مشجرات أنساب القبائل والعائلات العربية

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

مشجرات أنساب القبائل والعائلات العربية

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

يصدر في مارس (آذار) المقبل عن دار «الوراق للنشر» بلندن وبيروت وبغداد كتاب «مشجرات أنساب القبائل والعائلات العربية، مع ملاحظات تاريخية وجغرافية» لعالم الاجتماع الألماني فرديناند فوستنفل، وهو من تحقيق وتقديم: ماجد شبر وترجمة: محمود كبيبو
هنا مقتطفات من المقدمة التي كتبها المؤلف:
من الضروري أن أذكر في بادئ الأمر المؤلفات التي اعتمدت عليها عند إعداد مشجرات الأنساب؛ ومن الممكن تقسيم هذه المراجع إلى ثلاث فئات:
1 - المؤلفات النظرية، أي تلك التي تعرض فقط نظام نسب العائلات والأشخاص، وتشمل هذه الفئة تلك الفصول من كتب ابن قتيبة، وأبو الفدا، والنويري، التي يعالج فيها علم الأنساب، ثم المؤلفات الخاصة لمحمد بن حبيب وعبيدللي، وأحمد بن عنبة (عتبة)، والمقريزي.
2 - المؤلفات العملية، أي الكتب البيوغرافية (كتب السيرة) والتاريخية التي تذكر فيها سلسلة نسب بعض الأشخاص ودون انقطاع حتى جد مشهور أو رئيس قبيلة، وتذكر فيها بين حين وآخر علاقة القربى أيضا؛ وتشمل هذه الفئة ابن قتيبة في الجزء البيوغرافي من مؤلفة المرجعي، وابن خلكان، والنووي، وطبقات الحفاظ.
3 - المؤلفات النظرية - العملية، أي الكتب التي يعالج فيها تسلسل نسب قبائل وعائلات معينة عن طريق أشخاص معينين كما في كتاب الطبقات لابن سعد، وكتاب علم الكلمات وعلم الأنساب لابن دريد؛ وينتمي إلى هذه الفئة أيضا الكتب المرتبة أبجديا: لباب، ولب اللباب، ومقالة أبو الفضل المقدسي.
قد لا تكون هناك ضرورة لأن نذكر أن ما من كتاب من هذه الكتب يقدم عرضا بصيغة المشجرات، بل إنها جميعها تعدد النسب بصورة متسلسلة، إذا لم ترد عند كتاب آخرين طريقة عرض مشابهة، كما هي مألوفة عندنا. وبينما تطلق على سلسلة النسب، وخصوصا على الخط المباشر حتى جد مشهور، مثلا من النبي محمد حتى عدنان، التسمية «عمود النسب»، يسمي العرب تفرع النسب من جد واحد «شجرة النسب» ويصورون نسب أسرة معينة على شكل شجرة فعلا مؤلفة من أغصان وفروع. والنموذج المرفق هنا مع الجداول مأخوذ من كتاب ابن خلدون التاريخي استنادا إلى المخطوطة الموجودة في لايدن.
أما فيما يتعلق بأنساب القبائل القحطانية «الإسماعيلية» فلا يوجد في المؤلفات المستعملة هنا اختلافات في المعلومات تستحق الذكر سوى بعض الفوارق الطفيفة عند هذا المؤلف أو ذاك والذي سرعان ما يتبين أنها ناتجة عن الوقوع في خطأ. وهذا الجزء من عملي مثبت تماما بحيث إن الاختلافات التي نجدها عند كتاب عرب، والناجمة غالبا عن أخطاء في النسخ، يجب تصحيحها استنادا إليه. وهناك في هذا الصدد نقطتان يجب أخذهما بعين الاعتبار، تتعلق الأولى بعرض المؤلفين العرب، والثانية بمصداقية هذا العرض. وبما أن جداولنا قد وضعت استنادا إلى أفضل المؤلفين المعترف بهم، فإنها تقدم فكرة صحيحة عما اعتقده وعلمه العرب أنفسهم عن علاقات القربى بين قبائلهم وعائلاتهم، وهذا هو من بادئ الأمر الشيء الرئيس من أجل فهم المؤلفين. من أجل إثبات ذلك نريد الاقتصار على عدد قليل من الأمثلة.
كان لأبي طالب أربعة أبناء: طالب، وعقيل، وجعفر، وعلي، وكان كل منهم أصغر عشرة أعوام عن الذي سبقه؛ وهذا يعني أن عليا كان أصغر من أخيه طالب بمقدار ثلاثين عاما، وهذا هو إذن مقدار الفرق، سواء حسبنا الجيل التالي من أبي طالب حتى ابنه البكر أو حتى ابنه الأصغر، وفي هذه الحالة يمكننا اعتبار العمر الوسطي أربعين عاما أو أكثر قليلا. ويذكر ابن خلكان، أمثلة أخرى من هذا النوع: «محمد بن علي بن عبد الله، أبو أبي العباس السفاح وأبي جعفر المنصور، ولد في عام 60 وتوفي في عام 126؛ وأخوه عبد الصمد ولد في عام 104 وتوفي في عام 185، فكان إذن بين تاريخ ولادتهما 44 عاما وبين تاريخ وفاتهما 59 عاما. وكان عبد الصمد قد قاد قافلة الحج في عام 150، وكان يزيد بن معاوية قد قادها في عام 50؛ وبينما ينحدران كلاهما من عبد مناف في الدرجة السادسة، فقد عاش الأول بعد مائة عام من هذا الأخير». ويذكر ابن قتيبة، موسى بن عبيدة الذي كان عمره يقل 60 عاما عن عمر أخيه عبد الله.
