تركيا: العقوبات الأميركية بسبب «إس 400» خطوة في «طريق مسدود»

الإجراء ينذر بتردي العلاقات بين واشنطن وأنقرة قبل أسابيع من تسلم بايدن الحكم

طائرة روسية تحمل أجزاء من النظام الصاروخي {إس 400» تفرغ حمولتها في مطار عسكري قرب أنقرة أغسطس 2019 (أ.ب)
طائرة روسية تحمل أجزاء من النظام الصاروخي {إس 400» تفرغ حمولتها في مطار عسكري قرب أنقرة أغسطس 2019 (أ.ب)
TT

تركيا: العقوبات الأميركية بسبب «إس 400» خطوة في «طريق مسدود»

طائرة روسية تحمل أجزاء من النظام الصاروخي {إس 400» تفرغ حمولتها في مطار عسكري قرب أنقرة أغسطس 2019 (أ.ب)
طائرة روسية تحمل أجزاء من النظام الصاروخي {إس 400» تفرغ حمولتها في مطار عسكري قرب أنقرة أغسطس 2019 (أ.ب)

بعد عام ونصف العام من حصول تركيا على منظومة «إس 400» للدفاع الصاروخي الروسية الصنع، اتخذ الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترمب قراراً بفرض عقوبات على أنقرة لمضيها في هذه الصفقة مع موسكو على الرغم من المحاذير الموجودة في قوانين الولايات المتحدة، مما ينذر بتدهور في العلاقات بين البلدين قبل أسابيع قليلة من تسلم الرئيس المنتخب جو بايدن مهماته في البيت الأبيض.
من جانبها، قللت تركيا من شأن القرار الأميركي بفرض عقوبات عليها بموجب قانون «مكافحة أعداء أميركا بالعقوبات» (كاتسا) بسبب شرائها منظومة الدفاع الجوي الصاروخي الروسية «إس 400» واعتبرته «خطأ جسيما» سيتم الرد عليه وخطوة في طريق مسدود لن تثنيها عن المضي قدما في تطوير صناعاتها الدفاعية.
واعتبرت وزارة الدفاع التركية أن اختيار الولايات المتحدة للعقوبات بدلاً من مناقشة حل المشكلة بخصوص منظومة «إس 400» خطوة نحو طريق مسدود وليس حلاً.
ونددت الوزارة، في بيان أمس (الثلاثاء)، بالقرار الأميركي، قائلة: «ندين قرار العقوبات الأميركي الذي لا ينسجم مع التحالف والحقائق العسكرية والسياسية الموجودة وأمن تحالف حلف شمال الأطلسي (ناتو)، بسبب تزودنا بنظام الدفاع الجوي الصاروخي طويل المدى (إس 400)، ومن الواضح أن فرض عقوبات على دولة عضو في الناتو من شأنه أن يقوض الثقة بين الحلفاء، علاوة على الإضرار بروح التحالف».
ولفت البيان إلى أن تركيا، الواقعة تحت تهديد جوي وصاروخي خطير، اتخذت وستتخذ جميع التدابير المطلوبة من أجل أمنها وأمن مواطنيها، البالغ عددهم 83 مليوناً، بما فيها الدفاع الجوي والصاروخي، و«أثناء القيام بذلك، فإننا نفي بالتزاماتنا وتعهداتنا بالكامل حيال جميع حلفائنا، على رأسهم الناتو، ومن حقنا أن نتوقع من حلفائنا أن يروا ويدركوا الاحتياجات الأمنية لتركيا وشعبها، وأن حصول تركيا على منظومة (إس 400) ضرورة ولا يعد خيارا، كما أعلنت مرارا».
وأشار البيان إلى أن أنقرة أبلغت حلفاءها بأن منظومة «إس 400» لن يتم إدماجها بأنظمة الناتو أو الأنظمة الوطنية المرتبطة بالناتو، وستستخدم مثل الأنظمة روسية المنشأ الموجودة في بلدان الحلف الأخرى، مضيفا أن مقترح تركيا لا يزال مطروحاً حول بحث تأثير منظومة «إس 400» ومقاتلات «إف - 35» على بعضهما البعض وذلك ضمن مجموعة عمل بمشاركة حلف الناتو، إذا لزم الأمر.
