الاستثمار في بريطانيا (1 من 2) : عدم اليقين الضريبي والحاجة إلى اتخاذ الإجراءات

الاستثمار في بريطانيا (1 من 2) : عدم اليقين الضريبي والحاجة إلى اتخاذ الإجراءات
TT

الاستثمار في بريطانيا (1 من 2) : عدم اليقين الضريبي والحاجة إلى اتخاذ الإجراءات

الاستثمار في بريطانيا (1 من 2) : عدم اليقين الضريبي والحاجة إلى اتخاذ الإجراءات

اتسمت الأشهر الاثنا عشر الماضية بقدر من التقلب الواضح في أغلب الاقتصادات المتقدمة حول العالم... وليست المملكة المتحدة بمنأى عن ذلك. ولقد شهدنا موسماً انتخابياً حاداً ومثيراً للانقسامات، فضلاً عن فوضى مفاوضات الخروج البريطاني من عضوية الاتحاد الأوروبي، وجائحة فيروس كورونا المستجد، والزيادة في معدلات الفقر وجوع الأطفال، مع الإدراك العالمي المنتشر بعدم المساواة في نمو مستمر ومتسارع. وكلها من القضايا والأمور الداخلية التي تجعل المملكة المتحدة تستشعر درجة لا بأس بها من عدم الاستقرار بأكثر من المعتاد.
كما أن الصورة العالمية الكبيرة مفعمة بكثير من عدم اليقين كذلك.
وعلى الرغم من آمال المستثمرين في امتلاك القدرة على التنبؤ ورؤية المستقبل، فما من أحد يستطيع ذلك في الحقيقة، مع اعتمادنا جميعاً على فهمنا الخاص للواقع المعاصر عندما نحاول التنبؤ بمجريات المستقبل.
بطبيعة الحال، يوفر الوصول إلى الكميات الهائلة من البيانات، من النوع الذي تحتفظ به شركات التقنية المتقدمة، فضلاً عن شركات الأسهم الخاصة، للمستثمرين فهماً راسخاً للواقع المعاصر (فإنهم يدركون مدى انشغال الاقتصاد راهناً، وبأكثر من ذلك، من واقع البيانات التي تحت تصرفهم)، الأمر الذي يساعدهم في التنبؤ بالمستقبل. لكن، برغم ذلك، يتعين عليهم قبول درجة من الشكوك، لا سيما على المستوى الجيوسياسي.
ومما نأمل فيه، أن تعين هذه المقالة المستثمرين في المملكة المتحدة على فهم المشكلات الراهنة، ولماذا يعد من الجيد مراجعة كيفية الاحتفاظ بالأصول في هذه البلاد. فهناك تغييرات ضريبية تقترب في الأفق، وينبغي على المستثمرين الاستعداد الجيد لها.
يتسم المشهد الاقتصادي والسياسي العام بحالة من التغير المستمر، ولم تعد القناعات القديمة على مستوى الفاعلية نفسه، وحتى الحكومة - يمينية التوجهات - بات لزاماً عليها اتخاذ التدابير المناوئة تماماً لمبادئها وثوابتها. وفي غالب الأمر، يرى حزب المحافظين نفسه كحزب حكومي صغير يؤيد الضرائب المنخفضة. وهذه الصورة تتغير لا سيما أنه وجد الحكومة التي يسيطر عليها مضطرة للانخراط في المعترك الاقتصادي بأكثر مما كان يمكن اعتقاده في الماضي.
ظلت المملكة المتحدة محل جذب للاستثمارات الأجنبية عبر أكثر من ألف عام. وخلال تلك الفترة، مرت البلاد بمراحل زمنية مطولة من عدم اليقين الكبير، ولكنها ظلت محافظة على درجة من الاستقرار النسبي عبر مختلف الأجيال، ولقد شجع هذا الاستقرار المزيد من الاستثمار الأجنبي في البلاد.
