«الدعم للبنان» تجتمع غداً إنسانياً... برعاية فرنسية ـ أممية

ماكرون عازم على المضي قدماً في مبادرته الإنقاذية رغم نكساتها وترامب لن يشارك

ماكرون يتوسط الحريري (يسار) ووزير خارجيته في اجتماعات «دعم لبنان» في باريس عام 2017 (أ.ف.ب)
ماكرون يتوسط الحريري (يسار) ووزير خارجيته في اجتماعات «دعم لبنان» في باريس عام 2017 (أ.ف.ب)
TT

«الدعم للبنان» تجتمع غداً إنسانياً... برعاية فرنسية ـ أممية

ماكرون يتوسط الحريري (يسار) ووزير خارجيته في اجتماعات «دعم لبنان» في باريس عام 2017 (أ.ف.ب)
ماكرون يتوسط الحريري (يسار) ووزير خارجيته في اجتماعات «دعم لبنان» في باريس عام 2017 (أ.ف.ب)

رغم النكسات المتلاحقة التي أصابت «المبادرة» الفرنسية الهادفة إلى إنقاذ لبنان من تردي أوضاعه المالية والاقتصادية والاجتماعية والصحية والسياسية، وتراجع الزخم الذي انطلقت به مباشرة عقب كارثة تفجيرات مرفأ بيروت، فإن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون «مصرّ» على المضي قدماً في جهوده. والدليل على ذلك المؤتمر، الثاني من نوعه، لـ«مجموعة الدعم للبنان»، الذي سيرعاه غداً (الأربعاء) ماكرون بالاشتراك مع أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش؛ من أجل توفير المزيد من المساعدات الإنسانية الطارئة للبنان. ويفترض أن يشارك فيه ما لا يقل عن 30 رئيس دولة وحكومة، إضافة إلى مجموعة من الوزراء والمؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي.
ويأتي هذا المؤتمر الافتراضي الذي سيلتئم عبر تقنية «الفيديوكونفرنس» وسيدار من قصر الإليزيه مباشرة في حين الوضع اللبناني مستمر في التآكل. فلا الرئيس سعد الحريري نجح في تشكيل حكومة جديدة رغم تكليفه منذ نحو أربعين يوماً، ولا الحكومة المستقيلة أثبتت قدرتها على التعامل مع وضع بالغ التعقيد. ولا خطة تنفيذ التدقيق المالي الجنائي بوضع البنك المركزي وضعت على السكة بعد تخلي شركة «مارسال أند ألفاريز» عن العقد الذي أبرمته مع وزارة المال اللبنانية، وحجتها أن المستندات التي طلبتها لتحقيق المهمة التي كلفت بها لم تسلّم لها، ولا ترى أنها ستتسلمها في الأشهر الثلاثة الإضافية التي منحت لها. والتدقيق الجنائي شرط من شروط صندوق النقد والأطراف المانحة لمد يد العون للبنان.
وبغياب حكومة جديدة، لا آمال بتحقيق إصلاحات، ولا تفاوض مجدداً مع صندوق النقد الدولي، ولا مساعدات تنتظر، ولا تفعيل لوعود المانحين التي أغدقت على لبنان في مؤتمر «سيدر» الذي عقد في باريس برعاية ماكرون في ربيع عام 2018. لذا؛ فإن مؤتمر الغد سيركز فقط على المساعدات الإنسانية، وسيكون فرصة، وفق مصادر دبلوماسية في العاصمة الفرنسية، للنظر فيما تحقق من وعود المؤتمر الأول الذي عقد في 9 أغسطس (آب) الماضي، والتحقق من كيفية صرفها، وتقييم الحاجات الإضافية التي يحتاج إليها المتضررون من تفجيرات المرفأ، إضافة إلى الوضعين الصحي والإنساني. وفي أي حال، وبوجود حكومة أو من غير وجودها، فإن المساعدات لن تمر عبر مؤسسات الدولة؛ الأمر الذي يعكس فقدان الثقة بها وتآكل صورتها لدى الأطراف المانحة.
وكان المؤتمر الأول قد وفر للبنان وعوداً بمساعدات بلغت 250 مليون دولار، وهو مبلغ ضعيف قياساً لما اعتبر خسائر مترتبة على انفجارات المرفأ التي تفاوتت تقديراتها ما بين 5 و10 مليارات دولار.