إذا ما افترضنا 40 عاما للجيل الواحد فإن 22 جيلا من النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - حتى عدنان تكون قد استغرقت فترة زمنية قدرها 880 عاما، أي من ميلاد النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - في عام 570م حتى نحو عام 300 قبل الميلاد. وانطلاقا من مبدأ عدد متساو من الأجيال سيعني تقريبا عددا متساويا من السنين، فإن جميع الأشخاص الذين ينحدرون من عدنان في الدرجة الـ22 يجب أن يكونوا قد عاصروا النبي محمد - صلى الله عليه وسلم. وينطبق هذا على مشجراتنا بدقة كبيرة تفوق المتوقع، إذ إن غالبية أوائل معتنقي الإسلام ينتمون إلى الدرجة 20 حتى 24 من عدنان وذلك حسب كونهم أكبر من محمد أو أصغر منه سنا. وإذا ما قارنا الآن فصائل القبائل اليمنية فإننا نلاحظ، وبالتحديد لدى عائلات المدينة، أن معاصري النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - ينتمون إلى الدرجة 30 حتى 34، أي أن هناك عشرة أجيال أكثر، أي ما يعادل 10x40 = 400سنة. وهذا يعني أن الجد الأول قحطان يجب أن يكون أقدم من عدنان بمقدار 400 سنة، وبالتالي يجب أن يكون قد عاش في عام 700 قبل الميلاد. وهذا الحساب تثبت صحته لدى الأشخاص والأحداث التي يضطر المرء إلى تحديد زمنهم استنادا إلى دلائل أخرى بسبب نقص المعلومات التاريخية المتوفرة عنهما؛ ومنها، على سبيل المثال، انهيار سد مأرب والهجرة الكبيرة للقبائل اليمنية التي تبعت هذا الحدث، الذي يوضع عادة في القرن الأول بعد الميلاد؛ ونحن نجد قائد هؤلاء المهاجرين على الخط 17 بعد قحطان، أي أنه قد عاش بعد 17x40= 680 عاما من قحطان، وهذا يعني أنه ولد في عام 20 قبل الميلاد وكان في منتصف القرن الأول الميلادي واحدا من أكبر أبناء قبيلته سنا. كما أن العلاقة المفترضة بين الشعبين العربيين الرئيسيين تثبت صحتها أيضا عندما نذكر من كليهما أشخاصا عاصروا بعضهم بعضا، وأيضا وبشكل خاص من زواج نساء يمنيات من رجال العدنانيين «إسماعيليين» أو بالعكس، بحيث يكون عندئذ، بسبب كون القبائل اليمنية تبدأ قبل عشرة أجيال، عدد درجات الأجيال المنحدرة منهن يزيد بمقدار عشر درجات تقريبا عن أجيال الإسماعيليين؛ على سبيل المثال: خندف بنت حلوان كانت زوجة إلياس؛ ومزينة ابنة كلب كانت متزوجة من عمرو بن أد؛ وضرية بنت ربيعة كانت زوجة حلوان ابن عمران. وإن نجد هنا لدى فروع مختلفة، متباعدة عن بعضها، بعد عدة قرون فرقا كبيرا في عدد الحلقات فهذا أمر مفهوم، تماما كما تبين لنا في المثال المذكور أعلاه أنه قد نشأ لدى عدد متساو من ستة أجيال فرق في الزمن قدره 100 عام. وهكذا نجد أيضا أن بعض الأشخاص الذين عاصروا النبي محمدا - صلى الله عليه وسلم - لهم حتى عدنان 17 جدا بينما نجد لدى آخرين 27 جدا. ولهذا السبب اعتبرت الدرجة الـ22 التي يقف عليها النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - الدرجة المتوسطة وفي الوقت نفسه العادية. واعتبارا من هنا نجم التصنيف تلقائيا بحيث إنني اعتبارا من عدنان جعلت القبائل تتعاقب مثل تعاقب الأشخاص الذين يؤدون إلى النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - بخط مباشر.
وبما أن علاقات المؤلفين العرب بقبائلهم لا تهتم إلا نادرا بالتفرعات اللاحقة لتلك التي كانت قائمة في عهد النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - فإنني أنا أيضا اقتصرت في جداولي بصورة عامة على معاصري النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى خلفهم القريب؛ ولم أتابع سلسلة النسب إلا لأشخاص معينين مشهورين وصفت حياتهم في المؤلفات المستعملة، ولكنني لم أتابع بالتحديد عبيدلي وأحمد بن عتبة عن أحفاد علي والتي كان من الممكن أن ينتج عنها بكل سهولة عشرون جدولا آخر لهذه العائلة وحدها. بالمقابل اعتقدت أنه يتعين علي تركيز الاهتمام بشكل خاص على العائلات الحاكمة، لأنه لم يسبق حتى الآن لأي كاتب أوروبي أن عرض مشجرات نسب هذه العائلات بشكل صحيح ولا بشكل مفصل.



