دراسة تكشف مخاطر انتقال «كورونا» داخل السيارات

الدراسة قدمت محاكاة لكيفية تحرك الهواء داخل السيارة (الفريق البحثي)
الدراسة قدمت محاكاة لكيفية تحرك الهواء داخل السيارة (الفريق البحثي)
TT

دراسة تكشف مخاطر انتقال «كورونا» داخل السيارات

الدراسة قدمت محاكاة لكيفية تحرك الهواء داخل السيارة (الفريق البحثي)
الدراسة قدمت محاكاة لكيفية تحرك الهواء داخل السيارة (الفريق البحثي)

تقدم دراسة جديدة لأنماط تدفق الهواء داخل مقصورة الركاب في السيارة بعض الاقتراحات لتقليل مخاطر انتقال «كوفيد – 19» أثناء مشاركة الركوب مع الآخرين. واستخدمت الدراسة، التي أجراها فريق من باحثي جامعة براون الأميركية، ونشرت في 4 ديسمبر (كانون الأول) الجاري، بدورية «ساينس أدفانسيس»، نماذج حاسوبية لمحاكاة تدفق الهواء داخل سيارة، وأظهرت عمليات المحاكاة أنه كلما زاد عدد النوافذ المفتوحة، كان ذلك أفضل، حيث يخلق أنماط تدفق هواء تقلل بشكل كبير من تركيز الجسيمات المحمولة جواً المتبادلة بين السائق والراكب الواحد.
ووجد الباحثون أن نظام التهوية في السيارة لا يوزع الهواء تقريباً مثل بعض النوافذ المفتوحة. ويقول أسيمانشو داس، طالب دراسات عليا بكلية الهندسة بجامعة براون، ومؤلف مشارك بالدراسة في تقرير نشره الموقع الإلكتروني للجامعة بالتزامن مع نشر الدراسة «القيادة مع النوافذ المفتوحة أفضل بكثير عندما يوجد راكب مع السائق، وأفضل سيناريو وجدناه هو فتح جميع النوافذ الأربعة، ولكن حتى فتح واحدة أو اثنتين كان أفضل بكثير من إغلاقها جميعا، أما غلق النوافذ وتشغيل تكييف الهواء أو التدفئة هو بالتأكيد أسوأ سيناريو، وفقاً لمحاكاة الكومبيوتر لدينا».
وأنتجت عمليات المحاكاة بعض النتائج التي يحتمل أن تكون غير بديهية، فعلى سبيل المثال، قد يتوقع المرء أنه عندما يكون هناك أكثر من راكب، فإن فتح النوافذ بجوار كل راكب مباشرة قد يكون أبسط طريقة لتقليل التعرض، وقد وجدت عمليات المحاكاة أنه رغم أن هذا التكوين أفضل من عدم وجود نوافذ على الإطلاق، إلا أنه ينطوي على مخاطر تعرض أعلى للإصابة مقارنة بإغلاق النافذة المقابلة لكل راكب.
ويقول كيني بروير، أستاذ الهندسة بجامعة براون وكبير مؤلفي الدراسة «هذا النمط يساعد على تقليل التلوث المتبادل بين السائق والراكب». ويؤكد الباحثون أنه لا توجد طريقة للقضاء على المخاطر تماماً، وتشير التوجيهات الحالية من المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض (CDC) إلى أن تأجيل السفر والبقاء في المنزل هو أفضل طريقة لحماية الصحة الشخصية والمجتمعية، وكان الهدف من الدراسة هو دراسة كيف أن التغيرات في تدفق الهواء داخل السيارة قد تتفاقم أو تقلل من خطر انتقال العوامل الممرضة.
ونماذج الكومبيوتر المستخدمة في الدراسة تحاكي سيارة (تويوتا بريوس)، وقامت بمحاكاة تدفق الهواء حول وداخل السيارة التي تتحرك بسرعة 50 ميلاً في الساعة، بالإضافة إلى حركة وتركيز الهباء الجوي القادم من كل من السائق والراكب. والهباء الجوي عبارة عن جزيئات صغيرة يمكن أن تبقى في الهواء لفترات طويلة من الزمن، يعتقد أنها إحدى الطرق التي ينتقل بها فيروس كورونا المستجد، خصوصا في الأماكن المغلقة. وجزء من السبب في أن فتح النوافذ أفضل من حيث انتقال الهباء الجوي لأنه يزيد من عدد تغيرات الهواء في الساعة (ACH) داخل السيارة، مما يساعد على تقليل التركيز الكلي للهباء الجوي.
لكن يقول الباحثون إن عدد تغيرات الهواء في الساعة (ACH) كان جزءًا فقط من القصة، وأظهرت الدراسة أن مجموعات مختلفة من النوافذ المفتوحة تخلق تيارات هوائية مختلفة داخل السيارة يمكن أن تزيد أو تقلل من التعرض للهباء الجوي المتبقي. ونظراً للطريقة التي يتدفق بها الهواء عبر الجزء الخارجي من السيارة، يميل ضغط الهواء بالقرب من النوافذ الخلفية إلى أن يكون أعلى من الضغط في النوافذ الأمامية، نتيجة لذلك، يميل الهواء إلى دخول السيارة عبر النوافذ الخلفية والخروج من النوافذ الأمامية.
مع فتح جميع النوافذ، يؤدي هذا الاتجاه إلى إنشاء تدفقين مستقلين أكثر أو أقل على جانبي المقصورة، ونظراً لأن الراكبين في المحاكاة كانا يجلسان على جوانب متقابلة من المقصورة، فإن عدداً قليلاً جداً من الجزيئات ينتقل بين الاثنين، والسائق في هذا السيناريو معرض لخطر أعلى قليلاً من الراكب لأن متوسط تدفق الهواء في السيارة ينتقل من الخلف إلى الأمام، لكن كلا الشاغلين يواجهان نقلاً أقل للجسيمات بشكل كبير مقارنة بأي سيناريو آخر.
ومع مراعاة ما ذهبت إليه الدراسة من تعديلات تدفق الهواء، يشدد د.خالد شحاتة، أستاذ الفيروسات بجامعة أسيوط «جنوب القاهرة»، على أن ذلك ليس بديلاً عن ارتداء الأقنعة من قبل الركاب عندما يكونون داخل السيارة. ويقول: «النتائج تقتصر على التعرض المحتمل للهباء الجوي العالق الذي قد يحتوي على مسببات الأمراض، إذ لم تشر الدراسة إلى نموذج لقطرات تنفسية أكبر يمكن الوقاية منها عن طريق الكمامة».