من جانبه، قال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، في تصريح أمس، إن قرار العقوبات هز جميع قيم التحالف بين البلدين، مضيفا «ندين القرار الذي لا ينسجم مع روح التحالف والحقائق العسكرية والسياسية... ونتخذ كل التدابير الضرورية من أجل أمن مواطنينا وبلدنا الواقع تحت تهديد جوي وصاروخي خطير».
القرار الأميركي
وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت، ليل الاثنين - الثلاثاء، فرض عقوبات على أنقرة على خلفية شرائها واختبارها منظومة صواريخ «إس 400» الروسية للدفاع الجوي بموجب قانون «كاتسا» الذي أقر في عام 2017 ويسمح للرئيس الأميركي باختيار 5 من بين 12 عقوبة على الدول التي تتعامل في صفقات السلاح مع روسيا. وأفادت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان، بإدراج مستشار الصناعات الدفاعية بالرئاسة التركية برئاسة الجمهورية التركية، إسماعيل دمير، وكل من مسؤولي المستشارية مصطفى ألبر دنيز، وسرهات غانش أوغلو، وفاروق ييغيت، في قائمة العقوبات.
وتضمنت العقوبات تعليق مشاركة تركيا وإخراجها من برنامج تصنيع وتطوير مقاتلات «إف - 35» تحت إشراف الناتو، وحظر شهادات التصدير والتراخيص الأميركية لأي سلع أو تكنولوجيا، وفرض حظر على أي قروض من المؤسسات المالية الأميركية لأكثر من 10 ملايين دولار، وحظر على قروض بنك الاستيراد والتصدير الأميركي. وفرض قيود على تأشيرات الدخول على مستشار الصناعات الدفاعية الرئاسية التركية، إسماعيل دمير، وثلاثة مسؤولين آخرين في المنظمة، فضلاً عن إدراج الأربعة على لائحة العقوبات من قبل وزارة الخزانة وتجميد أي أصول لهم في الولايات المتحدة.
ودعا وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، تركيا إلى حل مشكلة صواريخ «إس 400» في أسرع وقت ممكن بالتنسيق مع واشنطن، بعد فرض الولايات المتحدة عقوبات عليها. وقال إن الولايات المتحدة الأميركية حذرت تركيا وفي مناسبات عديدة من أن استخدامها «إس 400» من شأنه أن يعرض تكنولوجيا الجيش الأميركي وأفراده للخطر، ويوفر أموالا إضافية للصناعات الدفاعية الروسية، إضافة إلى وصول روسيا إلى القوات المسلحة التركية وصناعاتها الدفاعية، ورغم ذلك عزمت تركيا على شراء واختبار هذه المنظومة، رغم وجود بدائل لهذه المنظومة.
تطوير الصناعات الدفاعية
وأعلنت تركيا رفضها وإدانتها لقرار الولايات المتحدة، معتبرة الخطوة «خطأ جسيما»، بحسب ما جاء في بيان لوزارة الخارجية التركية، قالت فيه: «ندين ونرفض قرار العقوبات أحادي الجانب الذي أعلنته الولايات المتحدة اليوم (أول من أمس الاثنين)، ضد تركيا بسبب تزودنا بمنظومات ( إس 400) للدفاع الجوي، لأنه عمل يخلو من كافة أشكال التعقل... وندعو الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في قرار العقوبات الجائر والرجوع عن هذا الخطأ الجسيم». ولفتت الخارجية إلى أن الجميع يعلم الأسباب التي دفعت تركيا لشراء منظومات «إس 400»، وأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أقر في أكثر من مناسبة بأن تركيا كانت محقة بهذا الموضوع.