«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،


مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
TT

مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية

دخلت الثقافة اليونانية إلى حواضر الشرق الأدنى من الباب الواسع خلال القرون التي تلت سيطرة الإسكندر الأكبر على هذه النواحي، وانعكس أثر هذا الدخول سريعاً على النتاج الفني بمكوّناته المتعدّدة. ازدهر النحت الكلاسيكي في هذا السياق ازدهاراً كبيراً، وشاع في هذه البقاع، وطبع جزءاً كبيراً من النتاج المحلّي بطرز جماليّته الخاصة. تواصلت هذه الحركة الفنية في الحقبة التي شهدت سيطرة روما على الشرق الأدنى، وتجلّت في ميادين متعدّدة خلال القرون الميلادية الأولى. فقد النحت الكلاسيكي توهّجه الكبير خلال الحقبة البيزنطية، غير أنه حافظ على حضوره في الشرق الأدنى، كما في سائر العالم المتوسطي. استمرّ هذا الحضور في زمن الدولة الأموية، إذ ارتبط بشكل وثيق بالحركة العمرانية المدنية، كما تشهد عديد من المجسمّات خرجت من القصور التي شيّدها أسياد هذه الدولة في صحاري بلاد الشام، منها مجموعة من المنحوتات الآدمية، دخلت متحف دمشق الوطني في منتصف القرن الماضي، ومصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية.

تتمثّل هذه المجموعة بقطع من الحجم الصغير، وصلت كلّها بشكل مجتزأ للأسف، والأكيد أنّها شكّلت في الأساس جزءاً من الحلل النحتية الخاصة بأروقة القصر الداخلية، غير أن تحديد موقعها الأصلي في هذه الأروقة بشكل دقيق يبدو اليوم أشبه بلغز يصعب حلّه، كما يُجمع أهل الاختصاص الذين انكبّوا على دراستها، منذ اكتشافها في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. يتجلّى الطابع الكلاسيكي بشكل لا لبس فيه في قطعة من هذه القطع، يبلغ طولها 26 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وتمثّل النصف الأعلى من قامة رجل شاب، سقطت منها الذراع اليمنى، ويد الذراع اليسرى. حافظ الرأس على بنيته بشكل كامل، وملامحه الناتئة واضحة، وتحاكي المثال الواقعي الحسّي، وفقاً للناموس الفني الذي شكّل أساساً للجمالية الكلاسيكية. يظهر هذا النسق في تجسيم العينين والحاجبين اللذين يعلوانهما، كما في تجسيم بنية الأنف الهرمية، وتحديد المنخرين. الفم مطبق، مع شق يفضل بين الشفتين، والأذنان ظاهرتان، وهما من الحجم الكبير. الخدان مكتنزان، والذقن بيضاوية وعريضة، وفقاً للنموذج المثالي المكرّس.

