تصعيد تركي في عين عيسى على وقع «العرض» الروسي

الشتاء يفاقم معاناة نازحين سوريين في شمال غربي البلاد

سوري في أحد شوارع إدلب شمال غربي البلاد أول من أمس (أ.ف.ب )
سوري في أحد شوارع إدلب شمال غربي البلاد أول من أمس (أ.ف.ب )
TT

تصعيد تركي في عين عيسى على وقع «العرض» الروسي

سوري في أحد شوارع إدلب شمال غربي البلاد أول من أمس (أ.ف.ب )
سوري في أحد شوارع إدلب شمال غربي البلاد أول من أمس (أ.ف.ب )

صعدت القوات التركية والفصائل الموالية لها أمس (الثلاثاء) من قصفها الصاروخي على محيط بلدة عين عيسى الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بريف الرقة الشمالي.
ووقعت اشتباكات متبادلة بين قسد وفصائل «الجيش الوطني السوري» الموالية لتركيا، الليلة قبل الماضية، تزامنا مع محاولة تسلل للفصائل إلى نقاط قسد في قرية معلك قرب طريق حلب - اللاذقية الدولي (إم 4) في ريف عين عيسى.
وقصفت الفصائل الموالية لتركيا قرى معلك ومخيم عين عيسى ومواقع أخرى قرب الطريق، ما أدى إلى وقوع خسائر بشرية في صفوف الطرفين.
واستمر التصعيد من جانب القوات التركية والفصائل، رغم العرض الذي تقدمت به روسيا إلى أنقرة والذي يتضمن انسحاب «قسد» مسافة كيلومترين جنوب عين عيسى، مع بقاء الإدارات المدنية التابعة لها في المدينة، ومنها إدارة قوات الأمن (الأشايس) مع انسحاب الفصائل الموالية لتركيا مسافة 4 كيلومترات بعيدا عن طريق إم 4. ولا تزال المفاوضات بين الجانبين التركي والروسي مستمرة حول العرض، وكذلك لم تغادر الإدارات المدنية والعسكرية التابعة لـ«قسد». وقالت مصادر إن نقطة الخلاف هي أن تركيا تريد انسحابا كاملا لقسد من عين عيسى، بينما تريد روسيا بقاء قوات الأشايس في البلدة.
وأضافت أن روسيا بدأت الضغط على «قسد» من أجل القبول بالانسحاب، والتهديد بتركها وحدها في مواجهة تركيا، كما فعلت معها الولايات المتحدة في تل أبيض ورأس العين العام الماضي.
وكانت روسيا توصلت إلى اتفاق مع «قسد» تضمن إنشاء نقاط عسكرية مشتركة في محيط منطقة عين عيسى بهدف منع عملية عسكرية تهدد بها تركيا منذ بداية شهر ديسمبر (كانون الأول) الجاري. وأعلن المجلس العسكري لتل أبيض، الأربعاء، توصله إلى اتفاق يقضي بنشر نقاط مراقبة مشتركة مع الجيش الروسي. وقال قائد المجلس رياض الخلف إنهم توصلوا إلى اتفاق حول إنشاء 3 نقاط مراقبة مشتركة شرق البلدة وغربها وشمالها على الطريق الدولي « إم 4».
وفي عين عيسى بدأت روسيا تطبيق المراحل الأولى من الاتفاق مع «قسد»، وأرسلت رتلاً من الشرطة العسكرية إلى مركز البلدة، يضم آليات وعربات عسكرية، ويرافقه مجموعات عسكرية من الفرقة 25 مهام خاصة (قوات النمر سابقاً). ورفع العلم الروسي على عدد من المقار والمؤسسات داخل المدينة، ومن المفترض أن تستمر عمليات الانتشار وإنشاء نقاط المراقبة المشتركة حتى نهاية العام الحالي.
وأكدت المصادر أن «قسد» قبلت بالعرض الروسي بعد أن أجرت عليه بعض التعديلات، ووافقت بموجب الاتفاق المعدل على انسحاب جزئي من عين عيسى، وإشراك قوات النظام في عدد من نقاط التماس مع المعارضة والجيش التركي، ولكن تبقى السيطرة الفعلية لقسد، وهو ما يشبه ما جرى تطبيقه في منطقتي تل رفعت ومنبج في ريف حلب خلال العامين الماضيين، وهي تجربة ناجحة بالنسبة لقسد تمكنت خلالها من الحفاظ على المنطقتين وفي الوقت نفسه لم تسلمهما كلياً للنظام وروسيا.
وفي المقابل، لم يصدر عن النظام السوري أي تصريح بخصوص الاتفاق في عين عيسى، فيما اعتبر من جانب مراقبين عدم رضا عن تنازلات قسد ثمنا للحماية من العملية العسكرية التركية المحتملة.
وقال عضو مركز المصالحة الروسي الشيخ عمر رحمون في تغريدة على «تويتر»، إن «الاتفاق نص على إنشاء نقاط مشتركة، ومن ثم تسليم ريف عين عيسى بالتدرج لقوات النظام وروسيا، وتفعيل دوائر الدولة في المنطقة، ومدة تنفيذ الاتفاق تمتد من 8 أشهر إلى سنة، ورفعت قسد العلم الروسي على بعض مقراتها في عين عيسى ورفضت رفع علم النظام السوري، ما جرى هو ضحك على اللحى والتحايل على الواقع، ولن يجري في عين عيسى إلا ما جرى في منبج من استمرار الخبث الأميركي وعمالة قسد».