وأكدت تركيا أنها لن تمتنع عن اتخاذ التدابير التي تراها ضرورية لحماية أمنها القومي، معتبرة الادعاءات الأميركية بأن صواريخ «إس 400» ستتسبب بضعف في منظومات الناتو تفتقر للأساس الفني. ولفتت إلى أنها اقترحت مرارا تشكيل مجموعة عمل فنية حول الموضوع بمشاركة الناتو، لتناول الأمر بشكل موضوعي بعيدا عن الأحكام السياسية المسبقة، بينما لم تتجاوب واشنطن مع هذا المقترح الرامي لحل هذا الخلاف عبر الحوار والدبلوماسية بما يليق بدولتين حليفتين.
وبدوره، أكد مستشار الصناعات الدفاعية بالرئاسة التركية، إسماعيل دمير، عزمهم على مواصلة الطريق بتطوير الصناعات الدفاعية المحلية، رغم العقوبات الأميركية. وقال دمير، في تصريحات من داخل البرلمان التركي أمس: «ننتظر أن تبقى هذه العقوبات في إطارها المحدد، وأن لا تؤثر على العلاقات بين البلدين... تربطنا مع أميركا علاقة تحالف، نحن حلفاء في الناتو، كما يقولون هم، تربطنا علاقات على مختلف الأصعدة، وجميعنا يرغب باستمرار هذه العلاقات... من جهتنا سنواصل تطوير الصناعات المحلية، وربما بوتيرة أسرع».
وأكد نائب الرئيس التركي فؤاد أوكتاي، أنه لا يمكن لعقوبات أي بلد كان أن يؤثر على موقف تركيا «الشامخ»، قائلا إن قرار العقوبات الأميركي سيزيد من تصميمنا على الخطوات التي نتخذها من أجل حماية مصالحنا القومية وصناعاتنا الدفاعية. وندد متحدث الرئاسة التركية إبراهيم كالين بالعقوبات الأميركية، قائلا عبر «تويتر»: «ستواصل تركيا إجراءاتها الحاسمة لتحقيق أهدافها في الصناعات الدفاعية».
روسيا وأذربيجان واليونان
ودعت المعارضة التركية إلى تفعيل منظومة «إس 400» وإدخالها الخدمة، ردا على العقوبات الأميركية. وقدمت روسيا وإيران وأذربيجان الدعم لتركيا في مواجهة العقوبات الأميركية. واعتبر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف العقوبات على أنقرة مظهراً آخر من مظاهر «الابتذال» و«الغطرسة على القانون الدولي». وأدان وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، «بشدة» العقوبات الأميركية. وقال عبر «تويتر»: « الولايات المتحدة عبر العقوبات أحادية الجانب ضد تركيا، أظهرت مرة أخرى انتهاكها للقانون الدولي وإدمانها للعقوبات... ندين بشدة العقوبات الأميركية الأخيرة ضد تركيا، ونقف إلى جانب الشعب التركي وحكومته... الجيران أولاً». واستنكر الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف قرار واشنطن ووصفه بـ«المجحف وغير المقبول والمنافي للقانون» ويعكس ازدواجية في المعايير. وأكد ثقته في أن العقوبات لن تعيق خطوات تركيا لتعزيز قدراتها الدفاعية.
في المقابل رحبت اليونان بقرار العقوبات على تركيا. وعبرت وزارة خارجيتها في بيان عن «ارتياح اليونان بوصفها عضوا في الناتو لهذا القرار». ووصف رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، تركيا بأنها حليف غير آمن يهدد الأمن المشترك لحلف الناتو.



