الاقتصاد الكربوني الدائري... مبادرة سعودية عالمية لاستدامة الطاقة وحماية البيئة

قمة «قادة العشرين» تؤيد وجود منصة متخصصة تتضمن عنصر «إعادة الاستخدام»

الاقتصاد الكربوني الدائري... مبادرة سعودية عالمية لاستدامة الطاقة وحماية البيئة
TT

الاقتصاد الكربوني الدائري... مبادرة سعودية عالمية لاستدامة الطاقة وحماية البيئة

الاقتصاد الكربوني الدائري... مبادرة سعودية عالمية لاستدامة الطاقة وحماية البيئة

فرضت السعودية نفسها ضمن الدول الفاعلة في مجال مبادرات الطاقة وحماية المناخ، بعد أن وجدت ترحيباً دولياً عبر «قمة الرياض» لقادة مجموعة العشرين 2020 في طرحها لاستراتيجية مفهوم الاقتصاد الكربوني الدائري الذي بدوره سيشكل ابتكاراً ثورياً في تقليص معدل الانبعاثات الكربونية، وذلك بعد أن وضعت بصمتها الخاصة بإضافة عنصر داعم ضمن المبادئ الثلاثة المتاحة.
وفي وقت أكدت فيه «قمة العشرين» مؤخراً ضمان استقرار وعدم انقطاع إمدادات الطاقة من أجل تعزيز تحقيق النمو الاقتصادي، لا سيما في ظل مواجهة تحديات فيروس كورونا، شدد قادة العشرين في «قمة الرياض» على أهمية تعجيل حصول الجميع على طاقة ميسورة التكلفة موثوقة، وذلك بالاعتماد على الابتكار في مختلف خيارات الوقود والتقنية، بما يوائم الظروف الوطنية، ويشمل ذلك ضمان توفير الوصول إلى وسائل الطهي النظيف والكهرباء.
لكن القمة لم تنسَ من الجانب الآخر تأييد وجود منصة الاقتصاد الدائري للكربون بعناصره الأربعة (خفض الانبعاثات، وإعادة استخدامها، وإعادة تدويرها، وإزالتها)، حيث أكد القادة -كما جاء في البيان الختامي- الأهمية المحورية والطموح لخفض الانبعاثات، مع أخذ كفاءة المنظومة وظروف كل دولة في الاعتبار.
وشدد البيان الختامي للقادة على التالي: «قبل انعقاد اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغير المناخي (مؤتمر الأطراف السادس والعشرون) في غلاسكو، واتفاقية التنوع البيولوجي (مؤتمر الأطراف الخامس عشر) في كونمينغ، نكرر تأكيدنا دعم معالجة التحديات البيئية الملحة، مثل التغير المناخي وفقدان التنوع الحيوي، في ظل سعينا إلى تعزيز النمو الاقتصادي، وأمن الطاقة ووصولها إلى الجميع، وحماية البيئة».

- الفكرة السعودية
الاقتصاد الدائري الكربوني فكرة خرجت من العاصمة الرياض للعالم، حيث تهدف لمناصرة جميع أنواع الطاقة الموجودة على سطح الأرض، في ظل ضوابط مبنية على الإمكانات المتاحة لجعلها تستمر، وفي الوقت ذاته تقلل من التغير المناخي.
وتعد الطاقة أحد أهم الركائز الأساسية التي استخدمها العقل البشري لتحقيق معيار الاستمرارية، بصفتها مصدراً رئيسياً، ومدخلاً ضرورياً لتطور المدنية الحديثة، وهو ما تنطلق منه المملكة، وتسعى لتحقيقه من خلال اتباع نهج شمولي واقعي يدفع للاستدامة في استخدام الموارد الطبيعية في النمو الاقتصادي من خلال معالجة الانبعاثات الكربونية.
وخلصت الجهود السعودية إلى إضافة عنصر «إعادة الاستخدام» ضمن العناصر الثلاثة: «الخفض» و«التدوير» و«التخلص»، ليكتمل بذلك النظام الدائري المحكم، وبالتالي يساعد على استعادة التوزان لدورة الكربون بالطريقة نفسها التي تحدث في الطبيعة.