يكلّل الرأس شعر طويل أملس، ينقسم إلى مساحتين متساويتين يفصل بينهما فرق وسطيّ. ينسدل هذا الشعر إلى الوراء من خلف الأذنين، ويأخذ شكل هالة نصفية تُبرز الوجه. تتّحد هذه الكتلة البيضاوية بكتلة العنق، وتستقر فوق كتفين عريضتين. اللباس روماني تقليدي، ويتكوّن من رداء تحدّه بطانة عريضة تنعقد حول أسفل العنق، يعلوه معطف عريض، يأخذ شكل عباءة تلتف ثناياها حول الصدر والذراعين، مع حزام في الوسط، بقي منه طرفه الأعلى. ترتفع الذراع اليسرى نحو الأحلى، وتوحي بحركة يصعب تحديدها، بسبب سقوط يدها وضياعها.

يحضر هذا النسق الفنّي في قطعة أخرى مشابهة، يبلغ طولها 25 سنتيمتراً، وعرضها 15 سنتيمتراً، وتمثّل رجلاً ملتحياً، يرفع ذراعيه في اتجاه أعلى الصدر، في حركة يصعب كذلك تحديد هويّتها. الشعر كثيف، وخصله هنا ناتئة ومتموّجة، تحيط بالوجه وتحجب الأذنين كلّياً. اللحية عريضة، وتتكوّن من خصل أفقية متوازية، يعلوها شانب عريض وطويل، يبلغ حدّاه طرفي الذقن. العينان مفتوحتان، وتتميّزان ببؤبؤ يرتسم في وسط كلّ منهما على شكل ثقب دائري غائر. يتكرّر اللباس الروماني التقليدي، وتوشّحه ثنايا تلتفّ حول الكتفين على شكل وشاح، وتنسكب على أعلى الذراعين، كما على مساحة الصدر.

تتجلّى الحركة الحية في قطعتين تتشابهان من حيث الوضعيّة، وتمثّلان شاباً أمرد تبدو ملامحه واحدة. يبلغ طول القطعة الكبرى 22 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وفيها يظهر هذا الفتي رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه الصدر، قابضاً بيده على رزمة من القضبان المرصوصة كأعواد. تلتفّ ثنايا الرداء حول الكتف وأعلى الذراع، وتنسدل على الصدر، وتظهر في أعلاها بطانة عريضة تنعقد حول العنق. الوجه غض وممتلئ، وملامحه محددة برهافة. تنفتح العينان تحت حاجبيهما. ويكشف الثغر الصغير عن ابتسامة خفيّة ترتسم على شفتيه. تحضر الاذنان الواسعتان، ويظهر صيوان كلّ منهما بدقة. تعلو الرأس كتلة من الشعر، تأخذ هنا خصلاتها المتموّجة شكلاً لولبياً.

يبلغ طول القطعة المشابهة 16 سنتيمتراً، وعرضها 28 سنتيمتراً، وفيها يحني هذا الفتى رأسه في وضعيّة مماثلة، رافعاً ذراعه اليمنى نحو أعلى هامته، قابضاً بيده على كتلة دائرية يصعب تحديد هويّتها. تتغيّر حركة خصل الشعر التي تكلّل الرأس، وتأخذ شكل مساحات مستطيلة، مرصوصة ومتوازية. سقط الجزء الأسفل من هذا المجسّم، وما بقي من صدره يكشف عن رداء تعلوه ثنايا تلتفّ حول الكتفين، كاشفة عن حركة حيّة تخرج عن القوالب الساكنة، وفقاً للنسق الذي تميّزت به الجمالية الكلاسيكية اليونانية، ووارثتها الرومانية.

إلى جانب هذه القطع الأربع، تحضر قطعة خامسة، يبلغ طولها 23 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً. يغلب على هذا المجسّم الطابع الأنثوي، ويمثّل قامة ترفع رأسها نحو الأعلى، وتحنيه نحو الخلف، وكأنّها تتمايل في حركة راقصة. الوجه مهشّم، وما بقي من ملامحه يكشف عن عينين منسدلتين في نشوة غامضة. الشعر طويل، وخصله ممدودة نحو الخلف، وفقاً لطراز مألوف، يعود إلى الحقبة اليونانية الكلاسيكية. الذراعان ممدودتان إلى الخلف في حركة حيّة منفلتة، ويعلوها رداء تلتف ثناياه من حولها وتتموّج في حركة موازية.


«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة
TT

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

تسرد رواية «أهلاً أميركا»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإسباني مارتن جيرونيل، ترجمة محمد أحمد حسين، السيرة الروائية لرجل الأعمال الكاتالوني سيفرينو كاريون الذي غادر إسبانيا بعد الحرب الأهلية هناك بحثاً عن حياة جديدة ليكتسب شهرة واسعة في الولايات المتحدة الأميركية بعد استقراره بها، في تجربة هجرة مزجت بين إرادة النجاح وألم الاغتراب والوحدة وقسوة البدايات.