ماسك يعرض شراء «رايان إير» للطيران... والشركة تردّ بالسخرية

طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)
طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)
TT

ماسك يعرض شراء «رايان إير» للطيران... والشركة تردّ بالسخرية

طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)
طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)

أثار الملياردير الأميركي إيلون ماسك موجة من التفاعل على منصة «إكس» بعدما لمح، على سبيل المزاح، إلى رغبته في شراء شركة الطيران الأوروبية منخفضة التكلفة «رايان إير»، وتعيين شخص يحمل اسم «رايان» لإدارتها.

الملياردير الأميركي إيلون ماسك في مركز معارض «بورت دو فرساي» في باريس بفرنسا يوم 16 يونيو 2023 (أ.ف.ب)

وجاءت هذه التصريحات عقب مناوشة إلكترونية بدأت عندما سخر فريق «رايان إير» على وسائل التواصل الاجتماعي من انقطاع مؤقت في منصة «إكس»، موجّهاً تعليقاً لماسك يتساءل فيه ما إذا كان يحتاج إلى خدمة «واي فاي». وردّ ماسك بطريقة ساخرة، متسائلاً إن كان عليه «شراء رايان إير ووضع شخص اسمه الحقيقي رايان على رأسها».

ولم يكتفِ ماسك بذلك، بل عاد ليسأل الشركة عن تكلفة الاستحواذ عليها، معتبراً أن من «قدرها» أن يملكها شخص يحمل الاسم نفسه. هذا التراشق الساخر سرعان ما استدعى رداً رسمياً من المدير التنفيذي لـ«رايان إير» مايكل أوليري، الذي قال إن ماسك «يعرف عن قوانين ملكية شركات الطيران أقل مما يعرف عن ديناميكا الطيران»، مضيفاً أنه سيتناول الموضوع في مؤتمر صحافي بدبلن، وفق ما نقلته شبكة «يورو نيوز» الإخبارية.

كما أطلقت شركة «رايان إير» تعليقاً ساخراً عبر حسابها الرسمي، معلنة عن عرض خاص على المقاعد تحت عنوان «العظماء الأغبياء»، موجّهة إياه لماسك ولغيره من مستخدمي «إكس».

يُذكر أن أحد مؤسسي هذه الشركة هو رجل الأعمال الآيرلندي توني رايان، الذي لعب دوراً محورياً في إطلاقها خلال ثمانينات القرن الماضي. ورغم وفاته عام 2007، لا تزال عائلته من كبار المساهمين، فيما يتولى أوليري إدارة الشركة منذ سنوات طويلة.

لكن، بعيداً من المزاح، فإن أي محاولة حقيقية من ماسك لشراء «رايان إير» ستصطدم بعقبات قانونية أوروبية. فوفقاً لقوانين الاتحاد الأوروبي، يجب أن تكون شركات الطيران العاملة داخل التكتل مملوكة بنسبة لا تقل عن 50 في المائة لمواطنين من دول الاتحاد وتحت سيطرتهم الفعلية. وبما أن ماسك أميركي الجنسية، فلن يُسمح له بالاستحواذ على حصة مسيطرة دون تغيير جذري في هيكل الملكية، وهو ما قد يعرّض تراخيص الشركة للخطر.

ورغم كل ذلك، بدا أن ماسك يستمتع بالجدل، إذ حققت هذه السجالات ملايين المشاهدات خلال وقت قصير.


أمين عام سابق لحلف «الناتو»: أزمة غرينلاند تظهر أن وقت تملّق ترمب انتهى

آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
TT

أمين عام سابق لحلف «الناتو»: أزمة غرينلاند تظهر أن وقت تملّق ترمب انتهى

آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)

قال الأمين العام الأسبق لحلف شمال الأطلسي (ناتو) ورئيس الوزراء الدنماركي السابق آندرس فو راسموسن، الثلاثاء، إن وقت تملّق الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتهى، وإنه ينبغي لأوروبا أن ترد بقوة اقتصادياً إذا فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية على أعضاء الحلف الذين أرسلوا قوات إلى غرينلاند، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف راسموسن أن إصرار ترمب على ضرورة أن تصبح ‌غرينلاند جزءاً من ‌الولايات المتحدة يمثّل ‌أكبر ⁠تحدٍّ ​للحلف ‌منذ تأسيسه في عام 1949. وغرينلاند إقليم دنماركي شبه مستقل.

ويقدّم راسموسن منظوراً فريداً للأزمة بصفته زعيماً سابقاً لكل من الدنمارك، التي تولى رئاسة وزرائها من 2001 إلى 2009، وحلف الأطلسي (ناتو)، حيث شغل منصب الأمين العام ⁠من 2009 إلى 2014.

وقال: «مستقبل حلف شمال الأطلسي ‌هو الذي بات على المحك حقاً». وأضاف لوكالة «رويترز» من المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا: «انتهى وقت التملق؛ فهو لا يجدي نفعاً. والحقيقة أن ترمب لا يحترم إلا القوة والوحدة. وهذا هو بالضبط ما يجب على أوروبا ​أن تظهره الآن».