- البيئة والصحة
وبشكل أكثر عملية، سيعمل مشروع الاقتصاد الكربوني الدائري على تحويل الغازات المنبعثة المضرة للبيئة التي تعد أحد المساهمين الرئيسيين في ظاهرة الاحتباس الحراري إلى اقتصاد بذاته، بالاستناد إلى معالجة تقنية عالية الدقة للانبعاثات الكربونية الناتجة من جميع القطاعات الصناعية عبر الاستراتيجيات الأربع المذكورة.
وينظر إلى نظام الاقتصاد الكربوني الدائري على أنه سيساعد على استعادة التوازن لدورة الكربون بالطريقة نفسها التي تحدث في الطبيعة، ما سيجعل من هذا الابتكار الصناعي مخففاً من تراكمات الكربون في الغلاف الجوي، وكذلك سيرفع تنقية البيئة وحماية الإنسان من التبعات والآثار الانعكاسية من الأمراض والتأثيرات السلبية على الصحة العامة.

- إعادة الاستخدام
وحققت فكرة الاقتصاد الكربوني الدائري إضافة عنصر «إعادة الاستخدام»، وهو العنصر الحديث الذي طرحته السعودية في عالم معالجة الطاقة، بواقع أن يتم حجز الانبعاثات الكربونية تحت الأرض وتخزينها، ومن ثم تحويلها إلى منتجات مفيدة، مثل «الأسمدة» و«الميثانول».
وأُثبت ذلك، وفق دراسة أطلقتها جامعة أكسفورد، بإمكانية الاستفادة من حجز ثاني أكسيد الكربون، بالتوصل إلى طاقات كيميائية مقابلها، حيث تقوم السعودية بالتعاون مع بعض المنظمات العالمية في مجال الطاقات والبيئة لتحقيق الأهداف المأمولة منها.

- الجهود البحثية
وكشف الباحث إيريك ويليامز، الخبير الاقتصادي في مجال الطاقة والبيئة في مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية، لـ«الشرق الأوسط» أن المركز يعمل حالياً على تطوير سلسلة جديدة من التقارير التي يشتمل عليها دليل الاقتصاد الدائري للكربون.
وأكد ويليامز أن التقارير المعدة حول الاقتصادي الدائري منخفض الانبعاثات الكربونية تم رفعها لمجموعة العشرين برئاسة السعودية للاستفادة منها، مضيفاً أن المركز قد أطلق، بالتعاون مع 5 منظمات دولية، دليل الاقتصاد الدائري للكربون.
وأضاف: «عملنا مع وكالة الطاقة الدولية، والوكالة الدولية للطاقة المتجددة، ووكالة الطاقة النووية، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بالإضافة إلى المعهد العالمي لاحتجاز وتخزين الكربون، على توضيح الفرص التي يقدمها نهج الاقتصاد الدائري للكربون المتضمن مبادئ الخفض، وإعادة الاستخدام، والتدوير، والإزالة».

- الظروف المحلية
وأشار ويليامز إلى أن من بين المحاور التي غطتها الدراسات ضرورة الأخذ في الاعتبار الظروف المحلية لكل دولة عند تطبيق المفهوم الجديد، وبما لا يتعارض مع التنمية العالمية المستدامة.
وأشار ويليامز إلى أن ما حققته السعودية هو التوصل إلى نهج إطاري واضح مكتمل، مفيداً بأن نهج الاقتصاد الدائري للكربون يتمثل في إيجاد إطار عمل متكامل عملي لإدارة عملية الانبعاثات الكربونية بكل تحدياتها، والانتقال نحو نظام طاقة شامل مرن مستدام خالٍ من التسربات الانبعاثية.

