضي الزراعية، حيث تم تحسين وإعادة تأهيل نحو 8351 هكتاراً، وريّ أكثر من 13 ألف هكتار، وتطوير أكثر من 110 آلاف متر من قنوات الري؛ بهدف رفع كفاءة التوزيع والحدِّ من الفاقد.

ووفَّر المشروع أكثر من 1.3 مليون يوم عمل وفق بيانات البرنامج الأممي، منها نحو 130 ألف يوم لصالح النساء، بينما تمكَّن أكثر من 22 ألف مزارع من تحسين حصولهم على المياه.

إعادة إحياء الأرياف

ويأتي هذا المشروع بوصفه جزءاً من برنامج أوسع تموله المؤسسة الدولية للتنمية، الذراع التمويلية الميسّرة للبنك الدولي، ويُنفَّذ بالشراكة مع عدد من الوكالات الدولية، بينها «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي».

ولفتت هذه التحولات الزراعية أنظار كثير من المجتمعات الريفية التي تأثرت بالتغيُّرات المناخية، حيث يسعى كثير من المزارعين إلى الحصول على تمويل لمساعدتهم على تغيير وتطوير أنشطتهم الزراعية؛ لمواجهة مخاطر انعدام الأمن الغذائي.

عاملون في تعز يفحصون حبوب البن لفرزها قبل البدء بتسويقها (الأمم المتحدة)

ويشير سمير المقطري، وهو مهندس زراعي وموظف حكومي، إلى أنَّ كثيراً من الأراضي الزراعية في ريف محافظة تعز باتت مهجورة إما بسبب شح المياه، أو الهجرة الداخلية بحثاً عن الخدمات، وهو ما يهدِّد بتدهورها وانهيارها بفعل أمطار غزيرة مفاجئة بعد سنوات من الجفاف والتصحر.

ويطالب المقطري، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الجهات المعنية، الحكومية والأممية والدولية، بتوسيع نطاق المشروعات الداعمة لتعزيز الأمن الغذائي، وانتهاز فرصة تخلي آلاف المزارعين عن نبتة القات؛ لدعم استبدال شجرة البن بها، خصوصاً أن الظروف البيئية والمناخية لنموهما متشابهة إلى حدّ كبير.

وتُظهر النتائج الأولية أن تحسين إدارة المياه يمثل عاملاً حاسماً في حماية زراعة البُن، التي تعتمد تقليدياً على الأمطار المتقلبة، كما تسهم هذه التدخلات في الحد من خسائر المحاصيل، وتحسين استقرار دخل المزارعين، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على الصمود.

Your Premium trial has ended