وأفاد بأنه لا ينتقد قادة مثل الرئيس الحالي لحلف الأطلسي ⁠مارك روته، الذي أغدق المديح على ترمب، لكنه قال إن الوقت حان لاتباع أوروبا نهجاً جديداً.

ولفت إلى أن أداة الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه التي تمنح صلاحيات واسعة للرد على الضغوط الاقتصادية يجب أن تكون مطروحة بعد أن هدد ترمب بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية لحين السماح للولايات المتحدة بشراء غرينلاند.

ويقول ترمب إن ملكية ‌الولايات المتحدة لغرينلاند أمر حيوي للأمن القومي الأميركي.


أزمة غرينلاند بين واشنطن وأوروبا: فرصة لروسيا أم مصدر قلق؟

سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
TT

أزمة غرينلاند بين واشنطن وأوروبا: فرصة لروسيا أم مصدر قلق؟

سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)

لطالما قامت استراتيجية الكرملين على إحداث شرخ دائم بين الولايات المتحدة وأوروبا، بهدف تقسيم خصومه التقليديين في الغرب وإضعافهم، وذلك حسب تحليل نشره ماثيو تشانس، كبير مراسلي الشؤون العالمية في شبكة «سي إن إن».

وعلى مدى سنوات، شجّعت روسيا التخريب والتضليل لتقويض المؤسسات الغربية، التي تُعدّ عقبات صلبة أمام طموحات موسكو التوسعية ومساعيها لاستعادة مكانتها ونفوذها على غرار الاتحاد السوفياتي السابق، وفقاً لتشانس.

وأوضح أن «تفكيك حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التحالف العسكري الغربي الأقوى، هدف رئيسي للكرملين، ولا سيما منذ اندلاع حرب أوكرانيا. وقد استغل الكرملين المخاوف من التوسع المحتمل للحلف لتبرير غزوه الشامل والعنيف لأوكرانيا قبل نحو أربع سنوات».

وقال تشانس: «تخيّلوا إذن حجم الفرحة في أروقة الكرملين إزاء احتمال تفكك الوحدة الغربية وانهيار حلف (الناتو)، الذي شكّل على مدى ثمانين عاماً حصناً منيعاً في مواجهة التهديدات الروسية، بسبب قضية غرينلاند غير المتوقعة والمبادرات غير المرحّب بها التي يبديها الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه هذه المنطقة الدنماركية».

وأضاف: «تراقب روسيا بدهشة من بعيد، بينما ينشغل خصومها القدامى بصراعاتهم الداخلية».

قلق أوروبي وفرح روسي مُعلن

علّقت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، في تصريح على منصة «إكس»، عقب تهديد ترمب بفرض تعريفات جمركية استثنائية على الحلفاء الأوروبيين المعارضين للسيطرة الأميركية على غرينلاند، قائلة: «لا شك أن الصين وروسيا في غاية السعادة».

ورغم أن الصين وروسيا تنفيان بشدة وجود أي مطامع إقليمية لهما في غرينلاند، بل إن الجيش الدنماركي يؤكد عدم وجود تهديد غزو حقيقي من الشرق، فإن المشهد بدا مختلفاً في الداخل الروسي.

ففي التلفزيون الرسمي الروسي، ابتهج المعلّقون الموالون للكرملين بتحركات ترمب بشأن غرينلاند، واصفين إياها بأنها «توجيه ضربة كارثية لحلف (الناتو)»، وأنها «هائلة حقاً بالنسبة لروسيا».

والرأي السائد أن مواجهة حلف «الناتو» لأكبر أزمة له منذ عقود، واحتمال تفكك الوحدة عبر الأطلسي، سيؤديان حتماً إلى تراجع الدعم الغربي للمجهود الحربي الأوكراني، ما يمنح موسكو يداً أقوى في ساحة المعركة. ولسوء حظ كييف، قد يثبت هذا التقييم صحته. ومع ذلك، لم يُبدِ الكرملين حماسة احتفالية حتى الآن.