على صعيد آخر، جددت قوات النظام قصفها المدفعي على كل من الفطيرة وكنصفرة وسفوهن وبينين والرويحة ومدليا وكدورة وأماكن أخرى بريفي إدلب الشرقي والجنوبي منذ الليلة قبل الماضية، بحسب «المرصد السوري لحقوق الإنسان».
في الوفت ذاته، أفاد «المرصد» بغرق واقتلاع مئات الخيام ضمن مخيمات أطمة ودير حسان وسرمدا والدانا وتلعادة وقاح الواقعة بالقرب من الحدود السورية مع تركيا وتضرر مئات العائلات النازحة من إدلب إلى تلك المخيمات بفعل سوء الأحوال الجوية والأمطار الغزيرة المستمرة منذ أول من أمس. ويعاني سكان المخيمات في شمال غربي سوريا من الأرضية الترابية التي شيدت عليها خيامهم، وتفتقر المخيمات للخدمات الأساسية مثل مياه الشرب والصرف الصحي والمواد الإغاثية والمنشآت التعليمية والصحية.
ورصد «المرصد»، أوضاعاً مأساوية بمخيم يأوي نازحين من أبناء ريف معرة النعمان الشرقي، ويقع المخيم غرب مدينة معرة مصرين بالقرب من بلدة باتنتة شمال مدينة إدلب، يقطنه ما يقارب ألفي شخص يتوزعون في 450 خيمة، لا تقي ساكنيها برد الشتاء.
ولا يزال النازحون يعانون غياب دعم المنظمات الإنسانية، وصعوبة بالغة في تأمين مواد تدفئة آمنة، بسبب ارتفاع أسعارها، في حين يلجأ البعض إلى استخدام مواد بلاستيكية ونفايات وكاوتشوك الإطارات المستعملة والملابس، تلك المواد التي لها مضار كبيرة على صحة الإنسان، في ظل الواقع الصحي المتدهور، بينما تمتلئ المراكز الصحية بالمرضى في ظل انتشار وباء «كورونا».
إلى ذلك، أدانت دمشق ما وصفته بـ«الممارسات الإجرامية المتكررة» التي تقوم بها القوات التركية على الشعب السوري وعلى سيادتها وسلامتها الإقليمية بأساليب وطرق متعددة وتكرار قطع المياه عن أهالي محافظة الحسكة والتجمعات المحيطة بها.
وطالبت وزارة الخارجية والمغتربين في رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، ورئيس مجلس الأمن، أول من أمس (الاثنين)، مجلس الأمن والأمانة العامة للأمم المتحدة بـ«التدخل الفوري لإلزام النظام التركي بإعادة تشغيل محطة مياه علوك ووضع حد لانتهاكاته ومطالبته بإنهاء عدوانه واحتلاله لأجزاء من الأراضي السورية».
وقالت الوزارة: «لقد بات من الواضح أن الحكومة التركية تقوم بتلك الممارسات غير القانونية واللا إنسانية لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية منها تنفيذ سياسة التهجير الممنهج بحق المواطنين السوريين في المناطق التي تحتلها بُغية إحداث تغيير ديموغرافي يتناسب مع أهدافها التوسعية والاستعمارية دون الأخذ بعين الاعتبار الحد الأدنى من الاحتياجات الإنسانية الملحّة لأهالي تلك المنطقة بشكل ينتهك كل المواثيق الدولية والاتفاقيات التي تضمن حق كل إنسان في الحصول على مياه صالحة للشرب وحقه في عدم التعرض لوقف تعسفي لإمدادات المياه وتلوثها».



اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، أن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلّم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة، وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

من جانبه، أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، لـ«الشرق الأوسط»، أن مستوى التنسيق مع السعودية «عالٍ جداً»، منوهاً بحسمها مسألة إخراج قوات «المجلس الانتقالي» من المحافظة خلال وقت قياسي، والتزامها توفير الغذاء والحوافز، وتقديمها وعوداً بتنفيذ حزمة مشروعات كبيرة لتطوير البنية التحتية.

وقال الخنبشي إن الأوضاع في حضرموت بدأت تعود إلى طبيعتها، وشدَّد على أن المحافظة «يجب أن تكون رقماً سياسياً فاعلاً في أي تسوية مقبلة»، لافتاً إلى لقاءات سيجريها مع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية فيها خلال الأيام المقبلة؛ للتوافق على رؤية موحدة تمثلهم في «مؤتمر الحوار الجنوبي» الذي تستضيفه الرياض قريباً.

من جهته، أكد السفير الأميركي لدى اليمن، ستيفن فاغن، دعم بلاده إجراء «الحوار الجنوبي» الشامل، وأهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار، وذلك خلال اجتماع مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.


العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».