وزير الداخلية الفرنسي يطلق حملة واسعة تستهدف «المساجد المتطرفة»

استنفار أمني أمام كاتدرائية نوتردام بعد هجوم طعن بمدينة نيس نهاية أكتوبر الماضي (إ.ب.أ)
استنفار أمني أمام كاتدرائية نوتردام بعد هجوم طعن بمدينة نيس نهاية أكتوبر الماضي (إ.ب.أ)
TT

وزير الداخلية الفرنسي يطلق حملة واسعة تستهدف «المساجد المتطرفة»

استنفار أمني أمام كاتدرائية نوتردام بعد هجوم طعن بمدينة نيس نهاية أكتوبر الماضي (إ.ب.أ)
استنفار أمني أمام كاتدرائية نوتردام بعد هجوم طعن بمدينة نيس نهاية أكتوبر الماضي (إ.ب.أ)

استبق وزير الداخلية الفرنسي جيرالد درامانان عرض مشروع قانون حول الانفصالية الإسلاموية يوم 9 الجاري بإطلاق حملة ضد مجموعة من المساجد عبر الأراضي الفرنسية يظن أنها ذات علاقة ببث فكر متطرف. وهذه المبادرة، نظراً للعدد الكبير من المساجد وقاعات الصلاة التي تستهدفها غير مسبوقة، وهي تأتي في إطار التوجهات المتشددة للسلطات الفرنسية لمواجهة التطرف الأصولي الذي تعتبره «الحاضنة» للأعمال الإرهابية. وآخر ما عاشته فرنسا ثلاث هجمات ضربت باريس وكونفلان سانت هونورين ونيس خلال شهر واحد. وأثارت هذه العمليات صدمة كبيرة في أوساط الرأي العام، وعرّضت رئاسة الجمهورية والحكومة لضغوط سياسية وإعلامية وشعبية عنيفة، ووفّرت لليمين بجناحية الكلاسيكي والمتطرف السوط الذي يجلد به السلطات، ويتهمها بالعجز عن وضع حد للإرهاب الإسلاموي.
وجاءت ردة فعل وزير الداخلية وشؤون العبادة من خلال عملية ترحيل لعشرات الأشخاص بحجة التطرف، وحل جمعيتين وإغلاق مسجد كبير في ضاحية باريس الشمالية. ومبادرة دارمانان الأخيرة ستتناول 76 مسجداً وقاعة صلاة، وقد وصفها الوزير الفرنسي، في تغريدة، مساء الأربعاء، بأنها «تحرك ضخم وغير مسبوق ضد الانفصالية» الإسلاموية، مؤكداً، في التغريدة نفسها، أن «المساجد التي يجب أن تُغلق سيتم إغلاقها». ويبدو أن وزارة الداخلية، عبر جهاز المخابرات التابع لها، قد رصدت من بين دور العبادة، 18 مسجداً تنطبق عليها صفة التطرف، وهي تنوي اتخاذ «إجراءات فورية» بحقها، أي إغلاقها. ومن بين الدور الـ18؛ هناك ثلاث تقع في نطاق بلدية سين سان دوني شمال العاصمة، التي تعرف نسبة مرتفعة من الأجانب والمهاجرين أو الفرنسيين من أصول أجنبية.
وبحسب وثيقة جاءت بصيغة تعميم على مديري الشرطة في العاصمة والمناطق، أُرسلت في 27 الشهر الماضي، وأماطت اللثام عنها صحيفة «لو فيغارو» في عددها ليوم أمس، وتم لاحقاً التأكد من صحتها، فإن الشبهات تحوم حول 16 مسجداً وقاعة صلاة في باريس ومحيطها، و60 مسجداً في بقية المناطق. وتجدر الإشارة إلى أن في فرنسا 2600 مسجد.
وفي تغريدته المشار إليها ولكن أيضاً في حديث أدلى به صباح أمس إلى إذاعة «أر تي أل»، شرح دارمانان الإجراءات والتدابير التي يريد تطبيقها. ومنذ أن عُيّن وزيراً للداخلية في حكومة جان كاستكس بعد أن شغل لثلاث سنوات منصب وزير دولة للشؤون المالية، اعتمد دارمانان خطاباً يمينياً متشدداً ضد التطرف الإسلامي، والتزم مواقف داعمة بلا تحفظ لما تقوم به الأجهزة الأمنية من شرطة ودرك وخلافها.
إلا أن توقيت الإعلان عن هذه التدابير التي تستبق تقديم مشروع القانون في جلسة مجلس الوزراء يوم الثلاثاء المقبل أثار مجموعة من التساؤلات، والسبب في ذلك أنها تأتي فيما يواجه الوزير المعني سلسلة من الانتقادات عقب قيام الشرطة بنزع مجموعة من الخيام العشوائية التي نصبها لاجئون غالبيتهم من الأفغان، في ساحة «لا ريبوبليك»، وسط باريس واللجوء إلى العنف المفرط. ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد؛ إذ أعقبها قيام أربعة رجال شرطة بالاعتداء على منتج موسيقي أسود اللون وإشباعه ضرباً على مدخل مكاتبه، وتوجيه شتائم عنصرية له بسبب عدم ارتدائه الكمامة في الطريق العام.
يُضاف إلى ذلك أن دارمانان كان الجهة التي فرضت إضافة المادة 24 إلى مشروع قانون «الأمن الشامل» الذي تجري مناقشته في البرلمان، التي تنص على منع بث صور أو مقاطع فيديو لرجال الشرطة بغرض الإساءة لهم مادياً ونفسياً، وتغريم من يخالف ذلك بالسجن لمدة عام أو دفع غرامة من 45 ألف يورو. والحال أن هاتين الحادثتين كانتا ستمران مرور الكرام لولا مقاطع الفيديو التي بُثّت عنهما. وللإشارة، فإن الفيديو الذي يصور اعتداء الشرطة على ميشال زيكلر شوهد 12 مليون مرة، واعتبر الرئيس ماكرون أن ما فعله رجال الشرطة «معيب». ويوم السبت الماضي، سارت في العاصمة ومائة مدينة مظاهرات ضخمة احتجاجاً على العنف، وعلى ما اعتُبر تكميماً لأفواه الصحافة واعتداء على حرية التعبير. الأمر الذي وضع دارمانان في موقف صعب سياسياً، خصوصا أن الرئيس الفرنسي عبر عن «غيظه» مما حصل.
لذا، فإن السؤال المطروح يتناول معرفة ما إذا كان دارمانان قد اختار الهجوم وسيلة للدفاع باعتبار أن ملف الانفصالية الإسلاموية يلقى تأييداً واسعاً لدى الرأي العام، وبالتالي فإن إخراج هذه الورقة في الوقت الراهن من شأنه التغطية على صعوبات الوزير الأخرى. أمس، قال وزير الداخلية إن طلبه بإجراء تحريات تشمل عشرات المساجد مرده ظنون أنها تعمل على نشر الأفكار المتطرفة «فيما هدفنا التصدي لخطر التطرف الديني المتزايد». وأضاف دارمانان أن المساجد الـ76 التي سيتم التحري بشأنها تمثل خطراً محتملاً على قيم الجمهورية الفرنسية وأمنها، وفي حال تأكدت هذه الشبهات في أي مسجد فسيتم إغلاقه. وبحسب تصريحاته، فإن هناك «أماكن للعبادة في بعض المناطق المزدحمة حيث من الواضح أنها مناهضة (لقيم) للجمهورية».
في الأسابيع الأخيرة، كانت فرنسا في عين العاصفة، ووجهت إلى سلطاتها اتهامات بمعادة الإسلام والمسلمين بسبب ملف الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للنبي ودفاع الرئيس الفرنسي عن العلمانية وحرية المعتقد والتعبير، بما في ذلك السخرية من الأديان جميعاً عن طريق الرسوم أو بأي وسيلة أخرى. وإزاء الموجة التي اجتاحت عدداً من البلدان الإسلامية ودعوات لمقاطعة المنتجات الفرنسية، سعت باريس، عبر مقابلات صحافية للرئيس ماكرون، أو لوزير خارجيته، لتصحيح الصورة ولتأكيد أن فرنسا تحارب التطرف الإسلاموي وليس الإسلام. من هنا، فإن مشروع قانون مناهضة الانفصالية الإسلاموية، رغم التخلي عن هذه التسمية لصالح تسمية لا تظهر فيها كلمة الإسلام ولا الانفصالية، قد يعيد التشنج إلى ما كان عليه. وقد يثير مجدداً موجة عداء لفرنسا».