مقالات ذات صلة

تقرير: الإعدامات تضاعفت في كوريا الشمالية خلال زمن «كوفيد»

آسيا جانب من حفل تأبيني للجنود المقتولين أُقيم في متحف المآثر القتالية التابع لقيادة العمليات العسكرية الخارجية في بيونغ يانغ (أ.ف.ب)

تقرير: الإعدامات تضاعفت في كوريا الشمالية خلال زمن «كوفيد»

أظهر تقرير نشرته «مجموعة العمل من أجل العدالة الانتقالية» الحقوقية أن كوريا الشمالية زادت تنفيذ أحكام الإعدام في زمن انتشار وباء «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (سيول)
صحتك فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر (رويترز)

دراسة: فيروسات «كورونا» في الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر

كشفت دراسة حديثة أن فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر حيث أصبحت قادرة على إصابة الخلايا البشرية عبر أكثر من مسار.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

3 وفيات على متن سفينة سياحية جراء تفشٍّ محتمل لفيروس «هانتا»

السفينة «إم في هونديوس» (أ.ف.ب)
السفينة «إم في هونديوس» (أ.ف.ب)
TT

3 وفيات على متن سفينة سياحية جراء تفشٍّ محتمل لفيروس «هانتا»

السفينة «إم في هونديوس» (أ.ف.ب)
السفينة «إم في هونديوس» (أ.ف.ب)

أعلنت «منظمة الصحة العالمية»، الأحد، وفاة 3 أشخاص على متن سفينة سياحية في المحيط الأطلسي، تأكدت إصابة أحدهم بفيروس «هانتا».

وأكدت «منظمة الصحة العالمية» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أنه «حتى الآن، تم تأكيد حالة إصابة واحدة بفيروس (هانتا) مخبرياً، وهناك 5 حالات أخرى مشتبه بها». وأضافت: «من بين المصابين الستة، توفي ثلاثة، بينما يرقد المصاب السادس حالياً في العناية المركزة في جنوب أفريقيا».

