سهير المصادفة: الكتابة محنة... والشعر خلصني من ثرثرة التفاصيل

صاحبة «لهو الأبالسة» تتمنى توقيع رواياتها باسم مستعار

سهير المصادفة
سهير المصادفة
TT

سهير المصادفة: الكتابة محنة... والشعر خلصني من ثرثرة التفاصيل

سهير المصادفة
سهير المصادفة

انحازت الكاتبة الروائية سهير المصادفة في بداياتها  للشعر، ولفتت الأنظار إلى صوت شعري واعد، لكن سرعان ما خطفتها الرواية، فبقي الشعر «نقطة حنين في الكراس». في عالمها الروائي تولي اهتماماً بالطبقات الكادحة والمهمشة، وبقيم الحق والعدل والحرية. درست الفلسفة وحصلت على الدكتوراة من موسكو، وترى أن الأدب أكثر اتساعاً من التنظيرات النقدية والفكرية، خاصة التي راجت في الستينيات، وأنه يجب أن يكون الكاتب شاعرًا ليكتب أي نوع أدبي آخر.  

هنا حوار معها حول روايتها الجديدة، وعالمها الأدبي عموماً:

> في روايتك الجديدة «يوم الثبات الانفعالي» تنحازين إلى الطبقات الاجتماعية الكادحة والمهمشة، هل ما زلت تؤمنين بما يسمى الوظيفة الاجتماعية للأدب؟ وهل يجب أن يحمل النص الروائي «رسالة» ما؟
- «يوم الثبات الانفعالي» تنحاز -مثل كل رواياتي- للعدل والحق والجمال والحرية والكرامة الإنسانية، سواء كان للمهمشين أو للمثاليين الذين يريدون تغيير العالم إلى الأفضل. على كل حال، لا أعرف روايات كبيرة مهمة وقفت مع الطغاة أو اللصوص، ابتداء من «بؤساء» فكتور هوغو حتى «حرافيش» نجيب محفوظ. الأدب أصبح الآن أكثر اتساعاً من مقولات نقاد جيل الخمسينيات والستينيات الكبرى، مثل الوظيفة الاجتماعية أو الرسالة... إلخ. لقد تجاوزت الرواية كل هذه القراءات الآن، وأصبحت خصوصاً بالنسبة إلي هي كتاب الحياة، فهي تجسد مأزق الإنسان الوجودي، وعذاباته، ومحبته، وسؤال الوجود والموت، والدهشة البِكر مِن بطش من لا يقدرون مقدراته ويقوضون أحلامه.
> كثير من المقاطع في «يوم الثبات الانفعالي»، ومن قبلها «لعنة ميت رهينة»، تكاد تكون محض شعر، ما أثر تجربتك الشعرية في أعمالك الروائية؟
- ما زلت أرى أنه يجب أن يكون الكاتب شاعراً ليكتب أي نوع أدبي آخر؛ كان الأمر هكذا وسيظل إلى الأبد هكذا... فشكسبير الشاعر الكبير هو كاتب مسرحي أيضاً، بالطبع قبل أن تظهر الرواية، وكانوا يطلقون - بالمناسبة - على مسرحياته روايات. ونعم، أوافق كثيراً على ما كُتب عن رواياتي، بأن الشعر عمود مهم من الأعمدة الثقافية في سردي، الشعر أثّر كثيراً في أسلوبي، وساعدني أن أرى خرائط عالمي الروائي من علٍ، وفي بعض الوقفات التأملية، بتجريد فلسفي، كما أنه عمل على تخلصي من ثرثرة التفاصيل غير الضرورية التي تصيب السرد بالترهل.
> بالمناسبة، بدأت شاعرة واعدة، ثم اتجهت للرواية منذ 17 عاماً... هل سنرى ديواناً جديداً؟
- أكتب بعض القصائد فعلاً، ولكن تعرفين أن الشعرَ قليلٌ دائماً، وعزيز، وعالٍ سُلمه، كما أن وقتي في الحياة - مع الأسف - محدود، والرواية تحتاج إلى وقت ودأب وعمل متواصل حتى وضع نقطة النهاية. ربما ليس لدي وقت لإعداد ديوان جديد للنشر، وربما لأن دور النشر تفضل أن تنشر الروايات الآن، لا أعرف، ولكنني مستسلمة لحالتي التي بدأت بالأصداء القوية التي حققتها روايتي الأولى «لهو الأبالسة»، وترحيب الناشرين بنشر رواياتي أكثر.
> الفضاء الروائي العربي يعج الآن بأسماء كثيرة تكتب نصوصاً تنطوي على آيديولوجية ما طمعاً في الحصول على جائزة أو لقب «كاتب روائي» بأي ثمن... كيف ترين هذا الأمر؟