مقالات ذات صلة

تركيا: 14 موقوفاً في التحقيقات بهجوم قرب القنصلية الإسرائيلية

شؤون إقليمية عناصر من الشرطة التركية في محيط مجمع يضم مقر القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول عقب اشتباك مع مهاجمين يرجح انتماؤهم لـ«داعش» الثلاثاء الماضي (أ.ب)

تركيا: 14 موقوفاً في التحقيقات بهجوم قرب القنصلية الإسرائيلية

أوقفت السلطات التركية 14 شخصاً في إطار التحقيقات في هجوم على نقطة تفتيش بالقرب من مقر القنصلية الإسرائيلية، كما ألقي القبض على 198 من عناصر «داعش».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي في قمة المناخ بشرم الشيخ عام 2022 (الرئاسة الجزائرية)

تهمة «إرهاب الدولة» تنسف ما تبقّى من ثقة بين الجزائر وفرنسا

وصفت الجزائر علاقاتها مع فرنسا، في ظل التوترات المستمرة منذ نحو عامين، بأنها تمرّ بحالة من «الرِدّة».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا عناصر من قوات الأمن المغربي (أ.ف.ب)

الأمن المغربي يفكّك خلية إرهابية في 4 مدن

تمكّنت قوات الأمن المغربي، خلال الـ24 ساعة الماضية، من تفكيك خلية إرهابية تتكون من ستة أشخاص في أربع مدن مغربية.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شؤون إقليمية انتشار كثيف للشرطة التركية في محيط مجمع يقع به مقرُّ القنصلية الإسرائيلية في حي بيشكتاش بإسطنبول عقب اشتباك مع مهاجمين استهدفوه الثلاثاء (أ.ف.ب)

استهداف القنصلية الإسرائيلية بإسطنبول... والشرطة تقتل مهاجماً وتقبض على اثنين

حددت السلطات التركية هوية 3 أشخاص اشتبكوا مع عناصر الشرطة، التي تتولى تأمين مبنى القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول؛ ما أسفر عن مقتل أحد المهاجمين وإصابة الآخرَين.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الولايات المتحدة​ حاكم ولاية فلوريدا الأميركية رون ديسانتيس (رويترز)

حاكم فلوريدا يوقع قانون تصنيف «الإرهاب» ويثير مخاوف إزاء حرية التعبير

وقع حاكم ولاية فلوريدا الأميركية رون ديسانتيس قانوناً يمنحه وغيره من مسؤولي الولاية سلطة تصنيف الجماعات «منظمات إرهابية»، وطرد الطلاب الذين يدعمونها.

«الشرق الأوسط» (فلوريدا)

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.