كانت وزارة الصحة في جنوب أفريقيا قد أعلنت، في وقت سابق الأحد، وفاة شخصين إثر تفشي «مرض تنفسي حاد» على متن سفينة سياحية، ونُقل شخص ثالث إلى العناية المركزة في مستشفى بجوهانسبرغ.

وسُجلت حالات الإصابة على متن السفينة «إم في هونديوس» التي غادرت أوشوايا في الأرجنتين متوجهة إلى جمهورية الرأس الأخضر.

وأوضح المتحدث باسم الوزارة فوستر موهالي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن نتيجة فحص المريض الذي يتلقى العلاج في جوهانسبرغ أكدت إصابته بفيروس «هانتا»، وهو من عائلة الفيروسات التي تسبب الحمى النزفية.

السفينة «إم في هونديوس» (أ.ف.ب)

ووفقاً للمراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، ينتشر فيروس «هانتا» من طريق القوارض، خصوصاً عبر ملامسة بولها وبرازها ولعابها.

وأول من ظهرت عليه الأعراض راكب يبلغ 70 عاماً. وتوفي على متن السفينة، وجثمانه موجود حالياً في جزيرة سانت هيلينا، وهي إقليم بريطاني في جنوب المحيط الأطلسي، وفق موهالي.

وأضاف المتحدث أن زوجة المتوفى البالغة 69 عاماً أصيبت بعوارض أيضاً على متن السفينة، وتم نقلها إلى جنوب أفريقيا، حيث توفيت في أحد مستشفيات جوهانسبرغ، مشيراً إلى أن السلطات لم تتمكن بعد من تحديد جنسية الضحيتين.

وتتعلق الإصابة الثالثة ببريطاني يبلغ 69 عاماً تم إجلاؤه أيضاً إلى جوهانسبرغ، حيث يتلقى العلاج في العناية المركزة.

والسفينة «إم في هونديوس» مدرجة كسفينة للرحلات القطبية على مواقع العديد من وكالات السفر. وتُشغلها شركة «أوشن وايد إكسبيديشنز» السياحية ومقرها في هولندا. وتتسع السفينة لنحو 170 راكباً، ويعمل على متنها طاقم من نحو 70 شخصاً.


الملك تشارلز ينهي رحلة برمودا بإطلاق مشروع لوكالة الفضاء البريطانية

الملك البريطاني تشارلز يلقي كلمة في حفل استقبال خلال زيارته الرسمية إلى برمودا (رويترز)
الملك البريطاني تشارلز يلقي كلمة في حفل استقبال خلال زيارته الرسمية إلى برمودا (رويترز)
TT

الملك تشارلز ينهي رحلة برمودا بإطلاق مشروع لوكالة الفضاء البريطانية

الملك البريطاني تشارلز يلقي كلمة في حفل استقبال خلال زيارته الرسمية إلى برمودا (رويترز)
الملك البريطاني تشارلز يلقي كلمة في حفل استقبال خلال زيارته الرسمية إلى برمودا (رويترز)

ينهي ملك بريطانيا تشارلز الثالث زيارته إلى برمودا بإطلاق مشروع «نوفا» التابع لوكالة الفضاء البريطانية رسمياً للمساعدة في تتبع الحطام الفضائي، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

ويزور تشارلز موقع مرصد جديد تابع للوكالة في الجزيرة للاستماع إلى معلومات بشأن مبادرة الإشراف على تركيب شبكة عالمية من التلسكوبات، عبر خمسة مواقع، للمساعدة في تتبع الأقمار الاصطناعية القديمة، ومراحل الصواريخ، وغيرها من الأجسام، وفقاً لوكالة الأنباء البريطانية (بي إيه ميديا).

وخلال يومه الأخير في برمودا، يفتتح الملك أيضاً محطة خفر السواحل الجديدة في خليج جريت باي، حيث سيستمع إلى العمل الحاسم الذي يقوم به خفر السواحل التابع لفوج برمودا الملكي في حماية المياه الإقليمية للجزيرة، وحماية بيئتها البحرية.

كما يشاهد ملك بريطانيا قطعتين جديدتين من التكنولوجيا التي يستخدمها الفوج -وهما مركبة مسيرة تعمل تحت الماء، ومركبة جوية مسيرة.


الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