- المشهد الأدبي العربي مرتبك الآن، فنحن استوردنا من الغرب بعض آليات سوق الكتاب، وأهمها الجوائز وظاهرة «الأكثر مبيعاً»، لكن هذه الآليات مناسبة أكثر للغرب، حيث صناعة الكتاب قوية هناك، تحكمها معايير صارمة ومحفوظة للجميع. كما أنها تجاوزت منذ بداياتها المحسوبية والشللية والفساد والقبلية. نحن في واقع عربي يُمثل الجحيم بالنسبة للكاتب الحقيقي، فالكاتب متروك في العراء؛ يستلبه الناشر حقوقه، ولسان حاله يقول له: «لكَ الشهرة، ولنا عائد مؤلفاتك». في هذا الواقع، قد يحصد العمل الأدبي الضعيف فنياً، ولكنه الأكثر مبيعاً، جوائز مهمة، رغم أن أعماله تجارية في الأساس. وهكذا، ندور في دائرة مغلقة لا تؤدي إلى صناعة حقيقية للكتاب والنشر، ومن أهم ملامحها أن تكون لدينا حركة بحثية ونقدية قوية مهمة تستطيع فرز الأدب العربي، وإعادة ترتيب المكتبة العربية.
> قسم من رواياتك أصبح موضوعاً لأطروحات ماجستير ودكتوراه، فضلاً عن أن بعضها أصبح ضمن مقررات دراسية في الجامعات المصرية... ما مردود ذلك عليك؟
- بالتأكيد يسعدني كثيراً، خصوصاً التحاور مع الباحثين (نقاد المستقبل)، وهم جميعهم يمثلون الأمل في الخروج بالمشهد الأدبي إلى آفاق أرحب؛ أذهلني وعي وألمعية باحثي جامعة السلطان بني ملال بالمغرب، وجامعة القاهرة وجامعة السادس من أكتوبر وبني سويف، وكل كليات الآداب في صعيد مصر. النقد والبحث مرآة أرى فيها رواياتي، وأثرها على المتخصصين في الأدب، ويدهشني دائماً أنهم يستخرجون كثيراً من الدلالات والرموز والقراءات المذهلة التي أستمتع بها أنا نفسي.
> التشويق وسلاسة السرد سمتان أساسيتان في كتابتك كما يلاحظ كثيرون...
- المتعة الفنية شرط أساسي من شروط الرواية، فلماذا نعذب القراء بأعمال ثقيلة الوقع، وليست عميقة في الوقت نفسه؛ أرى أن صعوبة قراءة بعض الأعمال تنتج دائماً عن قصور اللغة، أو عدم امتلاك ناصيتها، بصفتها أداة مهمة للكاتب، ومن ثم لا يجد الكاتب أسلوبه الخاص، وإنما يكتب بلغة مستعارة ركيكة لا تستطيع حمل مشاعره ورؤاه إلى القارئ.
> رغم الطابع غير التقليدي لأعمالك، سواء على مستوى اللغة أو البناء، لا تبدين منشغلة بتقديم نفسك بصفتك من كاتبات ما بعد الحداثة والتجريب وغيرها من التسميات التي ينشغل بها آخرون أكثر من انشغالهم بالكتابة نفسها... كيف ترين ذلك؟
- بالفعل، أظن أنني منشغلة بالكتابة فحسب، كما أظن أنه ليس دوري تصنيف ما أكتب ودراسته، وإنما هو دور النقاد والباحثين. وفي الواقع، هم قاموا بدورهم مع رواياتي كما ينبغي، فكتبوا عنها ذلك وأكثر كثيراً، حتى أن المقالات والدراسات والأبحاث التي كُتبت عن رواية «لهو الأبالسة» أكثر من عدد صفحاتها التي تجاوزت ثلاثمائة صفحة.
> أنت بعيدة عن الأضواء، بل تبدين كأنك تنفرين منها، على الرغم مما تتمتعين به في الوسط الثقافي من تقدير، ويبدو أنك تؤثرين العزلة... إلى أي مدى هي مهمة للمبدع برأيك؟