هرب «سيفرينو» من واقع الفقر والقمع ليخوض رحلة محفوفة بالمخاطر من برشلونة إلى أميركا، وهناك استطاع أن يصنع لنفسه مستقبلاً غير متوقع، حيث عمل في البداية في مهن متواضعة قبل أن يدخل عالم المطاعم الراقية ويصبح صديقاً لنجوم هوليوود مثل «جيمس دين» و«مارلين مونرو»، غير أنه لم يكتفِ بذلك، بل أسس مطعمه الخاص في منطقة «بيفرلي هيلز» الراقية والذي تحوَّل لأيقونة ثقافية يقصده المشاهير والسياسيون.

ورغم ذلك، لا يمكن اختزال العمل في كونه مجرد حكاية صعود فردي، بل شهادة على روح المغامرة والإصرار وكيف يمكن للحلم أن يتحدى قسوة الواقع من خلال أسلوب مشوِّق وسرد متصاعد لقصة حقيقية عن شجاعة رجل أعاد اختراع نفسه وترك بصمة لا تُنسى في عالم المطاعم.

وُلد مؤلف العمل مارتي جيرونيل عام 1971 بإقليم كاتالونيا الإسباني ويعد من أكثر الروائيين الكاتالونيين انتشاراً في العقدين الأخيرين، حيث اشتُهر بكتاباته التاريخية التي تمزج بين الدقة التوثيقية والسرد المشوق والتي يحيي من خلالها شخصيات وأحداث منسية ليقدمها في قالب روائي يلامس القارئ المعاصر.

عمل جيرونيل في بداياته صحافياً ومقدماً للتقارير التلفزيونية قبل أن يتفرغ تدريجياً للأدب، فحقَّق شهرة واسعة منذ صدور روايته الأولى «قنطرة الأب فسينت» التي لاقت رواجاً كبيراً، بينما حازت «أهلا أميركا» على جائزة «رامون لول» لعام 2018 وهي إحدى أرفع الجوائز الأدبية في كاتالونيا.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في صباح ذلك اليوم من يوليو (تموز) عام 1949 شعر سيفرينو كاريون بالصدمة وهو يرى المدينة العملاقة تنبثق مباشرة من المياه، كان في ذلك المشهد المتعاظم الذي يخيل للناظر أنه لوحة سينمائية مزيج من سحر يأسر الألباب ووحشية جامحة فلم تكن السفينة هي التي تقترب بل نيويورك هي التي كانت تبتلعه.

لم يكن نور النهار قد انبلج بعد إلا والفتى قد ولج إلى أحشاء المدينة وقد تضاءلت نفسه أمام جبروتها وعظمتها، أغرقته أيضاً أمواج السيارات والبشر المتدافعة في ذلك الشارع الفسيح الذي كان آخر ما علق بذهنه من وصايا (جو) حتى لا يضل الطريق. سرت القشعريرة في أوصاله من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه وغشاه عرق بارد كالثلج، ذاك العبور من مخبئه الخانق في جوف السفينة (ليبرتيه) إلى ترحيب تمثال الحرية الذي خلّف في روحه صقيعاً من غربة موحشة، صقيعاً عنيداً لم يُظهر أي عجلة في الرحيل ورغم كل شيء فقد ملأ الإيمان قلبه بأن طائر السعد سيعود ليحط على كتفه حالما يعثر على موقف الحافلة الأولى من أربع حافلات كان عليه أن يتنقل بينها ليصل إلى حي برونكس.

قبض على حقيبته الصغيرة وكأنها تميمة تحميه، يتأمل فاغر الفم تلك النواطح السحابية المعدنية بجدرانها اللامتناهية المرصعة بآلاف النوافذ الموصدة ومهما أمعن النظر لم يكن بوسعه أن يلمح سطحاً واحداً، الأمر الذي بث في نفسه شعوراً خانقاً أشبه برهاب الأماكن المغلقة. كل ما حوله كان زوايا قائمة وهياكل عملاقة بدت معها المدينة كغلام مراهق غير متناسق الأطراف لم يكتمل نموه بعد.

أما سيفرينو، الذي لم يجرؤ حتى على أن يأخذ نفساً عميقاً، فقد تشبث بالشيء الوحيد الذي يربطه بذاته، فلم يرفع عينيه عن قصاصة الورق التي تحمل عنوان عمه رامون ابن عم أبيه العنوان الذي كان يحفظه عن ظهر قلب: آرثر أفينيو رقم 2309».