تشير الأوساط الفرنسية المتابعة للوضع اللبناني، إلى أن الرئيس ماكرون الذي ندد في مؤتمر صحافي شهير بـ«خيانة» الطبقة السياسية اللبنانية وتراجعها عن الالتزامات التي تعهدت بها للإسراع في تشكيل حكومة جديدة وقبول خطة الإنقاذ الفرنسية والعمل بموجبها، «عازم على الوفاء بوعده للبنانيين» عندما أكد لهم أنه «لن يتخلى عنهم». وتجدر الإشارة إلى أنه زار لبنان مرتين في 6 أغسطس وفي الأول من سبتمبر (أيلول)، وأرسل مستشاره للشؤون العربية والشرق أوسطية باتريك دوريل مؤخراً إلى بيروت، وهو شخصياً مواظب على التواصل مع المسؤولين والسياسيين اللبنانيين. ولكن حتى اليوم، ما زال الوضع اللبناني يراوح مكانه إن لم يكن يزداد سوءاً وتعقيداً بحيث انحصر الدور الفرنسي «الفعلي» في الجوانب الإنسانية؛ الأمر الذي يعكسه مؤتمر الغد.
ولا تخفي الأوساط المشار إليها «دهشتها وخيبتها من انعدام المسؤولية» لدى سياسيي لبنان، وتغليبهم «المصالح الحزبية والفئوية والطائفية والشخصية على المصلحة العامة».
رغم ما تقدم، فإن باريس ماضية في جهودها، وهي من جهة، تسعى لجمع مزيد من المساعدات الإنسانية إلى لبنان من خلال المؤتمر مع ما يحمله من بعد سياسي و«ضغوط» على الطرف اللبناني. وكان يمكن لماكرون أن يكلف وزير الخارجية أو الاقتصاد مهمة الاضطلاع بالمؤتمر. إلا أنه فضّل أن يقوم بذلك شخصياً من أجل جذب أرفع تمثيل ممكن على المستوى الدولي لمجموعة الدعم للبنان، والدفع باتجاه توفير أكبر قدر من المساعدات؛ نظراً للحاجات اللبنانية الضخمة. وفاقمت جائحة «كوفيد - 19» الوضع الصحي وحالة المستشفيات وقدراتها على التجاوب مع الحاجات الطارئة، وهي أحد الأسباب التي تفسر الإصرار الفرنسي.
من جهة أخرى، فإن ماكرون عازم على زيارة لبنان نهاية العام الحالي. لكن صورة هذه الزيارة «يمكن أن تتعدل وفق التطورات» التي قد تحصل في لبنان لجهة تشكيل الحكومة وعودة مؤسسات الدولة للعمل. فإذا بقي الفراغ المؤسساتي على حاله، فإن ماكرون سيكرس زيارته لتمضية بعض الوقت في إطار أعياد نهاية العام مع الكتيبة الفرنسية العاملة في إطار اليونيفيل في جنوب لبنان. وتجدر الإشارة إلى أن تقليداً فرنسياً يقوم على زيارة كبار المسؤولين (رئيس الجمهورية، وزير- ة الدفاع...) الوحدات الفرنسية العاملة خارج البلاد نهاية العام.
وتشدد باريس على أن المبادرة الفرنسية هي «الوحيدة» المطروحة اليوم على الطاولة لإنقاذ لبنان. لذا؛ سيكون لزيارة ماكرون «مدلول» سياسي كبير لجهة التزامه إزاء لبنان، رغم أن «مهلة الأربع أو ستة أسابيع» التي منحها للطبقة السياسية من أجل لتشكيل الحكومة الجديدة، قد انقضت كما انقضت قبلها مهلة الـ15 يوماً التي أعطاها لها بداية سبتمبر بمناسبة اجتماع في قصر الصنوبر، مقر السفير الفرنسي في بيروت.
ولا يبدو اليوم، في ظل التطورات الإقليمية، خصوصاً الأميركية - الإيرانية واستمرار إدارة الرئيس دونالد ترمب في فرض عقوبات على طهران وعلى الأحزاب والجهات الحليفة لها وعلى رأسها «حزب الله»، وتزايد التعقيدات والحسابات الداخلية والرهانات اللبنانية أن باريس، بحسب مصدر فرنسي سياسي غير حكومي «تملك ما يكفي من الأوراق للتأثير في الوضع اللبناني». فلا هي نجحت من جهة في دفع طهران وواشنطن إلى تسهيل مهمتها، ولا هي استطاعت أن «تغري» الأطراف اللبنانية بالمساعدات، ولا أن «تردعهم» بالتلويح بفرض عقوبات، كما أنها لم تحصل على مقابل من «حزب الله» الذي أعادت تعويمه. والوعود كافة التي تلقتها، سريعاً ما تبخرت رغم ضغوط كارثة المرفأ والأوضاع المتدهورة وتأكيدها أن مبادرتها «محض اقتصادية».
وفي حين تستبعد المصادر أن يشارك ترمب في المؤتمر، يتوقع أن يصدر عن المؤتمر بيان سيكون شبيهاً جداً ببيان 9 أغسطس. وأهم ما سيحتويه، أنه سيعيد التأكيد على أهمية الإسراع في تشكيل حكومة جديدة، وعلى ضرورة القيام بالإصلاحات المعروفة والتي تضمنتها الورقة الفرنسية، والتي ما زالت الأسرة الدولية ومجموعة الدعم تطالب بما تضمنته منذ مؤتمر «سيدر» أي قبل عامين ونصف العام، فضلاً عن إعادة تأكيد اهتمام مجموعة الدعم الدائم بمساعدة لبنان.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».