- الدليل الشامل
وفيما يتعلق بمبدأ إعادة الاستخدام الذي طبقته السعودية، يضيف ويليامز، وهو المختص في بحوثه ودراساته على سياسة الطاقة وتحليل الأنظمة وخيارات التخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معها، أن السعودية باتت متقدمة في هذا المجال، مشيراً إلى أن هناك كثيراً من المشاريع الكبرى في «سابك» و«أرامكو» التي تستخدم مبدأ إعادة الاستخدام في إدارة الانبعاثات الكربونية.
وأفاد ويليامز أن «كابسارك» أطلقت منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي موقعاً متخصصاً بمفهوم الاقتصاد الدائري للكربون، ليكون بمثابة دليل شامل للمفهوم، ومنصة معرفية علمية موثوقة معتمدة لكل ما يُعنى بهذا النهج. كما يوفر لزواره إمكانية استعراض الكيفية المحتملة لتطور نظام إدارة الطاقة والكربون إثر تطبيق هذا النهج حتى عام 2050.


مقالات ذات صلة

«السوق المالية» السعودية في مأمن من الأعطال التقنية العالمية

الاقتصاد مستثمران يتابعان أسعار الأسهم على شاشة «تداول» السعودية (رويترز)

«السوق المالية» السعودية في مأمن من الأعطال التقنية العالمية

أكدت هيئة السوق المالية السعودية سلامة الأنظمة التشغيلية من الأعطال التقنية التي تأثرت بها معظم الجهات حول العالم، وجاهزيتها لتقديم الخدمات لكل المستثمرين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مسافرون في مطار «دالاس فورت وورث الدولي» في تكساس (أ.ب)

شركات الطيران تستأنف عملياتها بعد أكبر عطل تقني في التاريخ

يعود الوضع تدريجياً إلى طبيعته، السبت، عقب عطل تقني هو الأكبر في التاريخ، أدى إلى اضطرابات لدى شركات طيران عالمية ومصارف ومؤسسات مالية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
آسيا ألغت شركة «الخطوط الجوية التركية» 84 رحلة بسبب العطل التقني (الخطوط التركية)

الخطوط الجوية التركية تلغي 84 رحلة وتعوّض الركاب

ألغت شركة «الخطوط الجوية التركية» 84 رحلة بسبب العطل التقني في نظام «كراود سترايك» للأمن السيبراني نتيجة أعمال التحديث الفني.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أفريقيا الرئيس التركي رجب طيب إردوغان استقبل رئيس وزراء النيجر على الأمين زين في أنقرة فبراير (شباط) الماضي (الرئاسة التركية)

تركيا تسارع لملء الفراغ الغربي في النيجر بشراكة متعددة الأبعاد

كشفت زيارة الوفد التركي رفيع المستوى، برئاسة وزير الخارجية هاكان فيدان، إلى النيجر عن استمرار التركيز من جانب أنقرة على ترسيخ حضورها في أفريقيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
خاص تراجع التضخم إلى 2.4 في المائة مع انخفاض الزيادات بتكلفة البقالة والزيادات الإجمالية بالأسعار لأكبر اقتصادين ألمانيا وفرنسا (رويترز) play-circle 00:49

خاص كيف أنهكت حربان اقتصاد العالم وغذاءه؟

أضافت الحرب الروسية الأوكرانية مزيداً من الأعباء على الاقتصاد العالمي المنهك منذ وباء كورونا، فيما أثرت حرب غزة سلباً على ميزانيات الدول والتجارة العالمية.

مالك القعقور (لندن)

الاستعانة بخبرات البرازيل لتوطين صناعة اللقاحات والأدوية في السعودية

وزير الصناعة السعودي خلال لقائه بالشركات والمستثمرين في البرازيل (واس)
وزير الصناعة السعودي خلال لقائه بالشركات والمستثمرين في البرازيل (واس)
TT

الاستعانة بخبرات البرازيل لتوطين صناعة اللقاحات والأدوية في السعودية

وزير الصناعة السعودي خلال لقائه بالشركات والمستثمرين في البرازيل (واس)
وزير الصناعة السعودي خلال لقائه بالشركات والمستثمرين في البرازيل (واس)

أكد وزير الصناعة والثروة المعدنية، رئيس لجنة صناعة اللقاحات والأدوية الحيوية، بندر الخريف، أن جمهورية البرازيل مهيأة للشراكة مع المملكة في جميع القطاعات الصناعية المستهدفة في الاستراتيجية الوطنية للصناعة، بما في ذلك الأدوية واللقاحات؛ نظراً لما تتميز به من خبرات متقدمة في هذا القطاع، مشدداً على أهمية الاستفادة من نقاط القوة لدى الجانبين، خاصة في تطوير سلاسل الإمداد، وتعزيز التبادل التكنولوجي، ودفع الابتكار، لتحقيق التنمية المستدامة والمرونة الاقتصادية.