ولقد تغيرت الحكومات المتعاقبة، ولكن من واقع إدراك الحاجة الماسة إلى جذب الاستثمارات، اعتمدت البلاد معدلات الضرائب المنخفضة بالنسبة للمستثمرين الوافدين من الخارج. ولقد أسفرت عدة عوامل في الزيادة الهائلة في الاستثمارات الأجنبية الداخلية، ومن بينها اللغة الإنجليزية، وسهولة ممارسة الأعمال التجارية، وتوافر مشورة الخبراء في «سيتي أوف لندن» (والآن، في مختلف الأماكن الأخرى داخل المملكة المتحدة)، فضلاً عن منطقتنا الزمنية الخاصة، والأهم مما سبق كان شعور المستثمرين في البلاد بأنهم يتلقون معاملة تتصف بالإنصاف، وأن ممتلكاتهم قيد الحماية المستمرة.
يمتلك العديد من المستثمرين الأجانب العقارات داخل المملكة المتحدة. وهناك أجزاء كبيرة من العاصمة لندن ومدن أخرى في البلاد مملوكة لشركات خارجية، وغير ذلك من الكيانات القانونية التي يملكها ويديرها أشخاص آخرون من خارج البلاد في خاتمة المطاف. ومما يُضاف إلى ذلك، يمتلك الأفراد العقارات في المملكة المتحدة بأسمائهم. وولت الأيام التي كان يمكن فيها إخفاء ملكية العقارات عن أعين سلطات الضرائب إلى غير رجعة. وباتت ملكية الشركات معروفة ويجري إدراجها على السجل العام في الوقت المناسب. ويقترن هذا الأمر بحيازة سلطات الضرائب في البلاد للتقنيات الفعالة التي تراقب المعاملات الدولية وترصد الأنشطة في كل مكان، ما يعني أنه لم يعد يمكن إضفاء الطابع السري على أي نشاط بعد الآن. وصارت مهمة محصل الضرائب أيسر بكثير مع إمكانية تتبع الأموال والأصول في أي مكان. كما انتهت الأيام التي كان يمكن فيها إخفاء الثروات عن أعين السلطات.
وصارت كل الثروات المخفية عن أعين السلطات في البلدان المتقدمة يصعب كثيراً استخدامها والاستفادة منها، فضلاً عما تثيره من تساؤلات جمة عندما تغادر مخبأها في نهاية المطاف. وهناك كثير من الحالات لأفراد يحتفظون بحسابات مصرفية سرية جرى إنشاؤها في أيام السرية المصرفية الحقيقية الماضية، تلك الحسابات التي تتحول إلى أعباء ذات وطأة شديدة على أبنائهم بعد وفاتهم، حيث لا يستطيعون إخفاء كيفية التعامل مع ميراثهم.
يعني المشهد الضريبي الجديد في البلاد أن أي شخص يملك الأصول في المملكة المتحدة، سواء كان يعمل من خلال شركة أو صندوق أو بصفة فردية، يحتاج إلى التفكير ملياً بشأن ما إذا كان من المعقول المحافظة على تلك الترتيبات أو العمل على تغييرها حالياً في الوقت الذي تعد فيه التكلفة الضريبية للتغيير منخفضة بصورة نسبية.
كانت الحكومة البريطانية تعتزم الإعلان عن معدلات الضرائب الجديدة في الميزانية اعتباراً من أكتوبر (تشرين الأول) أو نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الجاري. ومع ذلك، جرى إلغاء الميزانية بسبب خشية تعرض الاقتصاد لمزيد من الأضرار مع فرض الزيادة على معدلات الضرائب، لا سيما مع الإنهاك الذي ألم بالاقتصاد البريطاني إثر انتشار فيروس كورونا المستجد، وعدم اليقين الشائع بشأن خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي. وترغب الحكومة البريطانية من الاشخاص الذين يملكون الأموال في الخروج وإنفاق أموالهم بُغية توليد وتعزيز النشاط الاقتصادي، وكان من الممكن للزيادات الضريبية المحتملة أن ترجع بنتائج معاكسة تماماً.