أشخاص يتظاهرون أمام القنصلية الأميركية في نوك احتجاجاً على سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه غرينلاند (أ.ب)

موقف روسي رسمي حذر

على الأقل في البداية، جاء رد الفعل الرسمي في موسكو هادئاً نسبياً، بل اتسم بالنقد. إذ صرّح المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، للصحافيين بأن ترمب «يتصرف في غرينلاند خارج نطاق القانون الدولي»، في موقف لافت من الكرملين.

وقد يُنظر في موسكو إلى سيطرة الولايات المتحدة المحتملة على غرينلاند على أنها تحدٍّ مباشر لهيمنة روسيا في منطقة القطب الشمالي.

إلا أن المخاوف الروسية تبدو أعمق من ذلك، إذ يراقب الكرملين، شأنه شأن بقية العالم، بقلق وريبة إدارة ترمب المتقلبة، وهي تمارس نفوذاً عسكرياً واقتصادياً عالمياً يبدو دون قيود، حسب ما أشار إليه تشانس.

وفي أول خطاب له عن السياسة الخارجية في العام الجديد، عبّر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن أسفه لحال العالم، قائلاً: «غالباً ما تحل الإجراءات الأحادية والخطيرة محل الدبلوماسية، وجهود التوصل إلى حلول وسط أو إيجاد تسويات ترضي الجميع».

وأضاف في إشارة واضحة إلى التحركات الأميركية على الساحة الدولية، دون إقرار بمسؤولية بلاده: «بدلاً من أن تنخرط الدول في حوار فيما بينها، هناك من يعتمد على مبدأ القوة المطلقة لفرض رواياته الأحادية، ومن يعتقد أنه يستطيع فرض إرادته وإملاء الأوامر على الآخرين».

تحالفات موسكو تتفكك

وفي الوقت نفسه، تشهد شبكة تحالفات موسكو تآكلاً متسارعاً. فقد تضررت بشدة إثر الإطاحة بالرئيس السوري المدعوم من روسيا، بشار الأسد، العام الماضي.

كما تعرّضت إيران، الحليف الروسي القديم، لغارات جوية أميركية وإسرائيلية مؤلمة العام الماضي. وفي أعقاب حملة القمع الوحشية الأخيرة ضد المتظاهرين المناهضين للحكومة، قد تواجه طهران هجوماً جديداً قريباً.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، شكّل اعتقال القوات الأميركية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، المقرّب من الكرملين، صفعة أخرى لموسكو.

كما أن الحديث الكثير عن كوبا، الحليف التقليدي لروسيا والخصم التاريخي للولايات المتحدة، بوصفها الهدف التالي لواشنطن في مساعيها من أجل تغيير الأنظمة، ينذر بمزيد من الإذلال للسياسة الخارجية الروسية، حسب وصف تشانس.

لافتة كبيرة كُتب عليها «غرينلاند ليست للبيع» تظهر خارج متجر ملابس في نوك (أ.ف.ب)

نظام عالمي يتغيّر

لطالما سخرت موسكو من النظام الدولي القائم على القواعد، الذي أُرسِيَ بعد الحرب العالمية الثانية، عادّةً إياه أداة غربية مليئة بالمعايير المزدوجة لاحتواء خصومها، وفي مقدمتهم الكرملين نفسه.

وقد تحدّت روسيا علناً ميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر تغيير الحدود بالقوة، وسعت باستمرار إلى عالم تُقسَّم فيه مناطق النفوذ بين القوى العظمى.

ويبدو أن واشنطن تتبنى اليوم، بشكل كبير، هذه الرؤية الروسية للعالم، وهو ما قد يُعدّ نظرياً انتصاراً مهماً لموسكو، حسب تشانس. وتابع: «غير أن الاحتفال بهذا الانتصار مؤجّل حالياً، وسط مخاوف كبيرة من طبيعة العالم الجديد والخطير الذي قد ينبثق عنه».

وأضاف: «قد يُشكّل التعامل مع رئيس أميركي يزداد تهوّراً وعدم قابلية للتنبؤ تحدياً حقيقياً للكرملين، الذي اعتاد التعامل مع إدارات أميركية أكثر استقراراً وانضباطاً».