- أقدر وأحب الوسط الثقافي الصابر على ما ابتلي به، ولكنني أحب أسلوب حياة كاتبة واحدة في العالم كله حباً جماً، وليتني توفرت لي الفرصة في حياتي العملية لأكون مثلها. الكاتبة هي الإيطالية «إيلينا فيرّانتي»، صاحبة «صديقتي المذهلة». وتُعد فيرّانتي من أبرز الروائيين الإيطاليين المعاصرين في يومنا هذا. وفيرّانتي ليس اسمها الحقيقي، وإنما هو اسم مستعار لكاتبة إيطالية مجهولة رفضت الإفصاح عن هويتها، وترى أنه ليس من الضروري أن تذهب إلى الأماكن نفسها التي تذهب إليها رواياتها، أو أن تتغير حياتها لمجرد أنها وضعت بين أيدي القراء كلماتها. أحب فيرّانتي لأنها حلمي الذي لم يترك لي الواقع الأدبي في مصر فرصة لأنفذه، حيث اضطررت طوال حياتي للعمل لكي أعيش، ولم أستطع التفرغ للأدب، فوجدت في الإعلام باسمي الأدبي والوظيفي معاً، كما كان هو الأمر مع جميع الأدباء، وأولنا نجيب محفوظ. أغبط فيرّانتي على انتصارها للإبداع المجرد، وتضحيتها بكل شيء من أجل الكتابة، بطريقة من فرط بساطتها تبدو آسرة؛ التضحية بالشهرة التي قد تحققها الكتابة نفسها.
> الملاحظ أيضاً أنك لست محسوبة على «شلة» معينة أو «جماعة مصالح» تستندين إليها في الوسط الثقافي...
- نعم، وبالتالي ليس لديّ أي نوع من الدعم حتى لدى القراء، ربما كتابتي نفسها هي السبب، فرواياتي لا تنحاز لفكرة ما أو آيديولوجية ما، فلماذا سيدعمها اليسار أو اليمين؟ قال لي ناقد كبير ذات يوم: «لقد شتم بطلكِ المتطرفين دينياً كما شتم الشيوعيين، وهكذا سيغضب منكِ كلاهما، وكلاهما يسيطر على المشهد الثقافي بميليشيات لجان إلكترونية موجهة للقراء ولجان جوائز ونشر ومؤتمرات، إلخ... قلت له بدهشة حقيقية: «إنه بطل روايتي، وليس أنا». كما أنني لا أنحاز لأحد سوى المواطن المصري البسيط الصامد في وجه نوائب الدهر، وانسداد الأفق.
> في حياة كل كاتب محطات ما يتوقف عندها، بل أحياناً يستعيدها بطفولة، ويحس بأن مناخاتها المنقضية تشتبك مع لحظته الإبداعية الراهنة... حدثيني عن هذه المحطات.
- كانت لديّ من حسن حظي كثير من المحطات المهمة في حياتي، ألهمتني فتوحات لأكتب دون توقف لعشرات السنوات، فلقد مررت بتجارب انتقالية كبرى، حيث انتقلت من الريف بكل عراقته وشخوصه المزروعين بجذورهم في الأرض إلى المدينة المزدحمة بكل أصناف العابرين والسابلة والدخان والاغتراب وتوحش العزلة رغم الضجيج، ثم إلى موسكو في اللحظة التي كانت تنفض فيها عن جسدها ثوب الشيوعية، وترتدي ثوب الأسواق المفتوحة، وإلى أميركا التي كتبت عنها ذات مرة أنها مدينة المرايا؛ تنعكس على صفحتها ملامح كل شعوب الأرض، دون أن تمتزج معاً
في أغلب الأحيان، ربما أحن دائماً إلى هذه اللحظة؛ عندما كنت الطفلة التي تحاول تشكيل طين الأرض إلى أشكال يتعرف إليها أقرانها من الأطفال. كنت منذ سنواتي الأولى متمردة، وأواصل طرح أسئلة تدهش الكِبار وتؤرقهم، ربما هذه الأسئلة التي لم يستطع أحدٌ الإجابة عنها هي ما تحتل فضاء رواياتي حتى هذه اللحظة.
> ما جديدك حالياً؟
أراجع الآن روايتي السابعة للمرة الثانية، كما أعد كتاباً أدبياً للنشر، لم أستقر بعد على اختيار عنوان له، أنتظر حتى يعود العالم إلى نشاطه بعد حظر كورونا، ويتم شفاء الكرة الأرضية من جنونها. وعادة لا أبدأ رواية جديدة بأفكار مسبقة أو فكرة واحدة، فالرواية هي كتاب الحياة، وهي أكبر من الأفكار والشخوص، ومن التاريخ والسياسة والجغرافيا وحدودها الصارمة، الرواية هي كل ذلك وأكثر. أحياناً أبدأ بمشاعر ملحة قوية بأنه ثمة عالم هنا عليّ أن أكتبه، يكون في العادة غير واضح المعالم للوهلة الأولى، ولكنه موجود وأكثر وضوحاً وواقعية من الواقع نفسه، وكل ما عليّ هو نزع أستاره واحدة بعد الأخرى لتتضح معالمه.



رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.