ومع ذلك، فلقد أنفقت الحكومة البريطانية مليارات الجنيهات خلال أزمة وباء كورونا المستجد على دعم الشركات، والأفراد، وشبكات النقل، وغير ذلك الكثير. ولسوف يأتي الوقت الذي يتعين عليهم فيه سداد هذه الأموال مرة أخرى.
ولذلك، من اللازم أن ترتفع المعدلات الضريبية بمجرد أن يتحمل دافعو الضرائب فرض الضرائب الجديدة.
وبالإضافة إلى الضغوط الممارسة من أجل تحقيق التوازن بين الحسابات (أو على أقل تقدير أن تبدو الأمور على هذه الشاكلة)، تواجه الحكومة راهناً ضغوطاً شفهية صارخة ومتزايدة تلك التي تلفت الانتباه إلى حالة الانقسام الهائل بين من يملكون الثروات ومن لا يملكون أي شيء. كما تتعرض الحكومة وباستمرار إلى الانتقادات من جانب الناس من كل التيارات والأطياف السياسية بسبب عدم سداد تكاليف وجبات الغداء للأطفال الأكثر فقراً خلال العطلات المدرسية في نصف العام الدراسي. ولا تبدو هذه المسألة من القضايا ذات الزخم العالمي، أو حتى من القضايا المهمة في سياق الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، أو في خضم كارثة الوباء الراهنة. ومع ذلك، فإن الأمر ينتشر بسرعة كبيرة، ولقد جرى انتخاب حزب المحافظين على أساس الحكم لصالح كل فئات المواطنين، وأنه بلغ السلطة في البلاد بفضل أصوات الناخبين السابقين من مؤيدي حزب العمال المعارض، ممن وثقوا في حزب المحافظين وصدقوا دعاياته. لكن يبدو أن الحكومة الحالية أبعد ما تكون عن الطبقة العاملة من المواطنين. ولسوف يكون لهذه الضغوط المتزايدة تأثيرها المباشر على بيانات الزيادات الضريبية في العام المقبل.
ومن شأن الزيادات الضريبية أن تركز على فئة الأثرياء من أبناء الشعب، وعلى أولئك الذين يملكون النفوذ السياسي الطفيف، أو الدعم الإعلامي الضعيف. ويعتبر المستثمرون الأثرياء الذين يقطنون العقارات السكنية فائقة القيمة من الأهداف الضريبية السهلة.
ومع ارتفاع معدلات عدم المساواة، يتعين على الحكومة الاستجابة لذلك مع رغبتها الأكيدة في أن تعكس عناوين الصحف ووسائل الإعلام أنها معنية بتلك القضية تماماً. ومن شأن القصص الإخبارية بشأن الزيادات الضريبية على الأثرياء وعلى الأفراد من الخارج أن تساعد الحكومة في إدارة المعترك الإعلامي الراهن.
هناك بالفعل فجوة آخذة في الاتساع ما بين الشمال والجنوب، وهي ترجع في جزء منها إلى الأسلوب الذي تعمل به الأرقام ذات الصلة بفيروس كورونا، فضلاً عن معدلات الإصابة بالمرض، ولكن أيضاً بسبب وجود تصور طويل الأمد يقضي بأن العاصمة لندن وجنوب البلاد بصفة عامة يستفيدان من معاملة اقتصادية تفضيلية عند المقارنة مع بقية أنحاء البلاد. وسواء كان ذلك صحيحاً أم لا، فهو أمر غير ذي صلة عندما يتعلق الشأن بالأثر السياسي لمثل هذه الفكرة.
سوف ترتفع المعدلات الضريبية في المملكة المتحدة على أولئك الذين يملكون الثروات، وسوف يكون المستثمرون الدوليون من أهداف الزيادات الضريبية الجديدة، على الرغم من أن الحكومة ترغب - في الوقت نفسه - في تشجيعهم على مواصلة الاستثمار في البلاد. وإنها بحق من المعضلات الكبيرة.
- محامٍ متخصص في قضايا المستثمرين الدوليين في بريطانيا



أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.