وأوضح الخريف خلال لقائه بعدد من المستثمرين والشركات البرازيلية في زيارته لمعهد Butantan البرازيلية، المختصة في تطوير اللقاحات وإنتاج المستحضرات الصيدلانية والحيوية، أن صناعات الأدوية والأجهزة الطبية تعد من أبرز القطاعات الواعدة التي ركزت على تطويرها الاستراتيجية الوطنية للصناعة؛ وذلك لما تشكله من أهمية كبرى في تحقيق الأمن الدوائي والصحي، وتعزيز الاستقلالية للمملكة في هذا المجال، عبر تأمين احتياجاتها الطبية وبناء القدرات الصناعية النوعية، وصولاً إلى أن تكون السعودية مركزاً مهماً في هذا المجال.

الخريف خلال جولته في معهد Butantan البرازيلية (واس)

ويعد مصنع شركة بوتانتان، الذي تأسس عام 1901 في مدينة ساو باولو البرازيلية، من أكبر منتجي اللقاحات في أميركا اللاتينية، حيث يوفر لقاحات أساسية لحماية السكان من الأمراض المعدية، كما لعب دوراً محورياً في تطوير وإنتاج لقاح CoronaVac ضد كوفيد – 19، إضافة إلى مرجعيته الكبيرة في تطوير الأبحاث الرائدة في مجالات علم المناعة، والأحياء الدقيقة، وعلم السموم؛ الأمر الذي جعله ركيزة أساسية لتعزيز الصحة العامة في البرازيل وأميركا اللاتينية.

الشراكات الاستراتيجية

وتسعى المملكة لتحقيق عدد من المستهدفات في قطاع صناعة الأدوية واللقاحات، حيث حدّدت وزارة الصناعة والثروة المعدنية، الصناعات الدوائية التي تحتاج المملكة إلى توطينها، ونشطت في بناء الشراكات الاستراتيجية مع الشركات العالمية الرائدة في هذا القطاع لنقل التكنولوجيا والمعرفة. كما اهتمت بتعزيز الشراكة بين القطاع العام التشريعي والقطاع الخاص للاستثمار والتنفيذ، باعتبار تلك الخطوة من أهم مقومات النجاح في تحقيق النمو المستدام في قطاع الرعاية الصحية.

وتركز الوزارة في نمو المحتوى المحلي وتوطين أحدث التقنيات الطبية، إضافة إلى جذب الاستثمارات الأجنبية إلى قطاع الرعاية الصحية. وتستهدف لجنة صناعة اللقاحات والأدوية الحيوية، برئاسة الوزير الخريف، تحديد أفضل التقنيات في المجال التي يتوجب على السعودية الاستثمار فيها بهدف نقل المعرفة وتوطينها، إضافة إلى بناء منصات صناعية محلية بمواصفات عالمية؛ لتمكين المملكة من تبوُّؤ مكانها الطبيعي كقوة صناعية ومنصة لوجيستية للقاحات والأدوية الحيوية في المنطقة والشرق الأوسط ودول العالم الإسلامي.

كان وزير الصناعة والثروة المعدنية، أعلن في يونيو (حزيران) 2022، عن طرح فرص استثمارية في صناعة اللقاحات والأدوية الحيوية بقيمة تتجاوز 11 مليار ريال (2.9 مليار دولار)، وذلك وفق توجهات السعودية الهادفة إلى تحقيق الأمن الدوائي والصحي، وجعل البلاد مركزاً مهماً لهذه الصناعة الواعدة.